لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

قاسم حداد بصوته قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع























































 

محمد الماغوط بعد الرحيل وقبله

التمرد مهنته وقصيدته غرفة بملايين الجدران

دريد لحام: عشق الحرية

محمد الماغوطالماغوط خسارة كبيرة، ولا أستطيع أن أقول عنه المرحوم، مثله لا يموت، وآثاره أكبر من أي تعبير، وأعماله أعظم تعبير عن قامته. هذا الأديب وهذا الشاعر عشق الحرية فعشقه الحرف، عشق الوطن فعشقته الكلمات. من خلال شعره وكلمته زرع آلاف الشموع التي ستبقى مضيئة.

شوقي بغدادي: وقت إضافي

لم يفاجئني خبر مماتك يا محمد، فأنت وأنا وآخرون من جيلك، الذين ما يزالون يجرعون من ضوء الشمس وينتظرون، مهددون في أجسادنا منذ سنوات، وبقاؤنا على قيد الحياة وقت إضافي (over time) لمباراة خارقة كنتَ ربحتَها في اعتقادي يا محمد الماغوط منذ أمد طويل. لقد استطاع الموت أخيراً أن يقتحم عليك الدار ولكنّ دخوله لم يكن انتصاراً في المباراة الحامية التي دارت بينكما طويلاً، فأنت الرابح منذ استطعت أن تبرهن بمواهبك المدهشة في السخرية واللامبالاة والجرأة أن الموت لن ينقص من بيدر سمعتك العالية قشّة واحدة، بل سوف يزيد بها من سنابل الذكرى أكواماً... لك الله يا محمد، .. فتصالحْ معه إنه غفور لأمثالك، أكثر مما تتصور.

عادل محمود: الكمان الأحدب

دخل الماغوط بجسده الضخم إلى معرض للخزف الشعري فلم يعجبه فكسره، وأجال نظرة من النافذة إلى الحياة ومن هناك فرّ إليها ولم يعد أبداً، هناك ظل يغني كمارد من الرقة أصيب بالاستياء من الدنيا، الماغوط مؤلم وجميل يمسك بيده قلماً كأنه الجمر، ويريد في كل يوم وكل قصيدة أن يحرق السفن منذ طارق بن زياد وحتى اليوم.
لم يعش الماغوط بسلام مع أحد، ولا مع روحه أبداً، كان ساخراً لأن المهزلة دائمة، وكان حزيناً لأن كل شيء يؤدي إلى الفقدان. وكان يائساً لأنه لم يجد لدى العروبة كلها لحظة شغف واحدة بالحرية.
موت الماغوط إعلان محزن عن الرحيل المتتابع للنسور الجدود وهي تهوي في باطن الأرض وقاع الذاكرة.
لقد مات أفصح الناطقين باسم الناس البُكَماء، مات الكمان الأحدب وهو يعزف لريحٍ قادمة.

فاضل الكواكبي: الإحباط الريفي

رغم سخريته غير المبررة من الثقافة والمثقفين، خاصة في سنواته الأخيرة كان محمد الماغوط أحد أبرز رموز الثقافة السورية طوال عقود، ليس باجتراحاته الشعرية والمسرحية الأولى فحسب، بل لأنه تحوّل منذ السبعينيات إلى منتج للثقافة الشعبية (بل والشعبوية بمعنى آخر). ويا للمفارقة؛ هذا الرائد لقصيدة النثر النخبوية والمعاشر الحميم لنخب بيروت الثقافية المتعالية أوائل الستينيات يكتب بدءاً من السبعينيات المقالة الصحفية المبسّطة، والمسرح المبسّط، والسينما المبسّطة.. هذا الريفي المزمن يتغلب على ثقافة المدينة التي تعلّق بها ولم يغادرها طوال عشرين عاماً بأن يحولها إلى استعارات وتشبيهات تأتي من الشعر ل<<تفش خلق>> كمٍ كبير من مأزومي الطبقات الوسطى المنهارة التي تعلّقت بالمخزون الكثيف لدى الماغوط، من السخرية المريرة المشوبة بالمباشرة والاستعارة الفجّين والمتناغمين الآتيين من أحلام ريف قصيّ ورومانسية أيديولوجيات طوطمية، رغم ادعائها الحداثة، إنه الإحباط الريفي العنيف هو الذي صنع من الماغوط كاتباً شعبوياً بدلاً عن رائد حداثي افتقدناه منذ زمن بعيد.. قبل أن نفتقد حضوره الفيزيولوجي المتثاقل والعدواني والحميم والمثير للحنين في آن واحد.

