لم يطل الوقت حتى امتلأت القاعة الشاسعة في الأوبرا. كان على المرء أن يصعد سلالم عدة قبل أن يصل إلى القاعة الحمراء التي غمرها احمر هادئ لطيف لمس الحشد الكبير الذي انتظم بسرعة وبلا صوت تقريبا. عشر دقائق فوق الموعد المحدد "السادسة" وأظلمت الصالة لترى ممدوح عدوان على الشاشة كما صوره محمد ملص وهو يلقي تلك القصيدة التي يتحدث فيها عن "فتانا" الذي رحل في غير دوره. عن موته الذي انقلب حنانا و"إننا ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع" و"قد متنا شبابا" كان واضحا أنها مرثية لشاب، لكن بعد أن مر الوقت وضاعت المناسبة. ففي وسعنا أن نجد في القصيدة مرثية ذاتية مبكرة أو بالأحرى متأخرة وها هو ممدوح عدوان من وراء القبر يرثي ذاته. كان صوت عدوان حرا طلقا ونظراته تتوجه إلى كل الجهات. كنا جميعا تحت نظرته وصوته. لقد عاد شابا ومزهوا وكأنما الآن يبدأ حياته الثانية. لقد كان اقوي المتكلمين في يومه. احتفال طويل. عشرة متكلمين. اغلبهم حسب حساب الوقت، لكن ساعتين ونصف الساعة انقضتا قبل أن نخرج ونتأنى في الباحة كثيرا حتى نعرف إلى أين نذهب.
لا نبالغ إذا قلنا أن الجميع احترموا المناسبة. الكلمات كلها محبوكة جيدا وسهر أصحابها وتأنوا في انجازها، إحدى السامعات قالت لي أنها كانت تنتقل من نشوة إلى نشوة، ولم يسمح لها أي متكلم بأن تستريح. عاد الاحتفال مباراة أدبية خاضها الكل بجدارة. لنا أن نسأل هنا لماذا لم نسمع قصيدة. هذا في الغالب مزيد من الاحترام. الجميع وكثيرون منهم شعراء أدركوا أن في الشعر ابتعادا غير محمود عن المركز وان عليهم أن لا ينسوا مهما استطردوا نقطة البداية.
كان واضحا أن لممدوح عدوان من الأهمية ما يجعله بسهولة رمزا للجمال والثقافة والشعر نفسه وهكذا تكلم نزيه أبو عفش عن "حماقة الحبر وشهوات الجمال" وتكلم محمود درويش عن "شعر لا يجعل الاستعادة عبئا على الحياة". ومثلهما تجنب الجميع أن ينحدروا إلى التعليق السياسي أو الخطابة المباشرة، بقي الكل تحت سقف الشعر وتكلموا جميعا بالصور والمجاز والكنايات. كان في معظم الكلمات لفظية شعرية على الأقل وفي بعض الأحيان نتف من شعر فعلي. بقي الشاعر هو المخيم وحين كانت السياسة تلح فان هذا لا يتم إلا بعد استئذان الشعري وفي رعايته. الشعري الذي جعل النصوص متوترة بين النحت والابتكار الأدبيين من جهة وبين الاحتجاج السياسي وغير السياسي من جهة أخرى.
الاحتجاج
يمكن القول أن الاحتجاج كان عطش الكلمات وجوعها وغريزتها التي لا تشبع. بل أن الاحتجاج لا يكفي فهناك غضب مر مسحوق يائس، بل أن المرارة الخانقة كانت بالأحرى طين الكلمات ومادتها، الزميل طلال سلمان تكلم عن "شعاراتنا المقدسة التي صارت في منزلة الأوهام" وأهدافنا السامية التي تحولت إلى زجليات وتكلم عن قتل نحن فيه القاتل والقتيل معا وكل أطرافه قتلى والجريمة مقيدة ضد مجهول. نزيه أبو عفش أدار كلامه على الحياة التي لم نعشها ونعيش من فائضها. المرارة بالطبع ذات مصدر سياسي بالدرجة الأولى، إنها يأس سياسي كامل شامل. أكد عادل محمود "جيلنا كله لا يستطيع أن يكتب تعريفا جامعا ومانعا لكلمة هي الحرية" ليس مجرد يأس ولسنا أمام ميتافيزيق سياسي فالسياسة المتضمنة في الكلمات، رغم ادبيتها وكنائيتها فان إشاراتها تصيب أحيانا وتكاد تلامس أوضاعا عينية. إشاراتها تكاد تعين أمورا وحين يحدث ذلك يتعالى التصفيق، كان الاحتفال ضخما وبرعاية وزارية لكن سياسة الاحتفال بالرغم من ذلك معارضة وتلعب المعارضة بتهويل بلاغي، ولكن أيضا بتوريات شبه واضحة، كانت هناك دائما هذه "الهُم" المتهمة، التي تكاد أحيانا تخرج من غبشها وتتعين. أو على الأقل يتراءى أنها تجسدت أو على وشك أن تتجسد. يمكننا القول عندئذ وباختصار أن الاحتفال هو أيضا مؤتمر مثقفين وأن خطابه اقرب إلى أن يكون خطابا منشقا.
مع ذلك فان جوا ثقيلا بل كابوسيا من الكآبة كان يرزح على هذه الكلمات. ثمة حداد سياسي خيم عليها، بل هناك تلك اللغة التي تحر الوجع وتحر الجرح وتذهب فيهما إلى الأقصى، كان في النصوص قوة عصبية، قوة توخز وتوتر ومشاعر وأفكار مروسة ومشدودة إلى الأقصى، لغة لا ترحم ولا تجازف بشفقة على الذات، كانت القوة البادية في الكلمات قابضة مقلقة أحيانا. وأظن أن الجو المحتقن زادت وطأته من كلمة إلى كلمة. كانت هناك حاجة إلى الصراخ، إلى الإعلان، لم يكفها الأدب. ولا اللغة.
ممدوح عدوان لم يكن ذريعة بل محور للكلام، شعره وشخصه. احمد عبد المعطي حجازي قرأه ثانية ليتأكد مما قالته له الهام زوجة الشاعر من أنها وجدت أن الموت كان شاغله الأكبر. لقد كان عدوان يضحك ويصخب فيما كان الموت موضوعه الأصلي. صادق جلال العظم الذي ليس شاعرا ولا يجتلب الشعر إلى نصه وجد أن عدوان هو أفضل من عبر عن جيل الستينات ومعاركه. لم يتردد ولم يقع في التأثيرات العقيمة التي شلت ثقافتنا، هكذا ميز نفسه بجدارة وتفوق على جيله والانتلجنسيا العربية. طلال سلمان وصل إليه متأخرا رغم انه طالما أحب لقاءه. هاتفه قبيل رحيله بعد أن حثه محمد ملص على ذلك. لقد وصل إليه متأخرا، نزيه أبو عفش وازى بينه وبين الشعر والجمال. محمود درويش تكلم عنه كتوأم شعري ورفيق مغامرة واحدة. وفي ما يشبه قصيدة نثرية كان هنالك أيضا "هم" الذين يبحثون عن "الشعر الصافي في جناح بعوضة ويجدون الاستعارة عبئا على الحياة". عبلة رويني وصفت كيف كان يكتب بمسؤولية جعلته في نظر نفسه صارما ومتجهما، حتى انه وهو الساخر الضاحك لم يكتب في حياته أي كوميديا.
صيحة اليأس
كلمات مختلفة بالطبع. كانت هناك مرثية جماعية لتاريخ ومرحلة، وكان هناك شعر مشدود وشعر طلق وكان هناك تحديدات ثقافية وتاريخية ونقد للشعر وبالطبع نقد سياسي. يمكن القول أن مباراة الذكرى كانت جامعة ومثيرة. لقد تلاقى المتكلمون على أكثر من إنشاء وجداني بالطبع.
لم يحضر محمد الماغوط وانتظرنا أن يلقي عنه احد كلمته لكننا فوجئنا به على الشاشة. رأيناه شبه سجين على مقعده. وضع سيجارته في المطفأة وتناول ورقة وجاء صوته متحشرجا. احتجنا لوقت حتى نتحرى ألفاظه. قال انه رافق ممدوح في الشعر والحانات وانه عقد اتفاقا شخصيا مع الله، تلك هي بالطبع نبرة الماغوط لا تزال في كلامه. صلته الشخصية بالله قديمة بلا شك. سنضحك معه ثانية، مع ذلك في صوت الماغوط وحركته وضخامته غير العادية ما يجعلنا نشعر بأن هناك وجها آخر. وليس أكثر سعادة المسار العقيم للمثقف العربي.
زياد عدوان ابن ممدوح. لم تكن كلمته كلمة الختام كما جرت العادة. تكلم قبل محمود درويش. ربما ليقول أن هذه هي كلمته لا كلمة العائلة، ظل زياد يقول أن أباه لا يخصه أكثر مما يخص كثيرين من أصدقائه. وانه كان يناديه "ممدوح" فحسب رغم استنكار كثيرين لأنه، شأن ممدوح، يكره الأنماط والتنميط. ممدوح قبل الموت حين نمطه المرض وجعله لا يشبه نفسه.
