لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

محمود درويش يربي الأمل في البحرين

(يوم ان قلت له : لا تعتذر عما فعلت)

سيد محمود
(مصر/البحرين)

محمود درويشأنا واحد من المحظوظين أقولها هكذا بكل بساطة ، لا لشيء سوى انني التقيته مرات عديدة ، وفي أماكن مختلفة ، وفي مناسبات كثيرة واقتربت منه خلافا لغيري من أبناء جيلي من الصحفيين المصريين ، ومن بين تلك اللقاءات لا اذكر المرة الاولى التي تعرفت فيه الى شعره ، فقط اذكر اللون الوردي لغلاف الطبعة الاولى من أعماله الكاملة '' طبعة دار العودة '' التي طافت بيوتنا جميعا ، ودخلتها دونما استئذان ، ودون أن نعرف بالضبط من هو صاحبها الأصلي ولا كيف وصلت إلينا ، كانت مثل أشعاره تمضي بيننا كنسمة وتصاحبنا كأغنية طويلة ، اقرب لأغنياتنا الريفية ، التي من فرط انتماءها إلينا نجهل ملحنها ، لكننا ننام بين مفرادتها مطمئنين بألفة الأهل . لكن المؤكد أنني اذكر الآن فتنتنا بقصيدته '' سرحان لا يشرب القهوة في الكافتيريا '' كنا نقرأها بما يليق بفتية يظنون انهم قادرون على تغيير العالم بقصيدة ، وكنا كلما اقترب أكثر من ظلمة أيامنا نستأنس بمديح الظل العالي او ''هي أغنية '' وملهاة النرجس '' ،ونزحف الى القاعات التي يلقى فيها شعره قبل عاما من الآن كان درويش قليل الحضور الى القاهرة ، التي تحاول ان تستيقظ من غيبوبتها العربية ، كان مثل كثيرين من المبدعين العرب الذين شعروا ان مدينة باتساعها ضيق من تحمل أحلامهم بعروبة جديدة ، وخلال هذه الغفوة لم تكن ثمة طريقة للتواصل معه الا عبر وسطاء ، اعتبرناهم ممثلين شخصيين لجلالته ، وهنا كانت تجربة '' التعاطي مع مجلة الكرمل '' التي كانت خطوتنا الثانية لاختبار حماسنا له ، كنا نمني أنفسنا بكتابة من نوع آخر ، ولا نريد تلك الشعارات التي اطمئن اليها من ماتوا في أحضانها باليقين ، فوجدنا ''الكرمل ''معنا ، كانت كما كنا نريدها تماما ، ساطعة كشمس ، تهرب بنصوصها من ضجيج الشعار ولكنها مسكونة بألم القضية ، ودونما مزايدات تنمي وعينا بالطريق الذي مضينا اليه ، وكنا ونحن نقلب صفحاتها أشبه بأولئك الصاعدين الى جبل الدهشة ، لا نكف عن التساؤل كيف استطاع محمود درويش ان ينمي فينا هذا الخيار المنحاز تماما لصفاء الفن دون أن يعكر وعينا بالقضية وكيف يجرؤ على الهرب من '' رشوة الجمهور '' الذي يريده كما عرفه '' عاشق من فلسطين '' ؟ كبرنا وكبرت الأسئلة معنا حتى رأيته للمرة الاولى في حياتي في مسرح الجمهورية بالقاهرة والى جواره '' ياسر عرفات '' في أسبوع فلسطين ووجدت مئات الناس من حوله فخفت من هذه '' الهالة '' التي تضع صاحبها في مصاف النجوم والزعماء وظل هذا الإحساس يطاردني الى ان رتبت لي الظروف في القاهرة موعدا لمحاورته لصالح جريدة ''الحياة '' التي اعمل معها وبواسطة من زميلي نبيل درويش كبير مراسلي إذاعة مونت كارلو في الشرق الأوسط الذي وثق بي واهداني موعد مع صديقه لنشرب القهوة في الكافيتيريا ومن جديد عادت لي ذكريات '' مع سرحان '' لكن صاحب القصيدة بدا لي ،'' أبسط مما أظن '' وأظن يومها انه ارتاح لي حتى انه طلب مني مرافقته الى مبنى قناة النيل الثقافية بحي المقطم لأحضر تصوير لقاء تلفزيوني معه وفي طريق العودة حدثني عن غرامه '' برياض السنباطي ومحبته لام كلثوم التي يراها '' متنبي الغناء العربي '' يومها سجلت الكثير مما قاله لا لكي انشره وإنما لاستأنس به ، وبعد اقل من عام كنت معه في الإسكندرية ولم اصدق انني أسير الى جواره ومعنا صديقه الرائع ومعلمي الكبير صبحي حديدي نستمع اليه وهو يتحدث ببساطة لافتة عن غرامه بالمدينة وبشاعرها قنسطنطين كفافيس الذي زرنا بيته في الحي الفقير فأمطرنا صاحب '' الجدارية '' بوابل من الحكايات المدهشة التي تعكس ثقافة فريدة يندر ان تجدها في شاعر محاط بهذا الزحام ، ويوم ان التقينا للمرة الأخيرة في الشام لنؤبن صديقنا المشترك ممدوح عدوان اكتشفت فيه أمور لم أتبينها الا ونحن في حضره شاعر كبير مثل محمد الماغوط الذي بدا لنا يائسا وعبثيا للدرجة لا تحتمل لكن الى جوار سريره تستيقظ رغبة واضحة في الاحتفاء بدرويش والإعلان عن محبته ، أما درويش فقد كان خجولا كزهرة ،متواضع مثل الطبيعة ، وكلما جمعتنا جلسة لا يكف عن الاحتفاء بشاعر آخر هو احمد عبد المعطي حجازي ويدعونا للاحتفاء به كأستاذ ، وأنا أقول لنفسي هو درس آخر في التواضع .
وفي ردهة الفندق نتناول القهوة وأحدثه عن غرامي بمقاله الشهير '' القهوة مفتاح النهار '' الموجود في كتابه '' ذاكرة للنسيان وفتنتنتي بما كتب عن '' كرة القادم وعن نجمها ماردونا '' واحكي له عن جمال آخر في كتاب اداوارد جاليلنو '' كرة القدم في الشمس والظل '' فيطلب مني الكتاب ويقترح ان نخرج معا لشرائه من مكتبة قريبة ، وفي الشارع يمسك بيدي ويحكي عن حاجته للمشي في الشارع حرا '' فأكتشف انه لا يستطيع ، لأن الكثير من محبيه يتربصون به قال لي '' ها قد رأيت فقلت له '' لا تعتذر عما فعلت ''.

***

الهدهد

خيري شلبي
(مصر)

