لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة
جهة الأسبوع



































 

ممدوح عدوان تحية ليدين لا تتعبان

ممدوح عدوان

  • عدوان آخر شعراء اليقين القومي
  • أنهى "كتابة الموت" تاركاً أعداءه خلفه
  • ممدوح عدوان رحل واقفاً كالأشجار
  • انتصر على المرض ورحل مظللاً بحروف القصائد
  • ممدوح عدوان.. خلود الأمل
  • ممدوح عدوان.. زوربا العربي
  • تشييع عدوان في قرية " دير ماما" السورية
  • كل ما كتبه هو (لا) كبيرة ضد الظلم والاضطهاد
  • مات ممدوح عدوان
  • صديقي ممدوح عدوان وين رايح!؟
  • رحيل عدوان: شامٌ صغيرةُ لا تتسع لهذه الخسارة الكبيرة
  • ممدوح عدوان في نهاية "المخاض"
  • دمشق تشيّع عدوان
  • ممدوح عدوان ينهض عن مائدة العمر
  • رحل ممدوح عدوان المبدع المتعدد ذو المواقف الساطعة
  • (نسيت صورتي في المرآة)
  • حارس الصخب
  • وداعاً ممدوح عدوان
  • خزعة من قامة ممدوح عدوان
  • ممدوح عدوان كما يراه أصدقاؤه وزملاؤه
  • شهادات تحتفي بالشاعر السوري المشاكس ممدوح عدوان
  • الحياة وحدها تليق بك
  • بعد أن غنى للهوى القتال.. أغنية
  • ربما تركوني أتكلم حينما وجدوا أن صوتي من رأسي
  • ظاهرة ممدوح عدوان
  • عليك تتكىء الحياة
  • بطاقةٌ إلى ممدوح عدوان
  • الإرث الصعب
  • حرية المبدع المتعدد
  • لم ألتق بأمل دنقل.. لأنني أحمله معي !
  • تصنيف النفس يوقع في النمطية
  • حكم البابا (ونوستالجيا الطفولة)
  • لست راضيا ولا غاضبا من الجيل الجديد
  • المدى مُنشِّطاً ثقافياً
  • أن تفهم الفتاة أنني أحبها
  • أعدائي
  • الفن الميت هو فن موتى
  • هوميروس/ الإلياذة
  • الشعر إحساس الدخول في بيت معتم
  • تهويد المعرفة
  • الغالبية تتعامل مع الشعر كمادة للمتعة والتسلية
  • كتاب تهويد المعرفة
  • ممدوح عدوان وطفولات مؤجلة
  • التعذيب تاريخ من الوحشية والتكنولوجيا المتقدمة
  • هكذا يحشو الماغوط مسدسه بالدموع
  • قصائد
  • ممدوح عدوان ومسرحة الجوع والتاريخ
  • سيرة أدبية
  • التاريخ لا يتوقف عند المزاج الشعبي
  • تحولات المجتمع في مونودراما ممدوح عدوان
  • ممدوح عدوان.. والجري وراء قوس قزح
  • مؤتمر ثقافي حاشد في ذكرى ممدوح عدوان
  • كما لو نُودي بشاعرٍ أن
  • شعراء مصريون: عدوان آخر شعراء اليقين القومي

    القاهرة: دينا وادي

    نشرنا أمس بعض ردود أفعال بعض زملائه السوريين على رحيله المفجع، هنا ردود أفعال شعراء وكتاب مصريين:

    في القاهرة تلقت أوساط الشعراء والكتاب خبر رحيل الشاعر السوري ممدوح عدوان بالأسى والحزن.

    يقول الشاعر أحمد عنتر مصطفى: الخبر شلني ويبدو أن الزمن الجميل يتقلص ويموت شيئاً فشيئاً.
    ممدوح عدوان هذا الشاعر والفارس الجميل وآخر ما يسمى بشعراء اليقين القومي الذين يتغنون بمجد هذه الأمة في صوت أصيل متفرد يكتب الشعر، كما يعيشه أو يعيش شعره. ممدوح عدوان فارس في قصيدته وفي شعره، ينتصر في شعره لعروبته وقوميته مبنى ومعنى، فكراً وصياغة، فشعره نموذج لما حققته القصيدة العربية وما انتهت عليه منذ امرئ القيس حتى شعراء الحداثة. كما انتصر ممدوح عدوان في شعره لقيم الحق والخير والجمال، فما من قصيدة لهذا الشاعر تخلو من موقف ورؤية متفردة لعالم عربي إنساني يحلم ويكافح القهر.

    ويضيف أحمد عنتر: يبدو هذا الكلام عاماً ولكن الذي يبقى من ممدوح عدوان الكثير والكثير، هو أقل الشعراء حظاً في الكتابة عنه، لأنه كان يعتنق الشعر مسؤولية لا نجومية، ويرى أن كتابة القصيدة هي أسمى ما يحققه من إنجاز على صعيد حياته الشخصية والفنية، فما من قضية أو هم عربي إلا وأسهم ممدوح عدوان في التعبير عنه بأصالة وحِدة.

    * الجيار: العلاقة بين الشاعر والوطن

    ويقول الناقد دكتور مدحت الجيار، رئيس قسم اللغة العربية بجامعة الزقازيق: أدى الشاعر ممدوح عدوان رسالة شعرية ودرامية وصحافية ومهنية طويلة الأجل، بذل فيها كل ما يمكن لمثقف شاعر من جهد، وأخذ على عاتقه أن يتواكب إنتاجه مع مقولات الحداثة ومع الأشكال الشعرية الجديدة، مما جعله مؤسساً لهذا الجيل من الشعراء السوريين وغيرهم. في شعر ممدوح عدوان تتجلى العلاقة المهمة بين الشاعر وهموم وطنه، وهي الهموم التي يعيشها العالم العربي الآن.
    ويضيف الجيار: ظل ممدوح عدوان حتى الرمق الأخير يتبنى قضايا وطنه ويتبنى قضايا الشعر العربي المعاصر ويساهم فيها بجد واستراتيجية عالمية، كما حاول أن يصل إلى نص شعري عربي بسيط ولكنه يحمل جمالياته الخاصة على المستوى التقني واللغوي. وتشهد أعماله المنشورة في العالم العربي بأنه ظل مبدعاً ومنتجاً حتى آخر رمق. رحم الله هذا الشاعر الجميل وعوضنا عنه في المستقبل القريب.

    * أبو سعدة: النضال من أجل الانسجام

    ويقول الشاعر محمد فريد أبو سعدة: برحيل الشاعر الجميل ممدوح عدوان أصبح العالم أقل جمالاً وأكثر فوضى وصخباً وعنفاً مما كان عليه. ممدوح كان من الطليعة التي تحاول أن تجعل العالم أكثر انسجاماً مما هو عليه، وبفقده نصبح أكثر يتماً أمام هذا العالم الغريب. لم تمر سوى سبعة شهور على لقائنا ولا أستطيع الكلام أكثر من هذا.

    * داود: إخلاص لقصيدة الرواد

    ويقول الشاعر ابراهيم داود: يوجد أكثر من ممدوح عدوان، فهو الشاعر الذي ظل ملتزماً تجاه قصيدة الرواد في الشعر العربي ولم يبرحها وظل مخلصاً لها، وإخلاصه لهذه القصيدة أدخله في حالة لافتة خلال سنواته الأخيرة، حيث انغلقت قصيدته عليه، فما كان أمامه سوى اللجوء للمسرح الشعري للاستفادة من تعدد الأصوات والبحور داخل النص، فأنجز أشياء جميلة، وهذه المرحلة أغلقت ولجأ إلى الدراما التلفزيونية.
    ويضيف داود: ومن المفارقات الغربية خلال السنوات الأخيرة، أن محمد الماغوط كتب قصيدة عنه، وشعرت من خلال قصيدته أن ممدوح عدوان في أزمة، وكانت بمثابة تكريم مبكر لممدوح عدوان بالرغم من اختلاف تياريهما وجيليهما. فجيل عدوان يعتبر من أكثر الأجيال التي شعرت بالهزيمة، وفي ظل هذا الشعور أرى أن هزيمة الشعر الذي يكتبه ممدوح عدوان، هي التي أماتته وليس المرض.

    الشرق الأوسط
    22 -12 2004

    ***

    ممدوح عدوان رحل واقفاً كالأشجار

    حازم سليمان

    توفي في دمشق مساء أول من أمس الشاعر والمسرحي والمترجم المعروف ممدوح عدوان عن عمر ناهز الثالثة والستين، بعد صراع مع مرض السرطان، ويعتبر الراحل ممدوح عدوان المولود في قرية قيرون التابعة لمنطقة مصياف 1941 واحداً من الاسماء الثقافية العربية البارزة، والتي اتسمت بالعطاء الفريد والمتنوع في الكثير من المجالات الإبداعية وحتى اللحظة الأخيرة من حياته.

    وبرحيل عدوان فإن الوسط الثقافي السوري والعربي يخسر شخصية من شخصياته الإبداعية التي كانت تتمتع بحضورها الخاص والمتفرد، فلم يكن عدوان ذلك المثقف المنغلق على نفسه، بل كان مثالاً حياً للإنسان المتمسك بالحياة بكل مفرداتها. والمنتمي إلى جذوره التي لم ينقطع عنها أبداً، بل انه كان يراهن عليها ويعتبرها محوراً أساسياً من محاور مشواره الإبداعي الذي بدأه شاعراً ثم امتد نحو حقول الترجمة، والمسرح، والدراما التلفزيونية.