كان حفلا تكريميا لا تأبينيا كما قال وزير الثقافة السوري محمود السيد. بالأحرى كان أكثر من تأبين ومن حفل تكريمي. ذكرى الرجل الذي يتلاقى على احترامه المثقفون كانت أيضا تظاهرة للمثقفين أنفسهم، ففي هذا اللقاء الحاشد تكلموا ليس فقط عن بيت الأحلام المنهار ولكن أيضا عن نكباتهم الخاصة وعن غبنهم الخاص، عن تهميشهم المتزايد وتدهور الثقافة نفسها. تكلموا باسم الجميع وباسمهم. بتورية وبدون تورية. رغم البلاغة والمجاز ظل في الكلام "هُم" وما لم يسم كان لا يحتاج إلى اسم. الكناية هنا تهول أكثر من التصريح. كان الاحتفال بأربعين ممدوح عدوان مرة أخرى مؤتمرا للمثقفين: أكثر حياة من باقي المؤتمرات وان لم يكن أكثر فاعلية. على كل حال كانت صيحة اليأس السائدة إعلانا مسبقا عن ذلك.
السفير
2005/02/02
* * *
ذات مساء خريفي من عام 1961، بدد الشاعر علي كنعان الصمت الذي فرضه خرير مياه نهر بردى الدمشقي على مشواره مع صديق دربه ممدوح عدوان قائلا:
(لم لا تبقى على أرصفة الشارع آثار خطانا..
ومتى ساقية الأحزان تختار سوانا)
(ضحك ممدوح ضحكته المدوية ورد على صاحبه من المبكر سماع شعر الرثاء انتظرني حتى أموت كي تقول هذه الكلمات..!!).
انتهى الكلام وظلت ذكرى تلك الحادثة في مخيلة الاثنين، كما احتفظ نهر بردى بكل أحاديث أولئك الذين سرق لحظات بوحهم، وموتهم العابر، كسعد الله ونوس وفواز الساجر وأخيرا ممدوح عدوان.. وفي تعليق ساخر جدا قال غسان مسعود مرة:" يموت الشرفاء في المسرح يا للخيبة هذا ليس من حسن حظنا.. إذا من نحن، وما هي هوية من بقي على قيد الحياة"..
بمفهوم الجسد، سيستيقظ محمد الماغوط كل صباح، سيقوم الى المطبخ بعد ان يوقظ مذياعه على الأخبار.. سيهم بصنع القهوة وسينظر الى الساعة الهرمة عدة مرات وسيهمس بينه وبين نفسه" لقد تأخر ممدوح.. هذه ليست عادته، أعرف أنه سيكذب علي ولكنني أحبه.
وهو يكذب، أصلا أنا لا أستطيع ان أحب ممدوح الا بكل ما فيه ".. وفي المعهد العالي للفنون المسرحية سيطول انتظار الطلاب، سيجلسون في بهو المعهد لربما أطل عليهم بعد قليل معتذرا عن تأخير غير مقصود، ولربما قال لهم الجو جميل ما رأيكم ان نخرج للحديقة ويكون الدرس في الطبيعة سيوافق الطلاب وسيخرجون.
ولكن أين هو.. أين اختفى تسأل إحدى طالباته"، سيبحث عنه الندماء وأبطال الليل الشامي، كل يريد ان يسمع منه او يسمعه، سيطول الوقت ولكن الليل لن ينتهي حتى ينتهي الشراب.. !
سيفقتده زياد ومروان من سماهما وأطلقهما في الحياة، وسيسأل الجيران عن سر صمت البيت وغياب الضجيج عنه، ولن ترد الهام لأنها تعلم أنه نائم في الداخل سيستيقظ قبل السابعة ويشرب قهوته المسائية وترد على كل الاستفسارات "أرجوكم بلا ضجيج"...
يعلمون جميعا انه رحل وبلغة الروح سيعزون أنفسهم أنه يسكن بيننا.
ومرة أثناء معرض الكتاب الماضي سهرنا سويا نتحدث عن سحره في توصيف والده في "عليك تتكئ الحياة" فأخبرته أنني أشعر بوجود والدي الذي رحل مؤخرا في كل مكان اذهب اليه فرد سريعا قبل قليل أحسست ان أمي موجودة هناك "مشيرا بيده" فابتسمت لها وهذا هو السر الذي لا يشعر به الا من فهم معنى الغياب، والموت لا يعني نهاية حتمية ونهائية مهما كان قسريا وأنا لا أخافه وإن كنت أكرهه منذ ان خطف مني والدتي".
بمفهوم المباراة بين طرفين تغلب مرض السرطان على الشاعر والكاتب السوري ممدوح عدوان بعد صراع دام ثلاث سنوات لتوافيه المنية قبل أيام كتب عدوان حوالي 20 عملا مسرحيا من أبرزها "الرجل الذي لم يحارب"، و"سفر برلك" و"جمال باشا السفاح" و"ليل العبيد" و"هملت يستيقظ متأخرا" و"الغول" وغيرها.
كما صدرت له حوالي20ئ مجموعة شعرية منها "الظل الأخضر" و"أقبل الزمن المستحيل" و"أمي تطارد قاتلها" و"لابد من التفاصيل" و"حياة مفلوشة". وله أيضا العديد من الروايات كان آخرها رواية "أعدائي" عام 2002 التي رصدت انتهاء الزمن العثماني وبدايات تغلغل الصهيونية.
ودخل عدوان التلفزيون من خلال كتابة المسلسلات التلفزيونية الدرامية الناجحة ومن أهمها مسلسل "الزير سالم". ودون أن يكون هناك وقت إضافي أنهى القدر اللقاء غير الودي بينهما، على الرغم من ان ممدوح يحتاج بعض الوقت، وكانت هذه واحدة من أزماته المعلنة مع الحياة ولطالما تشبه بكازنتزاكي الذي أحب الوقوف في الشارع كي يسأل عمن يعيره بعضا من وقته الفارغ...!! ولكن الصافرة كانت أسرع.
كتب عدوان في أكثر من حقل إبداعي حيث تنقل بين الشعر والمسرح والرواية والنقد والترجمة والصحافة. ويبدو ممدوح عدوان في أيامه الأخيرة صديقا غير حميم مع الموت الذي أراد هزيمته.. وتراه يخاطب الحياة في أشعاره الأخيرة قائلا: "إننا ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع "تركنا فوقها منسف أحلام"، نحن أكملنا مدار العمر فرساناً، وقد متنا شبابا".
وإذا اختلف أي مثقفين سوريين على شيء فإنهما سيتفقان حتما على إبداع عدوان وحدة ذكائه وهما قلما يتفقان على أي شيء غير صوت فيروز.. !!
ويذكر الرجل في جلساته ان مجموعة من المثقفين السوريين اجتمعوا كي يحاكموه على أفكاره وتمرده في بداية السبعينات.. فعندما انضم إليهم دون ان يعلم سر هذا اللقاء انقلبت الجلسة الى سخرية وحديث لاذع وضحكات رنانة ونسي الجميع لماذا هم موجودون وليعلموا ان شخصا كهذا يصعب فرض أفكار عليه وتقييده بمسار ما..
وهكذا عاش هو يقول رأيه أعجب أم لا يعجب، كلامه من رأسه، وهذا ما حير كل فروع الأمن وكل أجهزة الرصد والمتابعة التي كانت تلحق به والنكتة انه كان يعلم بهم وغالبا ما كان يسلم عليهم أثناء تتبعه في مشهد كوميدي لا يتقن رسمه الا ممدوح عدوان، الذي نتوقف عنده الآن، نترك إبطاله في الحياة والأدب وأصدقاء مرحلة مهمة في عمره يتحدثون عنه ويقولون ما يقولون في رحيله..
د. رياض نعسان آغا
حين سمعت قبل سنوات أن ممدوح عدوان مريض بالسرطان ساورني شعور واهم بأن ممدوح سيقهر المرض، ولن يقوى السرطان على كسر إرادته، أو على قهر حبه للحياة بهذه الكلمات استهل د. رياض نعسان اغا السفير السوري لدى الدولة.
ولكن ممدوحاً كان قد استعد للرحيل حين قدم ديوانه (كتابة الموت) وأعلن فيه أننا (ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع، نحن أكملنا مدار العمر فرسانا، وقد متنا شبابا).
نمت الصلة بيني وبين ممدوح من خلال وفائي لحسن استقباله لي يوم قدمت إلى دمشق مبتدئاً رحلة الكتابة قبل ثلاثين عاماً، وحين اكتشفت عوالم ممدوح الغنية المفعمة بالحب والصدق والإبداع أحببته ووجدت فيه شخصية فريدة في تعدد المواهب، فهو الصحفي المحترف والأديب الشاعر والمسرحي اللامع، والروائي الحكاء، والمترجم الدوؤب، والسيناريست المبدع، والمحدث العذب.
والذكي الوهّاج، والساخر الضاحك، والعربيد المتزن، والمشاكس الشرس، واللطيف المهيب، والعاقل المجنون إبداعاً، والوطني المعارض بحثاً عن العدل والإنصاف، والجريء إلى حد التهور، والصادق مع نفسه إلى حد الاعتراف بما يحرص الناس على إخفائه من خصوصياتهم، والممتلئ فرحاً بالحياة، وحزناً لامتلائها بالخواء، القوي إلى أدنى درجات الضعف أمام الحقائق الكونية الكبرى، والضعيف إلى درجة الاستهتار بالموت ومواجهته باللامبالاة.
وأذكر من جرأة ممدوح اللطيفة أن أحد السادة وزراء الإعلام السابقين دعا ممدوح مع عدد من الأدباء لمناقشة تطوير الإعلام السوري، وكنت بين الحاضرين وحين توجه الوزير إلى ممدوح يسأله رأيه قال ممدوح (يتطور الإعلام حين تخرج المسطرة من درجك وتكسرها) قال الوزير أي مسطرة يا ممدوح ؟
قال: التي تقيسون عليها آراءنا على مقاس آرائكم، فمن كان على المقاس تقبلونه ومن تجاوز يمنع، وضحكنا وقلنا لممدوح لقد كسرت أنت المسطرة من زمان، وكان ممدوح قد أوجد لنفسه خصوصية في الكتابة المعارضة، فهو يكتب بطريقة تحرج من يفكر بمنعه، وقد أعجبني قوله (حين عرفوا أن صوتي من رأسي سمحوا لي أن أكتب ما أريد).
