عاشق الشعر والفرح والرقص، يختمها بتراجيديا
1
كان هو يكتب بالكردية ونحن بالعربية، ولكن كانت ثمة مساربُ متدفقةٌ تجمعنا هنا وهناك.. نلتقي حول أمسية شعرية، أو تبادل لكتب ومجلات أو لسجالات ونقاشات، كنّا نخرج منها أكثرَ وداداً رغم الاختلافات لا الخلافات.. والاختلافات التي في العَرَض لا في الجوهر؛ لأنّا جميعاً كنّا ننتسب إلى مَحفل الشعر والفن، ونأتي إليه من مسارب شتى ومن مشارب متنوعة، لكن كانت شفاهنا تَمَسُّ نبيذ الدنِّ في إيقاعٍ متناغمٍ، وتتناول القربان من مصدرِ إلهامِ واحدٍ أحد!!.. كان متاحاً له الانصرافُ إلى هواياتِه الأثيرةِ أكثرَ منا، ولكن كنّا نلتقي وكنّا نحبّه ونقدّره.. نقدّر فيه صفاءه ورقته المتوارثةَ وانفتاحَه؛ مغلّباً فيه المبدعَ على الحزبي، وناصراً للفنان الشغوفِ على ماسوى ذلك من انتساباتٍ عابرة في حياة عابرة.. كنّا أقصدُ بهذه الـ (نحن) تحديداً، أنا ومحمد عفيف الحسيني، إذ ثمة توافقاً خفياً بيننا في تقديرنا وتعاملنا مع فرهاد، بحيث أن تواصل أحدنا معه يعني الآخر جداً، وإذا اجتمعنا نحن الاثنين، فذلك الغبطةُ والشعرُ والأفقُ المفتوح والآخر الرائع!... لاالخصم ولاالمتضاد.. والآن وبعد أن اكتمل فرهاد تماماً، واكتملت قصيدته تماماً، واكتمل نأيُه تماماً، وختم بتراجيدياه الدموية المناقِضة لكل الفرح الذي كان يشعُ به ويتوهج من حوله أقواسَ قزحٍ حتى حدود الافتعال والابتكار!! وكان آخرُ تجلياتِ فرحه هذا ماشهدته من حضوره اللافت قبل سنتين في مهرجان للفنون الشعبية السورية في موقع أثري حلبي، ولما ينسجم مع فرقته، لايتورعُ عن مشاركتها في إيقاعها البهيج بكامل قيافته المعهودة منه والمترسّمة على حضوره الشفيف.. أجلْ، فرهادُ من النقيضِ إلى النقيض.. من البهجةِ إلى الفجيعة دونما ممهداتٍ مسبقةٍ ولاتنبؤات..
2
تلقيتُ الخبرَ من عامودا أولاً بهاتفٍ أسيانَ، ولن أصفَ الألم حتى أبدو متماسكاً في شهادتي هذه، وكي لاأقاربَ مشارفَ الميلودراما التي أمقتها... تلقيتُ الخبر فيما يشبه حالَ المغتربَ، ومالايشبهه، فمذ نأيتُ وترحالي نِصْفٌ، ونأيي نصف، واغترابي كذلك.. نِصْفُ!!! .. فأنا بين البين أقفُ.. بين اللوعة والدهشة ـ فيما يماثل البرزخ - .. بين أن جسدي هنا، وروحي هناك، وكيف لي أن أميّز بين الـ هنا والـ هناك وبين الروحِ والجسد؟.. إذ أنني في الحقيقة أتردد على الوطن كلما سنح السانحُ، واكتملت أنصبةُ الأتراح أو الأفراح؛ فبعد رحيل فرهادَ بأيام، أتيح لي أن أصل إلى عامودا "بافي محمد".. وصلتُها في السَحر أو ما يسبقه، كانت متشحة بالضبابِ تماماً، وبالحزن كذلك، وكان على عينيَّ وعلى زجاج نوافذ السيارة مايشي بالدمع وبالندى والبخار.. لاتصفو الرؤية إلا بعد الدنوِّ، وكان السائق الحلبي الذي أقلنا من المطار لايعرف المسالك جيداً، المبتلة لتوِّها بمطرٍ عنيف.. فكنا نرشده، وإذ أردنا عبور شارعين، فوجئنا بهما مسدودين بخيام العزاء المبتلة - المحاصِرة- لبيت صديق الطفولة الخفيف الظلِّ الراحل أيضاً.. أقصد شيرو العازف والفنان هو الآخر الموهوب بالفرح والشريك لشقيقيه بامتياز في الفجيعة.. حينها أدركنا أننا صرنا في عامودا "بافي محمد" المنذورةِ هي الأخرى للفجائع، حتى أنها أصبحت خبيرة ومستشارة في هيئة الحزن الأعلى، وفي سدّة الوجع الأدمى وفي سدرة الألم الأصفى، حيث هناك تتربَّع بملامحها غيرِ المتكدّرةِ تغني للهائمينَ بقامتها التي لاتنكسرُ رغم كلِّ عصفٍ.. بحزنها المكين الذي يصقلها أكثرَ، ويشرف بها على مدارك الحكمة أكثر، ويكرّسها مملكة للشجنِ الأسمى، ليتقدّسَ سرّها الشادي إلى أبد الآبدين، آمين...
3
بلسان "زكريا عبدالله"، دلفتُ إلى أساها، منحنياً لكل انكساراتها المتجبّرة' أقصد لكل صلابتها الهشة!.. لجبينها الصَلْد كجذع التين.. لقامتها التي فيها ميل خفيف لايلحظه إلا العاشق الهيمان بشجر الرّمان.. جددتُ أوراق اعتمادي لدى بلاطها الحزين.. آي دلااااال.. آخ دلااااال.. دلااااااال.. دلاليكا جافي تمي، وأز حيرانا بشنا تما، واي دلاااال دلاااال.. كدأبها المنيةُ لها ولع بالجميلين لاترأف بهم ولايرفّ لرحمتها جفن، فاغتنمته بكامل رشاقته.. انتقته بذوقها العنيف.. بحسِّ امتلاكها المتوحش.. سحقته في طيِّة من سواد نبضها المتلاطمِ!.. لكنها - يقيناً - فشلت أن تصل إلى هفهفة اللهب الذي ظلَّ منه، والذي لمستُه متوقداً في ليلة العيد، إذ تيسّر لي أن أقف على قبره، وفي صباح العيد أيضاً، تعمّدتُ زيارة ثانية، لكن الآن مع جموع الزائرين المتدفقين من كل الأصقاع، فيما يشبه قيامة صغرى، ليختلط الأحياء بالأموات والأنسجة بالعظام والوداعة بالأسى والتعازي بالتهاني، فلا تعودُ تميِّز المُعزِّي من المُعزَّى، ولا المنبعث ممن أُصطفي للموت. كلهم جاؤوا يقدمون ولاءهم للتراب وللحجارة.. فالمجدُ لهما.. المجدُ لشطر الشِّعر الغابر (ليت الفتى حجر)، كي يتقدّس فلزه نائياً عن النمل الأحمر.. آمناً مطمئناً من فتكات الدود وسطوة العاديات والرياح السّافّات..
4
في المساء، رأيتُ مالم أره إلا في طفولة مكدودةٍ أو بداية يفاعة مرضوضةٍ قضيناها على حفافي "شرمولا"، حيث كان المَغنى والملعب؛ فالحدائق الغنّاء كانت شيئاً نائياً تصيب بخضرتها وعبقها أناساً محظوظين، وكذلك كان الشجر الكثير والورد المنضّد يقترن بالجنان التي كنا نودع الراحلين إليها، مروراً بشجيرات شحيحة ستتناثر عند رؤوسهم الثاوية هناك! أما نحن، فكنّا نخوض في التراب والحصى ومايتبقى من شغب الخرنوب في الصيف.. شهوداً على عسف الطبيعة وقسوة الإنسان فكلاهما لم يتيحا لنا طفولة إلا على بعد خطوات من القيامة.. !! لم أكن قد زرتُ شرمولا منذ أكثر من عقد، منذ سوانح الغربة، ولكني في هذه العجالة من الذهاب والإياب، وجدت نفسي مسوقاً بمقادير من الذكرى والعرفان لوضع زهرة على ضريح فرهاد، فرأيت مالا أتذكره إلا من طفولة مكدودة أو يفاعة مرضوضة!.. وجدت الناس كأنهم مقبلون على عيد أو نشورٍ.. وجدت المساءَ غير المساء والناسَ غير الناسِ.. وجدتهم على حالٍ من الشغف لايدانيه شغف.. ثمة مَنْ يزرع شجيراتٍ عند الأضرحة والقبور.. من يروي المزروع منها بماء عامودا الصافي القراح الذي ينضِّر عروق الموتى، ويفتح في برازخهم ينابيع ثرّة تظل تسيل حتى عيد آخر!.. رأيتُ.. من يغسل الشواهد.. من يدهنها بدهان أبيض.. مجدداً حبرها العربي بآيات بيّنات.. وجدت من يكرم ميِّته، حتى ولو بنضحة ماءٍ لترابه أو بشتلةِ ريحان.. كأنما العيدُ سيبدأ من هناك.. كأنما القيامة لتوّها مقبلة وما على الأحياء إلا تدارك موتاهم ليليقوا بهذا البعث الوشيك.. كأنما العيد والقيامة متواشجان لميتة تذكارية لارجعةَ عنها.. إذاً، لاغرابة!!.. الناس في عجلة.. والليل مقبل، وضوء المقابر شحيح، والمقابر يجب أن تسبح في الظلام وإلا فكيف ستكون مقابر!!!؟
5
في صباح اليوم التالي.. صباح العيد.. لمستُ انبعاث الناس منذ أكثر من عقد مضى لي عليهم..!! شهدتهم ذوي أجنحة منكسرة ولكن أشدّاء في ـ معدنهم الترابي - .. أحببت كل من كان يدبُّ هناك على الثرى.. فرحتُ بهم أحياءَ.. ربحتهم مكسباً طيباً.. فزتُ بهم بعد أكثر من عقد.. حتى من لم أكن معه إلا على مسافة نائية!.. اقتربت المسافةُ وأوشكت أن تتلاشى بل تلاشت.. حضنت البعض.. صافحت البعض.. قبّلت البعض.. وجدت الجميع أمواتاً! أقصد أحياءً.. وجدت الجميع جديراً.. بالرثاء.... وبنظرات شفوقة ودعتهم يَجُرُّون وراءهم آخرَ خطوةٍ من بين الشواهد والزهر الذاوي، عائدين إلى دورة النسيان وغبطة الأعياد التي كان مقعد فرهاد فيها شاغراً حتى الثمالة.. لكنها استراحته.. لكنه قسطه من الخلود إلى نفسه.. تهدئة نبضه إلى حين من الوسن، غفوة قدرية لاريب فيها، لكني إذ غادرت مرقده، أيقنت أنه لايقدر على البقاء مديداً تحت هذا الرّكام من التراب والحجارة وأطواق الورد الذابل والمتجدد بمعية العيدِ عيد الفطر،إذ لابد أن ينجو منه الكثير في أوبته ليرجع بكامل حيويته، فمثله لايستطيع أن يموت طويلاً.. مثله يتجدد كشجر الورد.. ورد عامودا الذي له أكثر من موسم وأكثر من فصلٍ.. وفرهاد قضى موسماً من الشعر والحب والرقص وعشق الأرض، وبقيت له مواسم أثرى في الأفئدة، وكذلك فصول متقدِّمة سيتجدد فيها على تل موزان Girê Moza في كل نوروز.. قامة وشعراً وذكرى..
