لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

ظاهرة ممدوح عدوان

لقمان ديركي
(سوريا)

إذا كان هناك من أب للثقافة السورية فإن ممدوح عدوان هو ذلك الأب ..
الآن ستتمشى الثقافة السورية عارية من أحد حماتها وسط أشد ألد أعدائها من اتحاد الكتاب العرب إلى المسؤولين الثقافيين الذين لم يتشرفوا بمعرفة كتاب بلادهم ومثقفيها.
كان ممدوح عدوان مرجعنا ومعيارنا نحن المثقفين الشباب الذين كنا نصدم كل يوم بتخاذل رموزنا وبخرفهم المبكر، ومع ذلك فإن ديمقراطية ممدوح عدوان كانت تسمح لنا بالصدام الشريف معه وبالحوار العنيف وبالاختلاف عنه، كان أبا شابا يرفض الأبوة ويطالب بأن يكون واحدا منا على الدوام ، وفي غمرة صراعه مع السرطان بقي ممدوح عدوان مثقفا لم يلوثه السرطان الثقافي الذي دفع ببعض كبار المثقفين إلى التسول من السلطة وإلى إعلان خرفهم الإبداعي دون خجل من قرائهم الكثر، استطاع ممدوح عدوان أن يموت شابا مخلصا لسيكارته ولكأس عرقه المعتاد بعض الظهر وفي المساء، مخلصا لترجماته الكثيرة وللقصائد التي تدور في باله، مخلصا لطلابه الذين لم يغب عنهم إلا عندما يسافر كي يتلقى الجرعات الكيمياوية .

مات ممدوح عدوان دون أن يترك لنا جملة "مأثرة" كي تصبح شعارا ، فهو المتجدد الذي يحتقر الشعارات والمتألق الذي يرفض نصيحة الطبيب، قال لي وهو ينظر إلى شعري الطويل بعد أن نال الكيمياوي من شعره الأبيض الجميل: "انظر إلى رأسي ها هو شعري يعود إلى الظهور من جديد".
بسيارته الفولكس فاكن الحمراء الصغيرة يمر على أصدقائه في مواعيد دقيقة جدا منجزا الكثير الكثير في وقت قليل، إنه شخص لا تكفيه الساعات الأربعة والعشرون، فلماذا لا يمددون له ساعات النهار، كي ينجز وينجز كل ما في باله.

ذهب ممدوح عدوان تاركا خلفه معاركه الصغيرة والكبيرة وشجاعته الشهيرة ودفاعه المستميت عن الثقافة، ذهب ممدوح عدوان تاركا لنا ما ميزه على الدوام وما ارتبط به على الدوام رغما عن أنف الأغبياء والمتحزبين ألا وهو رفيقه الدائم"الشرف" .

شاعر سوري
lukmanderky@hotmail.com

خاص كيك

* * *

بطاقةٌ إلى ممدوح عدوان

سعدي يوسف
(العراق)

ممدوح عدوان

أنتَ معنى الفُتوّةِ
تهجئةُ العَيشِ حتى القَرارِ: الثُّمالةِ
راعي تقاليدِنا
في التسكُّعِ، والعَرَقِ المُرِّ
أو قَولِ: لا !
أنتَ مَنْ راوغَ السَّيفَ
واستنفدَ الخوفَ
واعتبَرَ الحرفَ حتى غَلا …
كيفَ خلّفتَني في المَفازةِ ؟
كيفَ انتهيتَ إلى أن تغادرَني أوّلا ؟

لندن 20/12/2004

ممدوح عدوان... الحياة وحدها تليق بك

شوقي بزيع
(لبنان)


(Vladimir Bourrec)

تعرفت إلى ممدوح عدوان في مطالع السبعينات. يومها كنت طالباً على مقاعد الدراسة وكان ممدوح أحد المشاركين في الملتقى الأول للشعر العربي الذي نظمه النادي الثقافي العربي في بيروت، قبل أن تكر سبحة المهرجانات المماثلة في غير عاصمة ومنبر. في تقديمه للشعراء قال غسان تويني، إذا لم تخنِّي الذاكرة، بأن بيروت وحدها تعرف كيف ترد الاعتبار لأولئك الذين طردهم أفلاطون من جمهوريته وكيف تعيد للقصيدة بهاءها المفقود. أما المهرجان نفسه فقد حفل بالمفاجآت ومكَّن الجمهور اللبناني من أن ينصت للمرة الأولى إلى بعض أصوات ذلك الجيل الذي يدق الآن أبواب ستيناته من مثل عبداللطيف اللعبي وأحمد دحبور ووليد سيف، إضافة إلى ممدوح عدوان.
لم يكن الشعر وحده هو الذي لفت الحاضرين إلى ممدوح بل الجرأة وخفة الظل. ففي الندوة النقدية الموازية لأمسيات الشعر دافع صاحب "تلويحة الأيدي المتعبة" عن القناعات التي رافقته على امتداد تجربته برمتها بكل ما يلزم من سطوة المحاججة وقوة البرهان. روى يومها حكاية طريفة عن هارون الرشيد الذي شاهد رجلاً يسدد قضيباً من معدن إلى حلقة ضيقة فيصيبها عن بعد فأمر بأن يكافأ ويجلد في الوقت ذاته. أما المكافأة فبسبب المهارة والدأب والإتقان وأما الجلد فلأنه صرف جزءاً من حياته على ما لا طائل منه. وأما ممدوح فقد كان ينتزع من الحكاية بعدها الرمزي ليخلص إلى أن الشعر، وفق رأيه، ليس مهارة محصنة ولا لعباً مجانياً على حبال اللغة بل ينبغي أن يمتلك إضافة إلى ذلك وظيفة اجتماعي وموقفاً من العالم. وقد ظل الشاعر أميناً لهذا الموقف ومنافحاً عنه في مجمل أعماله.
ثمة بالطبع من يتفق مع ما ذهب إليه ممدوح ومن يختلف عنه في تعريف الشعر وتحويد طبيعته ودوره. لكن ما لا يختلف حوله اثنان، بحسب ما أعلم، هو أن العلاقة بينه وبين الشعر لا تتصل بالمفاهيم والأفكار وباللغة وحدها بل بالسلوك وطريقة العيش ونمط الحياة النادر. فنحن هنا إزاء رجل يعتنق الشعر بوصفه حيوية داخلية وشحنة متجددة من الرغبات ومحفزاً على الأمل وجيشاناً لا ينطفئ في العروق. كأن شاعرية ممدوح موزعة بالتساوي بين نصه اللغوي وبين حياته، تماماً كما هو الحال مع شعراء غابرين أو معاصرين من أمثال مالك بن الريب وأبي نواس وديك الجن الحمصي وبدر شاكر السياب وأمل دنقل وآخرين غيرهم. بعض هؤلاء كتب قصيدة واحدة وبعضهم كتب مجموعة قليلة من القصائد أو الدواوين لكنهم جميعاً قد حولوا حياتهم برمتها إلى قصيدة مدهشة وتبرعوا بأجسادهم إلى المجاز ووقعوا على شعرهم بحبر الفرح الملتبس أو السخرية الفاجعة.
لم يخن أي من "الثنائي" الشعري صديقه الأثير لكن الخيانة أتت من جهة الزمن، ومن حيث لا يتوقعان. ولأنهما راهنا أكثر مما يجب على جسديهما الأعزلين فقد ترنح علي الجندي تحت وطأة الشيخوخة فيما تعرض ممدوح قبل ست سنوات إلى ضربة غادرة من جهة القلب. وإذا كان الأول قد آثر الانسحاب إلى ظلامه الداخلي في منزله على الشاطئ السوري فإن الثاني قد اختار الهجوم على الحياة والكتابة في آن واحد. هكذا ظل ممدوح محارباً على جبهتين. وبدلاً من أن يشفق على قلبه الواهن راح ينوع مجالات الكتابة والتأليف متنقلاً بين الشعر والرواية والترجمة والمسرح والدراما التلفزيونية، بما لا يقوى أي قلب سليم وفتي على احتماله.
غير ان ممدوح الذي خرج منتصراً من معركته مع قلبه يخوض الآن مع السرطان معركته الأكثر وطأة وإيلاماً. وهو بالطريقة نفسها ينظم خطوط دفاعه ضد الزائر الخبيث والمباغت. "بدأت خيانات الجسد" إذاً، كما عبر في إحدى قصائده الأخيرة، وبات لزاماً عليه أن يستنفر في وجهها جماع طاقته وكل ما يملكه من إرادة وتصميم على رد التحدي بمثله. وهكذا كان: الضحكة المجلجلة نفسها، القدرة الهائلة على دفع الألم، النكتة اللماحة نفسها، البديهة التي لا تخطئ، المثابرة على الكتابة والإبداع كما لو أن مرضاً لم يقع. إلى جانبه تربض الشجاعة كالنمرة والى جانبه الآخر زوجته الرائعة إلهام التي تجعل السعادة حدثاً يصعب تلافيه. أما ممدوح عدوان فينتصر على المرض من دون شك لأن الحياة تليق به أكثر من أي أحد آخر.

الحياة - 2003/07/22

****

ممدوح عدوان:
تصنيف النفس يوقع في النمطية

تحقيق: غادة الأحمد

ممدوح عدوان من أكثر التجارب الأدبية المعاصرة إثارة للجدل والفضول؛ لما يحمله في شخصه من معين هائل من الثقافة والرؤى والأطياف والجمالات، ولما يميل إليه من عوالم شديدة الثراء والاتساع، فهو شاعر من جيل الستينيات (أواخر الستينيات) الجيل المؤسس للمشهد الثقافي في سوريا جيل (محمد عمران وعلي كنعان وعبدالكريم الناعم وعلي الجندي ونزيه أبوعفش وفايز خضور وغيرهم...). وهو إضافة إلى ذلك مسرحي وكاتب قصة ودراما ورواية ومترجم.