والطريف أن ممدوحاً (غول الأدب في سوريا) كما سماه بعضهم كان على غزارة إنتاجه المدهشة يشكو من فقر إنتاجه، ويقول إنه لا يزال يكتشف في نفسه وأعماقه قدرات وأساليب أخرى للتعبير، ويتمنى لو أنه كان يجيد الرقص والغناء والتمثيل كي تكتمل قدراته الإبداعية.
والحديث عن ممدوح يطول كما سيطول حزننا لفقده في ساحة الحياة التي ملآها فرحاً وضحكاً وسخرية، وفي ساحة الثقافة التي ملآها عطاء وفنا وإبداعاً.
قلت أمس لصديق ونحن نعزي أنفسنا إن ممدوحاً لم يعش ثلاثة وستين عاماً فقط، بل لقد عاش نحو مئة وتسعين عاماً، فإنتاجه يحتاج إلى ثلاث حيوات من السنين التي عاشها بالطول والعرض، فقد كان وحده مؤسسة ثقافية إبداعية، وحسبنا عزاء في رحيله أنه ترك لنا وللأجيال ثروة من الفن والثقافة العربية العريقة.
وهو في نظري كاتب أخلاقي رغم كل ما قد يقال عن صبواته الفنية، لأنه كان محارباً عنيداً للفساد في العالم، يدعو إلى العدل وإلى الإنصاف وإلى الدفاع عن الكرامة الإنسانية، وقد كان مسكوناً بحب أمته، تتفجر في نفسه الأحزان لما آلت إليه من ضعف وهوان.
علي كنعان
الشاعر علي كنعان يتذكر مرحلة الدراسة والبدايات فيقول "نحن الآن في حضرة ممدوح بعد الغياب ولا أجد كلاما استطيع ان احكي فيه عن علاقتي مع هذا المبدع، الغائب الحاضر، واستطرد فيه لأقول مالئ الدنيا وشاغل الناس، فقد كان زميلا وصديقا وأخا ومشاكسا وعدوا وندا وكل ما في هذه الحياة من مفاهيم وصفات يمكن ان تلحق بعلاقتنا.
وذات مرة قدمت لي الإذاعة مبلغ أربعين ليرة سورية عن قصيدة قدمتها لهم فخفت ان أذهب لقبضها وقلت لممدوح أليس عيبا ان اقبض ثمن الشعر فقال يا أخي ليس عيبا هيا نقبضها وسنجد طريقة مهمة لصرفها.. وحينما كان المد الفلسطيني في أوجه غاب ممدوح عنا لمدة شهر وعاد بها ولنعلم انه التحق بإحدى جبهات العمل الفدائي .
وحتى الآن الكثير من الفلسطينيين لا يرون في ممدوح الا فلسطينيا ويخاطبونه على انه واحد منهم، كما ان الكثير من الأحزاب كانت تدعي ان ممدوح عضوا فيها ذلك انه كان يشيد بوقف ما لحزب او للايدولوجيا ما ولكنه حقيقة الأمر لم ينتم الى أي حزب طيلة حياته ولكنه ظل يدافع عن خيارات الناس ويقول لماذا لا يكون للفقراء قبيلتهم وطريقهم.
كان يكره الرتابة والثبات ومن هنا قدم ديوانه "يألفونك فانفر" وفي حديث اذكره الآن في الستينات قال لي يجب ان نقاتل كقتال الشوارع إذا أردنا للشعر الجديد والموجة الجديدة التي نحن منها ان تنتصر.. يصعب علي ان أتصور ممدوح غائبا عني وعن هواتفي اليومية يتعبني غيابه ويزعجني رحيله ولكنها الحياة.. "وها هما غرابان من البرية الثكلى يحومان على قبر جديد..".
هيثم حقي
المخرج "هيثم حقي كان قريبا جغرافيا وتاريخيا من الراحل وهو مخرج أهم أعماله والقريب منه حتى ساعاته الأخيرة يقول متذكرا: "منذ ثلاثين عاماً وفي مهرجان خطابي أقيم في مخيم اليرموك في ذكرى رحيل غسان كنفاني، تساءل الشعراء على المنبر: من قتل غسان؟. ثم جاء دور ممدوح عدوان، الذي كنت أعرفه من خلال نشاطه الصحفي والشعري والمسرحي دون أن أتعرف عليه شخصياً، فألقى قصيدة بدأها: حين أتاني النبأ الفاجع في عجلة لم أسأل نفسي من قتله. وأنهاها قائلا: من منا سيكون المقتول؟.
أثار هذا الشاب إعجابي وأنا القادم حديثاً من دراسة السينما في موسكو. وتعرفت عليه يومها وبدأت صداقة امتدت لثلاثين عاماً دون أن تهتز رغم تباعدنا أحياناً في المكان لأشهر وأحياناً لسنوات.
ويوم الأحد 19/12/2004 غاب صديقي ممدوح عدوان. غاب الإنسان الطيب المحب الذي لم تفارقه بساطة الريف المتآلفة دون تعقيد مع ثقافته العالية ومعرفته الموسوعية.
صداقتي لممدوح كانت مختلفة عن أي صداقة فقد بدأت بين اثنين يعملان في الثقافة دون تقاطع عملي. كانت لنا آراء متقاربة في السياسة والحياة والفن. كنا نعارض كل ما هو متخلف وفاسد ومفسد. وكان ممدوح الأجرأ بين أبناء جيلنا في التعبير عن سخطه وغضبه شعراً وصحافة ومسرحاً، ثم جاءت لحظة التقاء الصداقة بالتجربة العملية. حين لجأت إليه في منتصف الثمانينات ليكتب لي مسلسل (دائرة النار). كنا نبحث عن دراما تلفزيونية مختلفة وأردنا أن نقدم نموذجاً لها في وقت كان الإنتاج الدرامي التلفزيوني شبه معدوم والمعاصر منه غائب تماماً.
لم ينسحب منا ممدوح فجأة فقد خاف ألا نصدق أنه سيغيب. لقد مرض منذ أكثر من عام. وكنا نراه يفقد شعره ويذوب لكنه بقي متألقاً نشيطاً يكتب ويترجم ولا يتوقف عن السهر والنقاش والود. الود الذي ميز بيت ممدوح عدوان. ففي منزله التقت أطياف الثقافة والسياسة. وإلى منزله لجأ متعب الروح والقلب لينهل من محبة الصديق وليداوي جراحاً يخلفها الصراع اليومي مع الجهل والتجهيل.
هنا عند ممدوح كان يقترب من صلابة الموقف، موقف من لا يهادن ولا يتنازل ويدفع ثمن ذلك من معيشته وحياته. يقترب من شخص أراد مثلنا جميعاً، ولعله أكثر منا جميعاً، أن تكون لبلدنا سورية ثقافة تليق بها وبمبدعيها. فغاب قبل أن يحقق الحلم لكنه آمن به. ونحن آمنا مثله لأن بلداً ينجب مثل ممدوح عدوان لقادر على ذلك.
د. عجاج سليم
السماء ملبدة بالغيوم ـ صوت الريح يعوي ويصم الأذنين.
غضب الطبيعة واضح، كل شيء ـ ديكور وإضاءة وصوت ـ جاهز لإذاعة النبأ المشؤوم.
هذا ما قاله المخرج المسرحي عجاج سليم في مطلع هذه الشهادة وأضاف: يلف القلب حزن عميق، وتزداد لوحة الطبيعة قتامة وعتمة وتعود الذكريات... شريطا سينمائيا، يصر ان يكون باللونين الضدين الأسود والأبيض، لونا الموت، الولادة.. لافرق، ويقفز إلى الذاكرة أسم سفربرلك.
أو كما وصفها أبو زياد (أيام الجوع)، سفربرلك، لم تكن مجرد نص مسرحي، بل كان بحثا طويلا، سافر لأجله ممدوح عدوان، وعاش في المكتبات وأخرج للوجود نصا مسرحيا، سيظل في ذاكرة الأجيال، وستحفظه الأوراق والمجلدات باعتباره نموذجا للنص التاريخي الذي مزج الشعر بالوثيقة بآلام الآباء والأجداد.
ثم بدا فجأة وكأنه يكتب ليومنا، لأيامنا، ونرجو أن لايكون لغدنا.
ممدوح عدوان... المشاكس - المقاتل ـ كان يشعر أن العصملية ليست مجرد حنود (إنكشارية) فقط، بل هي آيديولوجيا محنطة وأساليب إدارة متخلفة وجوع مقنع بأشكال عديدة ـ لا يزال يعشش في زوايا الدوائر الرسمية والحكومية، ومازال الإنكشارية بعد أن غيروا زيهم الرسمي، ينهبون، بطرق عصرية مخازننا وأسواقنا، ومازال الأبناء يساقون.. إلى المجهول.
ومازالت العقلية العصملية تحكم الكثير من نواحي حياتنا، وتدافع بل تستميت بالدفاع عن الأصولية والسلفية المتجذرة، وكان يعرف تماما أن الأخطبوط.. يمتد ويكبر ويتجذر.
حكاية (سفربرلك) حكاية الجوع والنضال، النضال الحقيقي باللقمة، وروح الابن، وجسد المرأة، وحريق المحصول، وليس بالشعارات المحنطة، والخطابات الغبية الفارغة.