أبوظبي10-12-2004
****
الشاعر فرهاد جلبي، موتٌ في صخب الحديد
أيها الصديق فرهاد، لم ألتقِ بكَ، لكني بموتك الصخّاب، صديقاً أصطفيك.
أكان عليك أن تصطفي الموت في الأربعين؟!.
الرجالُ ينضجون في الأربعين،
وأجمل القصائد تنضج في الأربعين،
لكن، قِلّه، هم الشعراء الذين ينضجون، فيرحلون في الأربعين، أتذكر السياب؟
لم يأتِكَ الموتُ في حديقة من رومانس، موتك صخّابٌ كان، موتٌ من حديد نزق،
يطلعُ الحديدُ برنينه مترفاً بالموت، مترفاً بأنين الشظايا ـ شظايا الروح.
يا صديقي، أتهربُ من القسوة، الحديد.يا صديقي أشجارُ المنفى، حديد.
نحنُ أصدقاؤك نرثيك، لكن بكم أنين من حديد، سترثيك أمك؟
طوبى لهذا الصبر الذي يلوي الحديد.
غوتنبورغ ـ السويد
*******
قنَّاصُ الضوءِ
تأتي في الحضور والغياب، تسرق الضوء وتقتنصه في الخفاء.
ترسم إشاراتك وتمضي. خلفك الألم والحزن وشاهدة قبر يُكتب عليها اسم سرقته غفلة في وهج الفرح. تطرق بعصاك الخوؤن الأبوابَ، وتخطف ما تحب أن تخطف.. دون خبر منك، ولا تسأل.. لعل الذي سأسحبه بيدي الغادرتين… اليوم له مواعيد وأعمال مع الأحبة، ربما لم ينه قصائد عشقه للحياة، وربما البريد تأخر، دعه قليلاً، كي يرسل الرسائل السريعة.
رائحة البخور.. وشاهدة.. وجيران موتى.. لاتكفي الشاعر كي ينهض ثانية، ويعيد صياغة القصيدة، ربما المشاعر تتغير في خفوت الضوء وسكينة الموت، والسؤال الذي يطرحه: إلى أين نمضي بالموت..،لا إلى أين يمضي الموت بنا.
كالنهر تهدر في الوديان والطرقات، وتقصف أعالي الشجر وقلوب البشر.
إنك لا تتساوى بالحياة، هي تحيا بالمديح والثناء، وأنت تحيا بالأحزان والرثاء لا تتساويان.. ولا تتلقيان… من فرح إلى حزن، بالألم تمشي، تسرق الخطوات من الطريق من أولئك الذين لم يصلوا بعد..، تسرق الخطى. تسرق الإنسان.
الشاعر الذي غيبته، يحيا بحروفه وأصدقائه، وكلماته تلك، نساؤه اللواتي أحبهن، وعشيقاته قصائد لم تلامس الورق، تداعب خيال الشاعر في خفية، خوفاً من وشاية أو قناص، ولكنك أنت تأتي باكراً وفي كل الأوقات.
أنت أيها الموت، يا قناص الضوء، وسارق الورد، وحصاد الأعمار بمنجلك القاسي الصدئ.
أقر وأعترف إنني أخاف جبروتك، أخاف أن تسرقني من قصائدي وأحبابي كما سرقت الشاعر باكراً.
ولكن.. سأبقى قوية، ما دام للشعر صديق. مادام الشعر يُغنى، مادامت القصائد ترتدي ثيابها وتخرج من أحضان الورد، لتنام في أوراق الشاعر، وتغفو بين أصابعه، وهو يرتب لها كراسات قلبه، يهيئ لها جدائل الكلام ، لتأتي أنت أيها الموت يا قناص الضوء.
نيوزلندا
******
أبطالُ الخساراتِ
عن رحيل فرهاد جلبي
قالوا عن القضية الكردية أنها من القضايا الخاسرة، ووجدنا أنفسنا أننا أبناؤها، وكانت الكتابة بلغةٍ "ممنوعةٍ من التداول" خسارةٌ كبرى لنا، وهرعنا إليها، مذعورين من احتراقات أرواحنا في عراء الحزن. وجاءت الخسارة نفسها، لتبعدنا عنها، فرفضنا وبقينا أسرى سحرها حتى الموت؛ كانت الكتابة تديمها، تجمّلها، فنذوب فيها وتذوب فينا إلى أن نفني.
الكتابة... كانت عمل من لا عمل لهم.
ينشغل بها المجانينُ والمعتوهون، ومن على شاكلتهم، ينظر المطمئنون إلى حاملي هذه الأقلام العتيقة، على أنهم مارقون وثلةٌ من الشواذ، ومن ناكري الجميل ومثيري الشغب.
لا يهمهم من الدنيا سوى الموبقات وهتك أعراض الناس.
الكتابة... كانت دائماً سبباً للرجم بحجارتهم.
ووجدنا أنفسنا نحمل أعلامها المكسورة أينما حلّ بنا الترحال؛ بحضور الكتابة يحضر الفقر المدقع، فتفرّ أرواح النساء التواقة للذهب، تستنفر العائلات المحترمة، وتشحذ العشائر أسلحتها وتعلن الحرب ضد سَدَنة "النقد التخريبي" كما يقولون، ويظل ابن الكتابة وحيداً مع حزنه، معتصماً بيأسه كفأرٍ حاصرته أسنان القطط.
هكذا كنا دائماً، وهكذا كانت الكتابة "الكردية".
وحين يأتي الموت، موت كاتبٍ أو شاعرأو... وبهذه القسوة المبكرة، يأخذ وقع صهيل الحزن على الأذن شكلاً آخر. رحل فرهاد، وهو محاطٌ بانتظار أبنائه الثلاثة، وبحزن الشعر، وبكمٍ هائلٍ من المجلات الممنوعة ومن القصائد والقصص التي لم تنشر بعد، وبأخوين قتيلين.
لن أتحدث هنا عن نشاطاتك، فرهاد، ولا عن كتاباتك، ولا عن خدماتك للغتنا الجريحة، ولا عن حوادث السير، ولا عن حوادث القتل، ولا عن مساهماتك التي لا حصر لها لإنعاش الثقافة الكردية المُحارَبَة في عقر دارها، كما لن أمدحك اليوم، فأنا لا أحبّذ مديح الراحلين عنا، ما أود التحدث عنه اليوم فقط، هو هذا الحزن الطويل القامة الذي تركته لنا، هذا الحزن الذي نعايشه يومياً، ونكاد أن ننساه. شكراً لأنك نبهتنا إلى ظله الثقيل، وإلى عينيه المبتليتين بالعماء.
هناك أمسية أدبية في القامشلي وأخرى في عامودا، ولن يحضرها فرهاد.
هناك مهرجان الشعر الكردي في عفرين أو كوباني ولن يديره فرهاد.
هناك مجلة كردية جديدة قد تكون باسم زانين أو كلستان، ولن يكون في هيئة تحريرها فرهاد.
هناك فرق فولكلورية كردية باسم روشن أو نوروز، ستتابع رقصاتها في نوروز دون أن يكون فرهاد موجوداً.
هناك كاتب كردي ضيف، قادمٌ من الخارج لدى "كوما خاني" في حلب، مِنْ هناك سيتجه إلى القامشلي، ولن يلتقي فرهاد.
هناك ثلاثة أطفال لا يستطيعون مخاطبة أحد بـ "يابو" بعد فرهاد!!!