  • ولد ممدوح عدوان في قرية قيرون (مصياف) عام (1941)، وتلقى تعليمه في مصياف وتخرج في جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة الإنجليزية وعمل في الصحافة الأدبية وله في الأسواق حوالي ثمانين كتاباً والعشرات من المسلسلات الدرامية آخرها (الزير سالم) والمئات من المقالات في الصحف والمجلات المحلية والعربية.
  • آخر أعماله الشعرية (عليكَ تتكئ الحياة) ديوان شعري و(كتابة الموت) ديوان شعري، ورواية (أعدائي) الصادرة عن دار رياض الريس.
  • ظل حضوره الإبداعي حاضراً على مدى أربعين عاماً في عطاء غزير ومتنوع هذا التنوع الذي جعل البعض يعتبره مأخذاً في حين يعتبره ميزة يقول ممدوح عدوان: "لقد تعاملت بكل فنون الكلمة المكتوبة لأن عندي رغبة في التعبير عن نفسي وأحس أني بحاجة إلى أكثر من وسيلة لهذا التعبير. تصنيف النفس يوقع في النمطية، أنا شاعر، إذن عليَّ ألاّ أعبر عن نفسي إلا بالشعر، ثم نكتشف أن هناك مناطق أخرى يعبر عنها بوسائل أخرى غير الشعر. هناك من يقول لي أنك تشتت عملك بهذه الطريقة ولكنني في الحقيقة أتمنى لو كنت امتلك طرقاً إضافية أستطيع استخدامها أحسن، إنني مليء وليس لأنني استثنائي، بل لأن كل إنسان كذلك، لو عرف كيف ينتبه إلى نفسه من الداخل، لو فعل ذلك لاكتشف أبعاداً وأعماقاً وأغواراً تحتاج إلى التعبير عنها، ولا يمكن أن يكون هذا التعبير بشكل واحد بالقصيدة أو بالكلمة.. أتمنى لو كنت أستطيع أن أرقص وأغني وأعزف.."
    ويبدو ممدوح عدوان عن قرب خجولاً تشعر وأنت تجالسه برقة عالمه الداخلي، رغم ما يبدو عليه من عصبية أثناء الحديث فهو سريع حقاً في حديثه وسريع البديهة حاضر النكتة. إنسان محب للحياة يتمتع بالجانب الحالم منها في كتاباته، كما يتمتع بالجانب المعيش في حياته اليومية، فكأنه يحياً قصيدة حب أبدية، يقول عدوان في إحدى حواراته: "كل إنسان يخاف الموت، ولكن هذا لا يشغل تفكيري كثيراً، فهو لا يعني لي سوى توقف مشاريع. أنا أخاف أن أموت قبل أن أكتب كل ما برأسي، وأحب الحياة ومتعلق بها، لكن أحس كأنني أتفرج على شيء في الحياة، لكنه شيء غريب..".
    كل هذا الحب للحياة، والتمسك بها، لم يمنعه عن القول في ديوانه (كتابة الموت):

إننا ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع
تركنا فوقها منسف أحلام...
نحن أكملنا مدار العمر فرسانا
وقد متنا شبابا..

ولا نستطيع أن نغفل أهمية ممدوح عدوان المسرحية، لأنها علامة بارزة في تاريخ المسرح السوري والعربي على حد السواء، مستنداً إلى تراث عربي وتاريخ حافل ومسرح عالمي استقى منه فنياته العالية.

فكان مسرحه يحقب للحياة الثقافية والإبداعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في سوريا ومن أبرز مسرحياته: مسرحية "الرجل الذي لم يحارب"، ومسرحية "سفر برلك" ومسرحية "جمال باشا السفاح"... وغيرها...