خيري شلبيطائر الهدهد الجميل يصافح الأفنان، يصبّحها بالخير، يعافيها بالعافية.. الهدهد الأشقر الشعر لا يكف عن عيادة الأغصان في شتى بقاع الأرض، يبث الأشجار شوقه العارم للحرية، ويستقي منها حميمية المواطنة.
المجد للشجر، أعظم مواطن على سطح الأرض.. والمجد للهدهد، حامل رسالة سليمان النبي.. شين.. عين.. راء.. تتكسر الشين فوق رأسه، تتفتح فى قلبه..
جدائل شقراء ناعمة، تميل فوق الجبين، تلتحم به في قبلة سرمدية خصل من القصائد الأراجيز، تعبر الجبين إلى العينين..
الجبين وردي ناعم، يشبه الصابونة اللوكس.. جبين فواح بالشذى.. يغري بالتقبيل، يوقظ - حتى في الرجال عاطفة الأمومة الفياضة..
فى عينيه أمواج البحر المتوسط.. والخليج العربي.. وبحيرة ناصر.. وبردي.. والليطاني.. ناهيك عن دجلة والفرات..
عينان من فرط ثرائهما بدتا على درجة كبيرة من التواضع.. في أعماقه البعيدة ينابيع دمع مدخر، هو دمع ليس يصلح للبكاء.. إنما يصلح لسقيا الأرض، للإرواء.. لبعث الحياة في شجيرات البرتقال، وفى السنابل، وأحمد الزعتر.
أنف هذا؟ أم هو منقار الهدهد؟ أم هو شطفة من قبة الصخرة؟ لعله جسر للعبور إلى رام الله..
أنف بارز شامخ ممتد كعنق الفرس، كمعلقة امرئ القيس، يبدو تحت المنظار الطبي العريض العدستين كممر من الحصباء يفصل بين نافذتين مفتوحتين على ستائر من المخمل..
الخد أسيل.. يعلوه سالف جميل.. الحنك عصفور يرقد فوق ذقن شامي.. في سحنه الوجه عذرية مريم.. وسماحة المسيح.. ومدائن مزهرة عامرة.. وحضارات غامرة.. وعصور قهر قاهرة... وسفائن حائرة.. وأضواء باهرة.. وقواميس ماكرة..
وجه ما أبهاه.. ما أحلاه.. ما أغناه، لكأنه الحسين بن على رضي الله عنهما، لكأنه خالد بن الوليد، هشام بن عبد الملك، يوسف الصديق، سليمان الحلبي، المهلهل سيد ربيعة، فلتتعدد الأسماء والشخصيات لكنها تجمعت في شخص واحد والاسم محمود - والأصل درويش.
هو فعلاً درويش من دراويش الشعر، من مجاذيبه، على صغر سنه بات قطباً من الأقطاب.. له مريدون وأتباع ومجاذيب يتعاهدون عهده يسيرون على دربه يتفيأون ظله الممدود.
في صوفية الشعر هناك طريقة معروفة اسمها المحمودية الدرويشية، أين منها طرائق الصوفية الدينية؟..
في حركة الشعر العربي الحديث كان محمود درويش مذاقاً جديداً تماماً، فمن بواكير الصبا كانت بداياته تنبئ عن شاعر كبير شديد الفحولة أكبر من أن يكون مجرد شاعر بين الشعراء.
لا أزال أذكر بداياته الأولى، تلك التي طالعتها في أوائل عقد الستينيات من خلال ذلك الأديب الفلسطيني الفذ، الشهيد، غسان كنفاني، أحد أهم روافد الحداثة في أدبنا العربي المعاصر، صاحب الأعمال القصصية والروائية التي ارتفعت بالقضية الفلسطينية إلى أرفع مستويات الإبداع العالمي.. كان كتابه '' أدب المقاومة في فلسطين المحتلة '' نافذة لنا علي جيل جديد هو نفس جيلنا في طبعته الفلسطينية في جحيم الاحتلال الإسرائيلي، محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم.
كانت أشعارهم طازجة بمعنى الكلمة، فرغم أن المفردات التي نستخدمها جميعاً في مصر وسوريا واليمن والعراق والسودان ولبنان والمغرب العربي، فإنها مع ذلك تكاد تكون جديدة علينا كأننا نتعرف عليها لأول مرة، ولم يكن السر في ذلك غامضاً، فتفسيره في المثل الشعبي الدارج: من كانت يده في الماء ليس كمن يده في النار، وصحيح أننا كنا جميعاً نكتوي بنار المحنة، لكنهم كانوا يحملونها في قلوبهم.
أذكر أنني فرحت فرحاً عظيماً كأن فلسطين قد عادت إلينا، لا أنكر أنهم جميعاً قد سكنوا في وجداني رغم أن ما قرأته لهم لم يكن يتجاوز مقاطع قصيرة من قصائد مبتورة، ولكن محمود درويش كان نسيجاً وحده.
كان فيه الكثير الكثير من خصائص السنبلة.. تأكدت هذه الخصائص في القصائد التي أصبحت ترد إلينا عبر منافذ متعددة، فنتناسخها ونتناقلها فيما بيننا، ونقرأها في السر وفى العلن، بالعين تارة وبالصوت تارات.
من خصائص السنبلة في محمود درويش أن القصيدة عنده مضفورة كضفيرة السنبلة بالضبط، الحب فيها منضود في تناسق إلهي مذهل، كأنها منبر الخطابة في مسجد إسلامي مشغول بالأصداف والأرابيسك وفنون الرقش الإسلامي المبهر.
القصيدة السنبلة عند محمود درويش مبنية هكذا، الكلمة فيها تطرح آلاف الكلمات. غير المرئي فيها أضعاف المرئي، كما أن المرئي فيها ليس هو الأساس، إنما هو مجرد مفاتيح لمدائن سحرية لا حدود لاتساعها وثرائها وعمائرها وقبابها ودروبها وميادينها، حبة واحدة من السنبلة تملأ الوجدان شعراً، والكلمة عند محمود درويش ليست مما يخط على الورق، بل هي حفر بالأزميل على جدران القلوب، وضعت لتبقى راسخة كالطود، إذا أمسكنا بعتلة ومطرقة، وجعلنا ندق فوق الكلمة بكل ما فينا من قوة فلن نتمكن من تعتعتها من مكانها. فإن ثابرنا على الدق فوقها وأزحناها قليلاً فسنجد تحتها كلمة أخرى كانت تحتويها الكلمة السابقة.
هي كلمات كجلد البشر لا يتقشر إلا إذا تكونت تحت القشرة طبقة جديدة بديلة طازجة.
محمود درويش - كفؤاد حداد - كبابلو نيرودا، كلوركا، كأراجون- لا يكتب الشعر بل يتنفسه. عنده لا انفصال بين الشعر والشاعر - هو الشعر، والشعر هو يوضع في صف واحد مع أعظم شعراء المقاومة في جميع أنحاء العالم.
المقاومة هنا ليست ذلك المعنى الضيق، المحصور في مقاومة المحتل الأجنبي وأذنابه. إنما نقصد المقاومة بمعناها الواسع الغني.. إنه شعر يحقن القارئ بمصل المقاومة بإكسير القوة. مقاومة ضد عوامل الضعف والخور والهزيمة واليأس والتراخي مقاومة لا تقبل أنصاف الحلول، تعف عن المكسب الرخيص السهل، ولا ترضى بمكسب مشروط.
وأنت بعد قراءتك لمحمود درويش لابد أن تختلف عنك قبل قراءته اختلافاً كبيراً. بعد قراءته ستشعر بالعزة والسموق، ستشعر بمعنى الكرامة، بروح الإباء بالسؤدد بالارتفاع فوق صغائر الأمور ستشعر بأنك تستطيل وأن قامتك تتصاعد مع الشعر إلى ما يشبه الإسراء والمعراج، حيث سترى ما لم تكن تحلم بالسفر إليه وتشعر بما لم تكن تظن أنك قادر على الشعور به، في شعر محمود درويش تنفك عنك كل القيود إذ هو لا يحمل البعيد إليك بل يحملك إلى البعيد البعيد. ثم إنه لن يعيدك إلى سابق حالتك، لأنه يترك فيك لقاح روحه ليشحنك بطاقة تؤهلك للانطلاق إلى أفاق مترامية، حيث تشعر ربما لأول مرة في حياتك بمعنى الوطن.
الشعر هو وطن محمود درويش الحقيقي، ذلك أن الوطن قد بات شعره منذ نعومة أظافره كما يقول التعبير العربي القديم. بشعر محمود درويش ترتفع قيمة الوطن، الدليل على ذلك هو شعر محمود درويش فيه يبقى الوطن حياً إلى ما لا نهاية.
تلده القصائد كل يوم، قديماً جديداً معاً، تلده كاملاً غير منقوص تلده كبيراً متطوراً مطهراً.