هناك كتابٌ كردي جديد صدر منذ فترة، كيف سيصل إلينا دون فرهاد؟
هناك كلماتٌ كردية قليلة بقيت في الفم، أما كان بإمكانك الانتظار قليلاً حتى أقولها لك، فنضحك معاً، ولو لمرةٍ واحدة؟
يا الله، أية أرضٍ هذه التي تستطيع أن تستوعب أحزاننا المتوافدة على الباب كل لحظة. الأرض ضيقة وصغيرة، حزننا واسعٌ وكبير.
لذلك نحن أبطال الخسارات، نتساقط واحداً بعد الآخر من شجرة الموت، بلا خوض المعارك بقيادة جيوشٍ جرارة، أو هدير الدبابات والطائرات الحربية، ما نستطيع أن نفعله هو أن نشهر هذا الحزن العظيم في وجه العالم، وها نحن نفعل، ولكن هل من أحدٍ يدري؟ هل من أحدٍ يسمع صوت الحزن يا ترى؟
أم أن الحزن نفسه أصم، وأعمى تماماً مثل الموت؟
ألمانيا
*****
لماذا فرهاد القتيل، الرحيل، المبكر، العاصف، وأيضاً الذي أحبَّه أطفاله؟!
تمدُّ، أيضاً، يدك إلى قلم شعرك.
للشاعر فرهاد جلبي في ترابه وعشبه.
1
"هل ستكتبُ قصيدة عن العشب، أم لسوف تتمدّدُ على العشب، وتكتبُ قصيدتك؟!!"، هكذا يسألني فرهاد جلبي ويبتسمُ. فرهاد جلبي الشاعر، الخفيف، المبتسم، ينحدرُ على جسر نهر عامودا باتجاه المدرسة, ليدرّس الرياضيات هناك. أبتسمُ أيضاً، آه... نحن المجانين بالشّعر. إنّهُ الصيفُ في عامودا، على كلّ حال إنّهُ يومٌ جميل، الشمسُ مشرقة، ظلالُ الجدران ترتجفُ من هبات نسمات قليلة، والوقتُ بعد الظهيرة. أنا أصعدُ باتّجاه البيت، كيف أردُّ على هذه المزحة، أنا العاشق على مزحة عاشق!!!
2
حبيبةُ فرهاد جلبي، هي ذاتُُ النّجوم المائة, دمها كورديٌّ مصفّى، أجدادُها آتون من جبال شاهقة. إنهم فرسانٌ أقوياءُ، محاربون تعلّموا من الجبال الصلابة والبأس. حبيبتهُ أميرةٌ قُتل آباؤها وإخوتُها. وهو الشاعر بعد قراءته لملحمة أحمدى خانى، بعد قراءته لذبح ملآيي جزيري كخروف بيد الحبيب في عيد الضحى، هو الشاعر لم يعد يهتم بمظهره الخارجي، إنه يهملُ غسل بنطاله، وشعرهُ لا يمشّطهُ، يفقدُ الشهية إلى الطّعام، ويفضّلُ صحبة المجانين على العقلاء. أحياناً كثيرة تراهُ على طريق عامودا- قامشلي، سارحاً، ينظرُ جهة "بريفا"، ينظرُ جهة "كري موزا". هو المتفوّق في المدرسة يصبحُ من المتأخرين.
اعذرني حين أخلطُ بيني وبينك، عزيزي في الموت....
3
على كري شرمولا، يقفُ إبراهيم فرمان حسّو، ينظرُ جهة الجامع الكبير, إنّهُ ليس وحيداً، بصحبته مجموعةٌ من السرياليين من شعراء عامودا. السرياليون أيضاً يريدون أن يعّرفوا الموت، يريدون أن يسمعوا نكتة الموت الأرجوانية، وينظرون إلى مناجله في عنق صديقهم وأخويه. إنّهُ الخريفُ، تنهمرُ التصاويرُ اللامعقولة على رؤوس السرياليين، وسيّارةٌ ببساط ملوّن, بثلاث جثث لثلاثة أخوة، كلُّ واحد منهم بقامة عذبة, تتقدّمُ ببطء:
- خيالُك أكبرُ أيّها الموتُ من خيالنا
يقولُ السرياليّون.
4
ثم، في القامشلي يقولُ لي بعد سنوات:
ـ هل كتبتَ تلك القصيدة عن العشب أو تمددت فوق العشب وكتبتَ القصيدة تلك؟!!.
آنئذ، قلبي ملبدٌ بحدائق الحبّ في أوراقها الصفراء الخريفية، آنئذ، عيناي مأخوذتان من شيطان الحبّ، حمراءُ، كسيرةٌ، هالكةٌ. أبتسمُ لابتسامته. نحن الشعراء نحبّ لنحب، لا لنتزوجَ من نحبّها - هذه مزحتنا. وتراني ملبداً بوسخ حدائق الخريف. أيّها الشاعر- لا أميّزُ في الحبّ بين أمينة وكوردستان!!!
5
أعرفُ أنك تفضّلُ الحديث عن هذه الأمور، وأنا لا أعرفُ غيرها، والعشبُ في عامودا في بداية الربيع ناعمٌ، تهبُّ عليه نسماتُ الكورد هناك من الشمال، والجبالُ تزرقٌّ. العشبُ ينتظرُ عدة شهور أُخرى، كي يشتدّ عودهُ أكثر ويطول ظلّهُ، ويأتي العشّاقُ مساء من مدينة عامودا، يتجوّلون في طرقاته، هنا وهناك، ينمو عشبُ "العندكو"، ويوزّعُ رائحته حتى طرق المدينة. في الرّبيع تنمو العواطفُ أيضاً، وأثداءُ الفتيات ووجناتهنَّ تحمرُّ. وفي الربيع يتمددُ شعراءُ عامودا فوق عشب العندكو هناك في البرية، قلوبهم جاهزة للحب وكتابة الشعر. هناك مثل صيادين مهرة يتحفّزُ الشعراء، كي يظفروا بلمحة من تفاحات حبيباتهم وتشتغلُ الأقلامُ.
6
في ترابك وعشبك،
تمدُّ أيضاً يدك إلى قلم شعرك.
ألمانيا
********
تلويحة بمناديل بيضاء
1
قال لي فرهاد: تفضل معي..
تفضلت "معه" في سيارته ذات الصندوق.. ووصلنا إلى دار في أقصى القامشلي.. دقّ الباب ففتحت صبية، عرفني إليها: شاعرة كردية.. حضر الأب.. الوقت أول الليل.. جلس معنا.. استقبلوا فرهاد كما لو أنه منقذ، مخلص.. ويستطيع أن يجد للشاعرة عملاً، أوهويّة.. شربنا شاياً حلواً..السماء كانت قريبة في الحوش المكشوف المتاخم للسماء، والنجوم يمكن اضافتها للشاي كسكر.
قبل عشرة أيام من وفاته أو أكثر، خطر لي فرهاد، فجهدتُ في استحصال رقم هاتفه..
فرح فرهاد بهاتفي.. أكّد علي أن أزوره إذا مررتُ بحلب.
2
أول مرة كنت أتعرف على قارات مجهولة في شخصية فرهاد، كان في عرس.
كان فرهاد يرقص "الروك أند رول" في الكوفنده.
كلما رقص زادت ديونه على العريس ووالده، فتقدما منه شاكرين.
ثاني مرة، عندما عرفت أنه يربي مكتبة في غرفته المطلة على شارعين. وعلى عيادة واحدة ومكتب جمارك واحد وسماء واحدة ونجوم كثيرة.
قلت له: سأمرض غداً.. أعرني أي كتاب يقع تحت يدك. فأعارني وقتها كتاباً لأغاثا كريستي. كان ذلك في عام 1977.
كنت ولا أزال أحب فرهاد بلا أخطاء مطبعية وإشارات مرور أو منعطفات أو مقدمات أو وقوف على الأطلال.
كلما زرت القامشلي من "منفاي" الاختياري، زرته.
استغرب أحد المتعلمين الأكراد ـ التقدميين ـ أن فرهاد صائم: التقدم يعني أن تكون ملحداً. يعني أن تشبه لينين أو كولن ولسن أو..
فرهاد كان يحاول مراضاة الجميع، وقبلهم ربه.
فقال له بمرح: وإذا كان الله موجوداً قربان؟
رحم الله فرهاد وشيركو وزبير..
سوريا
*************
فَرْهادُ.. أَيُّها الباسِمُ أَبَداً
عامُودا..
بِمَنْ أُعَزِّيكِ؟
يا مَدِينَةَ الحُزْنْ
يا مَدِينَةَ المَراثي
أَيَّتُها المُتْرَعَةُ
بِالعَزاءِ
حَدَّ التُّخَمَةِ!.
أَأُعَزِّيكِ بِمَنْ سَبَقُوا
أَمْ بِمَنْ لَحِقُوا
أَمْ بِمَنْ سَيَأتُونْ؟.
قافِلَةُ مَنْ قَضوا
على مَذبَحِ عِشْقِكِ
طويلةٌ.. طويلة!
أَأُعَزِّيكِ بـ "فَرْهاد" كِ
و"شيرين"اتُكِ
لا تَنتَهي مَراثيهُنَّ؟!.
إيْهٍ.. فرهاد
أَيُّها الباسِمُ أَبَداً
أَيُّها "الجَلَبِيُّ" بِحَقّ،
كَيْفَ استَقْبَلْتَ مَلَكَ المَوْتْ؟
أَاستَقْبَلتَهُ باسِماً
كَعادَتِكَ
في استقبالِ كُلِّ نَدِيدٍ ولَدِيدْ؟*
لِمَ لَمْ تُهزِمْهُ
بِبَسمَتِكَ "القاضِيَة"؟
لِمَ خَذَلَتْكَ بَسْمَتُكَ
لأَوَّلِ مَرَّةٍ.. وآخِرِ مَرَّةْ؟!