  • ولمزيد من إلقاء الضوء على تجربة ممدوح عدوان الأدبية والإبداعية التقينا عدداً من الأدباء الشعراء والروائيين والنقاد فكانت الحوارات التالية:
  • عبدالله أبوهيف كاتب وناقد سوري:ممدوح عدوان المبدع المتميز أنهك روحي خلال هذه الفترة، فقد روعني قلقي عليه لدى سماعي عن مداهمة المرض لجسده على نحو فجائي مفجع فقد جمعتني إليه صداقة عمر خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي وتواصلت مودتنا، وإعجابي بإبداعه المتنوع والغزير، وإن اختلفت آراؤنا في قضايا متعددة.
    وأذكر أنني كتبت عنه شاعراً ملحمياً عام (1970) من خلال قصيدة "أقبل الزمن المستحيل"، ولعله من المبدعين العرب القلائل الذين مددوا غنائية الشعر والأدب إلى حوار التاريخ والوجود في الملحمة والدراما والسرد، فمضى بعزيمة نادرة إلى الكتابة المسرحية تفعيلاً للكتابة في زمنها، وتحققاً لإبلاغيتها في تثمير الرؤية للذات والعالم. وقد أفلح كثيراً من النهوض بالتخييل الفني في مدارات التراث العربي، ولا سيما الشعبي منه وتراث الإنسانية بعامة، فلطالما أنجز نصوصاً مسرحية تتناص مع نصوص المواقف الدالة على تقاطعات الوجود والتاريخ والسياسة والاجتماع، وتجلياتها في صراع الأفكار، ولا مجال لتفريد القول في هذه التناصات والمواقف لغناها وعمقها في التعبير عن التجربة الإنسانية.يحتفظ إبداع ممدوح عدوان براهنيته وديمومته من خلال الحرص على وعي التاريخ الذي يرتقي إلى حساسية نادرة في كثير من نصوصه الشعرية والروائية والمسرحية.
  • الروائي والمسرحي والناقد الشاعر - أحمد يوسف داود - سوريا:ربما كان ممدوح عدوان نموذجاً متفرداً في الدلالة على الغنى في المشهد الثقافي السوري منذ الستينيات حتى اليوم، وربما كان أحد الأدلة على (قلة حظ) صناع هذا المشهد في نوال الشهرة التي يستحقونها، رغم ما أصابه - هو شخصياً - من بعض الشهرة الذي أعتقد أنه يستحق أكثر منه بكثير. ولعل ذلك عائد إلى (تسويق) الأدب السوري في محيطه العربي. ومن أبرز ما يميز شخصية ممدوح هو ذكاؤه الحاد اللماح، وحضور بديهته المدهش، وغلبت روح النكتة الأخاذة عنده، وجرأته النادرة على قول ما يعتقد أنه حق، والانسجام الكبير بين ما يكتبه وما يسلكه في حياته وعلاقاته اليومية، إضافة إلى حسن معشره ومقدرته الفائقة على التقاط التناقضات الدقيقة الخفية في الواقع: من عتبة بيته إلى أعماق (البيت الأبيض!!) - مع التركيز على أسوأ المخبوءات في مظاهر وخفايا التردي العربي المزمن - وبسط ما يريد عرضه مما (يراه) بذلك الأسلوب السهل الممتنع الذي تكشفه جيداً زواياه ومقالاته الصحفية أكثر من سواها.
    أصدر ممدوح عدوان حتى الآن بضع عشرة مجموعة شعرية وروايتين وجملة من المسرحيات، كما قدم للتلفزيون مجموعة غير قليلة من الأعمال الدرامية التلفزيونية المسلسلة. وتتسم هذه الأعمال جميعاً - وبهذا القدر أو ذاك - بغلبة السمات الأيديولوجية، أي تلك التي تختفي (بالتعبير السياسي)، على عمق الفن الرفيع. وهذا ليس عيباً في ذاته كما أنه ليس حكماً شاملاً. ومن الطبيعي بالنسبة لأي شاعر أو أديب أو كاتب عربي جاد أن يكون الأمر كذلك في نتاجه الإبداعي، فكيف إذا كان هذا الشاعر الأديب هو ممدوح عدوان الذي انبنى وجوده الشخصي والإبداعي معاً على الإحساس الحاد المفجع بالهزائم العربية المتوالية خلال نصف القرن الماضي وهذه السنوات الأولى من القرن الجديد.. بدءاً بهزيمة حزيران التي جاءت ارتكاساً للهزيمة الأكبر عام 1948في فلسطين - وانتهاء بآخر هزيمة جديدة تمثلت في الاحتلال الأميركي/ البريطاني الراهن للعراق.
    لقد كان ممدوح عدوان باستمرار (الشاهد المحتج بصوت عال) - ومن موقع الرائي - على هذه الهزائم وعلى عواملها وارتكاساتها المهددة لمصائر الأمة العربية بأفدح الأخطار، بينما يرى التردي القاتل في الأوضاع العربية حتى تُهدر (ذات) الأمة هدراً مخيفاً على أيدي أنظمة وحُكام لم يعرفوا يوماً كيف يوحدون كلمتهم على شيء إلا على التخاذل والتسليم.. وعلى محق شعوبهم وتغييبها وأحيانا: التنكيل بها تحت (يافطات) وشعارات خداعة، كان العراق - على سبيل المثال لا الحصر - أبرز نظام استخدمها حتى وصلت المنطقة كلها إلى ما وصلت إليه.
    وممدوح لا يستثني أحداً من المسؤولية ولا يحابي أية سلطة من أي نوع فيعفيها من تحميلها ما يرى أنه (نصيبها) أو حصتها في تلك المسؤولية عن ذلك التردي العربي المفزع المفجع.
    ولعل ثمة شيئاً من التطرف أو المغالاة لدى ممدوح في ذلك، وربما أوصله ذلك إلى حد غير قليل من اليأس.. ففي التشخيص الصائب لا بد من رؤية تلك العلاقة الصميمية بين ما هو (ذاتي) وما هو (موضوعي)، أعني: بين أوضاع الأمة وسلطاتها المختلفة من جهة وبين الوضع الحضاري العالمي وتعبيراته السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية الدولية من جهة أخرى. وربما لهذا يمكن القول إن إنتاج ممدوح عدوان قد خالط علوّه الفني والفكري شيء غير قليل - هنا أو هناك - من الذاتانية الشخصية، بقدر ما أوقعته رغبة الأدلجة في المباشرة في أمكنة كثيرة من أعماله المختلفة.
    ويظل ممدوح عدوان - رغم هذه المآخذ القليلة - شاهداً على عصر، وعلماً إبداعيا كبيراً لا على مستوى سورية وحدها بل على مستوى الوطن العربي كله.
  • الأديب والشاعر والمترجم ميخائيل عيد "سوريا":
    هل في وسع أحد أن يختزل عالماً يمور بالحياة والحركة؟
    ممدوح عدوان هو ذلك العالم من الشعر والمسرح والترجمة... وهو كما قال الشاعر: "هو البحر من أي النواحي انتبه".
    عُرف ممدوح عدوان شاعراً جميل الشعر، له صوته المتفرد وله مذاقه الخاص وعرفناه كاتباً للمسرح لقيت مسرحياته التقدير والإعجاب، وقد شغلت المعنيين بالمسرح من مخرجين ونقاد ومشاهدين، وعرفناه كاتب قصة قصيرة فأحببناه قاصاً يحكي هموم الناس ويرصد أمانيهم وتطلعاتهم، وعرفناه كاتب مذكرات قوي الذاكرة، دقيق الملاحظة تضيء ومضات فكره الماضي فيتجسد أمام القارئ حياة وكائنات، وكان في الترجمة مجلياً: لقد أحسن انتقاء ما ترجمه وأبدع في الترجمة فأدهش القراء، وشكك كثيرون منهم في أن ما بين أيديهم عمل مترجم.. وممدوح يمزح حين يجد، وهو جاد الجدّ كله في مزاحه، أما حين يسخر فإنما يكون بلغ ذروة الغضب والجد.
    ولد ممدوح متألقاً مميزاً الصوت، وظل يزداد تألقاً في كل جديد يصدر عنه، وما أكثر ما صدر وما أكثر ما ننتظر أن يصدر...
  • حسن حميد كاتب وروائي وقاص فلسطيني، رئيس تحرير جريدة الأسبوع الأدبي:
    ينتمي ممدوح عدوان إلى طينة الخزف الصيني.
    رجل شوته الأيام بأزماتها الموجعة، في فرنها الدائم الفوران بالجمار الحارقة، والأحزان المدّوخة، والعطش الأبدي. فاستحال إلى كائن شديد الحيوية والخصب؛ كائن اجتماعي له فعاليته المتعاظمة أبداً، وحركيته الدائبة الحضور والموجودية جولاناً، ومعرفة، ونقشاً، رجل لا يعرف الهدوء أو السكون أو الظلال إلا من أجل الامتلاء والتأمل والكمون، رجل يروق لي أن أسميه غول الأدب في سورية، فهو أشبه بالخرافة الأدبية، شاعر اعتلى المنابر، وهو في طراوة العمر فهزها، في حضرة الشعراء الكبار، بالصورة والحذق، والبراعة الفاتنة دونما ارتباك، أو حيرة، أو لجلجة. ومن يعرف مقدرة ممدوح عدوان الشعرية، ودوره البادي في دنيا الشعر نصوصاً، وحواراً، ورؤية.. يدرك أنه كان من السهل عليه أن يكتفي بمجد الشعر وسطوته ورحابة جماله ولذة عناقه. لكن الذين يعرفون جوانية ممدوح عدوان وروحه العلوقة بالتمرد، والمضايفة، والتنوع، والركض الجميل... يدركون أيضاً أي كائن بري هو الممدوح عدوان... المتفلت من الأقفاص والأسيجة، والحدود، والفضاءات الضيقة... لذلك لم تكن مفاجئة نقلته إلى عالم المسرح في سبعينيات القرن العشرين، ليس لإيمان ممدوح عدوان بالتراسل الأدبي بين الأجناس الإبداعية وحسب، وإنما لقناعته الأكيدة بأنه محارب ثقافي، دروبه كثيرة، ووسائله عديدة وأحلامه لا حصر لها، وأنه على معرفة ودراية بثقافته من جهة، وبتجاوب الذات الإبداعية من جهة ثانية.
    ومن عجب أن ممدوح عدوان أنجز في المسرح خلال سنوات قليلة فقط ما لم ينجزه أدب المسرح السوري خلال مئات السنين المتوارية، بل لم يكن من إرث مسرحي في سورية يستند إليه ممدوح عدوان.. ما استند إليه ممدوح عدوان مسرحياً.. قراءة وتنقيباً وبحثاً كان مسرحاً عالمياً بالدرجة الأولى، ومسرحاً عربياً بالدرجة الثانية وقد بات على من يود اليوم الإطلاع على المسرح السوري أن يدخل من إحدى بواباته، أعني بوابة ممدوح عدوان المسرحية، ليرى الحيوات الاجتماعية والوطنية والوجدانية والقومية التي انشغل بها الوجدان السوري والعربي. لذلك بمقدورنا القول باطمئنان أن مسرح ممدوح عدوان باعتباره علوقاً بالحياة راهناً ومستقبلاً، يحقق للحياة الثقافية والإبداعية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية في سوريا.
    وقد يظن من لا يعرف تجربة ممدوح عدوان الأدبية أن الرجل اكتفى بالشعر والمسرح والرواية التلفزيونية.. لكن الحقيقة تقول غير ذلك لأن ممدوحاً مضى إلى أبعد ما توهمنا أنه مصبٌ له، مضى إلى عالم الرواية المكتوبة، فأنجز رواية (الأبتر)، رواية الروح الوطنية المستقاة بالغربة والعزلة والأحلام؛ معايشة وحزماً، وشرفات، ثم كتب روايته (أعدائي) التي أعدها حجر زاوية في بناء الرواية العربية وليس في موجودية الرواية السورية وحسب.
    وأقول لو أن هذا العمل (أعدائي) كان هو كل عطاء ممدوح عدوان لكان كافياً لكي يسجل اسمه في ديوان السرد العربي، باعتباره مبدعاً، ورائياً وكشافاً، لا تخطئه عين الحذق!
    بقي شيء واحد، فحواه أن الأيام تثبت مرة بعد أخرى وهي تراقب ممدوح عدوان، وإبداعه، بأنهما معاً، كائنان متحدران من سلالة النور..!!
  • عبدالنور الهنداوي - شاعر من سوريا:
    ممدوح عدوان.. شاعر جرّد المعايير كلها، وحولها إلى تفاح مسيّج بالأشعة. عرفت ممدوح عدوان، قبل تشكل التضاريس، وقبل أن يتدلى من الكارثة؛ قبل ثلاثين عاماً، تعرفت عليه دفعة واحدة، ثم تركته وحده، ليحترق هو والأشياء. فقد خرج من جلده الخشبي، ليلتقي بالتمائم، وبالرهانات، فهو كان يلتهم الوقت حين زرته أنا والأسطورة المشوشة.
    ما أريده فقط، التذكير بعبقرية الخيال، لأنه هو الذي خلط الصدفة مع التاريخ وتسلق الفلسفة ولعب بالحداثة وما بعدها.
    هل يحق لنا الاقتراب من هواء سقط على الأرض دون خجل؟ لكي نتأكد من هذه الصراحة لا بد من رهان على السراب؟
    كنت أذكر ممدوح عدوان بالوجوه الخشنة، وبالأزقة المتآكلة، وبالأيدلوجية المخبأة بالصناديق.فهو الذي لعب بالخيال ليستمر، ومن بعد ذلك تسلل إلى داخل ثيابه، كي لا تحدث الكارثة، قد يعرف ممدوح عدوان ما معنى التحولات الخارقة، لذلك لا يستطيع الامتلاء بكل ما يراه. فتارة يخرج سهواً من أشعة الشمس، وتارة سيسافر باتجاه العيون المحطمة... وبشكل أدق، فإنه واءم ما بين الأيديولوجيا الساخنة، وما بين الاستيلاء على المصير.
    ممدوح عدوان، كان دائماً، ولا يزال، يبحث عن وجه داخل الكهوف وكما أن الأشجار تدير ظهرها - لبعضها البعض - وأن الماء تزوج الماء؟ فقد ترك هيكله العظمي خارج الأيام لكي لا يصدأ.
    فهو الذي مارس البكاء أمام الحائط، وهو الذي اعترف بالعذاب ليكتشف الأبعاد الخفية للمعجزة.
    ورداً على سؤال حول علاقته بالغزاة، ورقصات السماح قال لي: لقد وضعت كل أوجاعي وراء ظهري، لأنه لا يوجد آفاق للأيدي الممتلئة بالصحون الطائرة!