    بين البداية في قريته الصغيرة "قيرون" والنهاية في العاصمة السورية. مشوار طويل خاض عدوان، فيه الكثير من المعارك، لإثبات الوجود، لكن الغلبة نهاية المطاف كانت للإبداع ولحضوره.

    وللزخم الذي ميز تجربته في الستينيات من القرن الماضي ظهر ممدوح عدوان للمرة الأولى مع عدد من المثقفين الوافدين إلى مدينة دمشق من القرى البعيدة والفقيرة، كان من بينهم هاني الراهب، سعد الله ونوس، نزيه أبو عفش وكان قد سبقهم إليها علي الجندي، ومحمد الماغوط، وكانوا في ذلك الوقت من حملة شعارات الوحدة العربية وتحرير فلسطين.

    وغيرها من تلك الأحلام التي تعرضت للخيبة تلو الأخرى، لكن ما ميز عدوان أنه ظل على قيد التفاؤل، وظل على درجة كبيرة من الإيمان على الأقل بالناس، وبالشارع، رغم انه أعطى لكتابه الأخير عنوان "حيونة الإنسان" هذه "الحيونة" .

    وضع فيها الراحل دفقة وحشية من مشاعره تجاه الاضطهاد والقمع وغسل الأدمغة وكل ما تعرض له الانسان العربي من محيطه إلى خليجه من تحولات مفتعلة قادته إلى هذه اللحظة المأساوية الدموية، التي كان يقابلها بالكثير من الضحك والسخرية، وكأنه كان يسخر من ألمه ويمارس عليه قسوة، هي في نهاية المطاف قسوة على الذات.

    "الظل الأخضر" هو عنوان الديوان الشعري الأول للراحل ممدوح عدوان وصدر عام 1967 في عام النكسة التي شكلت لجيله ضربة قاصمة للظهر، ثم امتددت هذه التجربة التي اتسمت بالكثير من التنوع والتعددية حيث أنجز 24 عملاً مسرحياً، بالإضافة إلى روايتين، وثلاثة وعشرين كتاباً مترجماً منها الإلياذة والأدوية.

    وسيرة جورج أورويل وعدة مسلسلات تلفزيونية، كل ذلك ولم يكن الراحل خارج دائرة الحياة اليومية، فلديه المقال اليومي والأسبوعي والشهري، ولديه القدرة في أي مكان تذهب إليه في دمشق، تصادفه في المقهى والمسرح والمعارض، والندوات، والتجمعات الثقافية.

    هذه الحالة الاستثنائية من النشاط والعطاء تشبه سباق الزمن ويمكننا هنا تذكر قوله في إحدى حواراته الصحفية "لدي إحساس بأن الوقت ضيق جداً، لان حجم الأشياء التي نتعامل معها أكبر وأوسع بكثير من الوحدة الزمنية المتاحة، ومع ذلك ورغم كل ما أنجزته أحس فعلاً ان هناك أشياء في داخلي لم أعبر عنها بعد".

    وفي العدد الأخير من مجلة بانييال الانجليزية الذي خصص عن الراحل ملفاً خاص يقول في إحد مقاطعه "في كل ما كتب عدوان، كان مثالاً للمبدع الجوال والطليق بين أجناس الكتابة، يبدأ من القارئ أو المستمع أو المتلقي الذي يقاسمه عدوان الحرمان والعذاب.

    وهو الذي أملى عليه ان يتعامل مع الأشياء المعيشية اليومية". صوت ممدوح عدوان أم أصوات ممدوح عدوان، حيث تختلط بقايا "بردي" بخرير النهر الجميل الذي كان، وكرامة الشيخ الأفريقي برسائل نيرودا، وملامح الأنظمة الفاسدة العربية بملامح المستبد العثماني، الذي يقتلع الليمون ويضع فوقه شواء فاسد الرائحة. ربما تلخص روايته المتميزة "أعدائي" أشياء كثيرة من شخصيته. فهي تندد بالاستبداد العثماني كي تندد بالاستبداد والفساد في جميع العصور.

    وهي تدع الروائي ـ الشاعر يكتب التاريخ الحقيقي، لان مؤرخ السلطة لا يكتب الا الحقيقة التي تريدها السلطة، وهي تستعيد أطياف مشاعر يهودي حالمة بعالم جديد، بعيدا عن العنف الشاروني وعنف الصهاينة الذين سبقوا شارون. في هذا كله يكون عدوان مثقفا تنويريا ديمقراطيا، وامتدادا نجيبا للمثقف التنويري العربي، الذي علا صوته مرة، قبل ان تكتسحه الهزيمة، التي بدأت في الخامس من يوليو 1967، ولا تزال متعاظمة حتى اليوم.

    ان رحيل ممدوح عدوان مؤلم بالنسبة للكثيرين، وخاصة لمن عرفوه عن قرب، ولامسوا تلك الشجاعة منقطعة النظير التي واجه بها فكرة الموت في أيامه الأخيرة، فقد رفض وصاية الأطباء، وظلت السيجارة بفمه والليل من اعز أصدقائه، ضحكته المجلجلة، ولهجته القروية القاسية، وظل هو كعادته قوياً شجاعاً، ليموت واقفاً كالأشجار.. وداعاً ممدوح عدوان.

    البيان- الإمارات
    20 Dec 2004 20

    ممدوح عدوان.. خلود الأمل

    د. حسن مدن

    ذات يوم من عام 1984 كان في هافانا، عاصمة كوبا البعيدة، هناك رأى بغتة تمثالاً مذهلاً لدون كيشوت على ظهر جواده وبيده رمحه. إنها الصورة المألوفة لدون كيشوت، ولكن هذا التمثال كان محبوكاً من الخيزران، وقد أعطاه هذا الخيزران قوة لا يمكن توقعها. ان قضبان الخيزران استطاعت إظهار عضلات الحصان بشكل لم يسبق له أن رآه في اي تمثال سابق، ثم انتبه الى الرجل الذي يمتطي الحصان، أي دون كيشوت نفسه، الخيزران ذاته الملفوف ليشكل كتفيه وزنديه وصدره وفخذيه أظهره شخصاً خيزرانياً، للمرة الأولى يبدو دون كيشوت أمامه نحيلاً وقوياً وليس هزيلاً، وكان نحوله نحول شخص كله أعصاب متوترة، وهي أعصاب توحي بالقوة والعزم والإرادة، وبالإضافة الى ذلك كان فيه عضل. انه العضل الذي نعرفه عند لاعبي الكاراتيه وفنون القتال، عضلات الأجسام المفتولة التي ليس فيها جرام واحد زائد. كل ما تراه من الجسم لازم له، كل ما فيه عزم وقوة وفحولة. ‏

    حين شرح ما رآه كتب: "لو أنني استطعت تصوير ذلك التمثال لفزت بأجمل صورة يمكن ان يحصل عليها مصور للرجل المثالي". وسيتخذ من ذكرى هذا التمثال في هافانا البعيدة توطئة لشرح موقفه من فكرة الرجل الذي يواجه قدره، مواجهة مستحيلة مع أخطاء العالم، وهذا ما فعله في حياته كلها، وما فعله بخاصة منذ ان أخذ يصارع الموت، هو الذي جبل على حب الحياة. سنوات مرت وهو في هذا الصراع الذي كان هو الآخر دونكيشوتياً، بطولياً، بالمعنى الذي يجعل من هذا الموقف مغزى، وبالصورة التي تجعل للبقاء، للحياة، مغزى. لذا فإنه فعل ما فعله مواطنه الراحل سعدالله ونوس، جعل من الكتابة وسيلة مقاومة حتى الرمق الأخير. ليس عبثاً انه عقد مقارنة بين دون كيشوت، بطل سرفانتس، وأحد شخوص مسرحية "منمنمات تاريخية" لسعد الله ونوس: آزدار آمر القلعة الذي قال: "إني أتحصن في هذه القلعة وأكابد هذا الحصار لا لكي أرضي سلطاناً أو أحمي إمارة. إني هنا لكيلا يقال في قادم الأيام: اجتاح تيمورلنك هذه البلاد ولم يجد من يقاوم ويقول: لا، إني هنا لكيلا يموت الشرف في هذه الأمة". ‏

    على خط الدفاع الأمامي، على جبهة الثقافة، كان ممدوح عدوان منافحاً عن فكرة المقاومة. بل كان مقاوماً للهزيمة، هو الذي يدرك شأنه شأن اي مبدع كبير، بما يملك من رهافة حس وبصيرة يقظة، ان هزيمة النفس، هزيمة الذات هي الهزيمة الحقيقية التي تجعل من الهزيمة الشاملة قدراً لا راد له، لذا فإنه كان يعمل من موقعه: مسرحياً وشاعراً وكاتباً للدراما ومترجماً للآداب العالمية. من أجل الانتصار للحياة، من اجل ان يظل الأمل باقياً، ليس فقط لأن الأمل آخر ما يموت، كما تقول حكمة روسية، وإنما من أجل بلوغ تلك الحال التي لا يعود بوسع الأمل فيها ان يموت. ‏

    الخليج
    الأربعاء 22/12/2004

    تشييع عدوان في قرية " دير ماما" السورية ‏بعد وفاته بالسرطان

    دمشق: بارعة ياغي

    مؤلف " الزير سالم" يخلف أكثر من 80 كتاباً شعرياً ومسرحياً وروائياً

    يشيع اليوم الكاتب و الأديب السوري ممدوح عدوان الذي توفي يوم أول من أمس ـ بعد صراع طويل مع مرض السرطان ـ في مسقط رأسه في قرية " دير ماما" قرب مصياف التابعة لمحافظة حماة.