وشعر محمود درويش هو التطور الأمثل للشعر العربي القديم تجد فيه الملك الضليل والنابغة، وجرير، والفرزدق وابن أبي ربيعة، وبشار ابن برد وأبا نواس، والمتنبي، والمعري، والبحتري، وابن الملوح، وابن الرومي، والحمداني، وابن زيدون، وشوقي، والرصافي، والجواهري، وعلى محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل، تجد كل هؤلاء وغيرهم، ولكن في صورة جديدة متطورة مزودة بالثقافة الحديثة منصهرين جميعاً في بوتقة تغلي بنار المحنة اسمها محمود درويش.
هو شاعر واضح الأصول والأنساب، في شعره هويته العربية الأصيلة تتعرف فيه على آبائه وأجداده وأعمامه وأخواله.
ربما كان على رأس هذه القلة القليلة من فرسان الشعر العربي الحديث الذين نجوا من الرطانات الأجنبية فرغم استفادته من الشعر العالمي والفرنسي خاصة يظل شعره نفساً عربياً خالصاً. إن عروبية شعره لا تقبل جسماً غريباً.
شعره ملكه وحده، نابع من ضميره هو من عالمه الخاص بل الشديد الخصوصية.. حتى المفردات العربية التي يستخدمها غيره من الشعراء العرب تبدو لفرط امتلائها بشحنات جديدة وألوان طازجة كأنها من اختراعه فكأنه جمع هذه المفردات وهي بعد مجرد بيض، ثم حضنها وبعث فيها حرارته حتى فقست مفردات ككائنات حية تسعى في فناء داره كالكتاكيت، ثم راح يطعمها ويسقيها حتى نمت أفراخاً تملأ الدار لوحات تشكيلية مرئية تمتع البصر والفؤاد وتضج بالموسيقى.
يقول في بعض حواراته : ''الشعر ليس فقط وسيلة الشعر واللغة قبل ذلك لأن علاقة الشاعر باللغة ليست من أجل إيصال شحنة أو فكرة أو غموض أو وضوح على شذوذ اللغة أن توصل وأن توضح ما هو غامض في وجودنا الداخلي ولكن أيضاً على اللغة أن تكون غرضاً في حد ذاتها في العملية الشعرية، الكلمات ليست فقط أدوات اتصال، وليست أرقاماً وإلا كنا نستغني عن الشعر بالتعبير المباشر عما نريد من مطالبنا أو من شهواتنا أو من رسالتنا، ولكن في العملية الشعرية، اللغة الشعرية هي أيضاً مادة عمل وأيضاً غرض العمل''.
ولكن كيف نبعت قصيدة محمود درويش من المحنة الفلسطينية لتتجاوز المحنة وتصبح خطاباً إنسانياً عاماً يخاطب الإنسانية في كل مكان وكل زمان، وتصبح القضية الفلسطينية هماً إنسانياً معاصراً بقدر ما هي زاد جمالي تستضيء بنوره الإنسانية.
يجيب هو قائلاً إنني نتاج تلك الأرض عناصرها وطبيعتها نتاج حركة التاريخ فيها ونتاج لقاء الحضارات والثقافات فيها فأنا استوعب كل تلك الثقافات على أساس أنها عنصر مكون لثقافتي، هذا النتاج كله ملكي فأنا تعبير عن كل هذا الاختلاف ومن كل هذا الاختلاف ومن كل هذه الأبعاد في الزمن وفى التاريخ ولكن هذا لا يكفي لكي يكون النص الشعري ملكية جمالية إنسانية فلو كان تعبيري محصوراً في وصف أطراف الصراع، والصراع وحده، لسقط النص أتوماتيكياً بعد سقوط الصراع، أنا لست أحادياً ولست مراسلاً حربياً للقضية الفلسطينية، وأنا أتكلم عن إنسانية هذه الأرض وإنسانها وعن نزوعه الإنساني نحو تحقيق قيم من حقه أن يتمتع بها وهي الحرية والاستقلال، وإبداع حياته ومصيره كما يشاء، أي الجانب الإنساني في القضية الفلسطينية وهو جانب عملي الشعري وليس الجانب الوصفي لوثائق تطورات هذه القضية ولجانبها العسكري أيضاً فمجال عمل هذا النص هو القدرة على كشف جماليات الحياة في تلك الأرض بحيث تتحول هذه الجماليات إلى ملكية إنسانية عامة ولا نستطيع حينذاك أن نقول إن هذا الشاعر فلسطيني، وهذا الشاعر سوري وهذا الشاعر تونسي، يصبح النص الجمالي يخاطب ما فينا من هشاشة الإنسانية وقوتها أيضاً ونزوع الحرية والإبداع.
ترى هل يذهب محمود درويش إلى القصيدة أم أن القصيدة تجيء إليه على طريقة الوارد الصوفي كما عبر صلاح عبد الصبور عن نفسه في مذكراته عن تجربته الشعرية.
هذا السؤال وجهته إليه بشكل مختلف قليلاً إحدى الصحفيات التونسيات، وقد أجابها بقوله : ''القصيدة وسواس وهاجس ملح ونمط حياة وطريقة تفكير في الوجود كل هذه العدة السابقة لتكون القصيدة في النص لا تحقق إلا إذا توافرت هذه الشروط وكل شاعر يراقب هذا التحقيق بطريقة مختلفة وليس هناك نظام واحد لكيفية تحول الحلم والهاجس الغامض والفكري إلى نص شعري ولكل شاعر طريقته للوصول إلى المنطقة التي يلتقي فيها الواقعي بالأسطوري، التاريخي باللاتاريخي المطلق بالنسبي كما ليس هناك نظام ما ولكن هنا وحي، ليس بالمعنى الديني للكلمة، بل نقطة يختل فيها الخيال بنقطة استقبال الواقعي فينا.
أكون محملاً بهاجس كبير أو بفكرة كبيرة أو باختناق كبير أو بغضب كبير وعلى هذا الاحتقان النفساني أن يرسو على مناطق معرفية مرجعية من أجل أن يكون للنص بعد صالح لأن يكتب كنص إبداعي ثقافي فإذا كانت قصيدتي تاريخية أكون مدججاً بقراءات معرفية، وتحضيرات مرجعية من أجل أن أعيش اللحظة أو المكان الذي سأكتب عنه هذا في القصائد التاريخية الكبيرة أما في القصائد الأخرى فيجب أن يتحول هذا الهاجس إلى صور ليعبر عن نفسه ويحول الكائنات إلى صور لكن لا يمكن أن تتحول الصور إلى قصيدة إلا إذا وجدت إيقاعها عندما أسمع إيقاع الصورة الحاملة للوجود عندئذ أشعر أن في وسعي أن أحاول الكتابة وعلى أن أهيئ نفسي نفسياً، وأن أجري قطيعة نسبية ما عن الخارج في لكي التقط الإيقاع.. وعندما أمسك بالإيقاع أشعر أنني دخلت مجرى الحفر في بناء شكل القصيدة وتحولها إلى النص.
هذه هي الكتابة الأولى لكن بعد ذلك أكتب الكتابة الثانية من منظور الناقد الموجود في داخلي وأترك القصيدة لعدة شهور ثم أقرؤها من جديد فإن وجدت أنها تشبعني كثيراً أشعر أنني لم أضف شيئاً ولم أكتب القصيدة، أشعر أنها تكرار لتجارب سابقة لي ولا تنسج ذاتها من ذاتها ومن مخزونها الخاص ولكن عندما أقرأ القصيدة وأشعر أن شاعراً آخر كتبها، أشعر باحتفال كبير، وأشعر أنني نجحت في الكتابة.
فترة الحمل والمخاض فترة طويلة ولكن في الشعر ليس هناك عملية قيصرية، العملية القيصرية تقتل الوليد الشعري وصحيح أن النص الشعري يقوم على ثنائية ألم وفرح، ولكن كل عمل إبداعي هو تعامل قاس مع الألم، والفرح ليس مصدراً للشعر الفرح ليس ملهماً للشعر لأننا لا نحتاج إلى تكوين واقع آخر ما دام الواقع متحققاً، الألم هو دافع أكثر للكتابة الشعرية، أغلب النصوص المهمة في تاريخ الإنسان الأدبي هي نصوص مأساوية ولكن الفرح هو فرح الإبداع الجمالي لتحقيق جمالية النص الشعري وإنجاز الشعر فيه، في شكلها الذي هو القصيدة والفرح الوحيد هو الفرح الإنساني بالقدرة على الخلق والإبداع فهذه الثنائية متعايشة ومتفارقة في نفس اللحظة، الباعث مؤلم والإنجاز هو الذي يسبب الفرح الإنساني، أي قدرتنا أن ننجز من هذا الألم ومن هذه التراجيديا الإنسانية نصوصاً جميلة، الجمال هو الفرح والجمال لا يتحقق إلا بعد أن يكون الألم قد دخل في مناطق النص الشعري وأنجز قصيدة جميلة أو لوحة جميلة أو قطعة موسيقية جميلة''.
تلك إضاءة خاطفة لقصر متعدد الغرف والأبهاء والطوابق اسمه محمود درويش.