جريدة الرياض- 05 June 2003

***

حوار / 1 :

ممدوح عدوان
لست راضيا ولا غاضبا من الجيل الجديد

أجرى الحوار: علي ديوب
(سوريا)

منذ عام النكسة وممدوح عدوان يكتب الشعر، بلا انقطاع، ومن غير أن يوقف نتاجه لهذا الفن؛ لقد كتب المسرحيات - تأليفا واقتباسا- والمقالات الصحفية، والنقل الأدبي - ولعله شغل الصف الأول في هذين الفنين، طوال عقد السبعينات. كما كتب السيناريو والأغنيات، لأفلام سينمائية ليجرب (؟) الرواية، في آخر مشاريعه (صدرت له رواية حديثا، عن دار الريس، بعنوان أعدائي- ترصد، من النافدة الخلفية للقرن العشرين، أحوال البلاد والعباد، أواخر العهد التركي). وحيث يعمل مدرساً، في المعهد العالي للفنون المسرحية، تداولنا هذا الحوار:

* ممدوح عدوان مجرب مجتهد في شتى فنون الكتابة؛ أكان ذلك بتأثير المشاريع الفكرية الكليانية؟ أم نتيجة صراع مع خارج شديد التعقيد والغرابة؟ أم هو مجرد فوران طاقات يشدك في كل اتجاه؛ سيما وأن حب النجومية راودك لأن تخوض تجربة التمثيل؟

- أبدأ من النهاية: لم أحب التمثيل بسبب النجومية، بقدر ما أحببت التمثيل كأول نشاط مارسته في حياتي، خارج نشاط تلميذ في المدرسة. منذ عام 1958 قمت بدراسة التمثيل بالمراسلة. في (59-60) كنت أقدم مسرحياتي في مصياف (بلدتي)، في أعياد الوحدة، كنت أكتب نصوصا مسرحية وأقدمها بنفسي: إلى الآن هذه الرغبة مختزنة في. وقد صرفت في اتجاهين: الأول إلقاء الشعر، والثاني رسم الشخصيات بشكل جيد في الدراما. سواء كانت الدراما مسرحية، أو تليفزيونية.. وأخيرا روائية. وأنا أكتب أحس دائما، أنني أمثل الأدوار كلها، بما فيها الأدوار النسائية! أما عن تنوع وغزارة المشاريع والتجارب، فباختصار: أحس أنني ابن هذا العالم؛ وأريد أن أتدخل في كل ما فيه، لذلك أنا أشتبك مع العالم يوميا. ويأخذ هذا صيفا متعددة.. أحيانا أعانقه، أحيانا اشتمه، أحيانا أضربه بالحجارة.. وبالتالي أحيانا أكتب المسرح وأحيانا الشعر وأحيانا الصحافة؟ فهي رغبة في التفاعل مع العالم.

* ألا يحدث لديك، هذا التوزع بين فنون الكتابة نوعا من الفصام في التعبير عن التجربة، بدلا من تشكيل رؤية مركزة عن العالم بواسطة جنس فني واحد؟ أم أنك تشفق على هذا التنوع الذي يطبع الوجود، من رؤية واحدية؟

- أنا أعتقد أن كل كاتب يكتب بنسبة 70% عن نفسه، و30% بأفكاره. وبالتالي كل كاتب - اعترف بذلك أم لم يعترف - يحتوي في داخله على كل الأنماط التي يكتب عنها، إذا كان كاتبا جيدا. وأنا أعتقد أن في داخل شكسبير يوجد شايلوك كما يوجد هاملت، ويوجد روميو، وتوجد جولييت؛ وإلا ما كان بمقدوره الكتابة عنهم.
الكاتب يكتب عوالم متعددة، هي عالمه هو؛ طبعا هي قدرة استثنائية على الكشف الداخلي. ليس غنى استثنائيا، لان كل إنسان لديه القدرة على تأمل داخله بطريقة خاصة في الفن. بينما المفكر أو الفيلسوف يتأمل داخله بطريقة مختلفة. والفنان يتأمل داخله فيكشف هذا العالم المليء بالرغبات والنزوات. وأنا عندما أكتب عن اللص، فان في أعماقي يوجد لص. وعندما أكتب عن الخيانة يوجد في أعماقي خائن. وعندما أكتب عن الفدائي، أيضا يوجد في أعماقي فدائي، وأنا أكتب أحاسيس المرأة جنسيا مع أنني سوي من هذه الناحية... الخ.

* ماذا تعني بسوي؟

- كلامي يعني إمكانيتي إن أكتب عن أحاسيس المرأة الجنسية - مثلا- وأنا رجل سوي في حياتي الجنسية؛ أي انه لا يوجد عندي شذوذ.. كيف؟ بالتماهي مع الأحاسيس الجنسية للمرأة؟ بالمطالعة؟ أم بالسؤال والقيام بعمل استفتاء مع النساء؟ قد يفيد كل ذلك؟ ولكن يجب أن أبحث عن المرأة في داخلي- المرأة التي أحتاجها في الكتابة.

* هذه النسبة التي قدرتها في كتابة الكاتب عن نفسه وكتابته بفكره، هل عنيت بها فصلا بين الوعي الذاتي والوعي المضاف؟

- لا. ولكن أحيانا تتأمل موضوعا ما، فإذا كنت مفكرا كتبت أفكارا فقط، أما إذا كنت فنانا فستكتبه من خلال شخصيات أو عواطف - شعرا كانت، أم انفعالات، أم مسرحا.. وأنت تكون كاتبا ماهرا بقدرها تستطيع إخفاء نفسك في النص. بحيث لا تبدو انك تتدخل. ولكنك، في حقيقة الأمر، تكتب هذا العمل لأن لك موقفا في الأصل. وتريد لهذا العمل أن يخدم هذا الموقف، ولكن بطريقته كفن، وليس كمقالة فكرية أو كبحث اجتماعي أو خطاب أيديولوجي.

* هناك سخرية حادة، فاضحة، ماكرة، وسوداء في شتى نتاجاتك الفنية.. هل تفضل لو كنت جربت السخرية الحنونة أو التهكمية، أو فير ذلك من صفوف السخرية؟

- ربما، لو لم أكن عصبيا- أكثر مما يتطلب الأمر- كنت كتبت بسخرية أفضل من التي كتبت، وكل الذين يعرفونني يتساءلون عن الفارق بين المرح والسخرية والذكاء في الأجوبة وردود الأفعال الحاضرة في حياتي، وبين ما هو أدنى من ذلك في كتاباتي؟ وهذا صحيح. ربما لأنني أتناول الكتابة بعصبية، والعصبية لا تعطيني الفرصة لأن استرخي مع خبثي، وبالتالي يظهر الخبث في الموضوع وليس في التفاصيل، أتمنى لو أنني أقل عصبية، لأكون أكثر خبثا!

* إذن هل تفكر اليوم - وأنت على مسافة مناسبة من نتاجاتك الأولى- بنقلة جديدة؟! ومن أي نوع؟

- أنا، مثل أي فنان آخر، مشغول بنقلة فنية أجدد فيها نفسي، وأجدد نتاجاتي لأنني أنا أيضا أتجدد. ولأن هذا العالم الذي نعيشه يتجدد. وبالتالي أنت تبحث، دائما، لتكون ردود أفعالك مناسبة لما يعطى لك. عندما أعود بالنظر إلى نتاجي السابق أشعر أنني، الآن، أفتقد لأمرين: أولا الرومانسية، وهذا أتوهم إمكانية استعادته. وثانيا الطفولة، التي يفتقدها أي شخص بعد الخمسين من عمره، هذه نوستالوجيا الطفولة المفقودة، واستعادتها- أي الرغبة في العودة إلى مرحلة الشيطنة والرؤية البكر للعالم - تمثل حاجة عند الإنسان، هناك فنانون قادرون على أن يظل في عيونهم طفل يرى العالم.

* هذا الحنين للطفولة أفهمه على انه ليس لمرحلة عمرية، بل إلى نوع من الرؤية الحرة، غير الملتزمة بما هو خارجها، أي غير المسؤولة أيضا- هل توافقني؟

- لا شك أن أحد العوامل التي منعت الطفل الذي في أعماقنا من الاستمرار هو أننا اضطررنا ان نكبره، بشكل قسري. ونشده ليعي أشياء لا يجوز أن يعيها: ولكنه مضطر لذلك، لكي يليق بالحياة القائمة، لكي ينسجم مع أدوات القمع من حوله: قمع الأسرة، قمع المجتمع، قمع الأخلاق والعادات، قمع الدولة، ومتطلبات البناء، و... هناك مليون صيغة من القمع التي تجبر الطفل على أن يكبر بشكل قسري، ويصبح طفلا غير سوي- مثل الخضراوات التي يحقنونها بالهرمونات. تصور، مثلا، انك تلزم طفلا، عمره ثماني أو تسع سنوات، ان يتعلم كيف يحلق ذقنه!

* بين لغتنا الحية، في التواصل الكلامي، وبين اللغة التي نكتبها، وهي أقرب إلى اللغة الميتة، من شدة وطأتنا عليها (وكثر الشد يرخي- كما يقول المثل) ثمة سر: أين يكمن، برأيك؟ هل هو في تراثنا الشفوي؟

- أعتقد أني، في كتابتي الصحفية والدرامية، أكتب بالسهولة التي أتحدث بها، وبالتالي يخيل، لبعض القراء، أنها سطحية. وانه يمكنه كتابة مثلها: هي نوع من السهل الممتنع: لا يوجد فيها تعال، أو فذلكة، أو تهافت على القارئ. ومن هنا يأتي إحساس القارئ بإمكانية مقارنتها بحديثه اليومي.
الشعر - وربما لأنه حوار مع الذات، وليس بين أشخاص مفترضين - تصبح صيغته أكثر خوفا، وتعكس في النفس إحساس الدخول في بيت معتم. أنت تتلمس، كل خطوة، بحذر لتحمي نفسك، هذا ما يحدث لك حين تدخل إلى أعماقك، في الكتابة الشعرية، ومن هنا يصبح الشعر، بلغته الحذرة، أقل سلاسة.

* هذه العتمة، هل هي المسؤولة عن "الصنعة الشعرية"؟ أم أن هذه الأخيرة وليدة نمط من التشفير الشعري، الذي دفع بأصوات إبداعية جديدة لإطلاق صرخة "الشعر ضد الشعر" أو دعوة موت الشعر، أو لغة السأم من اللغة، نحو وضوح يأخذ قوامه من اللغة اليومية، بتنافراتها، وعبثيتها؟

- أعتقد انه ليس هنالك فن ليس فيه صنعة، والفن هو صنعة متقنة، إلى درجة تبدو أنها عفوية، انه أشبه بمنحوتة يعالجها الفنان بالأزميل، ويقدمها لك، ولا أثر فيها لضربة أزميل واحدة!
كل فن هو صنعة، حتى ما يبدو منه سلسا ويوميا؛ وإذن ما يميز مادة الحديث اليومي، في الجريدة، عن مادة الحديث اليومي الفعلية القائمة بين جارة وجاراتها؟ أو في الحانوت، بين بائع وزبون؟ نحن، حتى حين نلجأ إلى هذا الواقع، نلجأ إليه عبر انتقائية خاصة، من خلال عين الفنان، والفنان هو الذي ينتقي ما يبدو انه يومي ويحيله إلى فن هناك مقولة لـ(اميلي ديكنسون) تقول ان الفنان هو الذي يلتقط الممسحة، التي في الطريق، ينفضها ويعلقها على الجدار، فتصبح لوحة!