رشا عمران: يتفرج على حياته

قال الماغوط: <<الموت فرح>>. لم تغب هذه العبارة التي ذكرها عباس بيضون عنه في مقالة له بعد زيارة إلى منزله في دمشق. لم تغب عني حين زرته لأول مرة في حياتي منذ أقل من شهر. كان الماغوط ممدداً على كنبة في صالونه الضيّق وكان مفروشاً بكل مراحل حياته ضمن بورتريهات مختلفة وكثيرة على الجدران المحيطة به. سألني ماذا أفعل الآن وأين أصبح إخوتي ووالدتي، وتحدثنا عن مسرحيته الأخيرة، وعن أشياء عديدة كان الشعر هو الغائب الوحيد عنها. كنت أنظر إليه وهو يشرب ويسكي ممزوجاً بالثلج ويدخن سيجارة إلى منتصفها ثم يرميها ويأخذ أخرى مباشرة، ولا أعرف هل انتبه إلى دمعة وحيدة في عيني وأنا أستعيد تاريخاً كاملاً من الشعراء انتميت إليه ذات يوم بحكم البنوّة، تاريخاً مليئاً بالدهشة والأمل واليأس والالتصاق بالحياة حتى الشغف بكل تفاصيلها، تاريخاً جذّر لمساحة شعرية كبيرة، رغم كل ما يمكن أن يقال عنه الآن، تذكرت أن الماغوط لم يكن يوماً معنياً بهذه الأحاديث، لم يقبل يوماً أن يُدرج ضمن حالة شعرية جمعية. كان أكثرهم إصراراً على التفرد، لهذا كان أكثرهم إصراراً على الحرية. لماذا على شاعر كهذا أن يشيخ وأن يجلس أشهراً طويلة على ذات الكنبة يشرب ويدخن؟ ما الذي كان ينتظره شاعر بحجمه وهو المليء بتفجراته ونفوره الداخلي إلى نسف كل التنظيرات والمصطلحات الشعرية والثقافية والسياسية. قال لنا إنه نال جائزة العويس عن الشعر وإنه سيسافر بعد أيام إلى دبي لاستلام الجائزة، قالها بحيادية تشبه حيادية الأحاديث التي تبادلناها معه. أخبرت العديد من الأصدقاء عن هذه الزيارة، قلت لهم أشياء كثيرة خطرت لي وأنا هناك، لكن شيئاً ما لم أقله لأحد، شيئاً أعرفه عن الشعراء بحكم البنوّة أيضاً، أن الماغوط، الذي لم تفارقه أبدية فعل الحياة، لم يسمح لهذه الحياة أن تتركه مجرد متفرج في غرفة ليس فيها غير حياته هو، ما لم أقله لأحد وقتها إن الماغوط سيذهب ليستلم جائزته بلا فرح، لأنه يوقن تماماً بأنه سيفرح بعد قليل قريب، فالفرح لم يكن مهنته في الحياة، أظنه اختار فرحه أخيراً حين اختار لحظة رحيله.

دلدار فلمز حسن: رحل الكردي

رحل الماغوط، ترك لنا أسلحته، لندير معركة الحياة التي أصر على أنها معركة، رحل الكردي، لم يكن عربياً فقط، كان لنا جميعاً. <<سأخون وطني>> أفكر ما الذي لم يخنّا به هذا الوطن الذي سكنه قسراً إلى الأبد. مجازفة أن لا تكون بيننا.

خضر الآغا: نص العصيان

خلال ساعتين على إعلان وفاة محمد الماغوط، تلقيت، بصفة شخصية، اتصالات تعزيني بوفاته أكثر من الاتصالات التي تلقيتها بوفاة أبي: اسم الضحك. كم أنت خائن أيها الشعر!
بعض المتصلين المهذبين بيّن أنه يعزيني لصفتين: أولاهما أنني شاعر، والثانية أنني من (بلد) محمد الماغوط: سلمية. حتى اختلط علي الأمر في أنني أتلقى العزاء بموتي الشخصي (...).
أزعجتني الصفتان: إنني شاعر من حيث أن ذلك يحتم علي أن أكون مجرماً وأقتل آلاف الشعراء ليستطيع صوتي المبحوح أن يصل لأحد ما. ويحتم علي، بصفة خاصة، وكوني أقف في (خندق) قصيدة النثر أن أقتل مؤسس هذه القصيدة الذي لا ينازع: محمد الماغوط. قبل موته الآن، وهذا ما لم أرده بصرف النظر عن استطاعتي، أنا أو غيري، ذلك. الصفة الثانية أنني من (بلده) من حيث أن ذلك يحتم علي أن أنتظر سنوات طويلة جداً لعل السلمية تستطيع الانتساب لغير القرامطة والفاطميين ومحمد الماغوط. لعلها تستطيع بعد ذلك أن تكون بلدي وبلد آخرين حقاً وليست فحسب بلد محمد الماغوط. إذ بعد دمار القرامطة والفاطميين والتاريخ لم يكن ثمة من تنتسب إليه السلمية سوى حصنها الأخير: محمد الماغوط. كم ستبدين هشة الآن أيتها السلمية وقد كففتِ حتى عن تصدير البصل المجفف.
لقد اكتشفت كذلك بساطة أصدقائي، إذ كيف يصدقون أن شاعراً مات. إن تاريخ موت الشعراء أكد أن الشعراء لا يموتون، إنما يتظاهرون فقط بالموت، خاصة إذا كان الشاعر هو محمد الماغوط الذي واجه ليس التراث الشعري العربي فحسب، بل شعر الحداثة العربية برمته. ففيما كان شعراء الحداثة يكتبون، كما يقول، في المطلق، فإنه سحبهم إلى الأرض بكل ما فيها من أرصفة وتشرد وحطام، وفيما كانوا يؤكدون انتسابهم إلى (شرعية) القصيدة العربية عبر التفعيلة: الابن الشرعي للعمود، أكد خروجه عن الشرعية وكتب قصيدة النثر التي تمردت على أبيها وأمها وسلالتها وعلى الشرعية وأعلنت العصيان المضاد.
فإذا كان شعراء الحداثة كتبوا نص العصيان، فإن محمد الماغوط كتب نص العصيان المضاد.