    ويعد الأديب الراحل واحدا من أكثر الأدباء السوريين غزارة و تنوعا في الكتابة الشعرية, والمسرحية و التلفزيونية, لديه ما يزيد على 80 مؤلفا منها(17 مجموعة شعرية), و ( 26 مسرحية), و ( 16 مسلسلا ) و روايتان, إضافة إلى ترجماته عن عدد من اللغات العالمية.

    و عدوان معروف بمشاكساته الفكرية و الثقافية, وذلك من خلال مشاركته في ندوات ومؤتمرات أدبية في عدد من الدول العربية والأجنبية, وكانت له مساهمات نقدية وأدبية بارزة على الساحة الثقافية العربية. كما حصل الكاتب الراحل عدوان على عدد من الجوائز الثقافية والأدبية تقديرا لعطاءاته الكبيرة للثقافة العربية. ولد الكاتب ممدوح عدوان عام 1941م في قرية (دير ماما) وتلقى تعليمه الابتدائي

    والإعدادي والثانوي فيها, ويحمل درجة الإجازة في اللغة الإنجليزية من جامعة دمشق, عمل في الصحافة الأدبية وكتب عددا من النصوص التلفزيونية منها: الزير سالم و دائرة النار و جريمة في الذاكرة. وعمل الكاتب الراحل في الصحافة الأدبية والتلفزيونية كما كتب كثيراً من المقالات في الدوريات السورية والعربية ومن أعماله في الترجمة: مذكرات "كازانتزاكيس" و "تقرير الى غريكو" و ترجمة لملحمة "الإلياذة" و جزءا من ملحمة "الأوديسة" لهوميروس.

    و من أبرز الإنجازات الأدبية للأديب الراحل عدة كتب, منها: المخاض مسرحية شعرية عام 1967م , والأبتر (قصة) 1970م, ومحاكمة الرجل الذي لم يحارب (مسرحية) 1970م, و يألفونك فانفر 1977م, وليل العبيد 1977م , و هاملت يستيقظ متأخرا (مسرحية) 1977م, و زنوبيا تندحر عدا مسرحية لو كنت فلسطينيا شعر و مذكرات كازانتزاكيس ترجمة جزءان 1980/1983 وحكي السرايا والقناع (مسرحيتان) 1992م.

    كما كانت لعدوان تجربة غنية في مجال الشعر, الذي بدأ بنشره في عام 1964م في مجلة الآداب اللبنانية و غيرها , و له عشرون مجموعة شعرية منها: الظل الأخضر 1967م , وتلويحة الأيدي المتعبة 1970م, و الدماء تدق النوافذ 1974م , و أقبل الزمن المستحيل 1974م, و أمي تطارد قاتلها 1977 م , و لا بد من التفاصيل, و للخوف كل زمان, "الوطن" حاولت الاتصال ببعض أصدقاء الراحل الأديب, و لكنها لم توفق بكثير منهم, وأولا كان لنا اتصال مع الشاعر و الأديب محمد الماغوط, الذي اعتذر عن التعليق مؤكدا أنه "مازال في مرحلة الصدمة لدى سماعه نبأ وفاة عدوان".
    وقد عدَّت الشاعرة مديرة المركز الثقافي في مدينة مصياف فادية غيبور في شهادتها لـ "الوطن" الشاعر ممدوح عدوان واحدا ليس من أهم أعلام الثقافة في سورية و حسب و إنما في الوطن العربي أيضا, وأن آخر منبر وقف عليه لإلقاء قصيدته (مصياف) هو منبر المركز الثقافي في مصياف, وذلك أثناء تكريمه يوم الثلاثاء المنصرم في 14/12/2004م من قبل جمعية الشعر في اتحاد الكتاب العرب, و يقام عادة في دمشق إلا أن إصرار الأديب عدوان على نقله إلى مصياف, و هذا الشيء يجعلنا سعداء
    ونعتز بمسألة اهتمام الشاعر بمسقط رأسه".

    الشاعرة السورية مناة الخير قالت في شهادتها لـ "الوطن" "مبدع بعيد عن التنظير و الأيديولوجيات، فعندما كتب مسلسل الزير سالم حمله كثيرا من المعاني و الإسقاطات ذات البعد الإنساني و السياسي".
    و ممدوح إضافة إلى كل جوانبه الإبداعية المتعددة " كان يمتلك حسا فكاهيا, بطريقة استطاع معها أن يحول أي شيء درامي إلى سخرية لاذعة, تذكرنا برسومات الكاريكاتير العربي ناجي العلي".

    * * *

    مات ممدوح عدوان

    حكم البابا
    (سوريا)

    لم يخطر في بالي ولا في يوم من الأيام أن أكون أول من سيسمع خبر موت ممدوح عدوان من الطبيب الذي أعلن وفاته ، ولم أتخيل أني سأكتب بيدي نعوة ممدوح عدوان التي ستلصق في الشوارع ، ولم أفكر بأن ممدوح عدوان سيموت ، فحتى في أيام مرضه كنت أعتقد في داخلي أنه في يوم ما سينتصر ممدوح عدوان على المرض كما في كل معركة دخلها ، ولم أكن أظن أني سأكون آخر من يقبّل الجسد المسجى لممدوح عدوان في غرفة إسعاف في مشفى دمشقي ، ولكن مالم يخطر لي أو أتخيله أو أفكر به أو أظنه حدث كلّه دفعةً واحدة بمصادفة من أسوأ مصادفات حياتي ، وللصدفة السيئة عشت كل هذه المستحيلات دفعة واحدة ، وخلال مدة بدت لحظات خاطفة وهي كذلك بالفعل.

    ومع أن كل ذلك حدث لا أستطيع أن أصدق أني لن أتصل بممدوح عدوان غداً أو بعده لأخبره أني قادم لزيارته ، وأستفتيه في أي نوع من الكليسترول (كما كنّا نشفر مسميات الطعام الدسم) يشتهي لأحضره معي ، كما فعلت يوم الوفاة ، وكانت الروح لاتزال عالقة في جسده ، فممدوح عدوان يمثل بالنسبة لي أكثر مما أظن ، ولايزال صوته الناري في أذني على الشريط المسجل في اجتماع أعضاء الجبهة الوطنية التقدمية الشهير في نهاية السبعينيات مع الكتاب والصحفيين ، وهو أول معرفتي به من غير لقاء ، والتقيته لأول مرّه في عام 1979 فلم تتغيّر صورة الكاتب المقاتل العنيد ، وله فضل عليّ وعلى إدارة حياتي فيما بعد ، وبيقين يصل إلى حد التأكيد أقول أن حياتي كانت ستبدو أقل شراسة مما هي عليه الآن ، وعنادي كان سيصبح أكثر ليناً لو لم ألتق به أول مرّه في اللاتيرنا ، وثمة قاعدة في الكتابة والحياة علمني إياها ممدوح عدوان وأنا لاأزال أسير عليها ، وقد ذكرته بذلك قبل أيام قليلة من وفاته ، قال لي وهو يرسم دائرة بيده ، هذا هو الهامش المعطى لنا ككتاب ، عليك ككاتب أن لاتقف في منتصف الدائرة ، لأن هناك من سيضيقها عليك فيما لو فعلت ذلك ، مهمتنا ككتّاب أن نقف عند جدارها ونحاول توسيعها ، وممدوح عدوان واحد من قلّة من الذين وسّعوا هامش الحرية في سورية ، وفي زمن كان فيه الهامش أضيق من شفرة السكين ، مرة بالشعر ، ومرة بالمقالة ، ومرّة بالندوة ، وكان يتلقى شتى الاتهامات مرّة ممن يملكون الهامش ، فتهمهم جاهزه ، وعقابهم حاضر ، فمنع من الكتابة ، ومنع من السفر ، وسحب جواز سفره ، ونقل من جريدة الثورة كصحفي لمترجم في وزارة الإعلام ، وفرزت سيارة مخابرات لمتابعته ، ولكن ممدوح عدوان لم يستسلم ، وفي حين كان يكبر كل يوم كان أعداؤه يصغرون يوماً بعد يوم . وكان يتلقى من وجه العملة الآخر تهماً مناقضة تماماً للأولى ، فيتهمونه بالعمالة للمخابرات ، وكان دليلهم الوحيد أنه شجاع وصاحب لسان طويل ، ويقولون لك كيف بإمكانه أن يحكي لو لم يكن كذلك !

    كانت مشكلة ممدوح عدوان أنه رجل مختلف بين أشباه ، وتعب طويلاً ليقنع الجميع بنفسه وبكتابته ، وعندما فرضت موهبته وشغله ومثابرته نفسهم دخل في صراع غير متكافئ مع عدو من من نفس فصيلة أعدائه السابقين إنما هذه المرة هوجم من الداخل لا من الخارج ، جاء مرض السرطان ليواجه ممدوح عدوان ، ودخلا في مكاسرة بالأيدي ، وكنت أراقبه من زيارة لزيارة ، تارة يثبّت المرض ويلوي له ذراعه ، وتارة يأخذ السرطان ثأره منه ، قال لي زياد ابنه قبل أيام إن أباه كان يقول له في بداية المرض ، سأعيش ، لكنه في الفترة الأخيرة بدأ يتحدث عن الموت ، وسمعت من إلهام رفيقة عمره كم كان يشعر بالأسى لأن أحداً لم يطلب منه في أيام مرضه أن يكتب زاوية أسبوعية لصحيفة أو مجلة ، وكبرياؤه يمنعه من أن يطلب ذلك من أحد ، ولربما مات ممدوح عدوان بمرض الإهمال لابمرض السرطان.