* أصبحت الغائية في الشعر، وتعيينا الشعر الموجه، الملتزم بخدمة قضية ما، مثار انتقاد حاد من دعاة تنظيف الشعر من الايدولوجيا والعنبرية... الخ؛ هل أنت مع الشعر خالصا لوجه الشعر؟

- هذا الموضوع جرت مناقشته كثيرا. ولا أستطيع أن أضيف عليه الكثير، ولكن سأوضح موقفي منه: العنبرية، بمعنى الخطابية ذات النبرة العالية، التي تصلح للمنا سبات وللتظاهرات، هذه تقتل الشعر والشاعر، وهي ليست شعرا؛ ولكن عكسها ليس صحيحا، بمعنى أن محاولة تجاهل القارئ ليست فنا راقيا، بالضرورة.
هذه المحاولة تحمل موقفا سخيفا ومفتعلا، ليس هناك من يكتب إلا ويتصور القارئ في ذهنه. ولولا ذلك لما نقل ما في ذهنه إلى الورق. الحياة مليئة بأناس يفكرون، في الطريق، بأشياء كثيرة، ويشردون في المقهى بأشياء كثيرة: ولا يكتبونها؟ وحده الكاتب يفعل ذلك، وعندما ينقلها إلى الورق معنى ذلك انه أراد تثبيتها لكي يردها الآخر (القارئ). إذن توجد رغبة في التواصل والتوصيل، لابد منها، وهناك دعوة واسعة - بحجة الحداثة - تصور الشعر بأنه "هو ما لا يصل"، "هو الذي لا يبحث عن قارئ"، أو "لا يحتاج إلى جمهور".. وهذا غير صحيح؛ ولكن تقصد الجمهور هو الافتعال، وهو الخطابية.

* في هذا السياق، هل توافق القائلين بصلاحية الشعر للقراءة، فحسب، دون الإلقاء؟

- هذا الاعتقاد اجتهاد آخر، لابد من التوقف عنده، وتأمله، وليس قبوله كما هو.
قبل كل شيء يجب أن نتأمل في أن الدخول من أبواب حضارية جديدة يؤثر على أنماط ثقافية، ووسائل تعبير سائدة؛ يعني لما كانت الناس في مرحلة الثقافة الشفوية، كان لديها مواصفات خاصة للخطاب. واختلفت هذه لما صار هناك كتابة. ما عادت هناك حاجة لان تكون أمامي، لكي ألقي خطابي وتسمعني، صار من الممكن ان أكتبه لك وتقرأه متى شئت وبحيادية، أي بمعزل عني أنا. حماسي وحرارتي صار يلزم ان ينتقلا إليك عبر الكلام، وليس عبر صوتي، اكتشاف الكتابة أحدث تغييرا بلهجة الخطاب. اكتشاف الطباعة أحدث نقلة حضارية أخرى، أوجد الرواية، الطباعة ارتبط ظهورها بالرواية. صار بوسعك ان تأخذ قصة وتقرأها في بيتك، لوحدك. لست بحاجة لشاعر يقرأ لك. ولست بحاجة إلى أمسية، ولا عازفين. أصبح هناك ذاتية، الطباعة صنعت التوزيع الواسع، وعملت الصحافة، أيضا لولا الطباعة لا توجد صحافة - والصحافة نوع جديد في الكتابة.. والآن دخل التليفزيون، دخلت ثقافة بصرية مختلفة، ودخل أيضا الكمبيوتر والانترنت نحن لم نتفاعل، بعد، مع هذه المعطيات الحضارية بشكل جيد وكاف، لكي تؤثر على أنماط كتابتنا: لكن يجب ان نتوقع أنها ستؤثر ذات يوم.
في تقديمي لكتاب "هيثم حقي" حول السينما، كتبت عن اشكاليتنا مع الثقافة البصرية التي هي مرتبطة بالتليفزيون والسينما.
والآن، لاشك ان البحث عن إيقاعات جديدة - التي هي مفتاح الحداثة العربية - والخروج على العمود الشعري التقليدي المألوف: هذا البحث كان له مبرراته الحضارية الأخلاقية والسياسية والاجتماعية. لكن له مبرراته التكنولوجية، أيضا، أعني: ما عاد بامكانك أن تنظم شعرك على إيقاعات الجمال، صار هناك إيقاع للحياة مختلف، وبالتالي صار مبررا لك أن تبحث عن إيقاع مختلف لقصيدتك.
هذا أوصل، في النهاية، إلى مقولة "إلغاء الإيقاع الخارجي والبحث عن الإيقاع الداخلي". وهو ما اتخذ شكل قصيدة النثر، التي راحت تتعامل مع الإيقاع الداخلي، وألفت الإيقاع الخارجي، هذا مبرر، لكنه غير متقن دائما، والذي يتقن ذلك: "شابو" (يلوح بيده ممثلا حركة رفع القبعة عن الرأس - تعبيرا عن الاحترام). البعد عن الإيقاع أدى، طبعا، إلى البعد عن الإلقاء. لكن أنا اعتقد انه حتى قصائد النثر الجيدة يمكن إلقاؤها بشكل جيد، ومؤثر، وجميل. ويمكن ان تلحن وتغنى، وهناك تجارب كثيرة في هذا النوع.
قد يكون من المواصفات، التي سنصل إليها، إن هذه الفردية التي بدأت مع الطباعة، والتي غذاها التليفزيون والكمبيوتر (وشيئا فشيئا صار الإنسان يجلس مع نفسه، لم يعد يذهب إلى السينما، وبدلا منها اكتفى بالفيديو).. إذن هذه الفردية ستصل بالإنسان إلى القراءة الصامتة - حتى ينسجم مع فرديته هذه، ومع معطيات العصر.

* هذا التوصيف، يشي بتبخيس ما آلت إليه حياة الإنسان المعاصر، يغفل قيمة الفردية ومنعكساتها على الإنسان الفرد، والتي من أهمها الرفقة الذاتية، المتخففة من وطأة النيابة عنه، والوصاية عليه؟

- هذا موضوع آخر، يمكن مناقشته لاحقا؛ دعنا في السياق.

* الشعر محطة يعود إليها "ممدوح عدوان"، بعد كل جولة له في ميدان الكتابة بفنونها المختلفة؛ هل أنت اليوم في إجازة، أم في مراجعة مع الذات؟

- ما زلت أكتب الشعر. ولكن، مثلما يقول لك الناشرون ان الشعر ليس له سوق؛ أنت أيضا لم تعد تعرف أين ستنشر قصيدتك. صحيح ان المجلات كثيرة؛ ولكن بمقدار ما تتاح أمامك فرص كثيرة للنش فانك تضيع فرصة التلاقي مع القارئ، الذي لم يعد يعرف أين ينشر شعر شاعره. ولأنه غير قادر على الجري خلفه، لمعرفة المكان الذي ينشر فيه: يخيل له ان الشاعر قد توقف عن الكتابة.

* ثمة تراجع للشعر، حدث بصورة مفاجئة وسريعة - كما يرى بعض المتابعين - خلال نحو عقد من السنين؛ كيف تفسر ذلك؟

- باختصار: الشعر كان في أزمة على مر العصور، كل عصر من الشعر شهد أزمة صلة بينه وبين الناس، اعتقد انه لم يكن للشعر جماهيرية في أيام البحتري وامرئ القيس والمتنبي، أكثر مما له اليوم، ولكن تاريخ الشعر وصل إلينا كمادة ثقافية، نقرأها ونتخيل أن شعر المتنبي، في عصره، كان حديث الناس.. أنا أعتقد أن جمهوره الشعري لم يكن يتجاوز المئتي شخص، من الناطقين بالعربية. هناك وهم أن لشعره كل هذه القيمة الجماهيرية التي وصلتنا. كان المتنبي يقرأ شعره في بلاط سيف الدولة، حيث يوجد هناك من يحفظه وينقله.

* وماذا، إذن، عن مقولة "الشعر ديوان العرب"؛ وحكاية ان أهم حدث في حياة القبيلة العربية هو ولادة شاعر؟

- سأصل إلى هذه النقطة / الوهم؛ الآن: أزمة الشعر، اليوم، هي نفسها في كل عصر. وهي دائما تولد لدينا إحساسا بأن الشعر سيموت، وهو على وشك الانقراض، ان من يراجع تاريخ الشعر، في القرون الثلاثة الأخيرة، وعلى مستوى العالم بكامله، يرى الحالة نفسها، يعني: "بودلير" أو "رامبو" لم يطبع من ديوان كل منهما سوى مائة نسخة! قمت مؤخرا، بترجمة كتاب لـ "اوكتافيوباث"، عنوانه "الشعر ونهاية القرن"، فيه فصل كامل عن هذا الموضوع، يبين ان كبار الشعراء، الذين نوليهم كبير اهتماما (يجب ان نستثني قلة من الأسماء التي تقف خلف شهرتها أسباب لا علاقة لها بالشعر- كالأحزاب مثلا)، لم يطبع واحد منهم أكثر من مائة نسخة للديوان، بالمتوسط - كما هو الحال اليوم. لكن لا شك انه في العشرين سنة الأخيرة ظهر عامل جديد من عوامل أزمة الشعر، وهو رداءة ما يكتب - بحجة التجريب. وأنا اعتقد أن هذه ظاهرة ليست خطيرة كثيرا. هناك أسباب، لم تكن من قبل، فتحت بابا واسعا للرداءة. منها تعدد وسائل النشر، تعدد المنابر المتوافرة للنشي، سهولة ان يطبع الشخص على حسابه الخاص. مع انه لا توجد دار تتشجع لطباعة الشعر؟ وهذا اعتراف بأزمة الشعر الحقيقية؟ لكنني اعتقد انه، بعد عشر سنوات، سوف نشهد غربلة للنفايات الشعرية. والزمن كفيل بهذه الغربلة. نمو الوعي الثقافي، نمو الحاسة النقدية العامة لن يبقيا من هذه الآلاف المؤلفة، من الأسماء التي تكتب الشعر، أكثر من بضعة أسماء.