محمد فؤاد: صاحب السلالات

اعتباراً من اليوم، ولأسابيع قادمة ليست بالكثيرة، سنقرأ عشرات المقالات عن محمد الماغوط. تفضل الصحافة استعجال الحزن وعقد مجلس العزاء سريعاً، ربما كي ينتهي سريعاً وننتظر موت مبدع آخر كي نبكيه، بدوره، سريعاً ونخلص. وفي غمرة انشغالاتهم سيجدوا، المسؤولين الحكوميين، الوقت ليحضروا تأبينه، وربما يطلقون اسمه على شارع، ناهيك عن مدرسة وجائزة. لا معنى لكل هذا الضجيج، فالرجل قد مات واستراح. ولن يتغير شيء، لا تصدقوا أن الشعراء يمكنهم أن يغيروا شيء، الشعراء يموتون فحسب، ولن يضيف الطبل والزمر نقطة سعادة واحدة الى حياتهم التي ولت.
ومع ذلك، فقد حظي الماغوط في حياته ما يحسده عليه مبدعون كثيرون. فقد انتزع اعتراف الجميع بموهبته، إجماع نادر قل أن يحظى به مبدع. الذين أحبوا قصيدة النثر جعلوه إمامها، والذين كرهوها استثنوه، حتى دون أن يقرأوه. كان صعباً أن يتملص أحد من نمطه في الحياة وفي الكتابة، لكنه نمط كان لابد أن ينتهي إلى أفق مسدود في الشعر وفي الحياة ولذا كان مؤلماً أن ينتهي الشاعر الى ما انتهى إليه، متسول مقالات باهتة، تتوالد فيها الكلمات ميتة بلا معنى أو موقف أو إبداع.
الكبير رحل، صاحب السلالات التي ستبقى تدين له بالدفعة القوية التي فتحت باب قصيدة النثر على مصراعيها للجميع.

محمد مظلوم: جنازة النسر

في السنوات الأخيرة زرت الماغوط بشقته وسط دمشق أكثر من مرة، وفي كل مرة كان المشهد واحداَ تقريباً، يرسم صورة ذلك النسر شبه العاري وهو طريح الدنِّ والزمن!
وفي إحداها، قبل نحو عامين، صحبت يوسف بزي حين أجري حواراً مع الماغوط،، لعله استشعر إنه لقاؤه الأخير مع الماغوط، لقاء لم يخل من مفارقات معتادة من الشاعر الذي قال يومها إنه لا يتكلم إلا بثمن ولا يصمت إلا بثمن أيضاً، كان في الواقع حواراً وزيارة على مائدة الماغوط الأثيرة التي تلتصق بكنبته: خمور متنوعة وصحون طعام متعددة، و(كروز) سجائر يضيِّف منه زواره بالعلبة وليس بالسيجارة!
كان حديثه عن الكوابيس التي تأتيه في هبات نومه المتقطع، ممزوجاً بأحاديث عن أحلام الشاعر في يقظته، لا تستطيع أن تفرق بينهما بسهولة هكذا كانت حياته، رغم تزيينات الدعة أو ما حسده عليه البعض من كنوز جاءته بعد فوات الأوان، بيد أن الشاعر يموت دائماً دون الحاجة إلى كنوز إضافية.
أراد أن يعقد مصالحة مع الجميع بعد أن أفسد حياته مع نفسه ومع العالم برمته.
ومع أن موته كان منتظراً من قبل جميع من عرفوا كيف كان يفني ساعاته، إلا إنه جاء مفاجئاً لهم أيضاً، لم يكن في أيامه الأخيرة منسياً كما يحدث للشعراء مثله عادة، لكنه كان محاطاً بالرعاية والشبهات! ربما سيزيد من تأويلاتها اليوم، أن الشاعر لم يمت على الأرصفة التي عاش فيها وتغنى بها كميدان بطولة! ولا في المنافي الباردة بل على سرير في مستشفى دمشقي، بعد أن عاش سنواته الأخيرة على كنبة في شقته بوسط دمشق. وبرعاية من ابن شقيقته الطبيب.
لقد هجا الأوطان والعواصم، المدن والغرف والسجون، التاريخ والبشر جميعاً، وها هي أشجار الطريق التي لم يعد منها الكثير، والأرصفة التي لم تعد مكاناً صالحاً للعيش، ترثيه دفعة واحدة، كأنما تعيد له ما أوصى به من محبة على مسارح المهزومين!.
لقد ترك الماغوط مناقب فصيحة في معنى ان تكون الشتائم المتصلة للوطن نشيداً في المحبة التي لا تشبهها محبة أخرى، ترك أسماله على الأرصفة وذهب عارياً نحو الله على كرسي متحرك، وليس على دراجة كما رثى السياب ذات يوم.

منذر مصري: ليس محكوماً بالأمل

حسناً.. لقد صعد الآن محمد ماغوط إلى الله ذاك الذي رفع له ملفه الضخم عن العذاب البشري، الموقع بشفاه الجياع وأهداب المنتظرين، ولا أحد يستطيع الجزم إن كان الله قد قرأ الملف أم لا!؟ الأمر الذي بحد ذاته، إذا وضعنا العذاب البشري جانباً، يصنع إشكالاً خاصاً لصاحبه، أقصد، دون أن يكون الله قد قرأ دواوينه الثلاثة وشاهد بعض مسرحياته، لن يعرف من هو ذاك الذي يلتقيه الآن. غير أن الماغوط، كان واحداً من أولئك الذين ما كانوا يوماً محكومين بأي أمل، واحداً من أولئك المتبرمين النكدين الذين يحيون وكأنهم يعرفون الحياة على حقيقتها، فلا يمكنونها أبداً من خداعهم.
ثم في إنذار آخر قبل الطعنة، قبل طعنة الموت بوقت زائد، يقول الماغوط في قصيدته (إلى بدر شاكر السياب):
(حزني طويل كشجر الحور/ لأنني لست ممدداً إلى جوارك/ ولكنني قد احلُّ ضيفاً عليك/ في أيَّة لحظة).
ورغم حبي للقصيدة وخاصة نهايتها الغريبة، لا أظنني بدوري، من السذاجة لأدع واحداً مثل الماغوط، عاش الحياة بلحمها ودمها وعظامها، يجعلني أصدق أنه حقاً كان مكروباً لهذا الحد بسبب عدم كونه ممدداً إلى جوار صديقه. إلا أنه، في النهاية، كالجميع، قد اضطر لأن يفعل، يتمدد، بجسده المترهل الهامد إلى جوار الموت، وبعد وقت أظنه، لبعده، قد أنساه كل لوعة على صديق أو حبيب، سوى لوعته الخاصة، التي راحت تدفعه، في آخر أيامه، هو الجافي والقاسي والنافر، إلى ... البكاء.
نهاية القصيدة تلك، الغريبة كما وصفتها، والتي أحفظها عن ظهر القلب، منذ ما يزيد عن ثلاثين سنة، رغم أنه كان دائماً عصياً على فهمي، جزمه، بأن قبر السياب لن يبلغ، لبطئه أو لأي سبب آخر، الجنة أبداً. وكأن في الجنة أيضاً، بعرف الماغوط، قبوراً.