إِيْهٍ..فرهاد
أَيُّها "الجَّلَبِيُّ" بِحَقٍّ،
يا مَنْ اجْتَزْتَ
كُلَّ تُخُومَ القَسْوَةِ
بِمَوْتِكَ الفاجِعْ!
كَيْفَ تَرَكْتَنا
- نَحْنُ جَيْشُ أصدِقائِكَ ومُحِبِّيكَ-
هكذا..
دونَ وَداعْ؟!
كَيْفَ لَمْ تُوَدِّعْنا
دُونَ بَسْمَةٍ..
كَيْفْ؟!.
سوريا
*****
من البلد الموجع
الترجمة عن الكوردية: آخين ولات
هي ذي الكلمة، شدّتِ الرّحالَ والهجرةَ الأبديةَ، مرةً ثانية، وأخرى،
فتحتْ كتبها ـ اللوعةَ
ووزّعتها على حدودنا، التي لا حدود لها،
كلّ منا يأخذ حصّته من اللوعة،
من غير درايةٍ، ويشعل شمعته على قبرٍ دون شاهدة،
في هذه البلاد التي استهدفتنا،
سأشعل شمعتي على دروب اللاعودة مرةً أخرى،
سأقول لعزلة الروح الباردة:
"لازالت الكلمات مستقرة في الحنجرة".
يتهدّل على الوجوه المتعبة، شعرُ الدموع،
نعم، لماذا نكتم إجهاشنا بالبكاء،
ولازال آذار يجرّ آذاراتٍ كثيرة وراءه؟.
أتراها قد أتت بكثافةٍ،
لحظات الوداع الساخنة، ونحو الأرض الباردة؟
"فرهاد": سأهمس لكلماتي،
بأنّ الحدود والبلاد المشخَّصة،
كثيراً مااستهدفتنا،
وباعدت ما بيننا وبين أنفسنا.
في حياة بلداتنا الغاضبة، واللامبالية،
يفتح موطن وجعنا، بواباته،
بحب الأمهات،
بهجرة فرهاد الكلمة،
فرهاد القلم
فرهاد الكردي،
فرهادنا
وفرهادنا
يحتضنه، الآن، الحجلُ الشارد، بلا قفص.
هولندا
*******
عن فرهاد، عن الرماح الضوئية للموت
1
لم نكنْ نفكر بأننا سنكتب رثاءً، ونحن في تيريز، ننشر خبر الرحيل المفجع للديناميكي مثل مولِّد كهربائي متحرك أبداً؛ هو فرهاد جلبي (1961 ـ 2004)، شقيق الحياة المتشظية لي، بدءاً من تلك الصيدلية الصغيرة في تلك الزاوية الصغيرة في تلك المدينة الصغيرة. كنت أستحصل منه الدواء والضحكة، وتالياً من شقيقه شيركو الثقافة، الذي كان أردهاناً لمكتبة صغيرة في الزاوية الثانية الصغيرة في تلك المدينة التائهة، أعني عامودا.
لم أعرف فرهاد السياسي، ولم أكن أعرف بأنه في تنظيم كوردي سياسي أصلاً، كنت أعرف بأنه ينتمي إلى مملكةٍ أكثر وسعاً، من مملكتي؛ مملكتي هي الزاوية الصغيرة في تلك المدينة الصغيرة، للشعر؛ مملكته امتدتْ أكثر، وربما هذا الامتداد جعلتْ من فرهاد يتذوق مرارةَ أن يكون تائهاً في تخوم مملتكه الثقافية، والسياسية التي لم أعرف بها. في تلك الزاوية، كنتُ أُخرجه من بين آثام القوارير ومملكتها، إلى مملكتنا الشعر ـ مملكة المشي الليلي في شوارع عامودا المبللة بالرماح الضوئية للموت، الرماح التي تئزُّ في عبورها، تشقُّ الأشجار الخفيفة للحياة، وتستقر في بطون الكتب الكوردية المصورة سراً، والمتداولة سراً، والمقروءة سراً في تلك الأماسي التي تستقر فيها النجوم على مشارف الزاوية الصغيرة للحياة الصغيرة التي في تلك المدينة الصغيرة.
2
درَّسنا سوياً، دروساً مختلفة طائشة: الرياضيات له، والعربية لي.
ذهبنا إلى جيش الوطن السعيد سوياً، أخذنا ورقة سعيدة من التجنيد الوطني السعيد، وذهبنا إلى ثكنة هنانو السعيدة في حلب، ومنها ذهبنا إلى مدينة النبك السعيدة، حيث الفرز السعيد في جهات الوطن السعيد.
ومررنا في نفس الطريق، الذي أزّت فيه الرماحُ الضوئيةُ للموت على فرهاد وشقيقيه زبير وشيركو.
ولم نلتقِ بعد تسريحنا من الجيش السعيد في الوطن السعيد.
3
قبل عشرين سنة، كانت قوارير فرهاد جلبي تداوي الجرحى. ألم يخبىء له قارورة من أطايب الموتى، ألم يمرَّ البلسمُ على الجرح، فيقوم، فيداوي الجرح، فيقوم القتيل؟. إذاً ، لم تكن من قارورة تلك الصيدلية في جيبه، حين دَهَمَ الجرادُ الحديدي الهائل بأنفاسه الهالكة رئة فرهاد وصوت فرهاد وشعر فرهاد الذي لم أقرأ منه إلاَّ الشذرات التي تتحدث عن الموت، والحبيبة والوطن وأشياء أخرى مثل أعشاب النسيان، وباطنية الكتابة بالكوردية في محيط قاسٍ يشبه الشيطان.
أستعيد قصيدة، جاك بريفير، التي ترجمها فرهاد إلى لغتنا الجريحة:
عائلي
"الأم تصنع التريكو، والابن يقوم بالحرب، الأم.. تجد ذلك طبيعياً، والأب..؟ ماالذي يفعله الأب؟ انه يتعاطى التجارة. امرأته تقوم بعمل التريكو، وابنه الحرب، هو التجارة. الأب.. يجد ذلك طبيعياً تماماً، والابن.. الابن، ماالذي يجده؟ الابن.. لايجد شيئاً على الاطلاق.. لاشيء. الابن.. أمه تصنع التريكو، أبوه يتعاطى التجارة، وهو يقوم بالحرب. وحين ستنتهي الحرب، سيعمل مع أبيه. الحرب تستمر، الأم تستمر.. انها تواصل الحياكة، الأب يستمر.. انه يتعاطى التجارة، والابن وحده لايستمر... لقد قُتل.
الأب والأم يذهبان إلى المقبرة.
انهما.. يجدان ذلك طبيعياً تماماً. الحياة تستمر مع التريكو، الحرب، التجارة، التجارة، الحرب، التريكو، الحرب. التجارة، التجارة، التجارة الحياة تستمر مع المقبرة".
لم يكن فرهاد ذلك القتيل في قصيدة الفرنسي.
4
أنظر إلى الصور التي التقطها محمدنور شيخ باقي، ـ الصور القبر ـ، الصور الفانتازيا، الحنين، العيدان التي اشتعلت عليها الزهور، ثم خبتِ الزهور. الغُمامُ الذي يلف الشواهدَ العجولةَ ـ غمامُ بلوكاتٍ شاهداتٍ ـ سيأتي معماريُّ، يبني على تراب شرمولا، رخاماً شاعرياً، سيأتي الملاَّط، ويملِّط الحوافَّ بالشعر، ويأتي الشعراء، ويأتي الأهلون، وستأتي القوارير الصغيرة، في تلك الصيدلية الصغيرة، في تلك الزاوية الصغيرة، في تلك المدينة الصغيرة، ستسفح روحها على روح الياقة الدموية لقميص فرهاد الذي هتكته الرماحُ الضوئية للموت.
5
في عامودا الآن، قبر كبير يسع لثلاثة من الذين ينزفون: فرهاد، زبير، وشيرو، الدم طري، والأجساد طرية، والقلوب لازالت تخفق، والقلق يخفق، والمساء الخائف يخفق، والزهر المرمي على التراب يخفق، يجفَّ الزهر، وتجفُّ الأجساد أيضاً.
6
شاعران غائبان شابان راحلان: فصيح سيدا العشريني ـ الذي أحرقته عقاقير التنظيف من شحوم الحصَّادات ـ؛ فرهاد جلبي الأربعيني ـ الذي مزَّقه الجرادُ الحديديُّ الهائلُ؛ شاعران يضمها تراب عامودا؛ يتحدثان الآن عن الرماح الضوئية للموت، والعقاقيرِ التي علينا ألا نتجرَّعها، لئلا ننساهما.
7
تحت تراب شرمولا، يرقد بطمأنينةِ الموتِ، شاعران، كانا لنا، فأخذهما الهتْكُ ـ الموت. السلام لهما.
عن أي سلام أكتب؟!
السلام، أعني الإبر الضوئية للموت.
* موقع تيريز، يشكر ريشةَ الفنانيْن: خالد بابان، ورشيد حسو، على البورتريت؛ كلاهما دوَّنا صورة فرهاد جلبي، خصيصاً، تدويناً حبراً وألماً.
غوتنبورغ ـ السويد
***********
رحيل الشاعر
إليك في غيابك النضر أبداً.
يرحل الشاعر ، فيفقدنا شيئاً من كثافتنا، لأنه يتوسط بيننا والعبء الذي نمضي تحت ثقله، فيخفف بشفافيته، سماكة العالم الذي تغطينا قشرته كقبر كبير. ليس هناك موت. أعلم، أننا نتنقل عبره من علبة إلى علبة.
لكن رحيله يزيدني ذعراً كالزبيب،
وأغدو رخواً على أهبة التفتت،
فأعلم بأننا ننفخ أصابعنا في هذا الطابور القارس للإنتظار...