****

كلما أحبتتك أكثر ابتعدت عنك

موسى حوامدة
(الأردن)

موسى حوامدةتعرفت على شعر درويش والقاسم وتوفيق زياد ومعين بسيسو بينما كنت في المدرسة الثانوية في الخليل، كنت مشاركاً فعالاً في المظاهرات ضد الاحتلال، وذات مرة قدم لي أستاذ اللغة العربية في المدرسة الإبراهيمية بعض الدواوين لشعراء فلسطينيين، وقد أحببتهم، والتصقت بهم وحفظت الكثير من قصائدهم، لأني كنت أحس أنهم يرفعون يدي عالياً وهي تحمل راية فلسطين، ويشدون من قبضتي على الحجر. أضف إلى ذلك أننا كفلسطينيين ليس لدينا تاريخ طويل من الشعراء والأدباء وكلهم جاؤوا أو ولدوا خلال الانتداب وبعده، فكنا حريصين على التقاط أي اسم فلسطيني يأخذنا إلى الأدب والشعر، ويشكل هوية ثقافية للشعب الفلسطيني.
كنت أحب تلك القصائد التي تفوح منها رائحة فلسطين، وبينما كنت أتعرض لضرب الجنود الإسرائيليين واستنشق غازهم وضرب هراواتهم، كانت تلك القصائد الوطنية ومنها قصائد إبراهيم طوقان وعبدالرحيم محمود تشكل لي حرزاً داخلياً كبيراً وواقياً من الخوف ودافعاً لمواجهة كل هذه الآلة العسكرية الجبارة ببيت شعر أو لحن مقاوم.
وكنا نردد: سجل أنا عربي ورقم بطاقتي خمسون ألف لمحمود، أو منتصب القامة أمشي لسميح، أو أناديكم، أشد على أياديكم، وأبوس الأرض تحت نعالكم وأقول أفديكم لزيّاد وحتى الثلاثية الحمراء لطوقان وغيرها الكثير.
من هنا تعرفت على درويش، أما كيف أقرؤه الآن، فلم أكن أحب الاقتراب كثيراً من شعره، حتى مرحلة الجدارية، كما كتبت له مرة في قصيدة (كلما أحببتك أكثر ابتعدت عنك، لم تترك الحصان ربما آثر الهروب .....الخ)، لأنني كنت حريصاً ألا أقع تحت تأثيره أو أن يتسرب لما اكتب دون معرفة، وبذلك حميت نفسي منه لأني أحبه ولا أحب أن يتملكني لا هو ولا غيره. كان ذلك حتى عام ألفين تقريباً، بعدها لم أعد أخشى من قراءته حيث بدأت أشعر أنني صرت قادراً على عدم الوقوع في أسره.
والحق يقال، إن أهمية درويش وفرادته، تأتي من كونه يمتلك قدرة على الابتعاد عن نفسه وشعره دائماً، ولا يتشبث بمكان إقامة محدد، وأعترف أنني في كل مرة كنت أتخلص فيها من بعض القناعات وأطلع إلى شرفة جديدة، كنت أجده قد ابتعد عن موقفه السابق ونمطيته واتخذ مجلساً متقدماً هناك، والغريب أنه يرافقنا دائماً إلى التطور والنضج، وهذه ميزة تحسب له كما قال مرة إنه سعيد لأن قارئه يتطور مثله، وإن كان بالنسبة لي العكس فأنا أرى أنه يحل باستمرار في تلك الشرفة التي أصل إليها في الابتعاد عما رسخ وقال في الحياة وفي الشعر، هو وغيره، وعدم البقاء في المربع الأول والنفور من التقليد والتكرار، واجتراح المستقبل والغد.
هذه ميزة تحسب له، وقد ارتقى بشعره تماماً كما يقول ويرى، ولذا وجدت سلاسة في مجموعاته الأخيرة، منذ (سرير الغريبة، ولماذا تركت الحصان وحيداً، والجدارية ولا تعتذر عما فعلت وعمله الأخير كزهر اللوز أو أبعد) وابتعاداً عما كنت لا أحب في مجاميعه السابقة، والتي صارت تقليدية بالنسبة له أيضاً، هكذا أنا منحاز لجديده دائماً، وتجربته تتعمق كلما كبر، وهو يطبق بذلك نظريته: إن الشعراء نوعان الأول يولد مرة واحدة ويموت بسرعة والثاني يولد على مهل ويكبر على مهل، ولعله من النوع الثاني إن شاء الله.
لا يفاجئني محمود في الكثير من آرائه في الحياة وفي الشعر، وأكاد أعرف ما سيقول، وذلك يعجبني أكثر لكي أصقل ذاتي مجدداً، وأجد هناك تطابقاً حتى في النظرة للعدو، والحياة ولكنْ هناك اختلاف كبير أيضاً، فليس كل ما يقوله إنجيل مقدس، ومما آخذه عليه، أنه يتجاوز في تصريحاته وكلامه، بقية الشعراء الفلسطينيين وحتى العرب، ومن بينهم تجارب رائعة وكبيرة، ويعتبر نفسه ممثل الشعر الفلسطيني، والعربي، ولا يكاد يعترف بأحد سواه، هذه نرجسية تقترب من الديكتاتورية السياسية وليس من فضاء الشاعر الذي يهمه أن تتنوع المعرفة والحياة وتتجد كريات الدم في جسد القصيدة، وإن قال إنه يريد التخلص من القصيدة الوطنية وكتابة قصيدة حب، لكن ذلك لا يتجسد في قناعاته تماماً، فهو في العمق يحرص على بقائه نجم الشعر الفلسطيني وممثل فلسطين الشعري الأوحد، ويجد في الساحة العربية من يعمل لهذا الإقصاء للآخرين، ليس حباً بدرويش فقط ولكن اختصاراً للمشهد الشعري الفلسطيني، وربما العربي، وحين يتحدث درويش عن تطور الشعر الفلسطيني يريد لهذا الشعر ان يُشذب حسب رغبته هو لا حسب نضوج القصيدة الفلسطينية والظرف الفلسطيني نفسه، لهذا أجده أنضج أفكاره ورؤيته قبل أن يتبلور شكل ما لحرية الفلسطيني، وهو لم يحسم أمره تماماً من أنه ليس شاعراً إقليمياً
أو قطرياً، فبينما يلتفت ليرضي مداره الشعري ومسار الكون نفسه، والكثير من المنابر العالمية، مازال يخشى خسران شعبيته التي نالها وما زال من الباب الوطني، إنه يمسك العصا من المنتصف لا يريد أن يخسر تمثيله لفلسطين كقضية وشعب ولا يريد أن يخسر وهج الشعر وتطور قصيدته وإنضاجها، لكنه قطع مسافة في إقناع الطرفين، ولا أعرف إن كان للنجومية التي يتمتع بها دور في هذا الإقناع، ولا أدري إن كان في هذه النجومية الأقرب للفنية منها للثقافية خطر على شعره مستقبلاً وشعر غيره حاضراً، وإن كانت تدفعه دائماً لاستلاب الآخرين حقهم ووهجهم.
وهذا مما يؤخذ عليه، كما أنه يمتدح قصيدة النثر كثيراً ويقترب منها لكنه ما زال تقليدياً في التفعيلة، ولم يكرس آراءه عمليا، فيبدو توفيقياً في مغازلة شعراء النثر وكتابة شعراً مفعلاً، لم تشفع تلك الاقتباسة من أبي حيان التوحيدي، في مجموعته الأخيرة، وإن كان النثر يتدفق على شفتيه بشكل أجمل من الشعر أحياناً، لكنه لم ولا يريد أن يحسم رأيه في هذه المسألة، كما لم يحسمها في القول بوجود ميليشيات لقصيدة النثر يتفاداهم، أو مثل تلك التصريحات التي أدلى بها في تونس حول الشعر العربي، لكنه عموماً يتكلم في الحياة والسياسة والصراع العربي الإسرائيلي أجمل مما يتحدث في التنظير لشعره وللشعر عموماً.
وعلى كل يظل محمود شاعراً كبيراً نحبه ونختلف معه ونحترم تجربته لكن دون تقديس أو تأليه ودون تكريس للوحدانية، فهناك شعراء كبار لم تتح لهم فرص مثالية كما أتيحت لمحمود، الذي ما زال أمامه الوقت لتصحيح الماضي والعودة إلى الشعر الذي لايبرزه نجماً جماهيرياً، بل شاعراً قريباً من العشب النديّ أكثر.