    منذ يومين شاهدت صورة قديمة لممدوح عدوان كان فيها في عنفوانه ، ساموراي في الكتابة ، هي التي انطبعت في ذاكرتي في كل لحظة أتخيله أو أتذكره فيها ، ولم تمحها صورة الجسد المتهاوي الذي يستند على ابنه زياد وهو يصعد منصة حفل الافتتاح في مهرجان دمشق المسرحي الأخير ، ولكن اليوم ماالذي أستطيع قوله وأنا أنظر إليه للمرة الأخيرة مسجى في غرفة إسعاف ، وأتذكر تاريخاً من حبي له كمعلم وكصديق ، وأحقد على من حاربوه طوال حياته ، وسمموا له عيشته ، وأفكر كيف كان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك برجل أعطى سورية أكثر مما أخذ منها ، بينما هم الذين أخذوا منها ولم يعطوها إلاّ الخراب والفساد ، من وزراء الإعلام الذين سدّوا بوجهه الطرق ، وبعضهم بقي طوال ثلاثة عشر عاماً هي كل فترة وزارته يطارده ويطارد غيره من المثقفين الشرفاء ، إلى كومة المخبرين الذين كتبوا فيه التقارير وباعوه بثمن بخس ، إلى المعارضين الذي لوثوا رداءه النظيف ، إلى شقيق كل هؤلاء وابن فصيلتهم مرض السرطان .
    واليوم نحن أمام حقيقة أكيدة هي أن ممدوح عدوان مات ، ولاينفع رثاء ولاندب ، ويعزي كلام عن أدبه الخالد يقوله في حفلات التأبين من ساهموا بموته ، لكن ربما مايعزّي فعلاً أن نتخيل ممدوح عدوان جالساً مع اكسسوارته الدائمة (السيكارة المشتعلة وكأس العرق وسعاله المستمر) جالساً في مكان ما في الأعلى وهو ينظر إلينا نندبه وهو يتسلّى بمشهدنا الليلة ، وكل من عرف ممدوح عدوان سيراوده مثل هذا الخاطر ، لأن من عرفه لايصدق حقيقة موته وهي حقيقة بالفعل ، فمن الصعب أن نفكر بأن ممدوح عدوان قادر على الموت بهذه السهولة ، وسيمضي وقت طويل لنتأكد بأنه تركنا وفعلها ومات !


    * * *

    رحيل عدوان: شامٌ صغيرةُ لا تتسع لهذه الخسارة الكبيرة

    علي عبد العال
    (العراق)

    أول مرة قابلت فيها الشاعر الراحل ممدوح عدوان كانت في دمشق أواسط الثمانينات، وآخر مرة كانت منذ بضعة أشهر في دمشق أيضاً. كنتُ أعمل في مجلة "نضال الشعب" الفلسطينية آنذاك. جاء إلى المكتب الواقع في ساحة الميساء بقلب العاصمة دمشق، وبدا رائعا وجميلاً وحيوياً مثل مسرحياته وشِعرهِ ومقالاته الحارة. شَعره الأسود الجميل المنسدل على جبين ضيق ذكي، لا يشبه جبين الفرسان الرومانسيين في الكتب، وإنما هو الأقرب إلى وجوه أبناء البلد النزقين، الأذكياء، الجريئين، المتمردين. نظرات خاطفة وحادة تغسل الواقف أمامها بسرعة جنونية تفوق سرعة الضوء، تعرف وتكشف مباشرة بعض الشيء الداخلي، وتحيط بالملمح العام بومضٍ برقي لا تشفع صراحته وصرامته سوى ضحكة خجولة وبسمات تنطلق من فم واسع مزموم دوما على شكل ابتسامة غامضة.
    كنت أعجب أن أراه في هذا المكتب الصحفي الذي أعمل فيه؛ لقد جاء لقضاء شغلة أو متابعة مقال يخصه في المجلة. لكن شغف الصحفي الشاب العراقي القادم من بغداد المحتقنة بالصمت والخوف لم يتورع عن إظهار الفرح بلقاء شاعر مشهور تُعرض مسرحياته على صالات الفقراء والتقدميين السوريين كصالة "القباني" وغيرها. فعرضتُ عليه مباشرة إجراء حديثا صحفيا يخص المجلة منذ اللحظة الأولى. شعر كذلك بالفرح والغبطة وشرب الشاي سريعا بانتظار موعده، لكي يغيب مع رئيس التحرير، وخرج دون أن أعرف متى، حتى أنه لم يسال عن الصحفي العراقي الذي أراد إجراء مقابلة معه. ربما ترفعا أو تواضعا، لا أدري الآن. بعد حوالي العشرين عاما أراه بشكل مختلف تماماً في مكتب الشاعر السوري بندر عبد الحميد بدار "المدى للثقافة والفنون" بدمشق. لا أخفي جزعي وحزني وعدم إمكانيتي على تقبل الأمر كما هو. ذُهلتُ تماماً من عيني وهي ترى مظهر ممدوح عدوان بهذا الشكل الغريب. كرهتُ تقبل هذه اللحظة، الصدمة، وكنتُ أفضّل الهرب على رؤية شاعر جميل يمر بمثل هذه المحنة. لم أخبر الصديق العزيز الشاعر بندر عبد الحميد بهذه التفاصيل التي أكتبها الآن، ولم يفهم سبب هروبي من المكتب الذي كان يضم العديد من الشعراء والأصدقاء الآخرين. كان ممدوح أصلعاً وسميناً بحيث لا يشبه نفسه ولا يشبه روحه ولا قصائده. أو هكذا خيل إليّ الأمر. لعلي كنتُ أحلم أن أراه بأفضل حال. أو على الأقل أن لا أراه على الإطلاق هكذا عن طريق الصدفة من دون الاستعداد لفهم الوضع جيدا. ومثلما تركني في مكتب نضال الشعب وغادر من دون إحساسي غادرت المكتب بذات الطريقة، من دون إحساسه، بيد أن الألم كان يعتصر روحي إلى حد الرغبة المجنونة بالبكاء سخطا على الزمن.

    تصورت أن بالإمكان الهروب من العاقبة، ومن الحقيقة بمجرد الشعور بالألم والبكاء. لا يجدر بالإنسان الهروب من الحقيقة مهما كانت لعينة وقاسية ومحرجة. لكنني كنتُ أقضم هذه الحقائق السرية بقلقٍ وبمزاجٍ عصبي كما يقضم طفل قلق أظافره الصغيرة في حضرة معّلم. هاهو يموت ويرحل ليلقى الظلام الرحيب. بينما نبقى نحن نعيش في نور الهروب الأبدي الواسع، الخالي من الرحمة..
    بعيداً جدا ونائياً، بالقدر الذي لا يسمح لي حتى بإلقاء وردة حمراء صغيرة مثل قبلة حارة على نعشه، أو على قبره. أنا نفسي أعتقد أنني متُ من زمان لولا هذا الطبيب الغجري الحقيقي الشاعر الساحر بندر عبد الحميد، الذي له طاقة طبيعية هادئة تبث الحياة والروح الجديدة في الأشياء الخاملة. كنت أذبل مثل رأس فجل مضى على قطفه عدة أيام وأنا في الطريق إلى الأهل في العراق بعد ربع قرن من الغياب. فكان يأخذني إلى "سوق التنابلة" في الشام. وكنت أظن أن البائعين هم التنابلة، وظهر العكس مما كنتُ أظن بالضبط، كما يحصل لي عادة مع الظنون على الدوام. حيث أن المشترين هم التنابلة، وقد أعد لهم البائعون كل الأغراض الجاهزة. لا يحتاج من الزبون سوى وضعها في المكان المناسب، وغالبا ما يكون هذا المكان هو الفم. سوق أشبه بأجواء قصص ألف ليلة وليلة. لا ينقصه حتى الحرامية والفرسان الرائعين على غرار علاء الدين والفانوس السحري. وهو يتسوق الخضار الطازجة، الرائعة، التي تكفي رؤيتها بث الروح في الأجساد. طماطم حمراء ريانة، خيار ماء فيه رائحة نفاذة طيبة وبقايا طين أحمر عظيم. هندباء تعاندك بشكلها العشوائي ومذاقها الحريف الغريب، رؤوس بصل خضراء غضة مثل أصابع أطفال أزقة نحيفة تقاوم البرد، باقات بقدونس صغيرة، حية، لم تمر بعد بمرحلة الذبول. كنتُ أظن أنني سأموت قبل أن أرى هذا العرس الجميل من الخضار الطازجة التي تنقل روحي للحقول بكل ما تحمله من الصفو والنقاء وتعب الناس الفقراء. كنا نحمل الأكياس ونعود مشيا إلى داره القديم عبر دروب ضيقة في حارة دمشقية عتيقة خلف سوق الصالحية الشهير. هناك تعود بعض أجزاء روحي القديمة الضائعة إليّ مرة أخرى. وتزهر الدار الصغيرة بنجومٍ صغيرة لامعة من الأحباب والكتاب والفنانين الطيبين. لكن لم أكن قد رأيت ممدوح عدوان في بيت بندر ولا مرة عن طريق الصدفة. وكنت أسمع فقط: "إنه مريض". حتى جاء ذلك اليوم الذي هبطت فيه السلالم الصغيرة للسلام على بندر عبد الحميد كما كنت أفعل بين يوم وآخر وشاهدت ممدوحا وهو يتوسط حشدا صغيرا من المثقفين في الغرفة. ارتبكتُ، وما هي إلا ثوان حتى وجدتني مرة أخرى في الشارع أشعر بحالة غريبة من الأسى والضياع بحث لم أكن أعرف إلى أين سأذهب بعد هذا المشوار الغريب وتلك المفاجأة غير المحسوبة. فكان الملاذ الأخير في كأسٍ من العرق في حانة الإسكندرون الصغيرة.