................
................
................
اسود ضياعك أيها العشبي،
مازال رحيلك يتمدد بيننا،
أّنا سطوح تفقد ظلالها
ويجتاحنا الإلتصاق.
كوردستان
*********
بانوراما حول نتاجات الراحل فرهاد جلبي المنشورة في مجلة زانين
1
تعود بداية معرفتي بالراحل فرهاد جلبي إلى نهاية الثمانينات من القرن المنصرم.
ففي أحد الأيام الربيعية الجميلة من أيام مدينة القامشلي (قامشلو) العذبة, حيث الشمس كانت تميل نحو الغروب، وظلال الناس تتجه نحو الأفق, ظهر لي شاب رفيع القامة, تقدم نحوي سائلاً: أأنت إبن أومريان؟ ـ كان هذا لقبي في مجلة كورزك كول ـ باقة ورد؟ ـ.
- نعم, وأنت؟.
- أنا فرهاد.
أردت أن أداعبه قليلاً، فقلت له:
ـ تبدو كما فرهاد عاشق شيرين رشيقاً, أأنتَ هو، أم من؟
رد علي بذكاء وبشيء من الغرور:
ـ أنا رشيق أكثر منه، وعشقي يزيد على عشقه.
سألته:
- كيف؟
- هاأنا جلبتُ لكم قصة لنشرها في مجلتكم "كورزك كول"، وقد أهديتها إلى زوجتي, ألا ترى معي أنني بهذا العمل أملك حباً عظيماً؟!
- بلى!.. فرهاد ـ الملحمة، كان رساماً، يرسم لحبيبته شيرين, وها أنت تبدو كاتباً، وتهدي قصصك لزوجتك.
هكذا كانت بداية تعارفنا..
2
قصة فرهاد الأولى نشرت في مجلة "كورزك كول"، كانت بعنوان "الموظف"، وقد نشرها تحت اسم "بافي فيندا", وفيندا هذه كما عرفتها لاحقاً، هي ابنته البكر.
بعد وقت، استبدلنا اسم مجلة "كورزك كول"، بمجلة "زانين ـ المعرفة", أردت أن يكون هذا الشخص الحضاري في طبعه مشاركاً لي في اصدار المجلة, وقد كان الاختيار موفقاً, كوننا عملنا معاً لمدة سبع سنوات، دون أن يحدث بيننا أي سوء, فقد كنا متفقين في أغلب القضايا المطروحة والمتعلقة بالمجلة.
3
هنا أريد أن أسرد جميع ما نشر لفرهاد من أعمال أدبية في مجلة "زانين"، التي عمل الراحل فيها كمحرر للمجلة بشكل عملي وفعال, فقد كان يكتب افتتاحيات المجلة عند الضرورة، وكذلك يكتب المقالات المطولة الغنية بمحتواها, لكي يرفع من قيمة المجلة أدبياً. فرهاد بالاضافة إلى عمله كمحرر, كان يترجم، ويكتب الشعر والقصة أيضاً.
*****
مساهمات فرهاد جلبي في مجلة زانين (1991- 1997)
العدد الأول، تموز 1991
نشر فرهاد في العدد الأول قصة بعنوان "الوادي"، وقد وقعها باسم "بافي فيندا". القصة، هي حكاية فلاح كوردي ومعاناته مع الأرض ومع جور النظام السوري معاً, بالرغم من عدم ملكيته للأرض, فالأرض كانت تعود لملاك من شعبه يدعى (سمكو), إلا أن رجالات النظام أخذوا هذه الأرض عنوة منه وتركوا عائلته دون مورد.
هذه التراجيديا اليومية التي عاشها أبناؤنا في منطقة الجزيرة مع أزلام النظام البعثي, تلقي بظلالها على شريحة واسعة من الشعب, ولايزال آثار هذه العملية مستمرة حتى أيامنا هذه. القصة بالرغم من محتواها السياسي فقد كتبت بلغة أدبية جميلة.
العدد الثاني، أيلول 1991
شارك فرهاد في هذا العدد بمقال عن الفلكلور الكوردي . كتب في مقدمة المقال عن أهمية هذا الموضوع, فيقول: "عندما يريد المرء أن يخوض في مجال التراث, عليه الانتباه, كونه يتعامل مع التاريخ, وبشكل خاص التراث الكوردي. كون تاريخ الشعب الكوردي لم يكتب حتى الآن بشكله الصحيح. وهناك كثير من الأشياء المغلوطة كتبت بحق الكورد على ألسنة البعض. لهذا ولحماية التراث الكوردي من السرقة والضياع، يجب على كل واحد مهتم في هذا المجال أن يجمع التراث, يبحث في خفاياه, يشرح معانيه الانسانية ويطوره".
ولكوننا في هيئة التحرير من عشاق التراث, أردنا أن ندعم هذا الجانب, فقمنا بدعم سيداي"تيريز"، في طبع كتاب له عن التراث الكوردي والمسمى بـ (الوقائع الكوردية)، وهي مجموعة من القصص الفلكلورية المعبرة. فقد عملنا على تبديل الأحرف العربية إلى اللاتينية مع كتابة مقدمة, ومن ثم طبعها تحت اسم مجموعة منشورات مجلة زانين- فكان الكتاب الأول من منشورات المجلة. وقد عمل الراحل فرهاد مع حزبه (الحزب الديموقراطي التقدمي الكوردي في سورية) على دعم هذا العمل، وذلك بشراء جميع نسخ الكتاب دعماً لسيداي تيريز والمجلة معاً.
في هذا العدد أيضا نشر فرهاد قصيدتين مترجمتين من العربية إلى الكوردية للشاعرالسوري الراحل رياض صالح الحسين, تحت اسم "روجين", إحدى هذه القصائد الومضة كانت بعنوان الراية:
"انظروا إليه
انظروا إليه فقط
لقد تفسخ جسده
منذ زمن بعيد
وما زال يحمل راية الحرية"
العدد الثالث، تشرين الثاني 1991 (عدد خاص)
هذا العدد كنا قد خصصناه لذكرى الشاعر الخالد جكرخوين. وكان لفرهاد مساهمة جيدة في هذا الملف, فقد شارك فيه بمقال عن جكرخوين, يذكر فيها كيف تعرف على هذا الشاعر من خلال ديوانه الأول, عندما سأل والده ذات مرة عن الكتاب الذي يقرأه، فأجابه: إنه القرآن الكوردي ياولدي. هكذا كان يسمي والد فرهاد, ديوان الشعر الكوردي لجكرخوين بالقرآن. وبهذا الحدث بدأ مشوار حب فرهاد للشاعر جكرخوين.
في نفس العدد، ترجم فرهاد قصيدة طويلة للشاعر رياض صالح الحسين من العربية إلى الكوردية, والقصيدة معنونة بـ "غرفة شاعر" وقد نشرها تحت اسم "بافي لورين", ولورين هي ابنته الثانية:
"يفتح بابَ الكلماتِ ويدخلُ بخطىً خائفة
في أنحاءِ الغرفةِ
بعض قصائد ذابلة
كلمات تتمدد فوق الكرسيّ
وأخرى تتعلّق بالمشجب
سنبلة تهرب من بين أصابعه
وطيور تقتحم الشفتين
يرى عشباً ينبت في المكتبةِ المهملةِ
ونبعاً ينبثق من الحائط".
www.tirej.net/index612.riyad.saleh.alhussein.htm
العدد الرابع، آذار 1992 (عدد خاص)
كان لهذا العدد أيضاً خصوصية معينة, كون معظم النتاجات المنشورة فيها كانت متعلقة بكارثة حلبجة ـ المدينة الشهيدة ـ في كوردستان الجنوبية- العراق. مساهمة فرهاد في هذا الملف كانت عبارة عن مقال مكون من لوحتين نثريتين..
اللوحة الأولى: تشبه قصة قصيرة, فانتازية, تحدثنا عن عائلة صغيرة من مدينة حلبجة, وقد رزقت هذه العائلة للتو بمولود جديد.. يسرد فرهاد الحديث الرومانسي بين الزوج والزوجة بأسلوبه الجميل,.. وكيف بعد لحظات معدودات يتحول المشهد إلى حالة درامية تفوح منها رائحة الموت، بعد أن تم رش المدينة بالقنابل الكيمياوية من قبل أزلام النظام البعثي في بغداد.
اللوحة الثانية: تحكي قصة أطفال حلبجة وكيف انتقل هؤلاء الأطفال من حالة اللعب والمرح إلى جثث وأجسام مشوهه.
العدد الخامس، حزيران 1992
نشر الراحل فرهاد في هذا العدد قصة بعنوان (العدالة), تتحدث القصة عن إمراة عجوز تدعى فاتي (فاطمة), تدور أحداث القصة عن صراع هذه العجوز مع نفسها,حيث تنتقل من حالة إلى أخرى, ونتيجة عدم الاهتمام بها من قبل المجتمع, تقرر العجوز الذهاب إلى العدالة, فيسخر القاضي منها على أن كلام العجوز غير متزن ولا تعي ما تقول..
يعالج فرهاد مأساة طبقة من المجتمع السوري عموماً، والكوردي خصوصاً، على أنه لااهتمام بالعجائز، في مجتمع يفقد الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي. ـ القصة مترجمة في الملف ـ.
في ذاك الوقت من سنة 1992، قررنا في هيئة تحرير مجلة زانين، على أن نقيم أمسيات أدبية- ثقافية في المدن الكوردية في سورية, فأقمنا عدة ندوات تحت اسم (أمسيات زانين), وكان للراحل فرهاد دور بارز في التحضير لها والقاء المحاضرات.