***

محمود درويش.. أوائل الدهشة والمواجع

أسامة الرحيمي
(مصر)

حاصر حصارك لا مفر
اضرب عدوك لا مفر
سقطت ذراعك فالتقطها
وسقطتُ قربك فالتقطني
واضرب عدوك بي
فأنت الآن حر وحر
حين سمعنا هذا الكلام أول مرة بصوت ''محمود درويش'' أوائل الثمانينات ألهب مخيلاتنا.
كنا صغاراً، نتعثر على سكك ريف دلتا مصر. نتلمس خطانا الأولى على دروب المعرفة. والهم العام، نتعاطى أدبيات اليسار على استحياء وفرح وتوجس من نظرات المحيطين الذين بدأت تتكاثر على وجوهم اللحى.
ولم نكن ندري أننا لحقنا بآخر فلول اليسار الفارّة أمام جحافل التيارات الدينية، ودمدمة الهيمنة الأمريكية التي لا تعرف الرحمة، وفساد متفاقم لأنظمة لا تجيد إلا التبرم بمطالب الحرية.
في قرانا البعيدة لم نكن نقدر على رؤية المشهد كاملاً. لكننا أدركنا لاحقاً أنه كان مفزعاً.
أفزعتنا ''أحزان بيروت'' مبكراً، وبددّت سذاجتنا، وطرائقنا الطفولية في التعاطي مع القضايا، إلى أن قبضت فجيعة ''صبرا وشاتيلا'' قلوبنا الغضّة بيد جلفة، ونفضت عنها البراءة، فأدركنا بلا شرح أن هذه أول خسارات التنازلات التي قدّمها السادات بإفراط.. وبلا مبرر مفهوم إلى الآن!!
كان صوت درويش في تلك اللحظة الحالكة قادراً على إشعال الدهشة في صدرونا. استطاع ببراعة أن يبلور أحزاننا، ويسكب آلام بيروت سائلة في قلوبنا، فرددنا معه:
سقط القناع عن القناع عن القناع
قد أخسر الدنيا نعم لكني
أقول الآن لا
هي آخر الطلقات لا
هي ما تبقى من هواء الأرض لا
بيروت لا.
كان العتم يظلم الأفق تدريجياً، منذ كامب ديفيد، والاجتياح وإحباط الخروج يخيم على الأرواح:
قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة
فاضرب عدوك لا مفر
حاصر حصارك بالجنون
وبالجنون وبالجنون
ذهب الذين تحبهم
فإما أن تكون أو لا تكون
وصلنا صوت ''درويش'' في رائعته ''مديح الظل العالي'' كأنه نواح، لكنه أمدّنا بقوة مباغتة، مفعم بأمل جواني عميق، مسّ أرواحنا فتشبثنا به، وتداولنا الشريط، واستنسخناه على المسجلات ونحن نراوح بين الفرح والأسى، فإلقاؤه المفجوع راح يهدهد قلوبنا الطرية، وكأنه عزاؤنا الأخير!
وساعدنا بقوة على قطع خطوات إضافية في الالتصاق أكثر بقضايانا المهمة، وازداد التماهي بين العام والخاص، واتسعت دائرة الوعي نسبياً، وانفتح الأفق على اللانهائي. وجرّنا ''درويش'' إلى عالمه الغني فتعرفنا على أشعاره الأخرى، وتطاولت قامته في أنظارنا، حتى بات في مكانة تليق بموهبته الفذّة. نجماً ساطعاً في سماء العرب.
الآلام أقدر على توسيع المدارك!
أثناء الاجتياح، وحصار بيروت لم يكن أمامنا غير ''مونت كارلو'' الإذاعة جهيرة الشهرة-وقتها- وكنا نتابع عبرها تداعيات الكارثة لحظة بلحظة، وندرك تفاصيل الحصار. وسمعنا صوت ''أبوعمار'' الذي لا يزال متوهجاً في الذاكرة، وكان قادراً على رفع شعارات ملائمة للمرحلة، ولا أنساه أبداً وهو يقول للمذيعة اللامعة: ''يا أخت وداد.. هبتّ روائح الجنة'' و''يا جبل ما يهزّك ريح''.. كانت كلماته تضرب أجسادنا برعدات التأثر والانفعال، والتوحد مع القوات المحاصرة هناك. كم كانت حسرة قلوبنا الخضراء في لحظات الخروج!!
أشعار درويش ببساطة أعادتنا إلى تلك الدائرة، وأعادتها إلينا، ووجدنا أنفسنا نقف أمام مبدع بحجم القضية، ومساوٍ للوجع، ولا يقدر أحد على تعزيتنا سواه. وينفخ في روحنا أملاً يعفينا من الانهيار.
ووسط فرحنا بتبادل دواوينه، وترديد قصائده، واستقطاع مقولات من أشعاره وكأنها ''حِكمُ''. تماماً كما حدث لأشعار المتنبي، فاجأنا ''مارسيل خليفة''. مبدع موهوب آخر يليق بالمصاب، يغني أشعار درويش، ويقربها إلى عامة الناس، وأصابونا الاثنين معاً بالدهشة للمرة الثانية، ليمنحونا أملاً آخر، وقدرة متجددة على مقاومة الإحباط بالإبداع. والفن:
أحن إلى خبر أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وتكبر فيّ الطفولة يوماً
على صدر يوم
وأعشق عمري لأني
إذا متُّ
أخجل من دمع أمي
كان صوت ''مارسيل'' ينطلق من نوافذ دورنا إلى دروب القرية، وتحلق معه أفئدتنا التي أرهقها الوعي وهزائم اليسار، وهجوم النقاب واللحى، وانطلق وحش الفساد يحطم كل منظومات القيم، ودعمت أمريكا بقوة أنظمة الاستبداد التي توسعت بدورها في قمع كل شيء. وأخذتنا الحياة إلى حاضرة مصر، القاهرة، والقلوب مترعة بالمواجع، لكن الشعر والغناء يكمنان بثقة في جانب منه:
خذيني إذا عدت يوماً
وشاحاً لهدبك
وغطّى عظامي بعشب
تعمّد من طهر كعبك
وشدّي وثاقي..
بخصلة شعر
بخيط يلوح في ذيل ثوبك
وانبرت القرائح تُفسّر، فمنهم من قال ''درويش'' يقصد فلسطين، وما أجمل الرمز والدلالة، وآخرون قالوا بل إنها أُمُّهُ الحقيقة وحنينه للمعيشة الطبيعية التي يفتقدها، وفريق ثالث - أنا معهم - يقول: الاثنان واحد، فمن من الفلسطينيين لا يحن إلى أمه داخل فلسطين، أو لذكرياته في الأراضي المحتلة. إن الشاعر إذا كانت موهبته مثل درويش ينوب عن الناس وقضاياهم بلا عمد، ويعبّر عن أحلامهم واحباطاتهم، ومشاعرهم الإنسانية الحميمة دون قصد ولا تخطيط، وللنقاد والمفسرين أن يتناولوا إبداعه كل من زاويته؛ ويليق بالإبداع أن تتعدد في تفسيره الرؤى. ولن يجدوا أحلى من أشعار ''درويش'' يتبارون حولها!
الآن. اكتملت الأحزان، وتمت الهيمنة، وتفاقمت الانهيارات، ولم يعد في القلب متسع لجرح آخر!
لكن صوت درويش لا زال يتردد في الآفاق، وتتنقل أشعاره بين اللغات، ويعتلي المنصّات في بلدان متفرقة ليؤكد أن الشعر هو الثورة الفلسطينية. كما قال يوماً ''أبو عمار''.
مياه كثيرة جرت في الأنهار، منذ بدايات الدهشة، والانبهار بأشعار درويش، ومنذ الفواجع الأولى التي انتهت إلى فواجع أفدح. لكن أشعاره أصبحت أيضاً أكثر إنسانية ونضجاً وشفافية، يمكن لأي إنسان في العالم أن يجد نفسه في شيء منها، لأنه -حسب ظني- من فرط نضجه أصبح يخصّ كل البشر كما يخصّ قضيته التي تداخلت في نسيجه الأصلي:
صاح بي صوت عميق
ليس هذا القبر قبرك، فاعتذرت
قرأت آيات الذكر الحكيم، وقلت
للمجهول في البئر:
السلام عليك يوم
قتلت في أرض السلام
ويوم تصعد من ظلام البئر حياً
أنا الأم التي ولدته
لكن الرياح هي التي ربته
قلت لآخري:
لا تعتذر إلا لأمك
في القدس
أعني داخل السور القديم
كنت أحتسي فوق منحدر وأهجس:
كيف يختلف الرواة على كلام الضوء في حجر
أمن حجر شحيح الضوء تندلع الحروب؟ لا تعتذر عما فعلت