    ستبقى بصمات روح ممدوح عدوان الحية الدؤوب مطبوعة على مسارح وصحف ومجلات الشام، مطبوعة في هواء الحانات الصغيرة والمقاهي، مطبوعة على كلام النقاشات الصاخبة الطائرة في الهواء، روحه التي هي الشعر والمحبة والحقيقة أولا وأخيرا.

    إيلاف
    2004 الخميس 23 ديسمبر

    ***

    دمشق تشيّع عدوان

    دمشق "السفير"

    شيّعت سوريا اليوم جثمان الكاتب السوري ممدوح عدوان بمشاركة رسمية لافتة، وبوجود كثيف للأدباء والفنانين وسط اهتمام شعبي، رافق الموكب الذي انطلق من مشفى الأسد الجامعي بدمشق في اتجاه مسقط رأسه في قرية ديرماما بمحافظة حماه حيث ووري الثرى. وشارك في التشييع من الجانب الرسمي وزير الإعلام مهدي دخل الله ووزير الثقافة محمود السيد وعدد من معاوني الوزراء ومديري المؤسسات الإعلامية وعدد من أعضاء مجلس الشعب وأساتذة جامعة دمشق.

    واعتبر دخل الله "ان رحيل ممدوح عدوان خسارة كبيرة للوطن، إذ كان علماً من أعلام البحث عن الحقيقة من جيل التمرد والغضب، جيل نكسة حزيران الذي حاول أن يبحث في أساس المشكلة فوجد أنها في البحث عن جوهر الإنسان بدءاً من القرية الصغيرة وانتهاء بالعالمية".
    من جهته قال السيد ان "عدوان صرح كبير من صروح الثقافة ليس على النطاق الوطني فحسب، ولكن أيضا على النطاق القومي، وقد بنى مجده الأدبي بفضل الدأب والجلد والمعاناة وقوة الإرادة التي كان يتحلى بها، ولم يكن يخشى في الحق لومة لائم ووفاته خسارة وطنية وقومية كبيرة لا تعوّض".

    السفير

    رحل ممدوح عدوان المبدع المتعدد ذو المواقف الساطعة

    عمر شبانة
    (الأردن/ الإمارات)

    لم يكن الشعر وحده هو الذي لفت الانتباه والاهتمام إلى الشاعر ممدوح عدوان الذي رحل عن عالمنا ليل أول أمس الأحد، بل الجرأة وخفة الظل. ففي شعره كله دافع صاحب "تلويحة الأيدي المتعبة" عن القناعات التي رافقته على امتداد تجربته برمتها بكل ما يلزم من سطوة المحاججة وقوة البرهان. كان يروي حكاية طريفة عن هارون الرشيد الذي شاهد رجلاً يسدد قضيباً من معدن إلى حلقة ضيقة فيصيبها عن بعد فأمر بأن يكافأ ويجلد في الوقت ذاته. أما المكافأة فبسبب المهارة والدأب والإتقان وأما الجلد فلأنه صرف جزءاً من حياته على ما لا طائل منه. وأما ممدوح فقد كان ينتزع من الحكاية بعدها الرمزي ليخلص إلى أن الشعر، وفق رأيه، ليس مهارة محصنة ولا لعباً مجانياً على حبال اللغة بل ينبغي أن يمتلك إضافة إلى ذلك وظيفة اجتماعية وموقفاً من العالم. وقد ظل الشاعر أميناً لهذا الموقف ومنافحاً عنه في مجمل أعماله.

    يعتبر ممدوح عدوان اول من كتب المونودراما في سوريا، وأول نص كتبه من هذا النوع كان بعنوان (حال الدنيا) وتبعه ب (القيامة) ثم (الزبال)، وذلك في النصف الثاني من الثمانينات. وهي نصوص يعالج فيها الكاتب جملة من القضايا الاجتماعية الراهنة، مثل الفقر والفساد. وكان الممثل زيناتي قدسية قد قام تباعا بإخراج وتمثيل هذه النصوص الثلاثة. هنا سنكتفي بالحديث عن الزبال كنموذج لهذا النوع من المسرح.

    ومنذ أعوام.. دخل الشاعر في صراع مرير ودامٍ وتراجيديّ مع الموت، من جهة القلب أولاً، ثم من جانب السرطان الملعون، وظل في مواجهته يتحدى بصلابة وقوة، وبجهود مكثفة ومتنوعة، وبقهقهة تسخر من العدم، فقد عرف كيف يحول مأساته الشخصية إبداعاً خالداً يدفع عنه شبح الفناء. يدفعه بالشعر وبالرواية وبالترجمة وسواها، ويتمنى لو كانت لديه أدوات أخرى للتعبير عما لديه. "هناك مناطق لا يعبر عنها الشعر، ولا بد من وسائل أخرى. أتمنى لو كنت أستطيع أن أرقص وأغني وأعزف.." كان ممدوح يقول.
    وحين كان يسأل عن مرضه كان يقول "أنا لا اشعر أنني مريض، شعرت فقط في الشهرين الأولين ببعض التعب، ومن ثم استأنفت نشاطي، خلال العلاج شعرت بفقدان ذاكرة جزئي، ولكنني خلال الفترة التي تلت أصدرت كتابين هما "حيونة الإنسان والآخر" "الجنون مرة أخرى"، والذي يعتبر جزءا ثانيا لكتابي "دفاعا عن الجنون".
    يصفه حسن حميد ب"غول الأدب في سوريا"، ويقول إنه "ينتمي.. إلى طينة الخزف الصيني".عرفناه في أوائل العقد التاسع من القرن العشرين، شاعراً ممتلئاً شباباً متدفقاً حياة وضحكاً، بل قهقهات تملأ ردهات الفنادق التي كان ينزل فيها، مترافقاً، غالباً، مع علي الجندي الشاعر الأكثر شغباً وتمرداً، حتى ارتبط الشاعران في حضور يشي بحميمية العلاقة التي جمعت عدوان ابن "مصياف" إلى الجندي ابن "السلمية"، طوال عقود من الشعر والسهر والعشق للحياة، رغم الفارق في العمر بينهما.
    وفي دمشق التسعينات، صرت أراهما معاً في "شرفة" اتحاد الكتاب العرب، المطعم والمقهى المعروف لكل من يعرف دمشق جيداً، إلى أن تزوج الجندي زواجه الثاني وانتقل إلى اللاذقية، وانشغل ممدوح بورشته المتعددة الأشغال، دون أن يتوارى تماماً، فقد ظلت إطلالته خفيفة الظل تتكرر في "رواق الفنانين"؟ أو في "نادي الصحافيين"؟ مع ضحكته المجلجلة التي تجلب التائهين إلى طاولته المحتشدة برفاق الليل والشعر والحياة.

    يُعدّ ممدوح عدوان، المولود في قرية قيرون (مصياف) العام (1941)، من أكثر أصحاب التجارب الأدبية والشعرية العربية إثارة للجدل، فهو مثقف ثقافة ذات أبعاد ورؤى غنية وواسعة ومختلفة، مشاكسة ومتحدية ومتمردة.

    وإلى كونه واحداً من شعراء جيل الستينات، الجيل المؤسس للمشهد الشعري في سوريا، فهو قدم قدراً كبيراً من الإبداع المتعدد، إنه روائي؟ مسرحي وكاتب قصة ودراما ومترجم ذو أهمية استثنائية. وقد قيل إن له في الأسواق حوالي ثمانين كتاباً والعشرات من المسلسلات الدرامية.

    فمنذ مجموعاته "الظل الأخضر"، و"تلويحة الأيدي المتعبة"، و"الدماء تدق النوافذ"، و"يألفونك فانفر"، و"لا بد من التفاصيل"، مروراً ب"طيران نحو الجنون"، حتى مجموعته "كتاب الموت"، وعلى مدى سبع عشرة مجموعة شعرية، كرس عدوان صوتاً شعرياً متميزاً ببصمة المواجهة مع أشكال القهر والطغيان والتسلط.

    وهو كان يرى أن الشاعر دون كيشوت، وقد أصدر كتاباً أسمه "نحن دون كيشوت". فما هو الدون كيشوت عند ممدوح عدوان؟ يقول "هو شخص اطلع على الثقافة واكتشف خطأ العالم، فقرر أن يجابه العالم بأسلحة لم تعد صالحة. الشاعر هكذا. يخرج الشاعر من الثقافة وعنده رؤية لفساد العالم، فيُقرر أن يُحارب هذا الفساد بالكلمة، ولو أن كل شخص منا استخدم أسلحته في ميدانه لمجابهة هذا الفساد مثلما الشاعر يستخدم أسلحته، لما بدا أنّ الشاعر دون كيشوت، ولكن عندما يحارب الشاعر لوحده دون الاقتصادي ودون السياسي ودون الآخرين تصبح المسألة وكأنها تكبير رأس".
    وللتعدد في إبداعات عدوان نكهة الموسوعة، فمن منا لم تحرضه مجموعة "أمي تطارد قاتليها" في السبعينات؟ ومن منا لم تسحره ترجمة عدوان "تقرير إلى غريكو" لكازانتزاكيس في الثمانينات؟ ومن الذي لم يتوقف متأملاً صراعات "الزير سالم" أو رواية "أعدائي" في أواخر القرن العشرين ؟ وكيف يمكن أن ننسى ترجمة "الإلياذة" مطلع القرن الواحد والعشرين؟ ومن لم تأخذه إلى الطفولة والشقاوة والصبا مجموعته الشعرية "عليكَ تتكئ الحياة"؟ وعلى مدى أربعين عاماً جسد عدوان العطاء الغزير والمتنوع.. وهو عن قرب إنسان خجول، لكن أبرز ما لديه مشاكسته وسخريته ومداعباته اللطيفة والحميمة، وروحه المرحة، وفطنته العالية ونكتته الحاضرة على الدوام. تجلس معه فتشعر كم هو رقيق وودود. يحب الحياة ولا ينشغل بحديث الموت، "كل إنسان يخاف الموت، يقول، ولكن هذا لا يشغل تفكيري كثيراً، فهو لا يعني لي سوى توقف مشاريع. أنا أخاف أن أموت قبل أن أكتب كل ما برأسي، وأحب الحياة ومتعلق بها، لكن أحس كأنني أتفرج على شيء في الحياة، لكنه شيء غريب..". ويبدو الشاعر شديد الشبق تجاه الحياة، وهو لا يقول ذلك شعراً فقط، بل سلوكاً يومياً جعله يستهلك أجمل ما فيها، فشرب من "رأس النبع"، وتذوق أجمل الغابات والجبال والبحار، وتلذذ بكثير مما يحلم به من متع العيش ومراراته، ووزع ثمار أشجاره على الأصدقاء والمحبين، حتى صاح، في مجموعته "وعليك تتكئ الحياة" تلك الصيحة الغريبة "أنِلْ قدمي ظهرَ الموت/ دنا وقت الترجل عن جراحي/ أنل عينيّ إغفاءً بحضن الموت/ قد أضنانيَ السفرُ.."، ثم يصرخ باستعلاء "لقد أمسكت بالسنارة/ اسحبني من الماء/ وطوح بي على الرمضاء".