أبو زياد، أيها السوري الكبير، ياطائر الفينيق الذي يصحو ويعود إلى رحم السماء، إلى حيث ينتمي بين الأرواح الطاهرة، ياشاعر ديرماما، ووادي جهنم، ومصياف القلعة، ياملك الألم، إلى اللقاء، أكتب لنا من عليائك لأننا.
يا ممدوح،. من آل عدوان،. نحبك.
كلماتي يارائع، بسيطة، ناقمة.. خجولة، لاتنفع لشئ، لاتقدم ولاتؤخر، لكنها تسعى لأن تكون وفية، في زمان لا وفاء فيه.
ولا تنس.. أكتب لنا، لأننا، سنحاول أن لاننسى، حبك.
د. حبيب غلوم
المخرج المسرحي حبيب غلوم قال: حقيقة شكل غياب الراحل ممدوح عدوان خسارة للشعر والمسرح العربي وما أحوجنا في الإمارات في الفترات التأسيسية لمسرح خاص بنا الى نصوص كنصوصه والى إبداع كذلك الذي كان يثيره في مسرحياته، انه احد أكثر الكتاب المسرحيين العرب فهما ورسما للشخصيات المسرحية..
ولا أظن ان الجيل الجديد يمتلك حرفة كتابته وسرعة بديهته وحسه الساخر في النص المسرحي او الشعري.. وقد التقيت الراحل في مهرجانات كثيرة ومناسبات مسرحية أكثر ودائما عندما كان يتحدث كان الجميع ينصت اليه باهتمام شديد.. وكانوا يرون في رأيه الدقة والموضوعية.. وحتى لا يزعل منه احد حتى وان كان العرض الذي يتحدث عنه سيئا جدا كان ينهي الحديث بالضحكات.. يعز علينا فراقه ولكنها إرادة الرب فلا حول ولا قوة الا بالله.
البيان
22- 12- 2004
***
فجعت الأوساط الثقافية والفنية العربية برحيل الكاتب السوري ممدوح عدوان، مساء اول من أمس، في العاصمة السورية دمشق، عن عمر يناهز الثلاثة والستين عاما، اصدر خلالها زهاء (80) كتاباً في الشعر والرواية والترجمة والنقد الادبي والمسرح والدراما التلفزيونية.
ونعت وزارتا الإعلام والثقافة السوريتان عدوان المولود في قرية "قيرون" بمصياف العام 1941، والذي سيشيع جثمانه ظهر اليوم في مسقط رأسه الذي كرمه واحتفى به قبل أيام قليلة وكأنما كان يودعه.
حسن حميد*: أجمل ما يقال عن المبدع حيا
اعتقد ان أجمل ما يقال عن المبدع والشاعر ما يقال عنه وهو حي. وقد كان لي قبل ثلاثة أيام او أربعة، شرف المشاركة في تكريم ممدوح عدوان، في مسقط رأسه بلدة مصياف حيث كان عدد طالبي الكلام حول ممدوح شخصا وشاعرا ومسرحيا ومترجما وروائيا كثيرا جدا.
وقد كان عددهم يحتاج الى أيام عديدة لكي يقول كل منهم ما لديه من محبة حول ممدوح عدوان.
لأول مرة أرى ممدوح عدوان يبكي اثنتي عشرة مرة، اي بعدد الذين وقفوا على المنبر ليتحدثوا عنه. كان أشبه بزنبقة الماء وهو يتأرجح يمنة ويسرة، وقد عذبه الكلام الجميل. لكأن الشاعر فيه، استيقظ مساء ليقول: إنني اختنق بهذا الكلام الجميل، ورأيي الذي قلته في ممدوح عدوان هو انه كائن بري، تفلت من كل الأطر والقيود. شاعر فتي كر على المدينة العاصمة (دمشق) وليس في جعبته نبال ولا رسائل للولاة، لم يكن في جعبته، سوى قصيدته، سوى موهبته، اللتين بهما صار شاعرا فلسطينيا لكثرة ما كتب عن فلسطين، وصار شاعر رأي لكثرة ما تمرد على الدوائر التي رسمت حوله، وصار شاعرا عالميا لكثرة اللغات العالمية التي ترجمت شعره وتجربته الأدبية كان لا بد لهذا الكائن البري، ان يتفلت من المحدود، ويمضي الى اللامتناهي، مثل حصان أحس بأنه شقيق البراري، هكذا كان ممدوح عدوان، في القصيدة عدوان كاتب وشاعر له نكهة مميزة، وفي المجالين لم يقدم سوى الأعمال الجيدة، حيث عبرت كتاباته وأشعاره عن موقف واضح وملتزم بالقضايا العربية والإنسانية وقضية وطنه.
لقد ساهم عدوان مساهمة مشهودا لها في مجال الترجمة لأعمال أدبية أجنبية مهمة، وأتاح للقارئ العربي ان يطلع عليها وهو متعدد الاهتمامات، وفيما يتعلق بأنواع الكتابة فكتب المسلسلات والمسرحيات والرواية والمقال، كان مبدعا مخلصا لحرفته، أعطى الكتابة جل وقته وجهده، وترك وراءه آثارا إبداعية لها خصوصيتها وأهميتها.
من المؤسف انه رحل وهو ما يزال في أوج عطائه.
الياس فركوح: رحيله خسارة للثقافة
رحيل ممدوح عدوان المبدع في شتى المجالات هو خسارة كبير ة للثقافة العربية فهو احد ابرز شعراء الستينيات والسبعينيات في سورية و الوطن العربي، إضافة الى كونه احد كتاب الدراما المميزين، ودون شك من أفضل المترجمين العرب الذين نقلوا مجموعة روايات عالمية ذات أهمية هي بدورها، ومن ابرز ترجماته رواية "دميان" و"سدهارتا" للكاتب الألماني هيرمان هيسة، ومذكرات اليوناني نيكولاس كازنتاكيس المعروفة بـ "الطريق الى جريكو" كما انه صاحب مواقف مبدئية ثابتة في كل من الحقلين السياسي والثقافي، كما انه من مثقفي سورية الذين عاشوا وماتوا وهم يرفعون راية الحرية كمطلب عربي إسلامي.
* * *
مات ممدوح عدوان. مات ولم يكن ذلك غير متوقع بل أكيد للقريبين من هذا الشاعر الكبير. وهنا فإن ما يتذكره المرء في الوهلة الأولى لسماع الخبر هي رقصة زوربا الإغريقي. فقد كان ممدوح عدوان ينتمي بعمق شديد الى تلك النوعية من الشعراء الذين أحبّوا الحياة بعمق.
حقا على نحو ما فعل زوربا لا متَخَيَّل آخر لممدوح عدوان سوى تلك الصورة الأبدية راقصا على نغمات تخرج من روحه وفقا لمشيئة قربه الى الحياة.
(لم أعد في حاجة الى الندماء) قال الشاعر العربي الكبير ممدوح عدوان في أمسية شعرية في إحدى قاعات المدارس العصرية في آخر أمسية له في عمان في آب الماضي. تلك الأمسية التي أمَّها حضور نسائي لافت. وكانت قد تأخرت عن موعدها قرابة نصف ساعة بسبب زيارة تفقدية سريعة للطبيب بحسب ما أعلن المثقف اسعد عبد الرحمن المدير العام للموسوعة الفلسطينية الذي قدم الشاعر عدوان الى ناسه وكذلك وفي الجانب الأخير من الأمسية أبلغت زوجة الشاعر عدوان الى عبد الرحمن ان كفانا قصائد حزن ومرض.
لم يكن ذلك بعيدا عن الإحساس بأن الرجل قريب من نهاية ما رغم قوة الروح التي بدت في صوته ببحته المميزة التي تقرِّب شعره الى القلب.
كل ما عدا ذلك أشار الى مزاج آخر في شعر عدوان الجديد، ثمة عزلة ووطأة عزلة وفعل معاينة لتجربة ذاتية خاضها هذا الرجل الذي نقل الى العربية كتابا فادحا للإغريقي نيكوس كازانتزاكيس عنوانه: تقرير إل غريكو وكذلك إلياذة هوميروس.
جاءت أغلب قصائده قصيرة، كانت العزلة مؤثثة بتفاصيل صغيرة وحميمة راكمت حبا بين رجل وامرأة كما لو أن هذي التفاصيل حبات قمح توضع في خابية هي الحياة.
وهنا كانت الغنائية جزءا لصيقا بمزاجية الشعر الا انها جانب من مبنى بأكمله قام على تمظهر سردي تبلورت في داخله البنية الغنائية تجاورها بنية أخرى حكائية هي في أغلبها قد استفزها التذكر... حتى بات التذكر تقنية في التخييل ورسما للصور الشعرية في الكتابة فتردد الفعل في الصيغة النحوية للماضي وتردد الماضي كموج بحر.
ثمة نزوع كبير الى التأمل في قصائد عدوان الأخيرة، قد تكون حقا قصائد حزن ومرض لكنها على الأرجح نتاج إحساس عميق بالخسارة لا الكآبة.. فالشاعر على نحو مطلق خاسر دائماً ويتوجع أبدا.
وكنا، في اغلبنا نحن الحضور، مدفوعين بفضول رؤية ممدوح عدوان وما ترك عليه المرض من اثر وكذلك مدفوعين بفضول سماع شعر جديد له.. وهنا بدا واضحاً أثر الدواء في ما طرأ على وجهه وفي تساقط قليل من الشعر وليس كما بدا في إحدى الصور شبيها بالراحل سعد الله ونوس في أيامه الأخيرة. اللافت في الوجه الذي يميل الى الحمرة تلك العينان الناعستان اللتان لذئب.
كما رأيت، أنا كاتب هذي السطور، وضعت على قلبي يدي. قلت ان الموت روما والمرض جند هيردوس العبيد يلقون القبض على مسيح؛ اقصد يلقون القبض على شاعر.