العدد السادس، خريف 1992
كتب فرهاد مقدمة هذا العدد تحت عنوان (بعض الملاحظات) يبن فيها وجهة نظره حيال بعض الحساسيات التي ظهرت على الساحة الأدبية بين الكتاب الكورد الذين يكتبون باللغتين العربية والكوردية. يطلب فرهاد في هذه الملاحظات بألا ينقلوا هذه الحساسيات إلى صفحات المجلة.
في نفس العدد نشر فرهاد مقابلة صحفية مع الأستاذ كمال بورقاي (رئيس الحزب الأشتراكي الكوردستاني- تركيا) وقتها. لم يكن الحوار سياسية الطابع بل ثقافية, كون الأستاذ بورقاي له مؤلفات أدبية باللغة الكوردية, وأسئلة فرهاد في هذه المقابلة كانت تدل على أنه على معرفة جيدة بنتاجات الأستاذ بورقاي.
في ذاك الوقت من عام 1992، صدر الكتاب الأول للراحل فرهاد جلبي بعنوان (قصائد مختارة) وهي مجموعة شعرية مترجمة من أشعار الشاعر السوري رياض صالح الحسين, وهذا الكتاب أيضاً كان من منشورات مجلة زانين.
العدد السابع، ربيع 1993
نشر فرهاد بحث في الملحمة الكوردية (زمبيل فروش ـ بائع السلال) , تحدث في هذا البحث عن علاقة الملحمة بالموت, وكيف أن بطل الملحمة أخذ العبرة من جمجمة أحد الأموات في مقبرة مرَّ بجانبها, وتحول هذا البطل الذي كان ابن لأحد أمراء كوردستان، ويعيش في بحبوحة, إلى زاهد فقير، يكتفي بقوته اليومي.
في مقدمة البحث, يتحدث فرهاد عن قضية الموت عند الشعوب القديمة, وتفسيراتهم حيال هذه المعضلة التي أخذت وقتاً طويلاً من حياتهم, إلى أن توصلوا إلى قناعات لا تشبع تأويلاتهم, فأدخلوها في أساطيرهم القديمة, وما مثال الموت في ملحمة (بائع السلال) إلا دليل ملموس على هذا المفهوم.
في عرض بحثه, ينشر باختصار ملحمة حكاية (بائع السلال) مقتبساً من أحد النصوص المنشورة في إحدى المجلات الكوردية (روزا نو ـ اليوم الجديد) للكاتب آ. كرناس, ويراه أقرب النصوص المدونة لحالة الأسطورة.
ومن ثم يقارن ملحمة (بائع السلال) مع أسطورة بوذا الهندية، ويحدد وجه المقارنة فيما بينهما. البحث يستحق التقدير كونه اعتمدا على مصادر كوردية وعربية منوعة.
في نفس العدد, أردنا في هيئة التحرير أن نخلق شخصية وهمية يحمل اسماً فلكلورياً (داركي حودلي ـ الكفكير أو المغرفة), وهي كناية عن شخص يزرع الشر بين الناس. أردنا من هذه الشخصية نقد الكتاب وأعمالهم من خلال حديث وهمي نكتبه نحن, ونسمي الكتاب بأسمائهم الحقيقية, ولم نكن نعزل أنفسنا من نقد هذه الشخصية. نشرنا على لسان (داركي حودلي) حلقتين, كتب أحداهما الراحل فرهاد.
العدد الثامن، خريف 1993
كتب فرهاد في هذا العدد كلمة تحت عنوان (عتاب), يعاتب فيها أحد التيارات السياسية من الحركة الكوردية على عملهم غير اللائق في دفن شخصية قومية- أدبية مثل الخالد آبو أوصمان صبري, دون أن يسمع به أحد.
يقول فرهاد في هذه الكلمة: "لماذا دفن آبو أوصمان صبري بشكل خفي؟. يقولون أنه مات, نعم مات, العم أوصمان صبري مات مرتين, مرة عندما فارق الحياة، ومرة عندما دفن بشكل سري ولم يسمع به الناس وخاصة شعبه في القامشلي...".
كانت مادته الأساسية في هذا العدد قصيدة حديثة بعنوان (أمي), يقول فيها:
" كوني العاشق,
صاحب شعور رقيق ورحيم,
من حقي أن أكون
منك..
أمي!
لا تذرفي الدموع
الورد يتفتق من ذاته
الشجيرات تتبرعم من قواها..".
العدد التاسع، ربيع 1994
نشر فرهاد قصته (الحقيبة) والتي فازت بالجائزة الثانية في مسابقة القصة الكوردية القصيرة في سورية، والتي نظمتها جمعية خاني للثقافة الكوردية في مدينة حلب سنة 1994.
تدور أحداث القصة حول شخصية شاب سياسي, يحمل حقيبة فيها منشورات حزبية, يريد نقلها من حلب إلى القامشلي- مركز الكورد. يسافر هذا الشاب بوساطة القطار بين حلب والقامشلي. في القطار ينام الشاب, يحلم بأشياء لها علاقة بالظلم الممارس على شعبه من قبل أزلام النظام, وأساليب منعهم من ممارسة حقوقهم القومية, فهو في حلمه يريد أن يتحايل على رجل الأمن الذي يريد وبكل الأساليب أن يقبض على الشاب متلبساً بحمل الحقيبة والتي تحوي محظورات على الأقل بالنسبة لرجال ذاك النظام. الذي لا يعترف بشيء من الحقوق الكوردية في سورية, فكيف سيقبل بهذه المنشورات التي تدعو إلى هذه الحقوق.
القصة محبوكة بشكل جميل, لغتها الأدبية مشوقة, وتجعل القارىء يتمسك بها حتى النهاية.
في الصفحة الأخيرة من هذا العدد, أراد فرهاد أن يكون لنفسه زاوية خاصة به, تحت عنوان (تو خوش بي ـ عليك العافية), كانت هذه الزاوية نقدية بامتياز, حيث نشر ثلاث حلقات منها. الحلقة الأولى في هذا العدد كانت معنونة بـ (نحن شعراءٌ), ينقد فيها مجموعة الشعراء الجدد المتحمسين في قلب كل ماهو شعر كوردي كلاسيكي إلى قوالب حديثة دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية اللغة وموسيقاها, فيتهمهم فرهاد بأنهم لا يفقهون مكونات اللغة الكوردية الأساسية, ويدعون أنهم شعراء الحداثة.
العدد العاشر، ربيع 1995
ساهم فرهاد في هذا العدد بمقدمة عن الشاعر الكوردي أحمدي خاني وملحمته الشعرية (مم وزين), كوننا كنا قد أعددنا ملفاً خاصاً بمناسبة مرور 300 سنة على كتابة هذه الملحمة الكوردية.
بعد أن أرسلنا مجموعة أسئلة لمعظم المهتمين بالأدب الكوردي الكلاسيكي. فكانت النتيجة مشاركة ثلاثين كاتباً وكاتبة في هذا الملف.
يشرح فرهاد في مقدمته - فكرة الذكرى - وكيف أن الكاتب الكوردي محمد أمين بوزرسلان خطرت على باله فكرة مرور 300 سنة على كتابة الملحمة الكوردية (مم وزين) على يد الشيخ أحمدي خاني, وارسال فكرته إلى منظمة اليونسكو لاعلان عام 1995 عام أحمدي خاني وملحمته الشعرية. يسترسل فرهاد في شرحه قائلاً: إلا أن رد المنظمة كانت سلبية, فعوضت برد الكورد الايجابية في كل مكان, في كوردستان وفي الخارج, لتبني فكرة الكاتب بوزرسلان. فقد أقيمت في تلك السنة الكثير من الفعاليات الأدبية والثقافية المتنوعة, تحيي ذكرى كتابة (مم وزين) وتشيد بمواقف الشيخ أحمدي خاني القومية في تلك المرحلة.
يذكر فرهاد في المقدمة, بأنه نشر مع مجموعته الفلكلورية (نوروز) تقويم سنوي, يتصدر صورة الشيخ أحمدي خاني صفحته الأولى، بالاضافة إلى مجموعة أبياته الشعرية والمتعلقة بأحوال الكورد.
في نفس العدد ينشر الحلقة الثانية من (تو خوش بي), الزاوية النقدية الخاصة به, تحت عنوان (نحن النقاد), يذكر فيها أن أحد النقاد الكورد أراد أن ينقد كتاب, وبدلاً من نقده, مزقه.
العدد الحادي عشر، خريف 1996
كتب فرهاد في هذا العدد مقالاً حول الشعر الكوردي بعنوان (إذا كان الشعب بعيداً عن شعرائه, فمن المذنب؟) يحدثنا في مقالته عن علاقة الشعراء الكورد المعاصرين بالجمهور المتلقي أو القراء.., فيرى أن هناك هوة واسعة بين الطرفين, ويبدأ مقالته بحديث تراجيدي بين شاعر وأحد القراء قائلاً: "سأل أحدهم شاعراً: لماذا تكتبون أشياء غير مفهمومة؟
يجيب الشاعر: لماذا لا تفهمون ما يكتب؟".
مجمل المقال يدور حول الكتابة الشعرية بأساليبه المختلفة، ودور المتلقي الذي لم يكلف نفسه في قراءة نص صعب.
في هذا المقال يحدد فرهاد وظيفة الشاعر, أسلوبه الشعري, لغته, معرفته... ثم يتطرق إلى جانب آخر من المسألة الشعرية, حيث يعمل على مقارنة بين شكلين مختلفين في الشعر الكوردي, يقارن أشعار الشاعر الكوردي المعاصر قدري جان مع أشعار جكرخوين الكلاسيكية. هنا يكشف فرهاد عن قناعاته الخاصة ويرى أن أسلوب جكرخوين في التواصل مع القراء والجماهير كان الأنجع. كونه ـ أي جكرخوين ـ كان أقرب إلى طبيعة الناس ومعرفة مآربهم.