    وحين يرى أباه الرمزي ضعيفاً، وقد بدأ جبينه يميل نحو الأرض، يصرخ به، وربما يصرخ بنفسه أيضاً "مت يا أبي/ مت كي ترى حبي/ الذي أخفيت عنك طوال عمري/ في رثائك/ الآن مت/ لا ترتشف تلك الحثالة من وعائك/ مت واقفاً../ أرِهِم بأنك تستطيع بهمّة/ أن تنتقي موتا../ مت كي أراك/ أو مت لكي أكبر/ وتظل ملء البيت فوّاحا".
    وهو على قدر من الاعتداد بما فعل في الحياة والعيش والعمل حتى يقول "ما الذي ظل لدى البحر سواي/ ما الذي يفعله البحر إذا غبت وخليتُ مياه البحر في غفوتها دون زبد..؟".
    وفي مجموعته الشعرية الأخيرة "كتابة الموت" تبدو الحياة مائدة والبشر يلتفون حولها، أو يغادرونها "إننا ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع/ تركنا فوقها منسف أحلام/.../ نحن أكملنا مدار العمر فرساناً/ وقد متنا شبابا..". رأى فيه البعض "الشاهد المحتج بصوت عالٍ على الهزائم وارتكاساتها المهددة لمصائر الأمة العربية بأفدح الأخطار، والتردي القاتل في الأوضاع العربية.. وهدر الذات على أيدي أنظمة وحُكام لم يعرفوا يوماً كيف يوحدون كلمتهم على شيء إلا على التخاذل والتسليم.. وعلى محق شعوبهم وتغييبها والتنكيل بها تحت (يافطات) وشعارات خداعة".
    أما جهوده المسرحية، فكانت علامة بارزة في تاريخ المسرح السوري والعربي، فقد استند إلى تراث عربي وتاريخ حافل ومسرح عالمي استقى منه فنياته العالية.. فكانت مسرحياته "الرجل الذي لم يحارب"، و "سفر برلك" و"جمال باشا السفاح" وغيرها، تؤرخ للحياة الثقافية والإبداعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في سوريا، من جهة، وتتناول الصراعات تناولاً نقدياً لاذع السخرية من جهة ثانية. وقد أعطى لمسرحه روح الشعر، كما أمدّ شعره بروح المسرح ولغته وحواراته.

    حياته في سطور

    ولد في قرية قيرون (مصياف) عام 1941.
    تلقى تعليمه في مصياف، وتخرج في جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة الانجليزية، عمل في الصحافة الأدبية، وبث له التلفزيون العربي السوري عدداً من المسلسلات والسهرات التلفزيونية.
    عضو جمعية الشعر.

    مؤلفاته:

    لمخاض- مسرحية شعرية- دمشق 1967.
    الظل الأخضر -شعر- دمشق 1967.
    الأبتر -قصة- دمشق 1970.
    تلويحة الأيدي المتعبة -شعر- دمشق 1970.
    محاكمة الرجل الذي لم يحارب -مسرحية- بغداد 1970.
    الدماء تدق النوافذ -شعر- بيروت 1974.
    أقبل الزمن المستحيل -شعر- 1974.
    أمي تطارد قاتلها -شعر- بيروت 1977.
    يألفونك فانفر -شعر- دمشق 1977.
    ليل العبيد- مسرحية - دمشق 1977.
    هملت يستيقظ متأخراً- مسرحية- دمشق 1977.
    زنوبيا تندحر غداً- مسرحية.
    لو كنت فلسطينياً- شعر.
    مذكرات كازنتزاكي -ترجمة -جزآن- بيروت 1980 1983.
    حكي السرايا والقناع - مسرحيتان- دمشق 1992- اتحاد الكتاب العرب

    - وله في نقد الشعر والمسرح كتابان هما: الأول بعنوان "هواجس في الشعر" والثاني "هواجس في المسرح".
    - دميان : رواية/ تأليف هرمان هيسه ؛ ترجمة - ط.1. - عمان، الأردن: دار أزمنة، 1998. كما صدرت ضمن سلسلة (إبداعات عالمية/ دار الحوار - اللاذقية).
    - سد هارتا/ تأليف هرمان هيسه؛ ترجمة ممدوح عدوان. - ط.2. - دمشق، سوريا : دار ورد، .2000
    - تلفيق إسرائيل التوراتية تأليف: كيث وايتلام الناشر: قدمس للنشر والتوزيع - سوريا
    الخليج

    2004, 12, 22- Wednesday

    * * *

    حارس الصخب

    (إلى ممدوح عدوان)

    غسان الشامي
    (لبنان)

    هكذا يترك الأليف وِجاره، هكذا ينسحب المجلجِلُ عن عتبته ثم يندري في المسافة، هكذا يبدأ السفر من جديد إلى "برلك " غابة الورّاقة. ولأن الريح اللعينة تعشق الصقيع آثر قلب ممدوح عدوان أن يغافل السرطان، أو أن يهزأ منه فتوقف عن اللعب والكتابة والضحك.

    لم يعُد الطليق مغرّداً ، وارتحل المشاغب الوجودي، حارس الصخب، قرر ذات إغفاءة أن يفتح الدروب لمن يرغب في اعتلاء صهوة الملح والتبغ والحكايات ، بعد أن تمترس أربعين عاماً في الخندق الأمامي الممضّ لحريق الكتابة والرفض.

    سنتان ونحن نضحك في مشفى " فندق الله" الفرنساوي في بيروت، هنا في تآمر الصمت، حيث المرحبا مجرد إيماءة من حاجبٍ ، وحيث العيون تغور في محاجرها قلقة ومتربصة ومترقبة كانت " القاف " الطافحة تنطُّ من ألفباء الرجل وهّاجة أمام "همزة "الممرضات والأطباء الخفيضة والحائرة والمندهشة، ويسألني كل مرّة " كيف أخلاقك ؟ " أو يتعدوَنُ عليّ سائلاً وضاحكاً ومتثعلباً " شو جابك؟" فأجيبه كما العادة " حيوَنة" ، وهي قطعاً لا تمت بصلة إلى كتابه "حيونة الإنسان" .. ثم نقهقه ونفتح جراب الوضع اللبناني الذي لا علاقة له بأبجديات الشعر وحروف الإبداع.

    سنتان وهو يضحك على الكيمياء التي حرمته فقط من حركته الأليفة الشهيرة في إبعاد غرّته عن جبينه. سنتان وهو يضحك على "الكيميا والفيزيا " منتضياً ريّانه المحمّل من دمشق وسجائره وكتبه ومحمولهُ وأوذيسته وكأن هذا الجبليّ مال إلى تراجيديا الإغريق يفلشها على طبقهِ وبين أيدينا في زمن الكوميديا البشرية.

    من أوّل الدرب فتك بالعادة العربية المعاصرة.. الاستسلام، فانغرزت صقريته في جسد المرض . قال بعد عملية الرأس : سوف أقتلهُ ..وتابع الضحك مالئاً الآتي بخمر المستحيل.

    ربما كان ممدوح ظاهرة . قروي ومديني ، مثقف وفوضوي، مفكر ومشاغب ، شاعر وقاص، مسرحي وتلفزيوني ، مترجم ومؤلف. إن فيه شيئاً جميلاً من كل شيء، كان يتركه على الطاولة أينما حلّ ، وفيما يغادر كانت الغرف تحتفظ بعنقود من حضوره.

    أجزم أن الرجل كان محظوظاً، بقدر ما كان صدوقاً. محظوظ لأن إلهام كانت تراقب جمرهُ بشغف وتدعُ قصائده تسبح في المكان كما دخانه المتواصل. سنتان وهي تبتسم وتضحك وتتألم وتتهيأ للسهرة المقبلة والعشاء التالي مع بعض التأنيب الأمومي المحب. سنتان دون آه أو تأفف أو .. إنها إلهامه...

    إنه الوقت وغدٌ يا صاحبي، يضحك علينا في الخفية، فيما نمرُّ لنعدّ كؤوساً ونحلم بأخرى.