غير ان الشعر في دلالته العميقة والكبرى قال سوى ذلك تماما.. ما الذي يستفز روح الشاعر الى هذا الحد عندما يواجه مرضا يرجِّف القلب ويجعله يتأرجح؟ ما الذي يجعل الشاعر منتصرا على ضعف الجسد وهوانه وقادما الى الناس؛ ناسه بكبرياء الروح؟ أية قوة تلك للروح التي تحول الألم الى مخيلة.
كان الذين قد رأوه وسهروا معه في عمان ربما لآخر مرة ليلة قبل الأمسية قالوا ان الشاعر لم يختلف ولا اختلفت روح (النكتة) التي فيه عما كانت عليه في جاري عادته وقبل ان يزوره المرض فيقيم.. قالوا أيضا انه ما زال يتذكر نساءً ومدناً التهمها بأناقة وتمهل الذي (يرش) ملحا وبهارا على ما يشتهيه.
مات ممدوح عدوان.. زوربا الآن في رقصته التي لا تنتهي.
مات الشاعر، غير أن ممدوح عدوان ما زال مختلفا فهو القادر على ان يجعل من الرحيل الأبدي (نكتة) هو موضوعها ويضعها في مفارقة او قصة او مصادفة لا تخلو من سوداوية ما، فهو رغم مزاجه الخاسر لا يحب النميمة على أحد.
السفير
22- 12- 2004
***
ابراهيم نصر الله: عاش حياته محتفياً بالحياة
المرة الأولى التي التقيت فيها ممدوح عدوان كانت قبل خمسة وعشرين عاما تماما، كان ذلك اللقاء في دمشق، أهداني يومها ديوانه (أمي تطارد قاتلتها) وكانت القصيدة الأولى فيه عنوانها الجنازة، وفي المرة الأخيرة التي قابلته فيها كانت في عمان، حيث قرأ مجموعة كبيرة من قصائده التي تتحدث عن الموت، الى ذلك الحد الذي دفع زوجته لأن تطلب منه قليلاً من القصائد عن الحياة.
لكن الحقيقة تقول: ان ممدوح عدوان عاش حياته يحتفي بالحياة لا بالموت، وحتى في قصائده الأخيرة التي بدت كما لو أنها كلمة وداعه الطويلة وهو يدرك ان الموت يقترب كل يوم أكثر فأكثر، كان تعلقه بالحياة وبكرامة الأحياء شيئاً يفوق الوصف. فقد أدرك ممدوح عدوان دائماً أن الشعر الحقيقي لا يكتبه شاعر يقبل بأن يحني جبينه، ولذلك كان كل ما كتبه هو (لا) كبيرة ضد سحق البشر وطحنهم، كان ضد (حيونة الانسان)، التي جرى العمل عليها طويلاً في هذا الوطن العربي الممتد بين ماءين وأكثر من صحراء.
ولذلك كان يرى دائماً ان الشعر هو (لا) هو ذلك الشيء الايجابي العظيم. هو ما يؤكد لنا أننا نبكي لأننا لم نتعود الذل، بعد، ولم نقبله، إنه يذكرنا أننا بشر". ولعل قصيدته الشهيرة عن دونكيشوت جزءاً أصيلا من هذا العناد، وهو يشير في نهايتها على لسان بطلها انه لم يقطع وعداً بالنصر في واقع مهزوم ولكنه يقطع وعدا بألا تتوقف الحرب ضد كل أشكال الظلم.
ولعلي أقول له الآن ما قاله في قصيدته (الجنازة) وهو يرثي العروس القتيلة:
انها متعبة
فلتوقفوا هذا الصراخ
أنا أطبقت لها الجفنين
واكبت انطفاء السحر والبسمة
راقبت اندلاع الصمت فيها
ستغني.. أمهلوها)
وإذا ما كان من كلام آخر فسأقول، لعل أجمل وصية هي تلك التي كانت عنوانا لواحد من دواوينه، وهو يرى الى مرحلة تتساقط ورموز تتساقط، وأعني بها تلك الدعوة للعصيان والحذر والتعالي عن المكتسبات، صغيرة كانت أم كبيرة، اعني عنوان مجموعته الشعرية (يألفونك فانفر).
يوسف عبد العزيز: أخيراً مضى ممدوح في عتمه الخاص
لن يكون الشاعر ممدوح عدوان - رحمه الله - آخر من سيخذله قلبه في هذه المتاهة الشائكة من عمر التاريخ العربي والتي تتفوق ضراوةً ولعنةً عن درب الآلام، تلك الدرب التي سلكها ذات يوم السيد المسيح عليه السلام. فالفاجعة باتت كبيرة والسخرية من العربي وصلت أوجها.
لم يتحمل قلب ممدوح عدوان ذلك كله. ويخيّل اليّ ان السرطان الذي عاركه الشاعر بيدين قويتين وبرغبة عارمة في الحياة توصل معه في آخر الأمر الى نوع من الحل: الولوج في الغياب.
أخيراً مضى ممدوح عدوان في عتمته الخاصة، والتي هي عتمتنا جميعاً مثل سهم صلب انطلق من قوس مشدودة. مضى غير آبه بالموت ولا بالميتين الذين تكتظ بهم الشوارع والبيوت.
مثل شعره كان ممدوح وسيظل الصوت القوي الصارخ أبدا في البرية والمحرض على الحرب والحرية والجمال.
فخري قعوار: جذاب الى درجة مذهلة
علينا ان نسلّم بحقيقة انتهاء الأعمار عن طريق الوفاة، وعلينا أن نتذكر أننا جميعا سوف نرحل من هذه الدنيا الفانية، على غرار كل الذين ولدوا قبلنا ورحلوا بدون اي استثناء. ورغم بديهية الموت، فإننا لا نملك إلا أن نشعر بالأسى الشديد والحزن العميق حين نفاجأ بوفاة صديق عزيز او مبدع مرموق او إنسان ودود.
وقد شعرت بالأسف عندما علمت ان الزميل الكاتب محمد عيد قد رحل قبل أيام قليلة، وتصاعد الأسف عندما علمت ان الزميل الكاتب والشاعر والمترجم السوري ميخائيل عيد قد رحل فعليا اثر مكابدة طويلة مع المرض، وازداد الأسف أكثر عندما لحقت بوفاتهما وفاة المبدع المعروف في كل أنحاء سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وفي معظم الأقطار العربية المرحوم ممدوح العدوان.
فقد كان ممدوح - رحمه الله - إبداعيا مميزاً في مختلف المجالات التي مارسها، فهو شاعر من المرتبة الأولى في الوطن العربي، وهو كاتب جذاب الى درجة مذهلة، وهو مترجم يملك إمكانية خاصة في اختيار المواد، وفي رفع شأنها بعد ان تنتقل بأنامله الى اللغة العربية، وهو كاتب سيناريو وحوار تلفزيوني، وهو - بالتأكيد - مازالت لديه حزمة من المخطوطات التي لن يقصر اتحاد الكتاب العرب (السوري) في طبعها ونشرها وتوزيعها.
ولعل الذين التقوا بالصديق الراحل ممدوح العدوان، يعرفون روحه المرحة، وعقليته المزدحمة بالثقافة ووجدانه الطيب، ومودته الهائلة.. وليس لدينا ما نفعل اي شيء من اجله سوى الرثاء والتذكير بشخصيته والدعوة له بالرحمة.
رسمي أبو علي: كان كاتباً شريفاً ومستقلاً
رحيل الصديق ممدوح عدوان خسارة كبيرة غير متوقعة تماماً كنا نأمل ان يتغلب على المرض الخبيث بضع سنوات أخرى خاصة وانه بدا أثناء زيارته الأخيرة لعمان مصمماً على مقارعة المرض بل رافضاً له ورافضاً ان يغير نبض حياته أيضا. ممدوح شكل حالة استثنائية من حيث عشقه العارم للحياة والضحك بشكل خاص وحيثما كان يوجد ممدوح وخاصة عندما يكون برفقته صديقه الشاعر علي الجندي فإن مطعم الريس في دمشق كان ينفجر بالصخب والضحك العنيف.
وممدوح رغم أوصوله العلوية فقد كان كاتباً شريفاً مستقلاً وبرحيله افتقد احد رموز الثقافة السورية واحد رموز الثقافة العربية أيضا. وكم أحس بالأسف الآن أنني لم استطع أرى ممدوح في زيارته الأخيرة لعمان أنني آسف حقاً.
د. ابراهيم خليل: خسارة كبيرة للأدب العربي
لقد التقيت بممدوح عدوان مراراً وقد أعجبتني في شخصيته ميله الدائم الى المرح والنكتة والمجاملة وحرصه الدائم على تطوير نفسه ومتابعة ما ينشر سواء في الصحف او المجلات او في كتب وهو من هذه الناحية يعد قارئاً نهماً يكاد لا يفرق بين الأنواع الأدبية والثقافية التي يقرأوها وخاض تجربة الكتابة في كل الأشكال الأدبية من مسرح ومسلسل تلفزيوني وإذاعي ومقالة صحفية ورواية وترجمة، ولكنه برز في الشعر أكثر من غيره من الفنون ومازلت اذكر انه زار رابطة الكتاب الأردنيين بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وقد استمعنا منه لقصائد في ذلك الحين جعلتنا نرى الدموع في أعين الحضور وقصيدته المشهورة عن "سليمان خاطر" تعد واحدة من القصائد التي تحتسب من عيون الشعر العربي الحديث، لقد فقدنا برحيل ممدوح عدوان شاعراً وكاتباً ودرامياً وإنسانا رقيق النفس مرهف الإحساس وهو لأسفنا الشديد خسارة كبيرة للأدب العربي.