في نفس العدد، يتابع فرهاد زاويته النقدية الساخرة (تو خوش بي)، ـ الحلقة الثالثة- تحت عنوان (أنا فنان), يسخر فيها من مجموعة الفنانين الجدد الذين لم يعودوا يميزون بين الغناء الأصيل والغناء الحالي اللامتوازن. فيقول معلقاً على أحدهم: "إن المطرب الفلاني عندما كان رضيعاً, كانت أمه تضع الناي في فمه بدلاً من اللهاية".
العدد الثاني عشر، صيف 1997
نشر فرهاد في هذا العدد باكورة مقالاته, المعنونة بـ (السمفونية الخامسة، أم عيشانة علي). المقال يعالج مرة أخرى الحالة الشعرية عند شعراء الكورد السوريين, يحدد فيها جملة العوامل المؤثرة في هذه الحالة، فيقسمها إلى عوامل خارجية وعوامل داخلية, فمن العوامل الخارجية يذكر:
- البلدان المستعمرة لكوردستان, لم تدعنا نطور لغتنا ومدارسنا.
- عدم وجود لغة كتابية معتمدة, بالمقابل وجود لغات عدة في المنطقة.
- عدم وجود أسس واضحة ومجمع علمي لغوي لدينا, لكي يكون السند الصحيح في العملية الكتابية.
- السبب الزمني, كون العصر دخل مرحلة التكنولوجيا السريعة من أجهزة الكومبيوتر والأنترنيت, ولم يعد للمرء القدرة في تصفح مايكتب من قبل الشعراء.
- الوضع الاقتصادي الصعب, فالكوردي يعمل بكل جهده ووقته لكي يحصل على لقمة عيشه, فلم يعد له الوقت ليفكر بأشياء باتت له من الثانويات, كعملية القراءة مثلاً، وخاصة قراءة الشعر.
أما الأسباب الداخلية فيردها إلى العلاقة غير الواضحة بين الكاتب والمتلقي.
في ختام المقال يقول فرهاد: "أي شخص كوردي يدعي أنه مثقف, ليذهب ويسمع موسيقى موزارت أو بيتهوفن أو أي موسيقار عالمي متميز, ويسمع في الآن نفسه أغنية (عيشانة علي), فأي من هذه الألحان سوف تؤثر فيه وتدغدغ مشاعره؟. مهما تكن طاقات الموسيقيين الكورد المعاصرين عالية ويتمكنون من العزف على البيانو, سوف لن ترى الطريق إلى قلوب الناس، كما رأت أغنية (عيشانة علي) طريقها الى كل الناس".
هكذا استعرضنا جميع نتاجات الراحل فرهاد جلبي في مجلة زانين, لكنها لم تكن هذه النتاجات الوحيدة للراحل, فهو كان ينشر في دوريات آخرى مثل مجلتي (كلستان ـ روضة الزهور) و(بهار ـ الربيع). بالاضافة إلى نتاجاته الابداعية الخاصة، والمترجمة, منها: الكتاب المذكور سابقاً ترجمة (قصائد مختارة) للشاعر السوري رياض صالح الحسين, وكذلك مجموعته الشعرية (يارا من ـ حبيبتي).
كذلك المخطوطات التالية:
- ترجمة (الجندب الحديدي) للروائي والشاعر الكبير سليم بركات, إلى اللغة الكوردية.
- بحث في المسألة الشعرية, رؤية خاصة.
- كتاب وثائقي عن المجلات الكوردية المحظورة في سورية.
هنا أناشد حزب فرهاد وأصدقاءه الغيورين على الأدب الكوردي، لجمع نتاجاته وبالتالي طبعها, لكي تكون في متناول أيدي القراء لاحقاً, كونها جزء مهم من الثقافة الكوردية وجزء من شخصية الراحل فرهاد الأدبية.
النرويج
*****
فرهاد جلبي:
أليس غريباً أن نتعلم لغتنا الكردية، وعمرنا يناهز الأربعين؟
أعـدَّ الحوار: جـوانى عـبْدال
توطئة
في وقت سابق من العام 2001 قـُدمت هذه الأسئلة المتنوعة إلى فرهاد جلبي، للاجابة على بعض الهموم الأدبية والثقافية, سيرة ومعاناة, وللتعرف عن قرب إلى شخصية فعالة في المشهد الأدبي والثقافي. لكن، للأسف، حالت بعض الظروف لنشرها في حينه, والآن لا مفر من ولادتها, لذكرى كاتب مبدع نشط, ودعنا في غفلة عن كلينا. والآن أعُـدّ هذا الحوار لاستنباطه حياة ومعايشة جديدة من هامشه اللذيذ.
* هل لك أن تعطينا نبذة عن بداياتك، وعن مراحل تكوينك الأدبي؟
ـ بدأت الكتابة في العام 1983، وكنتُ آنذاك في دمشق أتابع دراستي الجامعية، إلى جانب اهتمامي بالفلكلور، كنت أكتب المسرح فقط، لأجل القيام بتمثيلها في أعياد النوروز، أي أن جل اهتمامي انصب على المناسبات الوطنية، والكتابة لأجلها، مسرحية لتقديمها في العيد، والشعر لالقائه في النوروز.. والاشراف على تشكيل رقصات ولوحات فنية للفرقة في النوروز. إلى أن كتبت مسرحية من فصل واحد ومشهد واحد، وحولتها من بعد إلى قصة قصيرة، نشرت في مجلة (gurzek gul) وبعدها نُـشرت في مجلة هيفي (Hêvî)، وكان لها صدى ايجابياً في نفس من قرأها، هكذا بدا الاهتمام بالقصة.. حيث كان قبلها المسرح والشعر.
طبعاً ككل أبناء جيلي، قرأت جكرخوين, وحفظت دواوينه عن ظهر قلب في المرحلة الاعدادية والثانوية من دراستي، وهو الذي جعلني أهوى لغتي الكردية وأعشقها.. بعدها بدأت اقرأ كل مايقع تحت يدي من الكتب الكردية، وكانت قليلة آنذاك، إلى أن أصبح الكتاب الكردي هوسي، فبدأت الكتابة بشكل رسمي، وباهتمام وتركيز..
* الأدب، ولماذا الأدب.. ممارسة ومعايشة ومعاناة، وماذا تريد أن تقول من خلاله؟ كما أنك مقل في الشعر، وكذلك في القصة وغيرهما، فلماذا؟
ـ الأدب جميل وأنا احب الجمال، فحبي للأدب منبعه حبي للجمال .. جمال المرأة، جمال الطبيعة، جمال الذي نحس به، أما لماذا الأدب؟ فيه نرفع من سوية تفكير المجتمع وتوجهه نحو الجمال والكمال..
أما أنا مقل فهذا صحيح، لأني لست متفرغاً للأدب ولا للكتابة، أعمل كي أعيش، وعملي يأخذ جل وقتي, لذا تراني مقلاً، فعندما أكون في عملي ويحدث أن تخطر لي فكرة ما أكتبها, ولكن كثرة الزوار، أحياناً تؤجل كتابة هذه الفكرة، لتضيع إلى الأبد.. فكم من أفكار راودتني وخلال لحظات تذهب أدراج الرياح.
* الذي أعرفه عنك اهتمامك بكل فروع الأدب والفن: الشعر، القصة، المسرح، التمثيل، الاعداد، الرقصال فلكلوري؟ فما هو السر في ذلك؟
ـ كأكراد، نحن بأمس الحاجة إلى كل جهد، وأنا أحس أن هناك طاقة مكنونة في داخلي، وأود أن أحصيها، فأحياناً تخرج هذه الطاقة على شكل شعر، أو قصة، أو.. الخ. لا أفكر فيما سأكتب. عندما أحمل القلم، تكون لدي فكرة ما أكتبها هكذا. أهتم بكل هذه الفروع كما قلتَ، لكن هل وفقتُ في إحداها؟ لا أدري. أحيانا أشعر بأن هناك حاجة لأكتب في النقد لفراغ الساحة الكردية من هذا النوع من الكتابة، يطلب مني كتابة مقدمة لمجلة أو كتاب، بدأت بكتابة المسرح، ومثلتُ، لأننا كنا في فرقة فولكورية بحاجة إلى التمثيل على الطبيعة, ونحن نفتقر إلى نصوص مسرحي ، فكنت أستوحي الفكرة من الشاعر الكردي العظيم جكرخوين, أو من واقعنا المأساوي, ونخرجها على شكل تمثيلية صغيرة في الجول ـ العراء ـ أثناء الرحلات، أيام النوروز، وهكذا بالنسبة للرقصات الفلكلورية وتدريباتها.. عموماً الفن هو فن, وبالتالي هو مكمل لبعضه البعض، وأنا أحبه هواية وممارس ، فلو كانت لي طاقة بعد سأعزف الموسيقى أيضاً، أهتم بالموسيقى سماعاً، لكن لا أمارسها، إنما أقوم بتدريب بعض الفرق من خلالها.. كما أستلذ برؤية الفن (الفن التشكيلي اجمالاً، بكل اشكاله).
* معروف عنك العمل الصفحي أكثر, والذي يأخذ منك وقتاً كثيراً على ما يبدو.