محمد العبد الله: قتله فيض حزنه

مات، العوض بسلامتي، بموتي الآتي حتماً. باللحاق به انه يخفف عني بموته، وطأة الموت، هذا رجل شاعر، روحه كانت ترفرف دائما باتجاه الموت، ترفرف دائما فوق مساءلة الحياة. مساءلة الحياة من الجزئي إلى الكلي الى الموت، من أطفال المدارس الى تلامذة الجامعة، الى أجهزة المخابرات التي تتحكم بطفولة الأطفال وغذاء التلامذة، الى الآلهة الصغار الذين أخذوا وكالة حصرية، انتزعوا وكالة حصرية بالله، منعوا تنفس الناس بالله، منعوا تنفس الله بالناس، الناس الذين هم خلفاء الله في الأرض.
هذا رجل شاعر عاطفي جدا، قتله قبل أن يموت، وعلى مدى حياته، قتله فيض عاطفته، فيض ذكائه الخارق، فيض وعيه الشقي، فيض حزنه الذي سقى نقطة نقطة شجرة حياته الباسقة اليانعة كقصيدة لمحمد الماغوط: (أيها الربيع المقبل من عينيها
أيها الكناري المسافر في ضوء القمر
خذني إليها
قصيدة غرام أو طعنة خنجر
أيها المحمّد. تعرف أنني آت
فلا داعي أن تنتظرني أنت الذي لا تطيق الانتظار)

يحيى جابر: مات أبي

مات شاعري
مات بطلي
مات نموذجي ومثالي
ماتت المرآة التي كنت أرى نفسي منها.
مات مرشحي المفضل لجائزة نوبل للآداب
مات أبي.
مات محمد الماغوط، الذي كتب الشعر بأسنانه، مات المحارب للقصيدة باللحم الحيّ.
مات الملاكم العنيف، ولم يسقط بضربة قاضية. مات الوفي للشعر، والخائن لقصائد الآخرين.
مات المخمور باللغة، مات المقامر باللغة حين أفلس الآخرون.
مات الذي أحبني كشاعر وأزعر، والذي أحببته كشاعر الزعران.
لم أدخل يوما الى دمشق إلا وأسأل عن الماغوط، ولم أصافح صديقاً سورياً في بيروت إلا وأسأل عن الماغوط... اليوم اعتقد ان عاصمة للشعر قد سقطت في أيدي الموت...
مات فتى الشعر العربي، مات مشاغبها الأجمل، مات الذي تشيطن وتولدن وتصعلك وحربق وكان أجمل ابتسامة عرفتها الدموع العربية.
مات الشهواني الذي عشق الحياة وأسكنها في حديقته، وهو الذي جرّ الشوارع كالخيول الى إسطبل قصيدته لتشرب.
مات الوحيد والمتوحد والمنعزل والمعزول، مات صديق الجن والجناني.
هو شاعري الأجمل، هو أجمل حوار صحافي أجريته في حياتي المهنية وصديقي يوسف بزي.
مات الماغوط، يا شباب، أعتقد الليلة، سأشرب كأسك يا محمد، وأقول للساقي (واحد جن تونيك)...

حسين بن حمزة: قبل 35 عاماً

يرحل الماغوط اليوم بعد أن صمت طويلا عن الشعر. لقد جرّب مرات عدة أن يعود ونشر قصائد وأعمالا جديدة. ولكننا كنا قد اتفقنا أن الشاعر لا يزال يواصل صمته. صمته ذاك الذي أعقب مجموعته الشعرية الثالثة (الفرح ليس مهنتي). والأرجح أنه كلما كان يشاع أن الماغوط يكتب الشعر مجددا، وأنه بصدد إصدار جديده في كتاب جديد، كان ذلك يزيد من وقع صمته الطويل ويعيد قصائده القديمة الى التداول. وأحسب أن رحيله اليوم يضاف الى صمته ذاك، رغم أنه صمت مختلف يستدعي حزنا وتقديرا خاصين لشاعر أثر في كثيرين دون أن يتعمد، وتربت أصوات نبرات شعرية شابة وجديدة في كنف قصيدته رغم ضيقها وخشونتها وسأمها وضجرها من العالم..
لقد صنع الماغوط في الشعر ما أراد أن يصنعه وانتهى من ذلك، تقريبا، قبل خمسة وثلاثين عاما. لقد صنع الماغوط اسمه وتوقيعه الشعري في (حزن في ضوء القمر) و(غرفة بملايين الجدران) و(الفرح ليس مهنتي). ضرب الماغوط (ضربته) الشعرية (ونام ملء جفونه عن شواردها) بتعبير المتنبي.
كتب الماغوط قصيدته دفعة واحدة، بخشونة وعزلة كاملتين: ولعل قصيدة خشنة الى هذا الحد ومنعزلة وضارية في نبرتها الى هذه الدرجة، قصيدة بهذه الصفات تصعب كتابتها لوقت طويل بالقابلية نفسها من الاحتجاج والضراوة والقسوة.
كتب الماغوط قصيدته منذ زمن بعيد، وكان ذلك كافيا كي تظل هذه القصيدة نضرة وحية حتى لحظة موته، وهي ستظل كذلك بعد موته.