حسن ناجي: صديق الشعر والمثقفين
عندما يموت شخص ما فانك تحزن عليه وعندما يموت الشاعر فانك تحزن له وترثي نفسك. ممدوح عدوان كان مجموعة إبداعية متكاملة تمثل إبداعاته الأواني المستطرقة فقد أتقن مزاوجة فعله الدرامي مسرحياً مع إبداعه الشعري ادرامياً، وقد قطف ثمار الترجمات في أعماله الأدبية بصياغة عصرية أدت دورها الثقافي والاجتماعي معاً. ممدوح عدوان الذي اغتاله السرطان المرضي يغتالني بعده السرطان الإعلامي وحنق الحريات، هل لنا ان نقف أمام عام جديد نعدد موتانا أم نحصي كم مرة موتنا هذا العام.
كان ممدوح عدوان صديق الشعر والكتابة وصديق المثقفين الذين غرفوا من منهله الكثير، نعزي الشعر والمسرح والدراما التلفزيونية بشخص ممدوح عدوان الذي منحنا الزهو حين كنا نقرأه كما يمنحنا فعل الكتابة هذا الزهو.
الدستور
21- 1 - 2004
* * *
ما زالت لهجتك المصيافية الجميلة تعبّر عن ودّك الصافي وأنت تودعني عبر الهاتف :
ولك وين رايح .. أنت كمان تسافر.. بقى خليك عدنا!!!!
وأنا في هذه الجزيرة البعيدة والجميلة كأسطورة حاولت التواصل معك وكم ونّت روحي حين قرأت ما يشبه الرثاء كتبه أحدهم عنك واكتشفت بعد ذلك بأنك مريض وتكررت محاولاتي كي اسمع ضحكتك المدوية كأحزاننا ولم افلح ولكن الصديق علي سفر طمأنني بأنك بخير ، وسوف يرسل لي عنوانك الإلكتروني ولم احصل عليه عنده خاطبت نفسي وقلت: أن تكون بخير و"ضحكتك" تضئ سما الشام كما فوانيس رعود اذارية تنير شوارع كركوك هذا أمر لا يشك فيه أنا وأنت الذي وعدتني بأن نحيا ونسكر ونكتب ووووو رغم الموات الذي يحيطنا ويغزونا (يجب أن نعترف بالموت الذي نمر به، فنحن في مرحلة موت إذا لم نعترف بها نكون أغبياء فعلاً ، وعلى الرغم من ذلك فأنا أنبض بالحياة ، واستمر في كتابة الشعر ولا أصرح بوجود مستقبل زاهر ، إنني فقط أؤكد عدم موتي ويجب علينا أن لا نموت " هذا ما تقوله لي ضمن متابعة كتبتها حول أمسيتك الشعرية في "مكتب عنبر" منشورة في جريدة " المحرر نيوز" اللبنانية في شهر تموز لعام 1998 لأتوقف قليلاً عن ما تصرخ هواجس ونترك فسحة لما تنطق قصيدة:
كل شئ صار موزوناً مقفى
صار محدود المعاني
مجلس الشعب
المسيرات
نظام السير
تصميم المباني
وقفة الناس أمام الفرن
دور الناس في السجن
مواعيد الولادات
الجنازات , الأغاني ، والأماني…
كل شئ صار موزوناً ومقفى …فلماذا تكتب الشعر الحديث .. يا خبيث!؟
هذا المقطع بحجم كف وحلم"علي البصري" الذي بترتهما ديمقراطية التكنلوجيا السافلة وديناصورية أقذر الطغاة ، هذا المقطع من قصيدتك يوقف الجريدة عن موعد توزيعها المعروف للقراء الدمشقيين يوماً ويخرجني منها نهائياً كمراسل ثقافي في دمشق وبأمر من رئيس تحريرها نهاد الغادري الذي ترتجف شفتاه وشارباه كتاجر حلبي يرتعب من غضب الذين يسوّقون بضاعته ، لا بأس بما حدث لي مع الغادري لأنك تواسيني بجلسة عرق في نادي الصحفيين ….. عرق !! ها ، لا يقدمونه في النادي ،فقط يقدمون بيرة ونبيذ ، تمحي دهشتي وأنت ترفع كأس العرق وتقول كأسك يا فاروق وتوضح لي بأنك الوحيد المسموح له ذلك، وأردّ عليك: اها والله أنت ما محروم من حقوقك ككاتب يا خبيث!!!!
يا الله وينداح ضحكك الصاخب المنتهي "بأسى شفيف" وأنت تؤكد في حوار صحفي_نشر في جرائد كردستان عام1995 مع شاعر كردي عراقي يزور دمشق :
اشعر بأن القنابل الكيماوية التي نزلت على "حلبجة" أحرقت ضيعتي "دير ماما" أيضا!
في وقت صرخ فيه صاحب "دمشق الحرائق" في وجه هذا الشاعر الكردي وفي مقهى فندق الشام والذي حاول التعرف عليه ومحاورته :
لا أريد أن أعرفك أو أحاورك انتم الأكراد كلكم خونة وعصاة!!
ما تزال نساء أكراد العراق يضفرن نبل وجسارة موقفك مع ضفائر بناتهن المطرزة بـ_قرديلات_ حمراء، خضراء ، صفراء ،بيضاء …….
وما يزال أكراد العراق ومثقفوهم ينظرون بغضب صوب مثقف تنفث مواقفه بكيميائيات الفريق الركن الأول علي حسن المجيد !!
وها هم شباب عراقيون في عام 1982- أقصاهم أقذر طاغية - اتخذوا من "مساكن برزا" مسكناً لهم ، يستمعون من كاسيت مسجلتهم لقصيدتك وهم يرددونها مغناة وهاهو كوكب حمزة يدندن على عوده وأنت تقرأ مقاطع من شعرك ومن ثم تحلق مع "طيوره الطايره" وها تلفون بيتي يرن في الساعة الواحدة ليلاّ وإذا بصوت صديق يقول : بسرعة اخذ تكسي وتعال إلى نادي الصحفيين إذ تنتظرك مفاجأة تعشقها' وهناك مائدك منتصبة كفضاء وجدك الساحلي ، عانقت خلاله مبدعنا سامي عبدالحميد والفنان فاضل خليل القادمين تواً من العراق واللذين ترتل صوتهما عبر نشيج الأغنية العراقية القديمة ومن ثم ونٍّيت :
كل الأغاني انتهت الا أغاني الناس
والصوت لو يشترى ما تشتريه الناس
منهم أنا مثلهم والصوت منهم عاد
ياجار آمنت بالنجم الغريب الدار
يا ما ارتحلنا وظل القلب صوب الدار
اليوم بتنا هنا والصبح في بغداد
و… يا سالم المرزوق خذني في السفينة ، في السفينة
خذ مقلتي ما تشاء الا حكايات النساء
يا سالم المرزوق زوجتي الحزينة في بيت والدها سجينة
ومع هذا الونين اعتذر لسعدي يوسفنا لارتباك اقتنائي لمقاطع شعرية من قصائدك ويظل قلبك النبيل والجسور صوب بغدادك الجريحة وأنا الآن … الآن في هذه الجزيرة التي تطفو فوق بحار الله الأولى انتظر سفينة سالم المرزوق ، لعلها تأتي وتأخذني إليك ، إلى عراقك الذي يشيّع كل لحظة.
لكن سمعت أنت الأخر مسافر .ولك وين رايح ياصديقي!!!
كيكا
* * *
عن عمر يناهز 63 عاماً، رحل ممدوح عدوان ابن قيرون السورية، وهولا يريد أن ييأس ولا يستطيع أن يصدّق الأمل، متألماً حزيناً لما وصلت إليه حال أمته، متيقناً أن تأثير المثقف العربي بات هزيلاً، ومصراً، في الوقت ذاته على أن يبقى يمارس واجبه الأدبي حتى النفس الأخير. أيام قلائل بعد ان كرّمه مهرجان المسرح في دمشق، وسنوات بعد أن خذلته الأحلام أغمض عينيه وكأنه يسخر من دنيا اختار فيها الصراع والمشاكسة والغضب، فشاكسته بدورها ولعله انتصر.
عدّد ممدوح عدوان "الكارات"، لكنها كانت تدور جميعها في دائرة الكتابة والأدب. ناضل بالقلم، رغم انه حمل البندقية عام 1976 حين كان في الجيش الشعبي. ومثّل في المسرحيات التي كان يكتبها بداية حياته، وحشر أنفه في كل شاردة وواردة حين كانت مسرحياته توضع على الخشبة، وعمل صحافياً في مطبوعات سورية وفلسطينية، ومارس المهنة مراسلا حربيا وذهب أكثر من مرة مع الفدائيين في عملياتهم، وغطى معارك أيلول عام 1970، كما عمل مراسلاً في القطاع الشمالي من الجبهة السورية طوال حرب تشرين عام 1973. كما اشتغل عدوان في الترجمة، ودرّس حتى أيامه الأخيرة في الجامعة، وذاب مع طلاّبه في معهد الفنون المسرحية، وبقي طوال عمره مشدوداً إلى السياسة ينتقم من مكائدها في نصوصه، وناقداً كيفما تحرّك أو تكلّم أو كتب، حاد النزعة قاسي الألفاظ، وقد شرح ذات يوم وجهة نظره قائلاً: "لا مانع لدي أحياناً من المباشرة، إن فهم البعد السياسي لمعاناتي ومعاناة شعبي هو الذي يقف أمام كل محاولة لي للتقرّب من أي مشكلة أعيشها. وأنا في كتاباتي أميل إلى استخدام أي عنصر أتقنه لخدمة غرضي: أستخدم التراث أحياناً والمادة الواقعية اليومية والسخرية أحيانا أخرى والخطاب الاستفزازي المباشر أيضاً".