* إلى أي حد أنت متفائل بالذائقة النقدية "العامة"، التي تتحدث عنها؟

- هناك ذائقة عامة تنمو مع الزمن، هذا مؤكد، ولكن ليس بالضرورة عندما نقول ذائقة عامة - في سوريا مثلا- ان يكون عدد أصحابها بالملايين، لا فمثلا، عندما نقول ان لادونيس جمهوره، في الوقت الذي لا يتجاوز فيه عدد من يحضر أمسية شعرية له ألف شخص في عاصمة عدد سكانها بالملايين: ماذا نعني بذلك؟ نعني ان كلمة الجمهور الشعري لا تحمل معنى الكم الهائل، كنسبة، وإنما تعني الجمهور صاحب الذائقة الشعرية.

* كيف تنظر إلى تأثير وسائل الاتصال الحديثة على تكوين هذه الذائقة الشعرية العامة؟

- هذه هي النقطة التي كنت أود الحديث عنها، عندما نتحدث عن مقولة "الشعر ديوان العرب" فالمقصود أن الشعر كان يقوم بوظائف متعددة في حياة القبيلة العربية - في الماضي. إذ يصح القول: الشعر والمادة الشعرية الثقافية، أو الشعر والمادة الغنائية، الشعر والمادة الإخبارية، أو المادة التاريخية... الخ. يعني الشعر هو مستند القبيلة، أي سلاح بيد القبيلة، أما الآن، فالعمر يفرز، بالتدريج، تخصصات تلفي حاجة الشعر للوظائف هذه.. أي ان الشعر لم يعد بحاجة لان يكون وسيلة إعلام أو تأريخا للقبيلة، أو للوطن أو للأمة. وسائل الإعلام حملت هذا التخصص، والتاريخ صار اختصاصات وعلوما، وهكذا بدأت مهمات الشعر تنحسر.. إلى أن يزداد تفرغا لجمالياته. وبالتالي يبدو اليوم وكأن الناس لم يعد لهم مع الشعر علاقة، إلا المهتم منهم بالجمال.

- إذا كان الأمر كذلك، فما تفسيرك لهذا التسابق على إصدار المجموعات الشعرية؟؛ فحتى الناجح في تخصصه (طبيب، مهندس..) لا يرتاح إلا إذا أصدر مجموعة شعرية؛ حتى لو لم تجد من يقرأها ؟

= يبدو أن هناك "بريستيج" اجتماعي، يجد الشخص نفسه مدفوعا لان يكون له كتاب باسمه، هذا نوع من التفاخر الطبقي، لطبقة أحبت ان تتميز. أو لأناس أحبوا الظهور. لكن يجوز - في المقابل - ان تجد مهندسا تعود قراءة الشعر طوال حياته، إلى جانب مهنته، معنى ذلك ان العواطف البشرية لا تزال موجودة، عند العلماء وعند الزبالين، وعند الصحفيين، وعند السياسيين: أنا- مثلا- لا أثق بأي سياسي لا يقرأ الشعر لأنه لا يتعامل مع النفس البشرية..
- ذكرتني بقول للغزالي، معناه ان النفس التي لا تتذوق الموسيقى لا نفع منها.. أو أنها نفس فاسدة.
= الفن إجمالا- والموسيقى نوع منه - حاجة روحية لا غنى للبشر عنها.

* أين تشعر بالرضا أكثر: حين تلتفت إلى جيلكم، وجيل من سبقوكم، أم حين تنظر إلى هذا الجيل الذي يرسم ملامحه بتلوينات مختلفة؛ وبخاصة منها تلك التي يطلق عليها أصحابها اسم "الحساسية الجديدة"؟

- أنا الآن في عمر يستمتع فيه المرء بالحديث عن "عصره الذهبي" (يضحك)؛ مثل كل الآباء، مثل كل الأجداد. لكن - بشيء من الحيادية - أعتقد انه كان هناك عشرات الآلاف من الشعراء يكتبون شعرا، وخلال عشر إلى خمس عشرة سنة، تمت غربلة طبيعية - الحياة قامت بها: رمت بقسم كبير مما كتب، وصرفت قسما كبيرا من الكتاب إلى هموم ومشاغل أخرى، يتقنونها أكثر. هذا كان في مرحلة الدراسة الجامعية شاعرا، فانتهى إلى محام. وآخر مثله، صار طبيبا. وثالث "كندرجي"... الخ، ولكن هذه الغربلة الطبيعية، التي أنتجتها شؤون الحياة ومهن البشر، ترافقت مع "غربلة نقدية". أيضا فإذن رمي بكل ما كتب من شعر جانبا، إلى النسيان، وابقي على بضع قصائد لبضع شعراء.

ما يجري الآن من بحث الجيل الجديد عن تسميات جديدة، مثل "الموجة الجديدة" أو "جيل الثمانينات، أو التسعينات" أو "الحساسية الجديدة"...، أسأل: لماذا حساسية؟ ألم يكن عند جيلنا حساسية؟ أو عند الجيل الذي سبقنا، أو سواهما..؟!

كل جيل لديه الجيد ولديه الرديء، أنا أقرأ قصيدة لشاعر من الجيل الذي سبق جيلي، فأجدها رديئة، وأقرأ قصيدة آخر، من الجيل ذاته، وأجدها عظيمة. والكلام ينطبق على الحديث عن الجيل الجديد وكل جيل. لا تزال نسبة الجيد قليلة جدا. بل ونادرة (لا تبلغ أكثر من واحد على ألف - برأيي)، وهذا شيء طبيعي: إذن أنا لست راضيا ولا غاضبا من الجيل الجديد. أنا أفهمه، تجربته، هي الأخرى، مثل تجربتنا، والمسألة تتكرر كل جيل.

* إذا كنت تملك مثل هذا الإحساس الأبوي: فمن أين أسباب شكوى الأبناء، برأيك؟

- كل واحد (شاعر) يعتقد انه، بقصيدتين، سيغير العالم، وهذا يعني ان الأنظار كلها يجب أن تلتفت إليه، والى إنجازه الإبداعي. وحين لا يتم له مثل هذا الالتفات، بشكل جيد، يعتقد ان الجيل الذي سبقه هو الذي يسرق منه الكاميرا (الأنظار)، طيب: الجيل الذي سبقه اشتغل ثلاثين عاما وأنت ثلاثة!!، يجوز بعد ثلاثين سنة أن تصبح مصدرا لشكوى جيل لاحق عليك. ويعني هذا انك تكون سرقت الأنظار!! عندنا - وهذه نقطة يجب التأكيد عليها- يعتقد كل شخص أن التاريخ يبدأ به: الشاعر يظن أن الشعر العربي، كله، يبدأ فيه، السياسي يظن أن التاريخ العربي يبدأ فيه، العسكري يظن أن العسكريتاريا العالمية تبدأ فيه. والمؤرخ يظن ان التاريخ لم ير النور إلا على يده. هذا الالفاء، لما ولمن سبق، يومي إلى أننا لقطاء حضارة، وليس لنا ذاكرة أو تاريخ؛ وهذا غير صحيح.. نحن امتداد؟ أنا امتداد لبدوي الجبل - ولو لم أكتب القصيدة التقليدية. وبدوي الجبل امتداد لامرئ القيس.. تراثي يبدأ من قصيدة كتبت يوم أمس إلى ما شئت من القدم.

* هذا النزوع الاستنكاري، الالغائي، للأخر يتجلى فينا كمرض، يتعدى المسألة الجيلية ليطال المعاصر لنا (محايثا كان أم منفصلا) ومن سوف يأتي أيضا. انه اغتيال للزمان والمكان، في تجلياتهما المتعددة والمختلفة؛ هذا النزوع، هل هو نتيجة لنمط حياة - سواء أعان مختارا، أو مفروضا؟ وهل التعددية - إذا ما استطعنا إليها سبيلا تنقذنا من هذا المرض؟

= هذا يجرنا للكلام في الايدولوجيا؛ وأنا لا أتقن الكلام فيها. أنا أتقن الحديث بزاوية معينة، لها علاقة بعلم النفس؛ أنا أظن أن مركب النقص يترك، في نفس المصاب به، خوفا من الآخرين ان يكشفوا حقيقته -مثل واحد يخاف ان يرده الناس انه ذاهب إلى المرحاض (مع أن كل الناس تفعل هذا)؛ لكيلا يكتشفوا انه "إنسان عادي"، هذا المركب يتركه في خوف دائم من الآخر: فيلغي كل من قبله، لكي يكون منفردا في عصره، ويلفي الحاجة لمن بعده، لأنه هو "الشرط اللازم والكافي" للتاريخ.
هذا الرجل المصاب بمركب النقص، يداري نفسه بقناع مركب عظمة - وهذا الأخير تجل مقرون بمركب النقص، عادة، وكلما ازداد مركب النقص لديه ازداد تأليها لنفسه.. مثل واحد خجول جدا، يدفعه خجله البالغ لأن يتصرف بوقاحة!
آخر كتاب قرأته، عن سيلفادور دالي- الذي يعتبر أكبر استعراضي- يظهر انه خجول جدا، وكان يخاف من ان يقيم تجارب عاطفية مع النساء، لئلا يكتشفن انه ليس فحلا كبيرا!!