ياسين رفاعية: ضقت ذرعاً

آخر كلمات محمد الماغوط سمعتها منه شخصياً: لقد ضقت ذرعا بالحياة. وقبل أشهر نشرت مقالاً في جريدة تشرين انتقدت فيها محمد بما كان ينشره في زاويته في هذه الجريدة بأنه تكرار لما كان يكتبه سابقاً، كتبت ذلك بمحبة، فمحمد الماغوط وزكريا تامر وأنا رفاق درب وشقاء وعذاب في بداياتنا، وكنا على تواصل مستمر. المهم ان الدنيا قامت عليّ ولم تقعد لأنني تجرأت وانتقدت هذه القامة الشعرية الكبيرة. وطبعاً كانت هناك بعض الأقلام التي وقفت الى جانبي، بل إن محمد نفسه لم (يزعل) مني، قال هذا رأيك، وربما بتُّ لتعبي اكرر ما سبق وكتبته. وكان الكاتب السوري عادل أبو شنت همزة الوصل بيني وبين محمد، فقد كان يعرف كم أكن لمحمد من الحب والتقدير الذي يفوق أي حب وتقدير آخر.
إن محمد كان مريضاً جداً منذ أكثر من عامين، وكان يحاول ان يصمد بكل شجاعة أمام هذا المصير الذي آل اليه، وكنت قبل أشهر التقي به عابراً في مقهى الشام بدمشق، فنحاول ان نستعيد شيئا من شبابنا الآفل. ولكن الشيخوخة قاسية خصوصاً اذا جاء المرض ليهدم كل شيء.
أكتب هذه السطور وأنا خارج من عملية جراحية قاسية أجريت لي على خطر في مستشفى طراد. ليأتي لي خبر نعيه كوقع الصاعقة، مع انني كنت أتوقع ذلك اذا لم يكن اليوم فغداً، ولعل جائزة العويس التي جاءته متأخرة جداً بعض الاعتراف به كشاعر مميز استطاع ان يبصم شخصيته الشعرية على مسار الشعر العربي الحديث كله.
من الصعب جداً ان يخلف شاعر هذا الشاعر المتفرد بتجربته العميقة إزاء هذه الحياة الظالمة وهذا العالم الموحش. الذي عبر عنهما اصدق تعبير في شعر سيظل علامة بارزة على إدانة هذا العالم وهذا الظلم الذي عاشه محمد وعشناه معه زهاء نصف قرن ويزيد. رحم الله الشاعر ولنا لقاء معه قريبا).

ناظم السيد: خياناتي الثلاث

عندما أخبرني الشاعر عباس بيضون بموت محمد الماغوط خطر في بالي شيئان: خيانتي وكاف التشبيه. في لقاءات صحافية قليلة أُجريت معي، نسبت تجربتي الى أصوات عربية وعالمية كثيرة. لم أذكر الماغوط بين هذه الأصوات. ربما كنت أخفي ذلك الأثر بذهنية المجرمين. أما كاف التشبيه، تلك الأداة التي كان العرب يعتبرونها أدنى أنواع البلاغة، فلم آخذها عن النصوص الشعرية الكلاسيكية، وإنما من محمد الماغوط. بهذه الكاف كان الماغوط يسوق قصيدته. لم يحتج هذا البري يوماً الى تراث لغوي أو الى كنايات واستعارات أو الى أفكار يستعين بها على الشعر. كل ما لزمه في عمره الشعري الذي لم يتجاوز الثلاثة دواوين هذه الكاف. لكن هذه المرة مع طرفي تشبيه متباعدين ووجه شبه صادم وعنيف ومؤلم ومباغت. لا أعرف لماذا نسيت لوهلة موقع الماغوط في المسرح الثوري السوري أو في حالة الرفض التي رافقت كل ما كتب في الشعر والمسرح والسينما والتلفزيون. أول ما تذكرته ليس قيمته كثوري بل كشاعر. وكل هذا فقط من خلال جمل كانت تتحرك تحت كاف التشبيه: (ربطة عنقي التي تتدلى على صدري كذراع ميتة)، (كنت آتيك ملوّحاً بشهوتي كسلسلة)، (كسمكة في غيمة)، (أنا مهزوم كجيش يجلس القرفصاء). هكذا وجدت نفسي مردداً هذه العبارات التي لطالما فتنتني مع آخرين.
الخيانة الثانية التي فعلتها هي اعتباري آخر كتب الماغوط الصادر قبل أيام سيئاً. قلت لأصدقاء كنت أجلس معهم في المقهى: كان على الماغوط أن يموت قبل نشر هذا الكتاب.
الخيانة الثالثة حدثت وأنا أكفّر عن ذنبي بكتابة هذا النص. اتصلت بي امرأة للقائها في أحد المقاهي. قلت: أنا قادم بعد عشر دقائق. وبالفعل تركت النص غير مكتمل وذهبت للقاء المرأة التي ما زالت حية بعكس الماغوط. لكن طوال الوقت كنت أحدّثها عن الماغوط. بهذه العبثية المؤلمة كنت أقلّده.
لم يكن الماغوط هامشي القصيدة العربية الحديثة. لقد حوّل بطزاجة تجربته وحرارتها وقوتها وصدقها الهامش الى متن. وليس سراً أن أمثال هذا الشاعر أعطوا شرعية لقصيدة النثر أكثر مما فعلت عشرات الكتب والمقالات من التنظير للحداثة. كانت قصيدة الماغوط برهاناً على شعرية قصيدة النثر ودلالة على تفوّقها على التجارب السابقة من قصائد خليلية وتفعيلية. وحده الماغوط ببساطته وتأسيسه للشعر اليومي كان يراكم بعده الأبناء والأحفاد. لم يحدث هذا في القصيدة السورية فحسب، وإنما في بيروت التي صاغت تجربته.