    إنها الريح يا صاحبي، لا تحب الأمكنة.. لكن أظافرك تركت على المفارق ولعاً سيمعن في العاصفة.

    خزعة من قامة ممدوح عدوان

    صبحي حديدي
    (سوريا/ باريس)

    هل من الممكن تخيّل المشهد الأدبي السوري المعاصر بدون هذا الرجل المؤسسة، ممدوح عدوان (19412004)؟
    مَن مثله سوف يمارس، بإجادة وتميّز وأصالة وعمق ودأب، الشعر والرواية والمسرح والمقالة والدراما التلفزيونية والترجمة... في آن معاً؟
    وفي الأساس، هل كان مشهد الحداثة الشعرية السورية على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين سيكتسب تلك النكهة الخاصّة والمعطيات المنفردة، لو أنّ ممدوح عدوان لم يرفد عمارته بمداميك كبرى، مبكّرة وطليعية في آن، مثل "تلويحة الأيدي المتعبة"، 1970؛ و"الدماء تدقّ النوافذ"، و"أقبل الزمن المستحيل"، 1974؛ و"أمّي تطارد قاتلها" و"يألفونك فانفر"، 1977؟
    ومَن سوى ممدوح عدوان كان سيشاطر الراحل الثاني، سعد الله ونوس، عبء الارتقاء بالمسرح السوري الحديث والمعاصر، وزجّه في قلب ورشة مذهلة تطرح الأسئلة الضرورية والجوهرية وغير المألوفة من جهة، وتمارس التطوير في كتابة النصّ وتنفيذ العرض وتحريض التنظير النقدي من حهة ثانية؟ لم يكن هذا ممكناً من دون ونوس في "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" و"الفيل يا ملك الزمان"، ولكنه أيضاً لم يكن ممكناً من دون عدوان في "محاكمة الرجل الذي لم يحارب" و"ليل العبيد" و"كيف تركت السيف".

    وبمعنى الوظيفة الاجتماعية والمعرفية والسياسية للإنتاج الثقافي، هل كان اتصال القارئ العربي بالإبداع الإنساني سيكون على الحال ذاتها في غياب الترجمات النوعية التي أنجزها عدوان: "تقرير إلى غريكو" السيرة الذاتية والفكرية للروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكيس؟ أو سفر "الإلياذة"؟ أو ذُرى هيرمان هيسه: "الرحلة إلى الشرق"، و"سيد هارتا" و"دميان"؟ أو أوديسة الشاعر الكاريبي ديريك ولكوت، "عودة أوليس"؟ أو مقالات أوكتافيو باث، "الشعر ونهايات القرن"؟ أو دراسة كيث وايتلام الشجاعة، "تلفيق إسرائيل التوراتية"؟
    وخلال مروره الأخير في باريس، قبل نحو عام، أهداني الراحل كتابه الأحدث آنذاك "حيونة الإنسان"، وهو مجموعة مقالات حول مقدار ما فقد البشر من كرامة وتضامن إنساني وإحساس بعذابات الآخر، حتى صاروا معتادين على الإذلال المحيط بهم وبغيرهم، وصاروا أكثر استعداداً لقبول التعذيب والمهانة والعنف على شاشات التلفزة وبالنقل الحيّ المباشر. ولقد كتب إهداء شخصياً مؤثراً، جاء في بعض سطوره: "سيقول لك هذا الكتاب إننا هناك لم نكن نتفرج محايدين".

    والحال أنّ الكتاب كان يقول لي هذا، وأكثر. ولكني لم أكن البتة بحاجة إلى هذا الكتاب أو سواه لكي أتذكّر كيفية وقوف عدوان وطبيعة مواقفه من قضايا البلد السياسية والفكرية والثقافية. كنت، منذ مطلع السبعينيات، أعرف ما تعرّض له من تنكيل وإبعاد من الوظيفة وتجميد وتهميش ومضايقات، فضلاً عن الحرب المخابراتية الخفيّة التي كان يديرها وزير تارة أو مدير عام طوراً، لكي لا نحتسب العشرات من صغار الكتبة... كتبة التقارير، قبل القصائد والقصص والدراسات!
    وذات يوم، في الفترة ذاتها، همس في أذني أحد هؤلاء (وكان دون ريب ينفّذ المهمة الأمنية العتيقة: نشر الإشاعة المدروسة) أنّ وزير الإعلام قد يقرّر إبعاد ممدوح من القسم الثقافي في صحيفة "الثورة" لأنه... عميل عراقي! وقلت له: عميل عراقي، خبط لزق؟ قال: نعم! إنه يوزّع كاسيتات عراقية!

    وللإنصاف، كان الكاتب العميل على حقّ في هذه، لأنّ الراحل كان قد قام بزيارة إلى بغداد في وضح النهار وبعلم السلطات وضمن وفد ثقافي، واصحب معه عند عودته أشرطة للمغنّي العراقي الرائع حسين نعمة، وبأريحيته المعتادة سجّل بعضها لأصدقائه. ومن جانبي أعترف أنني، وأنا إبن منطقة "الجزيرة" السورية التي تحاذي العراق، لم أكن حينذاك قد سمعت بأسماء حسين نعمة وسعدون جابر وياس خضر، وأنّني أدين للراحل بفضل ترقية ذائقتي الغنائية إلى ذلك المستوى الرفيع من الشعر والطرب والوجد الذي يبلغه حسين نعمة في "نخل السماوة" و"يا حريمة" على سبيل المثال فقط...
    وحين بلغني نبأ رحيل ممدوح، فكّرت في زوجته الصديقة إلهام، واتصلت بها لكي أقول الكثير، ولكن لكي تعزّ اللغة فلا أدمدم إلا ب "شدّي حيلك"! ومثل الكثيرين ربما، قضيت الليل أقرأ قصائد ممدوح الأخيرة التي تناولت موضوعة الموت على نحو يجمع عبقرية التسامي على الألم بحسّ الإنتماء الإنساني التامّ إلى الحياة. ولكني، أيضاً، شعرت بحنين جارف إلى عملاق آخر من صانعي مداميك تحديث المشهد الشعري السوري الحديث والمعاصر: محمد الماغوط. وهكذا، وجدتني أعود إلى قراءته قصيدته التي جاءت بمثابة مقدّمة لعمل عدوان الأخير "حياة متناثرة".
    وسأسمح لنفسي باقتباس بعض سطورها هنا:

    لن تصدّقْ إنني أهوّل عليك لا أكثر
    كما كان سليمان عواد يهوّل على أمير البزق،
    مهدّداً إياه بلفافة ال "خصوصي للجيش".
    أتذكر تلك اللفائف؟
    وذلك السعال المديد والمتقطع،
    كالتدريبات الأولية في المستعمرات على نشيدها الوطني؟
    ومع ذلك لا أقلّ عنك جهلاً في هذه الأمور.
    فللآن لا أعرف سعال الشاعر من القارئ من الناقد
    من المترجم من الراوي.
    لا أعرف إلا سعالي!
    صحيح أنّ معظم التبوغ مصنّعة،
    لكن سعالي الطبيعي مكفول لمئة عام من العزلة!
    ومع ذلك أقدّمه بكل سرور
    مقابل شعرك المتساقط ولونك الرصاصي،
    وأهوال العلاج ونفقات الأمل.
    (...)
    والآن دعنا من هذه الترهات
    أريد خزعة من رئتيك وجبينك وأحزانك...
    إنّ نسيجها أكثر متانة ومماطلة
    من قلعة مصياف وجبال دير ماما
    وأكثر فطنة وثقة من أعلام الغزو في الظلام.
    وأنا واثق أنك ستزهر من جديد كالوراقة، وفي عزّ الشتاء.
    وإذا خطرت لك زيارتي حيث أقيم
    فعلى الرحب والسعة...

    * * *

    خزعة من قامة ممدوح عدوان

    صبحي حديدي
    (سوريا/ باريس)

    هل من الممكن تخيّل المشهد الأدبي السوري المعاصر بدون هذا الرجل المؤسسة، ممدوح عدوان (19412004)؟
    مَن مثله سوف يمارس، بإجادة وتميّز وأصالة وعمق ودأب، الشعر والرواية والمسرح والمقالة والدراما التلفزيونية والترجمة... في آن معاً؟
    وفي الأساس، هل كان مشهد الحداثة الشعرية السورية على امتداد النصف الثاني من القرن العشرين سيكتسب تلك النكهة الخاصّة والمعطيات المنفردة، لو أنّ ممدوح عدوان لم يرفد عمارته بمداميك كبرى، مبكّرة وطليعية في آن، مثل "تلويحة الأيدي المتعبة"، 1970؛ و"الدماء تدقّ النوافذ"، و"أقبل الزمن المستحيل"، 1974؛ و"أمّي تطارد قاتلها" و"يألفونك فانفر"، 1977؟
    ومَن سوى ممدوح عدوان كان سيشاطر الراحل الثاني، سعد الله ونوس، عبء الارتقاء بالمسرح السوري الحديث والمعاصر، وزجّه في قلب ورشة مذهلة تطرح الأسئلة الضرورية والجوهرية وغير المألوفة من جهة، وتمارس التطوير في كتابة النصّ وتنفيذ العرض وتحريض التنظير النقدي من حهة ثانية؟ لم يكن هذا ممكناً من دون ونوس في "حفلة سمر من أجل 5 حزيران" و"الفيل يا ملك الزمان"، ولكنه أيضاً لم يكن ممكناً من دون عدوان في "محاكمة الرجل الذي لم يحارب" و"ليل العبيد" و"كيف تركت السيف".