****

هرب إلى الشعر بينما هرب الآخرون إليه

صالح دياب
(سوريا/ باريس)

عندما تعرفت على شعر محمود درويش كنت في الثالثة عشرة من عمري ، عام ، سنة تركي القرية لاستئجار غرفة في مدينة حلب لمتابعة الدراسة ..حينها كنت أرتاد المكتبة الوطنية في حلب، لقراءة كتب الشعر المهجري خصوصا جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ، بتأثير من معلم كان يعشق الأدب المهجري ويحدثنا من مرة إلى أخرى عن الشعراء المقاومين الثلاثة ، درويش ، القاسم ، زياد. لم أقرأ ديوانا كاملا لمحمود درويش حينها ، بل كان مرجعي الدائم كتاب '' ديوان الوطن المحتل'' للشاعر الفلسطيني الكبير يوسف الخطيب.هذا الكتاب الضخم الذي يعود إلى فترة الستينات ، وجمع فيه الخطيب مختارات من أشعار عدد كبير من الشعراء الفلسطينيين في الداخل، بمحبة وحيادية ورصانة و للأسف لم يطبع سوى مرة واحدة .تضمن هذا الكتاب قصائد تعود إلى بدايات الشاعر ضمنها درويش في مجموعته الشعرية الأولى لاحقا.رويدا رويدا أولعت بشدة بجبران الثائر الرومنسي ، الغريب ، اللغز الذي لا يكف يسعى إلى البحث عما لا يمسك ، وإضاءة المعتم فينا ، والذي يظل سؤالا أبديا يؤرق الكائن ، عبر لغة ، تتوسل ملامسة الأكثر عمقا وسرية فينا، لغة آسرة ، تمزج ما هو نبوي بما هو مارق. وتوصف الشاعر / الإنسان في النتيجة غريبا أبديا لا حل له سوى أخذ الحياة بشراهة.
أيضا أولعت بالشعراء المقاومين ، بما فيهم محمود درويش من خلال ديوان الوطن المحتل.كان جبران يزرع في الشك الدائم في كل شيء بما في ذلك النص الأدبي وعدم اليقين المطلق .جبران أوصلني إلى اورخان ميسر وعلي الناصر و الشعر المترجم، وشعراء مجلة شعر ، بعد ذلك شعراء السبعينات في سوريا منذر المصري وعادل محمود وعبد الحميد، ولبنان سعادة وبيضون وشاوول، فضلا عن الشاعر الأردني أمجد ناصر، والعراقيين بولص وفائق. أيضا الوقوع في محبة مجموعات شعرية لبعض الشعراء، وليس كامل تجربتهم الشعرية.على ما بين هذه التجارب من افتراقات وتقاطعات، إلا أن كلها تولي طبيعة الخطاب الشعري أهمية كبرى.عودة إلى الفترة الأولى: بعد قراءة ديوان الوطن المحتل ،بدأت أشتري الأعمال الكاملة لجبران تبعتها أعمال الشعراء المقاومين.كان محمود درويش مفترقا عنهم ، في جماليات نصوصه ومتقدما. مازلت أذكر تدقيقي المتكرر بين قصائد محمود درويش المنشورة في ديوان الوطن المحتل وقصائده نفسها في مجموعته الشعرية الأولى،أو بتلك المنشورة في مجلة شعر على ما أذكر.لقد غير محمود درويش وحذف سطورا من قصائده.رغم تعلق القراء بها .والمدائح التي كانت تنهال من كل جانب على الشعر المقاوم.كنت أتساءل ما هو الداعي إلى هذا الحذف .لم يكن الحذف بدافع غير أدبي .في النتيجة اقتنعت باكرا أن الشاعر يهتم بالقصيدة ، ويريد أن تخرج سالمة إلى الضوء عبر الصفحات .هذه القناعة نسفها الشاعر في مجموعات شعرية أخرى .لكنه سرعان ما عاد إليها.كان شعره يقودني في تلك الفترة إلى شعراء المقاومة الآخرين نيرودا ،حكمت ، لوركا رغم ما في هذه التجارب الثلاثة من افتراقات .منذ نهاية السبعينات حتى الآن كان الشعراء العرب الشباب في كل البلدان العربية يتقدمون عبر قصيدتهم النثرية ويحققون حضورهم في ظل مناخات صعبة ناحية انغلاق وسائل الإعلام ،أمامهم رغم دعوات الانفتاح الاستعراضية من قبل المسؤولين والشعراء المسؤولين الستينيين والسبعينيين .، بما فيها مجلة ''الكرمل'' ذات الوجه الثابت و التي لم تسمح حتى للشعراء الفلسطينيون الشباب بأن يطلوا عبرها ، الأمر الذي لم يفعله أدونيس في مجلة ''مواقف'' المتحركة المفتوحة.حضور الشعراء الشباب تم بالترافق مع انطفاء الشعراء الستينييين واحدا بعد الأخر وانسحابهم إلى الظل، متبوعين بالشعراء السبعينيين كاتبي قصيدة التفعيلة.فيما كان البعض ، ينعطف مولّيا النثر والتفاصيل اليومية ، قدرا ، هما في قصيدته في عملية التفاف ، مبررة للتخلص من الإرث البلاغي والتصويري ، والحماسة والانسحاب من الأفكار الكبرى ،إضافة إلى المناخات المتوسلة.عملية الانعطاف هذه برأيي ليست على هذه الدرجة من السهولة المتوقعة ، إنه انعطاف مرتبط بمنظومة فكرية وثقافية وسياسية كاملة ، تربى وكبر عليها جيل كامل، وتجد صدى لها في النص الأدبي، الصعوبة تكمن أيضا في أفضل الأحوال في بداية القطع معها . سكت أغلب الشعراء التفعيليون . يشكل محمود درويش آخر هؤلاء الشعراء الكبار،الذين يصرون على ارتباط قصيدتهم باللاهوت العروضي . لم يبقى سوى شعراء قصيدة النثر. وبعض شعراء التفعيلة الجريئين اقتنعوا بالهوية المتحركة للنص الشعري وضرورة تغيير لا الجلد الشعري فحسب بل كامل الجهاز التصويري والبلاغي للقصيدة .محمود درويش كان سباقا ، بين مجايليه، في الذهاب عميقا في ذلك، ولم يتوقف عند حدود العمليات التتجميلية الشعرية، لكنه في الآن نفسه لم يعمل قطيعة تامة برأيي مع جيل الرواد فيما أرسوه من جماليات أسلوبية وتعبيرية .لا بل أحيانا كان الشاعر يضمن مجموعاته وأقصد تلك التي كتبها بعد الخروج من بيروت مباشرة قصائد عمودية تستوفي شروطها البيانية والإيقاعية كلها.الآن، فجأة لم نعد نسمع كافة الشعراء الحماسيين .ما الذي حصل؟أين اختفوا؟ولماذا سكتوا؟.لم يعد هناك من جيل السبعينات في الشعر الفلسطيني سوى غسان زقطان ومريد البرغوثي . فيما غاب التفعيليون في البلدان العربية الأخرى ، حبوا باتجاه النثر خوفا من النسيان . لم يعد سوى من لم يعطوا البلاغة والحماسة إقامة في قصيدتهم.كلهم ذابوا في تجربة محمود درويش .كان الشاعر يتزحزح ، ويوسع تجربته الشعرية بالركون إلى التفصيلات اليومية ، مع المحافظة على الصوت الغنائي الأسيان ، تجلى ذلك بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان. كتاب'' مديح الظل العالي'' كان آخر ما ينتمي إلى تلك المرحلة وأحد أكثر تجلياتها الشعرية لدى الشاعر.منذ ''حصار لمدائح البحر'' وتحديدا بعض القصائد القصيرة المنشورة في نهاية هذه المجموعة والتي اقتطعها الشاعر من هذه المجموعة وأضافها إلى '' وردا أقل ''. وهي إحدى أجمل مجموعات الشاعر، بدا أن درويش بدأ ينعطف انعطافا كبيرا ناحية علاقته بالمواد التي اعتاد نسج قماشة قصيدته منها .بعد هذه المجموعة كانت للشاعر قصائده الغنائية الطويلة والتي عبر شبكيتها وخيوطها المتشابكة وأصواتها المتعددة أحالت على عدم قطيعة وانفصال الشاعر مع ماضيه الشعري، تماما، بل توسيع التجربة إلى أقصى حد ممكن. ثمة خطابية خفيفة في أغلب قصائده تلينها الغنائية الأسيانة.كان الشاعر جريئا في إلقاء الأسئلة على تجربته الشعرية وعدم الركون إلى ما هو ثابت. كان ينفصل عنها وفي الوقت نفسه تظل قصيدته تسهر على ماضيها. ومن وقت إلى آخر يكتب قصائد تعود إلى هذا الماضي.لقد تحول الشاعر إلى رمز .رمز لفلسطين.والصوت الروحي للشعب الفلسطيني. اسمه يسبق شعره.أحد الشعراء المغاربة وهو عبد الإله الصالحي وصفه مع أدونيس بالصنم ، هذا صحيح فيما يخص درويش ،أما أدونيس فهناك من يتجرأ وينتقد قصيدته أحيانا . أما درويش فلا ، إذ لا نجد مسؤولا واحدا عن صفحة ثقافية يسمح بقراءة مجموعة شعرية لمحمود درويش بالصراحة التي يتم فيها تناول الشعراء الشباب، والتنظير عليهم. . أجد انزياحا يذهب إلى حد الانقلاب التام في الذائقة لدى القراء العرب غير المسيسين بما فيهم محبي الشعر.لا أذكر أن أحدا من جيلي أقصد الأصدقاء والشعراء الذين ينتمون إلى جيل الثمانينات ، كان متحمسا ،إلى مجموعة شعرية كاملة للشاعر .كانت بعض قصائد الشاعر تقرأ بحب خصوصا تلك التي انخفض فيها الصوت العالي ، تلك التي تذهب إلى استكشاف الخارج عبر الذاتي . القصائد التي ينصت فيها الشاعر إلى داخله مضيئا الأعماق الداخلية للذات ،حيث الصوت الأسيان الحزين والشفيف متجليا عبر اللغة النضرة والشفافة . الحماس يوجه إلى أسماء أخرى، عبر كامل مجموعاتهم الشعرية، أسماء أصبحت تشكل مرجعيات شعرية للجيل الجديد ، درويش خارجها : بيضون ، ناصر، خازندار، سعادة، حجار، والشعر المترجم ، فيما ظل الماغوط شاعرا تسعينيا دائما.أما بالنسبة لدرويش كان الرضا يعني قصائد لا كتابا للشاعر، ولم يكن أبدا مرجعية شعرية للشعراء الشباب . أنحاز إلى قصائد درويش الجديدة ، وإلى رقتها الجارحة .مع ذلك هذه القصائد ،أجد صدى شعريتها في نصوص قديمة للشاعر، وتتعبني قراءة قصائده الطويلة.أعماله الشعرية الجديدة شهادة على أن شعر التفعيلة يمكن أن يتأقلم مع المستجدات الشعرية في العالم العربي .إذا استطاع التفعيليون أن يهضموا الإمكانات الكبيرة التي يمنحها النثر للشعر.ليس في قصائد الشاعر من شعار ، بل غنائية ملحوظة وأحيانا عالية ،تحاول أن تدفن في تقدمها وجيشانها الخطابية والحماسة اللتين تفوحان بنسب متفاوتة في بعض القصائد، هذه الحماسة المعكوسة إن صح التعبير حماسة الانهيار والتشظي والتفتت، ممزوجة بالمعاناة الشخصية، حيث الذات الفردية /الجماعية ملتمة على نفسها ومتحدة . أحب أن أقرأ شعر الشاعر ، بمعزل عن آرائه، التي يعلنها من مرة إلى أخرى، حول الشعر الجديد وتتناقلها الصحف كالأخبار السياسية الكبرى .ثم يعاد تصحيحها أو وتكذيبها كما لو كانت تصريحات سياسية لناطقين باسم دول كبرى .أحب درويش كشاعر فحسب.أما آراؤه في الحياة فهذا ما أقرأه في شعره، وحواراته مع الصحف الأجنبية وأنحاز إليها بقوة بالطبع.