الماغوط جالساً (الى اليمين) في إحدى جلسات (شعر) والى جانبه يوسف الخال، أدونيس، أنسي الحاج، أدفيك شيبوب وجميل جبر

******

تحويل الحياة بأسرها

إسكندر حبش

تعاودني المشاهد الأخيرة كأنها تجري الآن بالضبط. لا يريد هذا الشريط أن يتوقف، إذ يستعيد معه العديد من الحوارات والكلمات والنكات التي كنّا نتبادلها معا، كأي شخصين يجلسان خلف طاولة في مقهى. لنقل إن المشهد الأخير كان كذلك: أخرجُ مع محمد الماغوط من مقهى فندق الشام، نقف على الباب الخارجي مقابل (المكتبة العامة). يضع قبعته على رأسه، (سماعات الوكمان) في أذنيه، نلقي التحية على أمل اللقاء. يأخذ الطريق إلى الجهة اليمنى، ليذهب إلى بيته الواقع في حيّ المزرعة سيرا على الأقدام. أشاهد كتفيه العريضين، قبل أن أجتاز الشارع إلى الجهة المقابلة، لأنتظر سيارة تقلني إلى مساكن برزة. كنّا قبلها قد جلسنا لفترة طويلة، في هذا المقهى، نتبادل فيها الكلام، على جاري العادة كلّما كنت في دمشق. لم نكن على موعد في أي من الأيام، كان يكفي فقط، أن آتي إلى مقهى الفندق حيث اعتاد أن يجلس صباحا. أراه هناك، وبعد التحية والأسئلة المعتادة، يدور حديث يشبه حديثاً انقطع ذات يوم لكنه يبدو وكأنه لا يزال يقف عند نقطة معينة، بانتظار لحظة ما لكي نستعيده.
الكتفان العريضان يذهبان في رحلتهما اليومية. لا يغيبان إلا ليعودا في اليوم التالي. لم أره غداة ذلك اليوم. بالأحرى لم أشاهده مجدداً طيلة السنوات الماضية، تماماً منذ الفترة التي كتبت فيها عن حواراته مع خليل صويلح التي صدرت في كتاب يحمل عنوان (اغتصاب كان وأخواتها). ربما لأتفادى نقاشا جديداً معه، إذ لم يعجبني إلحاحه الدائم على (مهاجمة) أدونيس (في الكتاب) فقط، لأنه شخص مثقف. هذه الفكرة قد تكون في صلب تفكير الماغوط، بل تبدو إحدى مكوناته الرئيسية: (الشعور بحساسية) ما، من كل ما هو ثقافي. وكأن كلّ الشعر والمسرح والمقالات التي كتبها لا تندرج في هذه الخانة الثقافية. من هذا الحيّز يأتي جلّ ما كتبه محمد الماغوط: الكتابة بعفوية (شعبية)، إذ كان يرى أن (طريقته) هذه تكون أسهل في الوصول إلى شريحة كبيرة من الناس. هو واحد من الذين اعتقدوا فعلا أن الكتابة تكون لهذه الشريحة الواسعة، الشعبية، لكن ما فاته ربما، أن الأزمنة اختلفت كثيرا عمّا كانت عليه منذ أن بدأ الكتابة. ربما أنه لم تعد هناك حقا من شريحة (شعبية) واسعة تتابع الثقافة، حتى بمفهومها الأول. هل لذلك لم يعد ينشر الشعر في الجزء الأخير من حياته؟
من الصعب إيجاد مبررات لتوقف محمد الماغوط عن النشر، لأنه لم يتوقف عن الكتابة بالتأكيد. هذه الكتابة التي علينا أن نعترف بأنها حقاً واحدة من أجمل كتابات الحداثة العربية الجديدة التي بدأت في الخمسينيات. تعالوا لنقم بلعبة صغيرة: ماذا لو أحصينا مئات الأسماء التي نشرت في مجلة (شعر)، كم من واحد بقي لغاية اليوم عالقا في الذهن؟ أسماء قليلة بالتأكيد ومن بينها محمد الماغوط من دون أدنى شك. هو واحد من أكثر مواهب تلك الشريحة التي لا غبار عليها. إلى اليوم لا يزال نصه الشعري يملك هذا التماسك الذي لن تجده عند أي شاعر آخر. هو أيضا أحد الذين فهموا ومن دون أي مراجع ثقافية، كان يفضل الابتعاد عنها ما معنى قصيدة النثر وفق ما توارثناه من المفهوم الأوروبي الصرف، (وبالتأكيد لا نستطيع إغفال أنسي الحاج). هذا الفهم، لم يكن ليتم بدون هذه الموهبة الحقيقة، الخام، البعيدة عن كل تأثيرات القراءات (الخارجية). موهبة وكأنها تكونت لوحدها، وهذا ما يعطيها هذه الأهمية الاستثنائية والفريدة في مسارات الشعر العربي الجديد.
هذه المسارات الشعرية أكملها محمد الماغوط بمساراته الحياتية المتشعبة. حياة لم تعرف الراحة منذ بداياتها، ربما من هنا قوله مؤخرا، في أحد أحاديثه الصحافية وهي أحاديث قليلة في جميع الأحوال من أن الجسد خانه. ما لم يكتبه الماغوط على الورق، كتبه عبر هذا الجسد في رحلته الدائمة، في توتره الدائم، في ثورته المستمرة التي لم تهدأ. كان يريد تحويل الحياة بأسرها. ليس الوحيد من راوده هذا الحلم الرمبوي (نسبة إلى رَمبو، الشاعر الفرنسي)، لكنه بقي الأكثر إخلاصا له بمعنى من المعاني. لكن، ومثلما هي الحال دائما هي الحياة من كان لها الكلمة النهائية.
من الصعب دائما أن ندخل في هذه المتاهة، في دوامة هذا الصراع الذي نظن أنه بالإمكان الفوز به. ومع ذلك نعتقد أشياء كثيرة، وبأن الكلام يمكن له أن يقف في مواجهة، كل شيء. ربما هذا هو معنى الكتابة في نهاية الأمر: أن تكون مواجهة ما وتحد وإلا ما معنى هذا الحلم الواهي في أننا نستمر وفي أننا نؤمن بأننا سنفوز بشيء ما. قد لا يكون الماغوط قد فاز بالشيء الكثير، لكن الأهم، فاز بمحبة الكثيرين، باحترامهم. بأنه شاعر لحق كثيرا بأحلامه ولم يرغب في أن يعترف بهزيمته أمام الحياة، إذ حاول أن يبدو دائما وكأنه أكبر منها، بكل ما لهذه الكلمة من معنى.
لا يزال المشهد يأتيني مثلما كان عليه في آخر مرة: الكتفان العريضان يسيران في رحلتهما اليومية. كتفان عريضان، لا ليحمل عليهما (سلاف) و(شام) فقط، بل ربما ليحمل عليهما أيضا كل هذا الألم الذي لم يعرف كيف يطرده، وإن نجح في كثير من الأحيان من ترويضه، من تأجيله إلى أيام أخرى. لكن هذه الأيام التي حلم بها، لا أظنن أنها أتت. بل بقيت مجرد اشتهاء بأن عالماً ما قد يسع كل الإحباطات، التي أصبنا بها، كل الأحلام التي اعتقدنا بأنها ممكنة التحقق.
بالتأكيد إن موت شاعر، لا بد أن يغيّر شيئاً ما في هذا العالم المتداعي فوق رؤوسنا، فكيف بالأمر والشاعر هذا ليس سوى الماغوط نفسه؟