    وبمعنى الوظيفة الاجتماعية والمعرفية والسياسية للإنتاج الثقافي، هل كان اتصال القارئ العربي بالإبداع الإنساني سيكون على الحال ذاتها في غياب الترجمات النوعية التي أنجزها عدوان: "تقرير إلى غريكو" السيرة الذاتية والفكرية للروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكيس؟ أو سفر "الإلياذة"؟ أو ذُرى هيرمان هيسه: "الرحلة إلى الشرق"، و"سيد هارتا" و"دميان"؟ أو أوديسة الشاعر الكاريبي ديريك ولكوت، "عودة أوليس"؟ أو مقالات أوكتافيو باث، "الشعر ونهايات القرن"؟ أو دراسة كيث وايتلام الشجاعة، "تلفيق إسرائيل التوراتية"؟
    وخلال مروره الأخير في باريس، قبل نحو عام، أهداني الراحل كتابه الأحدث آنذاك "حيونة الإنسان"، وهو مجموعة مقالات حول مقدار ما فقد البشر من كرامة وتضامن إنساني وإحساس بعذابات الآخر، حتى صاروا معتادين على الإذلال المحيط بهم وبغيرهم، وصاروا أكثر استعداداً لقبول التعذيب والمهانة والعنف على شاشات التلفزة وبالنقل الحيّ المباشر. ولقد كتب إهداء شخصياً مؤثراً، جاء في بعض سطوره: "سيقول لك هذا الكتاب إننا هناك لم نكن نتفرج محايدين".

    والحال أنّ الكتاب كان يقول لي هذا، وأكثر. ولكني لم أكن البتة بحاجة إلى هذا الكتاب أو سواه لكي أتذكّر كيفية وقوف عدوان وطبيعة مواقفه من قضايا البلد السياسية والفكرية والثقافية. كنت، منذ مطلع السبعينيات، أعرف ما تعرّض له من تنكيل وإبعاد من الوظيفة وتجميد وتهميش ومضايقات، فضلاً عن الحرب المخابراتية الخفيّة التي كان يديرها وزير تارة أو مدير عام طوراً، لكي لا نحتسب العشرات من صغار الكتبة... كتبة التقارير، قبل القصائد والقصص والدراسات!
    وذات يوم، في الفترة ذاتها، همس في أذني أحد هؤلاء (وكان دون ريب ينفّذ المهمة الأمنية العتيقة: نشر الإشاعة المدروسة) أنّ وزير الإعلام قد يقرّر إبعاد ممدوح من القسم الثقافي في صحيفة "الثورة" لأنه... عميل عراقي! وقلت له: عميل عراقي، خبط لزق؟ قال: نعم! إنه يوزّع كاسيتات عراقية!

    وللإنصاف، كان الكاتب العميل على حقّ في هذه، لأنّ الراحل كان قد قام بزيارة إلى بغداد في وضح النهار وبعلم السلطات وضمن وفد ثقافي، واصحب معه عند عودته أشرطة للمغنّي العراقي الرائع حسين نعمة، وبأريحيته المعتادة سجّل بعضها لأصدقائه. ومن جانبي أعترف أنني، وأنا إبن منطقة "الجزيرة" السورية التي تحاذي العراق، لم أكن حينذاك قد سمعت بأسماء حسين نعمة وسعدون جابر وياس خضر، وأنّني أدين للراحل بفضل ترقية ذائقتي الغنائية إلى ذلك المستوى الرفيع من الشعر والطرب والوجد الذي يبلغه حسين نعمة في "نخل السماوة" و"يا حريمة" على سبيل المثال فقط...
    وحين بلغني نبأ رحيل ممدوح، فكّرت في زوجته الصديقة إلهام، واتصلت بها لكي أقول الكثير، ولكن لكي تعزّ اللغة فلا أدمدم إلا ب "شدّي حيلك"! ومثل الكثيرين ربما، قضيت الليل أقرأ قصائد ممدوح الأخيرة التي تناولت موضوعة الموت على نحو يجمع عبقرية التسامي على الألم بحسّ الإنتماء الإنساني التامّ إلى الحياة. ولكني، أيضاً، شعرت بحنين جارف إلى عملاق آخر من صانعي مداميك تحديث المشهد الشعري السوري الحديث والمعاصر: محمد الماغوط. وهكذا، وجدتني أعود إلى قراءته قصيدته التي جاءت بمثابة مقدّمة لعمل عدوان الأخير "حياة متناثرة".
    وسأسمح لنفسي باقتباس بعض سطورها هنا:

    لن تصدّقْ إنني أهوّل عليك لا أكثر
    كما كان سليمان عواد يهوّل على أمير البزق،
    مهدّداً إياه بلفافة ال "خصوصي للجيش".
    أتذكر تلك اللفائف؟
    وذلك السعال المديد والمتقطع،
    كالتدريبات الأولية في المستعمرات على نشيدها الوطني؟
    ومع ذلك لا أقلّ عنك جهلاً في هذه الأمور.
    فللآن لا أعرف سعال الشاعر من القارئ من الناقد
    من المترجم من الراوي.
    لا أعرف إلا سعالي!
    صحيح أنّ معظم التبوغ مصنّعة،
    لكن سعالي الطبيعي مكفول لمئة عام من العزلة!
    ومع ذلك أقدّمه بكل سرور
    مقابل شعرك المتساقط ولونك الرصاصي،
    وأهوال العلاج ونفقات الأمل.
    (...)
    والآن دعنا من هذه الترهات
    أريد خزعة من رئتيك وجبينك وأحزانك...
    إنّ نسيجها أكثر متانة ومماطلة
    من قلعة مصياف وجبال دير ماما
    وأكثر فطنة وثقة من أعلام الغزو في الظلام.
    وأنا واثق أنك ستزهر من جديد كالوراقة، وفي عزّ الشتاء.
    وإذا خطرت لك زيارتي حيث أقيم
    فعلى الرحب والسعة...

    شهادات تحتفي بالشاعر السوري المشاكس ممدوح عدوان

    جريدة (الحياة)

    غاب الشاعر السوري ممدوح عدوان ليل أول من أمس عن ثلاثة وستين عاماً بعد "معركة" مريرة مع المرض الخبيث، وهو ظل يقاومه بشراسة حتى الرمق الأخير. وكان الكثيرون - وأنا منهم - يعتقدون أن ممدوح عدوان سينتصر على الموت بالحياة وليس بالشعر والمسرح فقط. هذا الشعور كان يخامر أي شخص شاهد الشاعر في أيام المرض أو سمع ضحكته المجلجلة أو استمع اليه يتحدث متكابراً على العياء والعلاج المضني. غلب الموت جسد ممدوح عدوان وليس روحه، هو المتمرّد بالصوت المرتفع والمثقف بالصوت الخفيض.
    كان ممدوح عدوان يصرّ على انه شاعر أولاً وأخيراً. الصفات الأخرى والألقاب تأتي من بعد. وهو لم يفته يوماً أنه مسرحي وروائي ومترجم مبدع استطاع في السنوات الأخيرة أن يقتحم عالم "الإلياذة" وأن ينقلها وحده الى العربية ولكن من لغة وسيطة هي الانكليزية.
    وإن هيمن الهم الإيديولوجي والسياسي على معظم نتاج ممدوح عدوان الشعري والمسرحي فهو استطاع أن ينقذ نفسه من "متاهة" هذا الهم، وأن يرقى بشعره الى مصاف "الوجداني"، متحاشياً الوقوع في شرك الواقعية الجافة والالتزام الصارخ. فصوته الشعري كان محفوفاً ببراءة طفولية ونقاء وجودي وعمق أنساني. ومكنته هذه العناصر من كتابة قصيدة همّها الأول هو الانسان والمجتمع... أما الجمالية والإبداع اللغوي والترف الشكلي فهذه كلها تأتي لاحقاً.
    ولا بأس إن طغت في أحيان شخصية ممدوح عدوان على شعره ومسرحه، فهي جزء رئيس من ظاهرته الفذّة. وقد كان رجلاً مشاكساً ومعانداً وفي حال من "النفور" الدائم وخصوصاً كلما أحيط بالألفة، مثلما يدل عنوان ديوان له هو "يألفونك فانفر". وفي ذاكرة الأصدقاء يحضر الكثير من طرائف ممدوح عدوان وسلوكه الفريد وشخصه... أما ممدوح الشاعر فينبغي البحث عنه في ثنايا تلك الذاكرة. وهذا لا يقلل من شأنه، فهو كان إنساناً عظيماً بظرفه وعفويته وقلبه الكبير. وكان أشبه بالفرسان المثاليين، يخوض المعارك بلا هوادة وبجرأة قد تبلغ في أحيان الى حدّ المبالغة.
    ولعل الشاعر المعاند الذي كان يدافع بشراسة عن قصيدة "التفعيلة" كتب في أيامه الأخيرة قصائد نثرية، قدّمها صديقه الشاعر محمد الماغوط. ولكن ما كان ممدوح ليعلن أنه تنازل عن قصيدة التفعيلة مستسلماً لقصيدة النثر، فهو أصلاً كان منفتحاً على الأنواع الأدبية كافة من القصيدة الى المسرحية فالرواية فالمقالة... وكان في هذه الميادين المختلفة هو نفسه، بجرأته وحماسته ولوعته وطفولته الشقيّة.
    غاب ممدوح عدوان! الآن يجب أن نستعيده وأن نعيد قراءته لنعلم مَن كان حقاً هذا الكاتب - الظاهرة، ولنتخلص قليلاً من شخصه الطاغي وقلبه الكبير الذي لم يكن قادراً على الكراهية حتى في أوج "المعارك" الأدبية.

    عبده وازن
    (لبنان)

    وفي ما يلي كتابات