****

محمود درويش، ريشة في مهب أرواحنا

قاسم حداد
(البحرين)

ربما نكون قد اكتشفنا فلسطين (مثل منجم أحلام لتأثيث مشروعنا الإنساني) من خلال شعره، أكثر مما عرفناها من خلال أدبيات السياسة والعمل النضالي. هذه هي اللحظة الحاسمة التي وضعت محمود درويش في مهب أرواحنا. نحن الجيل الذي ولد مع ولادة فلسطين لكي تشكل مكوناً أساسياً من جغرافية الروح العربية. هذا الجيل الذي (في معظمه) لم يكن قادراً على معرفة التخوم الواضحة بين تجربته السياسية وعمله الإبداعي. وفيما كنت في الاحتدام نفسه الذي تفرضه علينا طبيعة التجربة ذاتها التي يصدر منه محمود درويش (بالمعنى الانهماك في العمل السياسي المباشر)، علمتنا التجربة أن ثمة دوراً يتوجب على الشاعر ألا يتنازل عنه، وهو دور السؤال الإبداعي. وكنت أرقب محمود درويش عن كثب لكي أرى إلى أي حد يستطيع أن يساعدني (من حيث لا يقصد على مجابهة شهوة النضال في امتلاك الشاعر ومصادرته أحيانا). أظن أن واحدة من أهم إسهامات شعر محمود درويش تتمثل في اقتحامه المشهد الأدبي بالنص الشعري المتصل بفلسطين بوصفها الحلم العربي بامتياز. وكان هذا يتقاطع (عمقياً) مع مجمل التجارب الفردية للعديد من الشعراء العرب من جيله. وظل محمود درويش، عبر مراحل حياته، يجسد الصراع غير المعلن بين السياسي والثقافي الذي لم يكن وقتها مقبولا الكلام عن مجرد التمييز بينهما. وحين كان درويش المرشح العلني لأن يكون ضحية السياسة إنسانياً، ويوشك دائماً أن يكون ضحيتها شعرياً، سوف يقدر، بموهبة الميزان، أن ينقذ النص أولاً من براثن السياسي، كذريعة (لا رادّ لها) ليلحق به الشخص مستغرقاً بحريات الشاعر التي لا تضاهى. كنتُ سميتُ محمود درويش ذات مناسبة (ميزان الذهب)، عندما شعرت به يتقدم برشاقة (غزالة المقاومة) -وهذا التعبير لمحمود- مجتازاً الأشراك المنصوبة لخطواته. ودائما كان درويش يخرج من الامتحان منتصراً (كشاعر) على السياسي. في سياق التجارب الشعرية العربية المعاصرة، تقدم تجربة درويش نموذجاً صادقاً لإخلاص الشاعر وقدرته على الانتصار دائماً على ملابسات الواقع السياسي الذي يتورط فيه معرضاً لضغوطات مركبة ليست على صعيد علاقته الموضوعية بالمؤسسة الفلسطينية الرسمية فحسب، ولكن خصوصاً (وهو الأخطر) على صعيد القراء (وفي حالة درويش يمكن وصفهم بالجماهير) الذين أدمنوا على تعاطي محمود درويش بوصفه الصوت (السياسي) للثورة الفلسطينية وليس باعتباره الجوهر (الشعري) للحلم الإنساني. حتى لكأن ثمة نوعا من التماهي السلبي أحياناً يبالغ في تغييب حرية المخيلة عند الشاعر في سبيل خضوعه للشرط السياسي اليومي والطارئ. وعندما كان درويش يبدو متقمصاً هذا الدور، فإنه كان صادقاً في تلك اللحظة، غير أن يقظته المتحفزة سرعان ما تستعيده لكي يخرج من وطأة تلك الضغوطات ويخرج عليها، حتى وإن تطلب ذلك شيئاً من الاحتدام الحميم مع جمهور القاعة (كما حدث غير مرة) مرسلاً إشارة واضحة بأن ثمة حرية الشاعر التي يتوجب على القارئ أن يعبأ بها ويكترث، لئلا نقول بأن على القارئ أن يدرك حقاً بأن الشاعر ليس موظفاً في مؤسسة القارئ. من هذه الشرفة، ستبدو تجربة درويش منسجمة مع ذاتها، وتتأكد قدرته على اجتياز المراحل متشبثاً بذاته الإنسانية وشخصيته التي تميزه عن شخصية المؤسسة السياسية الرسمية. والذين يتابعون التحولات الجمالية التي تحدث في قصيدة درويش في السنوات الأخيرة، سيدركون أن هذا الشاعر يتقن تصعيد حالته الإنسانية بصورة تتيح له حقاً وضع تجربته الذاتية في سياق أكثر رحابة من حدود الخطاب الصارخ، صادراً من جذوته الأولى المتصلة بالحب. الحب الذي ظل متوارياً يتفلت في نصوص متفرقة في مجمل أعماله السابقة. فمحمود (لمن يتذكره جيداً) بدأ في نصوصه المبكرة يعبر عن درجة صريحة من شفافية العاشق، (حتى أنه قدم نفسه لنا مبكراً بوصفه (عاشقا من فلسطين)، سرعان ما غيب انهماكه المباشر في المسؤولية السياسية ذلك الشغف والنزق العاطفيين الذين يمكن أن يدفعاه للتصريح بحب فتاة في معسكر العدو في صيغة متماهية من هجاء السلاح، وهذه إشارة مبكرة للنزوع الفطري عند الشاعر، إشارة لم يتوقف عندها أحد كما أعتقد. حيث الشاعر أساساً هو رسالة حب عميقة إلى العالم، وليس آلة قتل كما يحاول الكثيرون أن يختصروا الشاعر في حدود الدور الذي يمكن أن يقوم به الآلاف من المقاتلين في ميدانهم. وإذا كنا قد أدركنا ذلك متأخرين فإننا غير نادمين على شيء قدر حسرتنا على فشلنا في إقناع القارئ بالنص وليس رشوة القارئ به، ولعل التجربة الشعرية الكثيفة التي اختبرها محمود درويش منحته كل هذا الغنى والتنوع الذي جعله قادراً على تكوين لغته الخاصة المتميزة في الكتابة العربية (شعراً ونثرا)، وسلحته أيضاً بشجاعة القادر على مقاومة سلطة القارئ، والتصرف بحرية عندما يتعلق الأمر بالشعر. فبعد (لماذا تركت الحصان وحيداً) صار على القارئ أن يتهيأ لمحمود درويش الآخر، المكبوت والأكثر جمالاً، محمود شاعر الحب المؤجل طوال الوقت. وإذا كان الشاعر العربي عموماً قد ظل يعاني الحرمان من البوح بالمشاعر الإنسانية الحرة كالحب والعشق (بسبب الأوهام الأيديولوجية)، فإن الأمر في حالة درويش يتفاقم للدرجة التي تجعل تحوله إلى تجربة (سرير الغريبة) تعبيراً مهماً عن الإخلاص الطبيعي لجذوة الشعر في الشخص الإنساني. وإذا كان البعض لا يزالون يتشبثون بشاعر القضية (كخطاب سياسي)، فأنهم يحرمون أنفسهم (بدورهم) من اكتشاف الجمالات اللامتناهية التي يصعد إليها الشاعر دون أن يتخلى عن حلمه الإنساني، ودون أن يفرط (هذه المرة) في ذاته بوصفها جوهرة المراصد التي ترى إلى الأفق الرحب ولا تقف في حدود الأفق الحديدي الذي تقترحه المشاريع السياسية. في (سرير الغريبة) يعلن درويش ثورته الجميلة هذه المرة. ويتوج تجربته الشعرية التي تأسست بما لا يقاس من المعاناة (على كل صعيد) بالكتابة التي تمنح الإنسان حريته الأجمل. وعطفاً على ما أشرت إليه في البداية، فإن علاقتي بتجربة محمود درويش، بوصفه ريشة في مهب أرواحنا، تدفعني إلى الشعور بأنه الآن يجعل هذه الريشة أكثر زهواً ورأفة بحبنا العميق له، كشخص (شهقنا له بالقلب عندما تعرض لمحنة المرض)، وكشاعر اقترحَ على القصيدة العربية نكهته الخاصة الزاخرة بالمكتشفات. لقد تحققت تجربة درويش في المشهد الشعري بصورة لا تتعرض للالتباس. لأنها واحدة من التجارب الشعرية العربية التي لا يستطيع أحد تقليدها دون فضيحة.

****

العاشق الذي علّمنا كيفيّة العشق

علي الشرقاوي
(البحرين)

لا أعرف من أين أبدأ الحديث عن الشاعر الجميل محمود درويش
هل أتحدّث عن تجربته الشعرية المتأججة باللغة المغايرة ؟
أو أتحدّث عن تجربته الحياتية أو عن علاقتي الشعرية بالتجربتين معا ؟
ولأنني لست بالناقد المتخصّص المهتم بأحدث المدارس النقدية الجديدة في الشعر، ولا أملك إمكانيات المؤرخ المهتم بحياة الشعراء وتأثيرها على تجاربهم الشعرية وعلى تجارب الشعراء الآخرين أجدني أقرب إلى نفسي بالحديث مباشرة عن علاقة تجربتي الشعرية الخاصة بتجربة درويش.
في عام 1966 وأنا أتصفّح إحدى المجلات التي لم أعد أتذكر اسمها الآن
وجدت في أحد أعمدتها قصيدة ( عاشق من فلسطين) للشاعر
محمود درويش قمت بقراءتها عدة مرات بنهم الذي اكتشف شعرا
جديدا مغايرا لما هو مطروح في الساحة الشعرية من قصائد
فلسطينية العينين و الوشم
فلسطينية الاسم
فلسطينية الأحلام والهم
فلسطينية المنديل و القدمين و الجسم
فلسطينية الكلمات و الصمت
فلسطينية الصوت
فلسطينية الميلاد و الموت
حملتك في دفاتري القديمة
نار أشعاري
حلمتك زاد أسفاري
و باسمك صحت في الوديان:
خيول الروم .... أعرفها
و أن يتبدّل الميدان
هذه هي المرة الأولى التي أشعر فيها بتلك العلاقة الرائعة بين الأرض والمرأة و المرة الأولى التي أرى فيها جمال التكرار في كلمة فلسطين التي تؤكد على
الانتماء للتربة و الإنسان العربي فيها، ولأن اسم محمود درويش قريب جدا من الأسماء البحرينية المألوفة عندنا أو من الأسماء التي نقشت في ذاكرتنا الطفلة، ولأنّه غير بحريني فقد تصوّرت في البداية أنه ربما يكون أخا أحد المدرّسين الفلسطينيين الذين قاموا بتدريسي في الصف الثاني إعدادي، وهو الأستاذ عبد العزيز درويش مدرّس اللغة الإنجليزية الذي كنا نكنّ له احتراما كبيرا، و ذلك لطبيعة العلاقة الحميمية التي كانت تربطنا به و التي تجعلنا نزوره في سكن المدرّسين للتحاور معه في الكثير من الهموم المشتركة بيننا.
و بعد أن تعبت من سؤال بعض الأصدقاء المتابعين للشعر عن هذا الشاعر المختلف الذين قالوا إنهم لم يسمعوا به عدت إلى الأصدقاء للانشغال مرة أخرى بتجارب الشعراء الأكثر قربا إلى أفكارنا أحلامنا و طموحاتنا السياسية غير المحدودة بالزمان و المكان من خلال بدر شاكر الثياب و عبد الوهاب البياتي و صلاح عبد الصبور وخليل حاوي إضافة إلى نزار قباني.
ونحن في الصف الأخير من المدرسة الثانوية نواصل طرح الأسئلة التي تحرج المدرسين الذين لا يملكون الإجابة الشافية مثل ما هو مفهوم الديمقراطية و ما معنى الاشتراكية و الرأسمالية والبورجوازية وغيرها من الأسئلة التي كانت تقلقنا كمراهقين نحمل شيئا من بذور التمرّد على كل ما حولنا من قيم و عادات و تقاليد وأنظمة جامدة لا ترغب بالتغيير.
في هذا الجو المكتظ الحالم بالأجمل و الأفضل داهمتنا النكسة فخرجنا
في مظاهرات صاخبة مطالبين فيها بالتطوع للذهاب إلى فلسطين لمحاربة العدو الإسرائيلي ، النكسة التي دمّرت الكثير من المثقفين الحالمين المثاليين كانت بالنسبة للمولودين في عام النكبة بداية للبحث عن طريق آخر وفكر آخر أكثر إضاءة يستطيع أن يقرأ الواقع في هذه الفترة بالذات بدأت بيروت بإيصال شعر المقاومة الفلسطينية إلى القارئ العربي المتعطّش للتعرف على تجارب الشعراء داخل الأرض المسلوبة منا
و إذا لم تخن الذاكرة فإن كتاب ( شعراء الأرض المحتلة ) للشاعر يوسف
الخطيب كان المعجم الجميل الذي من خلاله تعرفنا على محمود درويش
و سميح القاسم و توفيق زياد و راشد حسين، و بدأنا نقرأ أشعارهم ونتابع نضالهم اليومي و نتداول تحركهم في جلسات كنا نعقدها لذلك، وكنا نحسد صديقا لنا استطاع أن يكبّر صورة لمحمود درويش و أخرى لسميح القاسم، و يضعهما إلى جانب صورة جيفارا الذي كان رمزا
للمثقف الثوري في العالم الثالث، ولكن للحقيقة والتاريخ أصبنا بخيبة بعد أن عرفنا أن يوسف الخطيب قد أزاح بعض الكلمات من بعض القصائد مثل أنا من قرية عزلاء منسيّه
و كل رجالها في الحقل و المحجر
يحبّون (..... )
و لكن رغم ذلك يبقى أهم ما أنجزه يوسف الخطيب في تصوّري هو إلقاء الضوء الأول على التجارب الشعرية التي ظلّت طويلا بعيدة عن القارئ العربي . في أواخر عام 1968 ذهبت للدراسة في بغداد، وهناك واصلت متابعة شعر المقاومة الفلسطينية، وبالأخص شعر محمود
درويش، و هناك أيضا بدأت في كتابة أول قصائدي التي تحمل شيئا من النضج الفني و أرسلتها إلى البحرين، ونشرت في صفحتين متقابلتين و كان عنوانها(عاشق الفجر)
و لا أنكر الآن بعد مضي ما يقارب ثلاثة عقود على كتابتها ونشرها أنها كانت متأثرة بقصيدة عاشق من فلسطين سواء من حيث العنوان أوالتفعيلة، وأذكر أنني وقفت ضد بعض الأصوات التي وجهت اللوم لسميح القاسم و محمود درويش لذهابهما إلى أحد المؤتمرات الشعرية بجوازات سفر إسرائيلية، وقد قلت لحظتها:'' إن من يريد إيصال قضيته إلى العالم من الممكن أن يستفيد من كل السبل المتاحة''.
وبعد خروج درويش من الأرض المحتلة إلى مصر، وقفت نفس الأصوات مطالبة ببقائه للنضال من الداخل، وإلا سوف يفقد قدرته على قول الشعر المقاوم، وقلت حينها لبعض تلك الأصوات المتوفرة لدينا بكثرة'': إن الشاعر الحقيقي لا يفقد صوته في أعتى الظروف''، وكان درويش عند وعده لنا كشعراء حيث أتحف القارئ العربي بواحدة من أجمل قصائد تلك المرحلة، وأعني بها قصيدة ( سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا) هذه القصيدة في تصوّري لم تدفع شعرية درويش خطوات للأمام فقط، إنّما أيضا دفعت الشعر العربي بصورة عامة إلى البحث عن مناطق غير مطروقة من قبل و البحث عن لغة جديدة طرية طازجة . وأقول:'' إن درويش علّمني بصورة غير مباشرة كيفية عشق الأرض/ المرأة الأرض /آلام الأرض/ الرغبة بالتغيير، وقد دفعني عبر تجربته الشعرية للتوغل عميقا في النثر الصوفي، بحثا عن المزيد من الالتصاق بالأرض والحلول فيها، والفناء بها من أجل رفعها إلى أعلى منطقة
في هذا الكون. و درويش أضاء أمامي الطريق إلى عشق العالم الحالم بالخبز والحرية و السلام العالمي حيث لا يستغل الإنسان إنسانا آخر، و درويش أعطاني القوة عبر تجاربه الشعرية في مواصلة الكتابة الجادة القادرة على إزالة القبح و زراعة الجمال، لذلك تبقى تجربة درويش أحد الروافد الهامة التي ساهمت مساهمة كبيرة في إثراء وإغناء تجربتي الحياتية و الشعرية، و لا أخجل إن قلت:'' إنّه أحد المعلمين الذين علّموني كيفيّة التعبير عن عشق الأرض و الإنسان''.