******

بطاقة

زياد حيدر

فقدت سوريا واحداً من ابرز المؤثرين في حركتها الثقافية في هذا العصر، وفقد معها العرب واحداً من أهم شعراء القرن الماضي وأبرز مثقفيه المشاغبين على اللغة والسياسة والمفاهيم. هو الشاعر محمد الماغوط.
توفي الماغوط بعد أن أنجز منذ أشهر كتابه الأخير (البدوي الأحمر)، مقدماً من خلاله خلاصة تجربته الشعرية والثقافية، مستمراً في تمرده على الراهن ومعلناً مرة أخرى يأسه و إحباطه الصارخ من الأوضاع السياسية والثقافية السائدة.
وكان الماغوط نقل في حالة إسعافية إلى مشفى دار الشفاء بدمشق بعد إصابته بنوبة قلبية فارق الحياة بعدها، عن عمر يناهز 72 عاما. وستنتظر إجراءات دفنه في مسقط رأسه في السلمية حتى وصول ابنته شام من الولايات المتحدة الأميركية.
ولد محمد الماغوط، (وفق ما جاء في موسوعة رواية اسمها سوريا التي لا تزال قيد الطبع)، عام 1934 في السلمية، التي يقول إنه اكتسب فيها إحساسه بالظلم البشري والفوارق الطبقية. غادر السلمية نحو دمشق ليلتحق بمدرسة داخلية بناء على توصية والده، ليدرس العلوم الزراعية، لكنه يكتشف أن اختصاصه (ليس الحشرات الزراعية، بل الحشرات البشرية)، فهرب منها. وكان قدومه الثاني إلى العاصمة عام 1955 حين بدأ دراسته الأدبية والثقافية، وبدأت دمشق تميز شاعراً متمرداً على أساليب الكتابة القديمة، وممثلا لمشرديها و فقرائها، ولكن لوهلة قصيرة، عاش بعدها الماغوط وبنفس العام تجربة السجن الأولى في سجن المزة، بتهمة انتمائه إلى الحزب القومي السوري الاجتماعي، المنافس الرئيسي لحزب البعث آنذاك.
وفي السجن كتب الماغوط أولى قصائده (القتل) (على أساس أنها مجرد مذكرات سجين، إلا أن الشاعر (أدونيس) قرأها وسماها شعراً. وهكذا تعرف محمد الماغوط على نفسه، وتعرف عليه العالم، على أنه شاعر، إنما من طراز خاص). بعدها سافر الماغوط إلى بيروت، حيث قدمه أدونيس إلى مؤسس مجلة (شعر) الشاعر السوري يوسف الخال، والتي نقلت الماغوط إلى القارئ العربي، وحو لت تجربته الشخصية وفق ما تصف زوجته (من عزلة الغريب إلى عزلة الرافض).

أعماله
للماغوط في الشعر (حزن في ضوء القمر 1959، غرفة بملايين الجدران 1960، الفرح ليس مهنتي 1970).
وفي المسرح، (العصفور الأحدب 1963، المهرج 1960، كاسك يا وطن، غربة، ضيعة تشرين، شقائق النعمان)، كما للماغوط ثلاثة نصوص سينمائية هي (الحدود والتقرير والمسافر)، وأنجز نصين تلفزيونيين هما (وادي المسلك وحكايا الليل)، ومن أعماله الروائية (الأرجوحة) 1974، أما آخر نصوصه فكان (البدوي الأحمر) هذا العام، وكان أنجز قبله (سأخون وطني) 1987، و(سياف الزهور) 2001، و(شرق عدن غرب الله) 2005.