- مقاربتك للإجابة على سؤالي، من زاوية علم النفس، هي خدمة حقيقية - أشكرك عليها، ولكن اسمح لي بالتوضيح ان التعددية المأمولة تحمل تفكيكا للمركزية، والانطوائية - كنوع منها- على السواء بما تتيحه للشخص من مشاركة ايجابية، تجعله يتقبل الآخر، في الوقت الذي تذوب فيه مركزيته، شيئا فشيئا..

= أنا كنت أتحدث عن الجانب المرضي.. أنت تتحدث عن الجانب المعافى؛ وهنا أود أن أضيف ما يلي: ان ذلك الشخص المريض يخاف من أن تفتضح حقيقته؛ لذلك هو يخاف وجود الآخر. فوجود الآخر يفتح مجالا للمقارنة. ولأنه يخسر دائما، أو يخاف أن يخسر، في امتحان المقارنة، الذي يجريه الآخر له (كما يتوهم)؛ فانه يريد ان يلفي الآخر: لكي يتحقق له النجاح في الامتحان - امتحان يجريه لنفسه بنفسه، أو معركة انتخابية هو مرشحها الوحيد.

* هذا يقودنا إلى إعادة النظر في ثنائية الشخصية الغربية والشخصية الشرقية - إذ درجنا على توصيف الأولى بالفردية والثانية بالجمعية.. وقلنا ان الفردية الغربية هي نتاج مجتمع مفكك: في حين ان المجتمع الشرقي، متلاحم متعاطف حميمي ويحافظ على روابط الشخصية الاجتماعية... الخ. السؤال: كيف لشخصية تقصي الأخر، أو تتهرب منه، ان تكون اجتماعية؟

- الجواب بسيط: الفردانية القائمة على احترام الذات، لابد ان تقوم على احترام الآخر، أما الفردانية القائمة على الخوف من الذات، أو على كره الذات، فلابد ان تكره الآخر، لكي تتجنب رؤية نفسها.

* من مميزات المترجم الحقيقي ان يكون دقيقا في اختيار موضوعه الذي ينسجم مع ذائقته، وعمق معرفته. ما هي معايير الترجمة عند ممدوح عدوان؟ ولماذا "كازنتزاكي" بصورة خاصة؟

- حين اختار كتابا للترجمة اشترط بعض الشروط. أولا: أن يقدم معرفة - أظن أن القارئ بحاجة لها؛ بل يأتي قبل أولا هذه، شرط ذاتي هوان أحب الكتاب، قبل كل شيء، وأحب أن يشاركني الآخرون بمتعة قراءته، أو متعة اكتشافه. وبالتالي أنا انتقي- في معاييري- ما أظن ان فيه متعة، وفيه معلومة (فائدة). لا أقصد معلومة بمعنى الرقمية.. قد تكون اكتشاف أساليب الآخرين، اكتشاف طريقة معالجتهم لمشاكلهم. مثلا: كيف يعالجون البغاء في البرازيل؟ أنا لا أريد باحثا اجتماعيا، هنا يمكن ان أترجم مثل هذا لباحث اجتماعي، لكن عندما يكتب روائي في مثل هذا الموضوع، أمس أنني بحاجة لأن أقدمه وأقول للناس؛ انظروا كيف تمت معالجة هذا الموضوع، كيف الجرأة على المحرم، في المجتمعات الأخرى
باختصار: كل ترجمة هي فتح صندوق من صناديق الكنز الإنساني، الموجود في هذا العالم، وكل صندوق فيه جوهرة خاصة. وأنا، بين الحين والآخر، أحس أن هذه الجوهرة تستحق أن ترى، فأقوم بالكشف عنها للقارئ، أبذل جهدي في الترجمة، بعد ذلك يأتي أسلوب الترجمة، وهذا بحث آخر.

* هل تعنيك معرفة الكاتب الذي تحب ترجمته، وخلفيات موضوعه الذي تختاره للترجمة؟ هل يحكم عملية ترجمته، عندك، نوع من التوحد الإبداعي مثلا؟

- تفاعلي معه ككاتب مهم، ومهم أيضا معرفتي بتفاعل هذا الكاتب مع خلفيته هو: كيف تعامل مع واقعه ومجتمعه، مع مشاكل بلده، مشاكله هو.. من هو الكاتب؟ هل هو ابن المريخ؟ هو ابن بيئة وجغرافية وابن شعب، وابن حضارة.. أليس كذلك؟ فإذن لابد من السؤال عن كيفية تعامله مع هذه الخصائص؟ كيف عكس هذا العامل إبداعيا؟ أنا أحس أن هذا يساعدني، ويساعد القارئ، الذي أترجم له، على رؤية المبدع الغربي.. وان المبدع البرازيلي يشتغل هكذا والأرجنتيني هكذا و... تعالوا، بناء على هذا، لنرى كيف يشتغل أديبنا.
أنت لاحظت اهتمامي بكازنتزاكي، بصورة خاصة: كازنتزاكي، برأيي، واحد من أغنى الكتاب - نعني داخليا- الذين مروا علي في التاريخ. وأنا أرى انه في ذلك يوازي شكسبير، هذا الفني الداخلي يجعله يبدو مسرفا. بمعنى: أمسك رواية من رواياته؟ كل صفحة تجد فيها مادة يكتبها غيره في رواية. يستطيع هو أن يحصل على ألف مادة، بدلا من رواية واحدة، لكثرة ما لديه من نمني، لكنه ليس بحاجة لأن يذيب - كما يفعل الكثيرون - ملعقة سكر في برميل ماء، هو ليس بحاجة لأن يفعل ذلك.

* لنتوقف قليلا أمام الجدار الذي طالما صلبت إليه: أنت ممن لهم شجون مع المحرم.. كيف تنظر إلى حركة الخط البياني للمسموح والممنوع اليوم؟

- أنا أظن أن مسألة المسموح والممنوع لها علاقة بحرية المبدع: المبدع، لكي يكون مبدعا حقيقيا، يجب أن يحس في أعماقه انه حر، بلا قيد: يخرج إبداعه وكأنه ليس هناك آخرون - بمعنى ليس هناك من يراقب! ولكن عندما تخرج المادة، وتأخذ طريقها إلى القارئ، تمر في "شبكات التوصيل". وهذه لها شروطها، وهذه الشروط تدخل في المحرم، والممنوع السياسي، والممنوع الديني، وهذه الدائرة أنا أرى أن مسؤولية الكاتب فيها واسعة جدا. وهي أن يظل يصطدم بحدود الدائرة، لأن اصطدامه هذا يفرض على حدودها ان تتسع. وأما تركها بدون اصطدام فسيتركها تضيق من نفسها- لأنها مثل المطاط. وتجنب التماس معها يتركها تضيق أكثر، وتسوغ المزيد من المحرمات.. لكن كلما صدمها المبدع أكثر، وصدمها غيره، تراخت واتسعت، الآن أعطيك مثالا: أكثر ما يخيف، في الوطن العربي، هو المخابرات، استمر الكاتب العربي يكتب عن المخابرات إلى حد أن المسرح التجاري، والناس المرتزقة، صاروا يتحدثون (ينتقدون)، ولا أحد يعترضهم، هذا مثال على ان صدم الموضوع استمر، حتى. أصبح عاديا، بينما كان في الماضي، لا يتجرأ الواحد على القول ان في البلد مخابرات!!

* ممدوح عدوان يرسم لوحة لتراجيديا الشاعر المناضل، ويكفنها بشارتين سوداوين - هما سلطة الرقيب وسلطة المجتمع (أو تحديدا السلطة البديلة في المجتمع - أي المعارضة): ماذا طرأ على هذه الترسيمة من تطورات؟

= هناك سلطة السياسة وسلطة العرف. الأولى تضم سلطة الدولة وسلطة المعارضة - لأن الاثنتين تحملان المنطق نفسه، في التعامل مع الفرد. وهناك السلطة الأخرى، نمير المرئية، التي تقمعك بالتربيت على كتفك، كما لو أنها تقول لك: "أنت، أيها المدلل، لا تصطدم بي، ابق عند حدود معينة"، أو هي تفعل ذلك بحجة الخوف عليك: "مالك ولهذا الموضوع؟ سيثير غضب الآخرين"؟ من هم الآخرون؟ الآخرون هم أنت، وهم فلان وفلان..! دائما هناك من يقول لك: أخي هذا سيثير رجال الأمن، وهذا سيثير رجال الدين، وهذا سيثير المرأة، وهذا سيثير الأحزاب اليسارية، وهذا سيثير الرجعية.. في النهاية: من هم هؤلاء الذين "خوفا علي" يجب أن أخاف منهم؟!!
إذا كنت أخاف عليك من ان تثير أحدا بكتابتك؛ فهذا يعني أني لا أريد لك أن تكتب. أو أريدك ان تكتب التمائم، والأحجبة.. (يضحك).

* ننتقل إلى نقطة، هي من صلب اهتمامك - على ما أظن: هناك من يأخذ على الانتلجنسيا توهمها الكلمات واقعا: مما يتركها عرضة لصدمات واقع لا يكترث بـ"المسبق النظري" (بتعبير ادونيس).. كيف يرى ممدوح عدوان إلى علاقة الفكر بالواقع، ما دام النقد السابق يرى ان معاقرة المثقفين للواقع زادته التباسا، وأبعدت الحلول؟

- أنا أرى أن على المثقف ان يستمر بمعالجة كل الموضوعات، التي يرى أنه مؤهل لمعالجتها، أو يرى أن هناك ضرورة لمعالجتها، حتى لو بدا ان صوته في فراغ. ليس هناك صوت في فراغ، دائما هناك من يقرأ، وهناك من يتابع، ولكن قد لا نحسر به مباشرة، على إلا نتوهم أننا بديل عن الشعب، أو الثورة، أو الجماهير الكاتب ليس بديلا عن أحد، ليس بديلا إلا عن نفسه؛ حتى انه ليس بديلا عن كاتب آخر، فكيف يكون بديلا عن الشعب؟ يجب إلا نتوهم أننا نمتلك الحقيقة الكاملة، يجب ان نتعلم أن ما نفعله هو فتح أبواب للحوار. نحن لا نلقي بالحكمة؛ القائد السياسي، فقط، هو من يعتقد انه يلقي بالحكمة الخالدة للجماهير. المثقف، والمبدع، يقول لا. أنا أحاول فتح باب لأتحاور، عبره، مع الناس: ما رأيكم بكذا؟ وليس: "ان" المثقف لا يستخدم "ان"، وما إليها من عبارات حاسمة.. (يضحك).