لهذا ربما بدأ عدوان حياته شاعراً مسرحياً من خلال كتاب طبعه على نفقته الخاصة في دمشق تحت عنوان "المخاض" عام 1966، ثم صدر ديوانه الشعري الأول عن وزارة الثقافة السورية عام 1967 بعنوان "الظل الأخضر" لتكر السبحة بعد ذلك، فكفّ بعد حين، عن المسرحيات الشعرية لاجئاً إلى النصوص المسرحية النثرية إيماناً منه بأن الزمن تغيّر والأدب ليونة وديناميكية. وإضافة إلى مجموعاته الشعرية التي بلغت الـ17 وكلها موزونة، جمع الرجل شعره النثري الذي سجّله في مراحل متفرقة وأصدرها أخيرا في ديوان عنوانه يشي بمضمونه، إذ سماه "حياة متناثرة"، ويبدو أن ثمة قصائد نثرية اخرى لم يجمعها عدوان ما تزال تنتظر أن تبصر النور. وبنشر قصائده النثرية إضافة إلى الروايتين اللتين نشرهما "الأبتر" عام 1969 و"أعدائي" عام 2000، وترجماته التي بينها "الشاعر في المسرح" لرونالد بيكوك، و"تقرير إلى غريكو" لكازانتزاكي، نقع على أديب تعددي يتخطى الأشكال كلها ويخترقها بنهم، ويمتطيها كفارس ليصل إلى غاياته التعبيرية التي تختلج في صدره، ولم تسلم منه المسلسلات التلفزيونية التي كتبها هي الأخرى.
نصف قرن وهو ينحت في جسد الكتابة، حتى حين كان السرطان ينحت في جسده، مدى السنتين الأخيرتين، فأصدر أربعة مؤلفات بينها "حيونة الإنسان" عن ظاهرة الاستبداد، فيه توثيق وبحث، وهو مجموعة مقالات كانت قد نشرت من قبل.
وخلّف الرجل وراءه حوالي سبعين مؤلفاً في كل مجال أدبي. ورغم التعب والجهد الذي كان يبدو عليه لم يهدأ ولم يطلب الراحة بل بدا كمن يريد أن يستنفد كل دقيقة بقيت له، وهو بذاك السلوك الشره للكتابة، ومغالبة الموت يذكّر بمواطنه سعد الله ونوس الذي أمهله المرض فترة أطول من تلك التي فاز بها عدوان.
عُرف عدوان واشتهر، وهو ما يزال ابن سورية البار، لم يكن يخرج من بلاده أو يسافر. وكما يقول نفسه، فإن ثقافته الأساسية جاءت من القراءة باللغتين العربية والإنجليزية، ومن الأفلام التي حضرها وما نقله إليه التلفزيون واستطاع الاطلاع عليه من الفرق المسرحية الزائرة لدمشق.
خرج عدوان بعد ذلك من دمشق لكنه كره الغربة والهجرة ولم يتقبلها، وفضّل التعايش مع هامش الحرية المتاح له التعامل معه بما يستطيع، فلم يهرب او يبتعد، بل بقي مقيماً حانقاً وساخطاً، وكأنما الكتابة عنده كانت المتنفّس والتعويض الذي يحتاجه. فقد كان الرجل غزيراً، سيّال القلم، فمن المسرحيات كتب "محاكمة الرجل الذي لم يحارب" و"هملت يستيقظ باكراً" و"حال الدنيا والخدامة" و"كيف تركت السيف".
ومن دواوينه "تلويحة الأيدي المتعبة" و"لا بد من التفاصيل" و"للخوف كل زمان" و"أمي تطارد قاتلها". وقد صدرت "أعماله الشعرية الكاملة" ـ التي أصبحت ناقصة بسبب إصداراته التي لم تتوقف ـ عام 1986 عن "دار العودة في بيروت". وبرحيل ممدوح عدوان الذي كان الممثل والمخرج اللبناني المعروف رفيق علي أحمد قد وضع له "زواريب" على المسرح منذ عدة سنوات، وشاءت الصدف أن تعرض منذ أيام فقط ولمرة ثانية في بيروت، يكون الرجل قد أغمض عينيه لكن زواريبه والطرق العريضة التي شقّها وآهاته وحكاياه والحكواتية الذين عشقهم، قد أمن لهم موقعاً في حيواتنا الشقية.
الشرق الأوسط- 22- 12- 2004
***
(إننا ننهض عن مائدة العمر ولم نشبع
تركنا فوقها منسف أحلام..
نحن أكملنا مدار العمر فرساناً، وقد متنا شباباً(!
... ولقد نهض ممدوح عدوان عن مائدة العمر فارساً، وترك فوقها إضافة إلى منسف الأحلام إنتاجاً غزيراً ومميزاً، من الشعر إلى المسرح والرواية، إلى الترجمات المختارة من روائع الأدب العالمي.
مع أول الليل اتصل محمد ملص ليقول لي إن ممدوح عدوان الذي يصارع منذ ثلاث سنوات أو يزيد مرض السرطان، متعب جداً، وإن اتصال بعض الأصدقاء به قد ينعشه. واتصلت بالكاتب الذي احترف القتال ضد الخطأ، والذي ظل يطلق ضحكته المجلجلة حتى وهو (يذوب).. ولعلي كنت آخر من اتصل بهذا الذي لم يعرف كلمة الضجر، والذي ظلت عنده دائماً ضائقة في الوقت لأنه قادر ويريد أن ينتج أكثر، قلت ما رغبت في أن يسمعه، وقال ما استطاع أن يتلفظ به من كلمات مهشّمة بالإعياء. وبعد ساعتين لا أكثر أبلغت أنه قد نهض عن مائدة العمر.. فارساً!
لم يترك هذا المبدع الذي هبط على دمشق من مصياف يواكبه (موّال ديرماما) فناً من فنون الكتابة إلا وأعطى فيه فأضاف، ولم يترك مقهى من مقاهي المدينة التي سحرته إلا وعارك فيه بعض أصدقاء العمر منعاً للتمادي في خطأ شائع، أو تعبيراً عن الضيق بالحال السياسية السائدة.. ولقد (تركوني أتكلم حين وجدوا صوتي من رأسي).
لقد (أقبل الزمن المستحيل)، وها قد رحل ممدوح عدوان تاركاً لنا (الظل الأخضر)، ولسوف نودعه ب(تلويحة الأيادي المتعبة)، ولن نسأله كيف ترك السيف ونحن نستجوبه في (محاكمة الرجل الذي لم يحارب)، لأنه قد أمضى عمره يحارب ضد الخطأ والخوف والتخويف والشعار الجميل الذي يرفعه حامله للتضليل...
لقد قاتلت كثيراً حتى أعياك القتال: (من التصدي لشرطي السير إلى التصدي لأميركا، مما جعلك متعباً لزوجتك وأولادك وللدولة ولإسرائيل وأميركا)، كما قلت يا ممدوح في آخر مقابلة لك نشرتها (السفير) يوم الجمعة الماضي.
ولقد عشت كما تحب ان تعيش: تعارك وتضحك وتكتب، تسافر وتسكر وتكتب، تمثل وتعلّم التمثيل وتكتب، تقرأ للخالدين شعراء وكتاباً في المسرح والرواية فتترجم وتكتب، تمرض فتواجه المرض بسن قلمك وتعطي بعض أجمل ما تكتب، وترفض (حيونة الإنسان) فتكتب حتى الصراخ، قبل أن تلعلع ضحكتك وكأنك تضحك من افتراضك انك بهذه المقاومة ستنجح في منع هذا التحقير للإنسان.
كثير علينا ان نخسر بعد سعد الله ونوس وعبد الرحمن منيف وممدوح عدوان..
***
كان أكثر ما هزّك، يا ممدوح، حدثين: هزيمة 5 حزيران وموت أمك...
... والهزيمة مفتوحة بعد، وإن كنا ما زلنا نحاول المقاومة بما تبقى في قلوبنا من إيمان، وفي أيدينا من سلاح.
ولعلك لم تسمع بآخر الأخبار التي توحي بأن الحرب المفتوحة على هذه الأمة تدخل الآن المرحلة الأقسى والأشمل.
فلقد أعلنت الإدارة الأميركية تلفزيون (المنار)، الناطق باسم المقاومة الوطنية الإسلامية، مؤسسة إرهابية، ومنعتها، وأعلنت الحظر على كل عامل فيها أو متعامل معها أو مستمع إليها. صارت مشاهدة محطة فضائية دعماً للإرهاب، يا ممدوح!
وحتى لا ننسى الميدان الآخر للحرب، فلا بد من أن نبلغك أن الرئيس الأميركي جورج بوش قال لصحيفة (يديعوت احرونوت) الإسرائيلية إن (سوريا بلد ضعيف جداً، ولذلك لا يمكن الاعتماد عليها، ويتحتم على الأسد الآن الانتظار. السلام بين إسرائيل وفلسطين أولاً، ومن ثم سنرى ما سنفعله مع سوريا).
ولك أن تتصور يا ممدوح، كيف سيتحول هذا الكلام في لبنان إلى تسعير للحرب المفتوحة أصلاً، والتي جعلها قرار مجلس الأمن 1559 حرباً دولية ضد لبنان وسوريا معاً، في ظل أوضاع مهترئة في لبنان تكاد تجعل خسارتها حتمية.
كل هذا بينما فلسطين (تذوب) حتى لا تكاد تُرى!