ـ العمل الصحفي هو اختصاص معين غايته الكتابة في مجلة أو جريدة ما، أو نقل خبر أو أو..، من هذه الأعمال التي تعرفها, لكن عندنا يبدأ العمل الصحفي والذي تقصده أنت، في البحث عن مواد للمجلة وبعدها التنقيح والمراجعة، ثم بعد ذلك الصف على الكومبيوتر, ثم الاخراج، ومن بعد الذهاب إلى العاصمة، أو إلى بيروت والعمل في المونتاج.. وبعدها تدخل إلى المطبعة، وكل ذلك يحتاج إلى المتابعة خطوة بخطوة. يظن البعض أن عملي ينتهي عند هذا الحد, لا، وإنما بعد أن تصل المجلة، أقوم بتوزيعها هنا وهناك، قسم لهذا وقسم لذاك. فهل هذا عمل صحفي..لا والله، إنها أعمال بعيدة عن الصحافة, فالقسم الصحفي، عادة ينتهي عند التنقيح والكتابة، أما ما ذكرت، فبماذا نسميه؟ أيضاً، ثمة أعمال أخرى، لا أدري ماذا أسميها.. فهذا العمل يأخذ جل وقتي.
* أرى أنك تركز على العمل الاداري للأدب اجمالاً، عقد ندوات، احياء حفلات، تنظيماً وممارسةً، عملك الاداري في المجلات، إلى أي مدى ترى ذلك مهماً؟.. وهل يعزى هذا إلى نقص المؤسسات الحزبية ومحافلها، فتقوم بذلك لتفعيل دورها بنفسك؟
ـ في هذه المناسبة، أريد أن أطرح رأيي صراحة في هذا الموضوع , والذي أختلف فيه مع كثير من المثقفين، نحن بحاجة إلى بعض التضحيات؛ ماهي المؤسسة المرجوة التي ننتظهرها حتى تقوم هي بهذه الأعمال؟, ألسنا نحن من نكون، أو نشكل هذه المؤسسات - ولو بجهود فردية -؟ فإذا أدار كل منا ظهره لها, وتركنا الأمور على سجيتها, ماذا سنلاحظ..؟ ومن خلال تجربتي الشخصية على الأقل، نرى أن ابتعاد أغلب المهتمين بالشأن والأمور الكتابية والفنية عن مما يمارسون، وينتظرون أن يأتي أحدهم، تأتي مؤسسة وتقول لهم لماذا توقفتم؟ وهذه المؤسسة غير موجودة, أو أن لها اهتمامت أخرى كما تعرف. أرى أن كل فرد منا أو كل من يعتبر نفسه مثقفاً، أن يكون عبارة عن مؤسسة، ويجب أن يقوم بما يملي عليه ضميره في هذا الظرف، ويجب ألا يبخل بعمله أو ادارته لنفسه, وعليه أن يطور مجتمعه, ويحاول أن يرتقي بها إلى مستوى تفكيره وآماله، لا أن يبتعد عنها, ويختلي مع نفسه, ويدّعي بأنه مثقف..! فلا يستفيد أحد من ثقافته سوى نفسه, ولايسعى إلى تحقيق أي تقدم في مجتمعه.. فليغلق هذا المثقف بابه على نفسه ولا يدعي الثقافه.. لأنه بهذا الشكل، تبقى ثقافته وبالاً على المؤسسة التي ينتظرها ويرجو الخير منها.
خلاصة القول: المؤسسة لا تأتي من تلقاء نفسها, يجب أن نساهم، لكي نوجدها, وما عملي في هذا المجال إلا لهذا الهدف.
* في الأدب الكردي أي الفروع الأدبية هي السائدة.. فلماذا هو الشعر بلونيه جديده وقديمه.. كلاسيكي وحداثوي؟!
ـ في التركيبة الاجتماعية - عادة يكون في النظام الإقطاعي أو ما قبل البرجوازي - السائد يكون شعراً, وفي مرحلة البرجوازية أو الرأسمالية: القصة والرواية تأخذ مكاناً أكثر من الشعر. وفي المجتمعات المتقدمة يكون المسرح والفنون الأخرى هي السائدة. والمجتمع الكردي مجتمع بدائي, ومن البداهة أن يكون الشعر هو السائد، هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى.. اللغة الكردية لازالت في بداية تكوينها كلغة كتابة، والشعر هو أبسط أنواع الكتابة، فبالضرورة أن يسود الشعر، أما من ناحية القديم والحديث، لا أسميه: قديماً وحديثاً، وإنما أسميه الشعر الكلاسيكي، والشعر المعاصر, أما الكلاسيك فأمثال الجزيري وخاني وفقة طيران، والمعاصر جكرخوين، ملا نوري، أحمد بالو ، وغيرهم . وأيضاً التيارات المعاصرة التي تدعي الحداثوية, وهي في أساسها بعيدة جداً عن الحداثة, وهي في أصلها مغرقة في القدم، من حيث التصوير والأفكار المطروحة..
* ما هي المصاعب التي يواجهها الأديب.. بعد توفر المقومات المطلوبة من موهبة، وقت كاف، مال وجاه، رفاق وشل،ة والتي تساعد المرء على تجاوز الصعاب وتساعده على الإبداع.. أي بمعنى آخر، هل من معوقات أخرى تحول دون الظفر في مشوار الأدب .. أم هل الإبداع مرهون بأشياء أخرى؟
ـ قبل كل شيء الموهبة هي الأساس أو الركيزة الأساسية في تكوين شخصية الأديب, ولصقل هذه الموهبة يحتاج المرء إلى وقت ومال, وبعد الكتابة بحاجة إلى أناس يقرأون, وبما أن القراءة أو فعل القراءة معدوم عندنا، فالأديب بحاجة إلى رفاق يقرأونه ويقوِّمون أدبه. هذه في الحالة العادية.. لكن في حالة الأديب عندنا أو المثقف، تنبري للوجود إشكالية أخرى وهي اشكالية مع من يقف هذا المثقف, وينتمي إلى مَنْ؟, إذا كان مع الجهة الفلانية فلا أقرا له، أما إذا كان من الجهة الأخرى فكتاباته جيدة، حتى إذا لم أقراها، أي أن الوضع السياسي المزري، هو الذي يحدد مكانة الأديب، من يكون, وهو الذي يُـفرض أن تقرأ للكاتب الفلاني، أو ألا تقرأ له, وتكون البلية أعظم إذا ما كان الكاتب باللغة الكردية، فـ قرَّاء اللغة، هم فقط الذين يهتمون باللغة الكردية، وهم قلائل أصلاً, فالحلقة الأساسية هنا مفقودة.. أي ما يكتب لا يقرأ وهذا البلاء بنفسه.
* لماذا لا يأخذ الأديب عندنا حقه، إعلامياً، حتى يصبح رمزاً: مثل أحمدي خاني، ملا جزيري، جكرخوين، إلا بعد وفاتهم؟
ـ يذكرني هذا السؤال بقصيدة للشاعر شيركو بيكه س، عندما يقول بما معناه: "أن لا تبحث عن مقبرة للشهداء في كردستان كي تضع عليها باقة ورود.. ضعها أمام أي حجرة، بالتأكيد هناك شهيد". ـ القصيدة هي للشاعرعبــد اللـه په شيو، وليست لـ شيركو بيكه س، وهي بعنوان الجنــدي المجهــــول:
"عنـدما يذهـبُ وفــدٌ إلى مكـان مـا، يضـع إكـليلاً من الـورد، عـلى نصـب الجندي المجهــول. وإذا زار وفـد مـا وطنـي، وسـألني: "أين ضـريح جنـديكم المجهــول؟"، سـأقول لـه: ياســيدي! على ضفـة أي جــدول، عتبـة أي مسـجد، بـاب أي كنيســة، في أي كهــف، عـلى صـخرة أي جبل، وعـلى شـجرة أية حـديقة تريد في كوردستاني.. فـوق أي شبر من أرضهــا، وتحــت أية بقعــة من سـمائها، لا تهــب شيئا.. طأطـأ هـامتك خشـوعا، وضــع إكـليل وردك!".
محرر تيريز.
15.11.1976 موسكو
www.tirej.net/index433.Peshaw.htm
إن فاقد الشيء لا يعطيه، من منا من الكرد حصل على حقه أدبياً كان أو سياسياً أم ..؟ ياأخي كتب علينا أن نناضل ونناضل فقط، أغلبنا يعمل في مجالات متعددة، ولا يأخذ حقه، فلا أحمدي خاني أخذ حقه، ولا جكرخوين، ولا غيرهما، أدبهم وإبداعهم هو الذي يأخذ حقهم لا أكثر، ماذا فعلنا لجكرخوين في حياته وبعد مماته؟، وماذا نستطيع أن نفعل لبشار العيسى وآخرين مثلاً؟.. ونحن لا نملك أي شيء. كما قلنا: الكردي يعمل ويناضل فقط..؟!!
* السائد الآن.. المهتمون والقائمون على الأدب في الآونة الأخيرة هم من جيل الشباب على الأغلب، فهل تصح تسمية هذه الحقبة باسم أدب شبابي، بالطبع مع مرافقة جيل الرواد الذين تأثروا نهجاً ضمن عباءة جكرخوين؟
ـ الكتابة باللغة الكردية لازالت فتية شبابية, والاهتمام بها الآن أكثر من قبل.. ونتيجة لظروف سياسية صعبة، لم يستطع أو لم يهتم آباؤنا باللغة والأدب الكرديين كما يجب, والآن ونتيجة لظروف سياسية مستجدة.. ومن قبل هذا الهامش الديمقراطي, وغض النظر قليلاً وإلى بعد بضعة خطوات لا أكثر.. راجت بضاعة الأدب عندنا.. وبتنا، بل رأيناه لزاماً علينا الاهتمام بالأدب واللغة الكردية، وهم