- سلوني قبل أن تفقدوني....

- نعم؛ هناك - لا شك - مثقفون متوهمون، لكن هؤلاء هم من يموت، وبسرعة، ويموت نتاجهم، وتموت فاعليتهم، أما المثقفون الذين يعتقدون أنهم يقيمون حوارا مع الأخر، مع الشعب، وليس قصدهم تعليم الناس، بقدر ما هدفهم إثارة أذهانهم، تجد أن كتاباتهم للتفكير لا للقلقين.

* هل قصدت هذا المعنى من دعوتك المعروفة للكتابة / التحريضية؟

- نعم.. التحريض على التفكير، هو ما عنيته. وهذا يختلف عن التحريض بمعنى أنني سأكتب قصيدة لكي أثير بها مظاهرة.. أو ثورة..

* هل ندعوه التهييج؟

- هناك أكذوبة تريد ان تتصور مثل هذه الإمكانية للقصيدة. أو ان لوحة قادت الجماهير، لا أعرف إلى أين.. هذه أكاذيب صنعتها الـ"بروباجندا" السياسية المستعجلة للقيام بانقلابات.

* يبدو أنك عانيت من وطأة هذه التوليفة الإيديولوجية للأدب - إذا صح التعبير.. ففي كلمة قدمت بها مجموعة شعرية حديثة، لشاعر شاب، يتلمس القاري انك إنما تتنفس الصعداء- كما يقال - فأطلقت عبارات تبشر بتراجع وطأة / كابوس التشنج الإلزامي. وهذا يدفع بالسؤال إلى أي مدى أنت آسف على المراحل التي قطعتها؟ أي هل تشعر اليوم بالأسف على رهن نتاجك الشعري لخدمة القضايا العامة وهو نوع من الالتزام الذي تشكو منه؟

- أبدا، أنا ما زلت حريصا على ان أقوم بدوري، في خدمة القضايا العامة، وذلك بمقدار ما يستطيع الفن أن يفعل.. ولكن أيضا بمقدار ما كنا نعاني من الرقيب الثالث، أو الرقيب المزدوج (رقابة السلطة ورقابة المعارضة)... المعارض اليساري كان بيده أسلحة قمعية أكثر من السلطة.. وضع هؤلاء معايير نقدية لا تصلح إلا للمسلخ؛ وسلخوا تاريخا من الحياة الثقافية. ولذلك كانت معركتنا معهم أكثر ضراوة. لأن المعارض يعتقد بأنه يمتلك الحقيقة الكاملة، بمقدار ما يملكها رجل السلطة: بفارق أن رجل السلطة - ولأنه يفعل فعلا يوميا على الأرض - يرى أن هناك مبررا للحوار معه ولنقده. ولو نقدا خفيفا. أما الأول - ولأنه لا يفعل شيئا إلا التنظير- فانه يعتقد أن الحقيقة لديه كاملة. ولذلك تأتي أحكامه أكثر صرامة، واشد قسوة، مثال على ذلك كتاب "الأدب والأيديولوجيا" للمؤلفين المرحوم "بوعلي ياسين" و "نبيل سليمان". وفيه، مثلا، ذكر لبطلة قصة للكاتبة "ألفت الادلبي"؛ البطلة امرأة عادية تقف أمام الفرن ساعتين - في الأرض المحتلة - دون أن تستطيع الحصول على الخبز. فتقول "الله ينتقم منكم"، وتغادر. لاحظ ان الناقدين علقا على هذه الجملة وأولاها على نحو: "هذه الأيديولوجيا الدينية المتعفنة... الخ" (يضحك، بذهول - كأنه يقرأ الكلام للمرة الأولى). هذا الساطور النقدي كان أكثر قمعية من أي دور لمخابرات في الدولة.
- لكن قيل أن الكاتبين بادرا للاعتذار عن آرائهما الواردة في الكتاب، بعد فترة من صدوره..
- ولكن، مع ذلك، نبيل سليمان يعيد طبعه - الآن؟!

* ماذا فعل الزمن بممدوح عدوان - الشاعر والشخص: علاقته بقريته، بأصدقائه، بالفلاحين، بصورة أمه، وحتى أولاده... الخ؟

- أنا أحب الناس.. أحب الحياة البسيطة. ولذلك بقيت علاقتي ظريفة مع أبناء القرية، والحارة، وأصدقاء الطفولة، وبالتالي أيضا علاقتي جيدة مع جيراني، وأولادي.. لكن، في الحقيقة، هناك بحث يدور حول مقدار ما عكسه هؤلاء في إبداعي.. أو قل مقدار عكس إبداعي لهم: وكيف تتجلى القرية (موجودة أو غير موجودة) في قصائدي كافة؟ حتى لو لم تكن القرية موضوع هذه القصيدة أو تلك.. ذلك أن هناك، دائما نبرة القرية، تربية القرية، عين القرية... الخ. هذه المسألة تحتاج لعين ناقدة - ترى أين القرية في نتاج هؤلاء الشباب الذين جاءوا من الأرياف: دون أن تنشغل هذه الرؤية بالبحث عن القرية كموضوع للمادة الإبداعية، بقدر ما هي طبع ونظرة للعالم.. أي بنفس الطريقة التي يمكن أن نقول بها ان "نزار قباني" شاعر مدينة؟ ولأنه شاعر مدينة كان لشعره مواصفات كيت وكيت. وكانت نظرته للمرأة والسياسة على هذا النحو أو ذاك... الخ، فهذه المسألة بحاجة لعين ناقدة، قد تستطيع أن ترى أكثر مني. وأنا، دائما، أتمنى أن نكون قادرين على الحفاظ على القرية، في شعرنا، لان القرية، في الواقع لم تعد موجودة.

* هذه النوستالجيا، هل يدعمها لديك موقف معرفي- لا سيما وأن هناك اتهاما ينسب للريف دورا سلبيا تسوغه عبارة "غزو الريف للمدينة"؟ أم انك تتلمس خلف هذا الاتهام موقفا أيديولوجيا قدس المدينة، كمعادل للتقدم؟

- أرى أن إثارة هذا الموضوع هي إثارة سياسية بحتة. وهي ليست حضارية - بمعنى ريف / مدينة. هناك إحساس بأن الريف يحكم سياسيا، وبالتالي فان المعارضة لهذا الريف الحاكم هي التشبث بالمدينة، لكن نظرة دقيقة للواقع تكشف انه لم يعد هناك من قرية على الإطلاق: الكهرباء، الطرق المعبأة، التليفزيون، البراد.. وما إليه من أدوات المدينة.. موجودة في الريف، هذا أولا، ثانيا: في كل العصور، وبخاصة بعد الثورة الصناعية، هناك هجرة من الأرياف إلى المدن، بحثا عن العمل، تنشأ عنها ظاهرة اجتماعية خطيرة؛ تتشكل من حزام فقر هائل حول المدينة، في قاع اجتماعي ممزق القيم: لأنه ترك قيمه في الريف، ونزل إلى المدينة.. وهذه الظاهرة كتب عنها الأدباء الطبيعيون - أمثال "إميل زولا"، و "ديكنز" وسواهما.. هذا البؤس الهائل الذي عاشه الريفيون المهاجرون إلى المدينة. ثم ان هؤلاء الذين عاشوا في المدينة جاء التعبير الثقافي عنهم بواسطة مذاهب فنية، هي "الواقعية والطبيعية"؛ لكن هم، عندما عبروا عن أنفسهم، عبروا بالرومانسية - أي بالحنين إلى الريف! (من هذا التلوث، من هذا الكد اليومي المهين للإنسان، والتسليع لقيمته.. إلى الحنين للريف) من هنا ولدت الرومانسية: ما هي الرومانسية؟ حنين للريف، حنين للطبيعة، حنين للبساطة، حنين لمجموعة مسائل بدأ الإنسان يفقدها.
إذن فالهجرة من الريف للمدينة موجودة لدى كل الشعوب. ولا يحتج عليها إلا من جانب إنساني؛ بمعنى أن هؤلاء المهاجرين يعيشون بؤسا في المدينة؛ أو من جانب سياسي، بمعنى أنهم يغيرون هوية المدينة.

* ولكن لواقع العالم الثالث، ووطننا العربي بصورة محددة، خصوصية تنبع من ان السلطات الحاكمة فيها ذات منشأ ريفي، ومن هذه الزاوية، ربما، جاءت الانتقادات سابقة الذكر.

- ربما. ولكن يجب ان نضع في اعتبارنا أننا، نحن، مجتمع عالم ثالث زراعي، أليس كذلك؟
ونسبة سكان المدن إلى سكان البلد ككل لا تتجاوز واحدا على عشرة، وهذا يعني ان تسعة أعشار السكان يقطنون الأرياف. وكانوا مهمشين لأنه لم يكن هناك تعليم، ولا مواصلات، ولا كهرباء... وبالتالي كانوا مظلومين: مما جعل من واقعهم حاضنا نموذجيا لولادة ونشاط الحركات السياسية - بوصفهم أصحاب مصلحة في التغيير. وكان لابد، مع انفتاح البلد- وبمنطق التعددية وال