****

نصوصه ساعدتني .. على تكوين مذاق خاص لألحاني

خالد الشيخ
(البحرين)

بدأت تجربتي مع نصوص محمود درويش منذ الثمانينات، فكانت نصوصه تمثل لي إغواء للدخول في عالم غريب تتدفق من خلاله الألحان وتتكسر بعض النغمات أمام صلابة تحتويها نصوص محمود درويش.
كنت أقتني دواوينه وأبدأ في التمرين/ الإحماء في محاولات تستهدف موسقة هذه النصوص. وقد ساعدتني تلك النصوص على تكوين مذاق خاص لألحاني التي أقدمها بحيث كسرت عندي النمطية والترتيب فكنت أحاول من خلالها الخروج إلى تخريب النظام السمعي الذي يقود نغماتي، كما أتاحت لي نصوص درويش فتح مسارات جديدة وكثيرة في التعامل مع النصوص. ولدي الكثير من الألحان لقصائد محمود درويش التي أنجزتها في الثمانينات والتي لم تخرج بعد للنور، والتي أرى بأنها لا تصلح لأن تقدم الآن بالشكل الذي لحنت به في تلك الفترة لأنها بحاجة لمراجعة عمقية.
نصوص محمود درويش عصية على الزمن لا تتغير، قوتها فيها، ولكني أنا الذي قد تغير، فعندما ارجع الآن للأعمال التي حاولت أن أقرأ من خلالها نصوص درويش بعودي في الثمانينات أجد بأنها لم تتغير ولكني أصبحت بقراءة الحاضر أكثر قدرة على أن أكتشف في النصوص أمورا لم اكتشفها من قبل. فتعاملي مع النصوص الآن مغايرا لتعاملي معها في الثمانينات، وذلك بسب التطور الذي حدث لي في الخبرة وفي العمر، فأصبحت أركز في تلحين النصوص على التعبير عن ما تتضمنه من مشاهد ودراما، كما أصبح تعاملي معها أكثر حرية من قبل من حيث تفكيك النص بالموسيقى لدرجة أن ألجأ إلى أية جملة في النص لتكون هي بداية عملي في القصيدة.
تناولي اللحني لنصوص محمود درويش في الثمانينات كما في تجربة قصيدة أبيات غزل عام 1984 كانت ترتكز على دوري كملحن للنص، بحيث اعتبرت أن كل مقطع في القصيدة بحاجة إلى لحن، وكنت أسعى إلى تقديم ألحان كثيرة للنص الواحد، بخلاف ما أقوم به الآن من حيث التركيز على اختصار الألحان. فالفارق بين أسلوبي في تناول نص قصيدة أبيات غزل عام 1984 أو قصيدة عندما كنت صغيرا عام 1985 وبين قصيدة لحن غجري التي قدمتها في ألبوم رحلة الغجر عام2002 هو فرق في اختزال النص داخل فكرة أو فكرتين لحنيتين، فاستطعت الآن أن أجعل الموسيقى في لحن رحلة الغجر تضع القصيدة أمام احتمالات لحنية ضيقة، بدلا من ترك النص مفتوحا لمقترحات لحنية واسعة.
وهذه هي الموضة السائدة موسيقيا في عالم صناعة الأغنية اليوم، بخلاف الوضع في التناول اللحني لقصيدة أبيات غزل حيث تمددت القصيدة على مجموعة ألحان، وتحولت إلى عدة أغانٍ في أغنية واحدة، يمكن الفصل بينها لتكوين ثلاث أو أربع أغاني، فاستمرارية النص وهو مكتوب تختلف عنه وهو مغني، ويبدو ذلك جليا عند الحديث عن الخطأ الذي وقعت فيه عند تلحين إحدى فقرات نص قصيدة أبيات غزل بشكل مغاير عما كتبه الشاعر وذلك في المقطع الذي يذكر فيه :
أتفاحتي يا أحبّ حرام يباح
إذا فهمت مقلتاك شرودي وصمتي أنا
عجبا كيف تشكو الرياح بقائي لديك
فعند الرجوع إلى لحن الأغنية كما قدمته تجدني قد أنهيت جملة اللحن عند كلمة صمتي وفصلتها عن كلمة أنا، حيث التحقت '' أنا '' بكلمة '' عجبا '' مما سبب إرباكا في صياغة الجملة، فأصبحت كما يلي :
أتفاحتي يا أحبّ حرام يباح
إذا فهمت مقلتاك شرودي وصمتي
أنا عجبا كيف تشكو الرياح
بقائي لديك
ولم تكن مسألة الاتصال بدرويش للتفاوض حول هذه الأمور وغيرها بالأمر السهل لذلك وطوال تلك الفترة السابقة وحتى الآن لم تكن لي صلة شخصية معه سوى اتصالات هاتفية للحصول منه على موافقته لغناء أعماله، وقد بعثت له بمجموعة من الأعمال إلى رام الله قبل اجتياحها ولكنها للأسف لم تصل له بسبب سيطرة إسرائيل على جميع المراسلات.
واستضافة البحرين لمحمود درويش ضمن مهرجان ربيع الثقافة في البحرين سوف تنيرها، فوجوده ينير أي منطقة يتواجد فيها، وأتمنى من البحرين أن تستفيد من نوره ونور ضيوف المهرجان القادمين، بحيث تدرس تجاربهم للوصول إلى الكيفية التي تحولت هذه الأسماء إلى أنوار وأسماء أخاذة ومهمة تحرص المهرجانات الثقافية العربية والعالمية على دعوتهم للمشاركة فيها، ثم تعمل على إيصال المبدع البحريني إلى هذه المكانة.

خالد الشيخ
البحرين
مارس 2006م

***

أعمال الفنان خالد الشيخ لقصائد محمود درويش

1- عام 1984م قصيدة أبيات غزل ضمن أعمال ألبوم ( ألا يا مدير الراح ).
2- عام 1985م قصيدة غريب في مدينة بعيدة -عندما كنت صغيرا - ضمن أعمال ألبوم (يا عبيد).
3- عام 1987م قصيدة حب على الصليب (قصيدة حب ) ضمن أعمال ألبوم (ديسكو).
4- عام 2002م قصيدة لحن غجري ضمن أعمال ألبوم ( رحلة الغجر).
5- عام 2004م قصيدة موال ضمن أعمال ألبوم (صباح الليل).

****

قصائد ضد كل الطامعين فيه

حسين بن حمزة
(سوريا/لبنان)

معظم قراء محمود درويش اليوم يميلون، برغبة صريحة أو على مضض، إلى قراءة شعره بالطريقة أو بالوجهة التي يحب هو أن يقرأ بها هذا الشعر. و الأرجح أن هؤلاء يتصرفون هكذا تبعا