لقد(أقبل الزمن المستحيل (يا ممدوح.. فكيف تهرب أيها المقاتل المحترف من المواجهة الأخيرة؟!
السفبر
الاثنين 20/12/2004
* * *
قل لي يا ممدوح كيف رأيت الموت ؟؟هل لونه أبيض كما قال أخوك محمود؟هل لديه قاعة استقبال وبساط أحمر؟هل لديه ملائكة يعزفون نشيد الخلاص من عناء الأمس ورداءة العالم؟
هل لديه جوقةُ موسيقى؟ صبايا ترقص للغريب القادم من تلويحة أمٍ راضيةٍ مَرضية هانئة هادئة ساكنة في شرشف الطمأنينة ؟
قل لي يا صديقي؟ هل أستقبلك الأحباء الشرفاء هناك ؟هل قامت لك ضمائر حية ؟وهل رأيت البسطاء المساكين المظلومين في حفل استقبالك الأبيض؟؟
ُقلْ لي يا أخي هل يُستقبل الشعراء هناك كما يليق بالقصائد والموسيقى ؟هل جثم العروض بين يديك ؟؟هل ناخت لك جمال الخليل ؟؟ هل كان المعري هناك يحشد رهط الشعراء كما جمعهم في رسالته وهل تبدى وجه دانتي اليغيري ضاحكا على الموت ؟
هل احتفى بك الأنقياء هناك كما يليق ؟؟ وهل وجدت حكمة الحياة ملقاة جانب القبر ؟
تَنقلتَ يا صديقي من الأصفر السرطاني إلى الأبيض، عشت شاعرا حقيقيا ومت دون أن تسقط من يدك القصيدة ؟بقيت طودا شامخا في وجه الامحاء والإقصاء والرداءة ،بقيت سيفا حادا ومِديةً تقطع الشر، جِنا لا يقبل القيود ،كنت والغا في الحياة أكثر من صقر يطارد فريسته لم تُسلم لها العنان ولم تعرف الراحة، راوغتها بشتى الطرق؛ دخلتها من باب الشعر و الأدب والدراما والكتابة والصورة ؛هززت مسرحها وخشبها وفصولها كما ينبغي بمايسترو عريق واثق، واجهتها بالسرد والقص والرواية، وكِلتَ، لأعدائك، ما يمسح كرامتهم، ويمرغ وجوههم في الخسة ، دخلتها من زوايا شتى ، وعشتها حيوات متعددة، كنت فلسطينيا مطرودا من وطنه، وسوريا عاشقا ،لبنانيا حرا ومصريا أصيلا وعراقيا معطاء ! وخليجيا شهما متسامحا، عبقريا كنتَ عروبيا صميميا وإنسانيا اكبر من اللغات والكلمات والصفات..
كنت أبسط من فراشة وأعمق من محيط وعقيدة مجيدة ،
كنت متصوفا ،عذريا ،حسيا ،ليبيراليا يساريا ثائرا حرا ،شاهدا وشهيدا ...
كنت حصانَ ريح جامح ،صخرة صلدة ، بينما ضحكتك تمزق صمت الخوف والرتابة.
كنت أكبر من المرض والموت والفناء ...
أَفنيتَ الزمانَ قبل أن يفنيك ،حاربتَ المرض قبل أن يفتك بجسدك ، ولقنت النذالة والجبن دروسا في المغامرة، والقلم ظل يَمينَك، والكأس شمالك، والحب ديدنَك ومعدنك وسِر حياتك وكتابتك وبوحك.
***
قل لي يا ممدوح هل رأيت الموت سعيدا يصيده الثمين؟ وهل شاهدت ابتسامته طافحة وضحكته مجلجلة ،أم رأيته خَجِلا من اصطحاب أجمل الشعراء والأصدقاء، مطأطئ الرأس من وجهك المشرق وابتسامتك الساخرة الساحرة ؟؟
قلت ضاحكاً: انك أخبث من السرطان والمرض والموت، وصَدَقتَ حين قلت، فقد عشتَه كما عشتَ حياتَك بكبرياء وعطاء مجيدين، وحملت الموت معك، كما يحمل الذئب دم فريسته، حملته حتى أرديته قتيلا بين جنبات الطين، وقلت له لم تكن أقوى مني لأنني مَنْ حملك ولستَ من حملني، أتيت بك لأقتلك ثانية، وأعيد حياتك من جديد ،لأنك حين قتلتني نسيت صورتي في المرآة، نسيت كتبي وأصدقائي وجسدي هناك، أما ما تحمله الآن بين يديك فليس سوى هيكل وهمي، أما أنا الحقيقي، فقد خاتلتك وبقيتُ في نسغ الشجر،في ضحكة الأطفال، في ماء الشعر وغناء الحصادين، في رعشة السكارى، وعذوبة المتصوفين، في عضلات الحق وفي مرح الصعاليك!
يقيتُ هناك في نشوة مولانا جلال الدين الرومي،وفي عبقرية هرمان هسه وشعرية أوكتافيو باث، بقيت في وشم أمي وخمرة العشاق ، بقيت هناك في طريق الشام ، في عيون القدس وبيروت، في فضاء عمان والقاهرة، بقيت قطرات في غيوم ستظل تمطر وجباه تشم هواء العزة.
بقيتُ هناك فوق رمل الكلام وعسل الميجنا وخضرة الغابات وسحر الكلمات، بقيت في أروقة المكتبات والجامعات وفوق المسارح والمنصات وعند شفاه العشاق وتعاويذ الأمهات وآهات المعذبين !
قل يا صديقي، وأنت تطوي الموت كطي السجل، وتسخر منه كما سخرت من الحياة ،هل وسعك هذا الموت ؟؟هل وجدته ملائما لنبي مثلك ؟
***
بيروت ـ يقظان التقي
دمشق ـ سالار اوسي
عمان ـ الناصرة ـ موسى برهومة
ممدوح عدوان الذي رحل أول من أمس عن عمر يناهز الستين، كان من أكثر المثقفين العرب تنوعاً في كتاباته: من المسرح الى الشعر الى الترجمة، الى التلفزيون، الى البحث.
كان ذا همة لا تكل ولا تمل. ولذا عزر نتاجه وتوزع. وفي رحيله، فقده القارئ والمشاهد والباحث والخشبة المسرحية، وأصدقاؤه (وحتى خصومه). فهو كان حالة ضاجة بالحياة. وبالبحث. وبالمواقف الملتزمة القضايا العربية السياسية والاجتماعية والثقافية.
ممدوح عدوان من مواليد عام 1941، وله 17 مجموعة شعرية و26 مسرحية و16 مسلسلاً وروايتان إضافة الى ترجماته المهمة من اللغات العالمية.
مجموعة من الكتاب والفنانين العرب يتكلمون عن هذه الحالة الاستثنائية التي اسمها ممدوح عدوان.
ياسين رفاعية (روائي):
العنكبوت
هذا المرض اللعين يخطفهم الواحد تلو الآخر هذا "العنكبوت" الشرس، الغليظ القلب يلتقط فريسته ولا يتركها إلا بعد ان ـ في النهاية ـ يقضي عليها.
قاوم ممدوح عدوان بما وسعه من شجاعة وصبر وصمود. وكان يعرف انه لن ينجو. وكنا نتمنى له أكثر من الأيام أو الشهور.. وله سنة واحدة حتى ينجز ما كان يريد ان ينجزه. ومع ذلك خلال أربعين عاماً أعطى الكثير الكثير. لم يكن يتوقف عن كتابة الشعر، كتابة المسرح، كتابة الرواية. لم يتوقف عن الترجمة والمحاضرات والأمسيات الشعرية. كان ممدوح عدوان أكثر من ممدوح واحد. كان عشرة، ربما كان مئة وكان يغرف من الحياة ما وسعه الى ذلك سبيلاً كان يحب الحياة ويقابلها بضحكته المجلجلة وبسخريته اللاذعة وكان ممدوح في السياسة محبطاً الى آخر ما يمكن لإنسان ان يشعر. زاملته خمس سنوات في جريدة "الثورة" في دمشق، قبل حرب حزيران، وبعدها، كان متمرداً ويوم أعلنوا وقف إطلاق النار مع تلك الهزيمة الرهيبة، ضرب جبينه في الطاولة وراح يبكي كالأطفال، كأنه فقد أمه أو أباه.. أو فلذة من كبده، ويومذاك شتم العرب والأمة العربية. لكنه لم ييأس، ظل يتأمل ان لا بد ان ينهض طائر الرعد من غفوته.. ولما جاءت حرب تشرين عام 73 شعر بالاعتزاز. وقال: طالما نستطيع ان نحارب، يعني أننا ذات يوم سننتصر... وانتهج ممدوح عدوان منذ ذلك الوقت أسلوباً في المقاومة في الكتابة. فهذه هي حيلته الوحيدة، وظل يكتب ويتأمل.. ولم يفقد أمله بأمته ولما وقع في "فخ" العنكبوت، ووجد نفسه ضحية هذا المرض. واجهه بشجاعة نادرة. لم يستسلم. لم ييأس بل ومن خلال هذا الصمود انصرف الى الكتابة نحو عشر أو خمس عشرة ساعة في اليوم. كان يقول لدي مشاريع كثيرة وعليّ انجازها. ولكن العنكبوت الوحش لم يمهله.. والتف عليه. وأضعف مقاومته، حتى إذا خارت قواه. أغمض عينيه عن حياة كان يريدها أطول. وعن أصدقاء كان يريد ان يسهر معهم كل يوم وعن وطن تركه في أقسى ظروفه.
وكنا، نحن الرفاق، نتمنى لو نعطيه م