*******

الماغوط كما يراه شعراء ونقاد مصريون:
الفرح مهنته.. ملك للسخرية والتحدي

محمد الحمامصي
(مصر)

عرفت محمد الماغوط على مقهى البستان بوسط القاهرة حيث كنت ومجموعة شعراء جيلي نقضي معظم أوقاتنا عليها قراءة وحواراً وكتابة وقتلاً للفراغ ، قرأنا أعماله الكاملة التي كانت تباع بثمن كبير بالنسبة لنا وقتها أوائل الثمانينات، فاحتل فينا مكانة هامة ضمن باقة لم نكن نختلف كثيراً حول تميز وجمال تجربتهم، منهم صلاح عبد الصبور وسعدي يوسف، على العكس من شعراء آخرين كنا ننقسم بشأنهم وعلي رأسهم أدونيس، وقد تركت قراءتنا له تأثيراً كبيراً على تجاربنا... إن لمحمد الماغوط مكانة خاصة لدى الشعراء المصريين على اختلاف أجيالهم، حيث لا يزال موضع قراءة وتقدير وتميز لدى أحدث الأجيال الشعرية في مصر، ويمثل رحيله خسارة مؤلمة لكل الشعراء والمثقفين الذين تابعوا مسيرته وأحبوها، وفي هذا التحقيق مجرد تحية لراحل غال على الشعر العربي والشعراء العرب...

محمد سليمان: المرحلة الثورية

الماغوط يعد شاعراً كبيراً وهو أحد مؤسسي قصيدة النثر في العالم العربي في أواخر الخمسينات وأوائل الستينات، كما برع في استخدام مفردات جديدة وتوظيف المفارقة والحس الساخر الذي وظفه بمهارة لكي يبين مفارقات حياتنا الإبداعية والثقافية ولكي يشحن قصائده بالحس الساخر أيضاً، فقصائده بالتأكيد تختلف عن تيار قصيدة النثر الحالي.

لقد كان رائداً ولكنه كان يلزم نفسه إلى حد كبير بالتراث الشعري ومكتسباته، ولكن القصيدة اختلفت الآن كثيرا ووصلت إلى حد كتابة الخواطر والكتابة بين الكتابة والقصيدة والثرثرة ولم يعد هناك الإحكام الذي تتميز به قصائد الماغوط، وصارت قصيدة النثر الآن مجال من لم يجد لنفسه قدرة على الإبداع في القصة والرواية أو أي أعمال إبداعية أو كتابية أخرى.

إن الوضوح هو إلى حد ما ملمحاً من ملامح الماغوط لأنه كان شاعراً يهتم بقضايا أمته ومشغولا بتحولات الواقع يرصد ويحلل، أما الآن فقصيدة النثر تبتعد كثيرا عن كل ذلك لأن الشاعر أصبح مشغولا بذاته فقط وأصبحت القضايا الكبرى تمثل عبثاً إبداعياً وأصبح الشاعر الآن مهتماً بتفاصيل السرير والغرفة والمقهى والثرثرة، بينما نحن نعيش في واقع ملتهب وما زال المال محاطاً بالجحيم من كل ناحية ولم نصل بعد الى حد الرفاهية التي تجعل الشاعر ينشغل بنفسه فقط.

فالماغوط في معظم قصائده كان يعتمد على تجاربه الذاتية في قصائده وهو ملموس من الأشياء التي شدت الانتباه إليه، فتعامله مع الدين والسياسة كان واضحاً في تجربته الشعرية وعندما ينشغل الشاعر بالقضايا الأساسية وهي الدين والجنس والسياسة وكل القضايا التي تحرك المجتمع والتي تؤثر على الشاعر بقدر كبير، الأمر الذي أدى الى سجن الماغوط بسبب إبداعاته و أفكاره السياسية حيث أن شعره كان يحمل معظم همومه الإنسانية.
فالماغوط عاش مرحلة تتسم بالثورية والتطلع الى تخوم النهضة الأمر الذي أثر على شعريته، وكلنا نتلمس أحيانا قربه من قصيدة التفعيلة بمعنى أنه لم يشطح بالتعامل مع اللغة وظلت القضايا التي انشغلت بها التفعيلة تلقي بظلالها على شعره.

فاطمة ناعوت: الرهافة والقوة

إن الماغوط يعد رائداً من رواد قصيدة النثر في الوطن العربي حيث بدأ هذا المشوار الوعر بخدعة، كما هي عادته في شعره، بعدما توقع الهجوم الشرس الذي سوف يجابهه من السلفيين من الشعراء والقراء والنقاد إذ قال (أكتب نصوصاً اذا لم تروا فيها شعراً)، أما عن شعره فمعظمه رسائل شديدة اللهجة إلى الأنظمة العربية الفاسدة في حس شعري ساخر شديد الرهافة و القوة في آن واحد كما في ديوانه الأخير ، فشعره من الناحية الجمالية مثل كل تجارب الرواد يحرثون الأرض ليكمل حرثها وتخصيبها شعراء آخرون، وربما بسبب الهم السياسي الطاغي على الماغوط وانشغاله الحقيقي بهموم الوطن سياسياً واجتماعياً وهو ما جعل قصيدته تتسم بالأدلجة التي قد يزينها بعض النقاد الذين يطالبون الشاعر أن يكتب شعرا صافياً (انتهاجاً للنحو الذي استنه العقاد حين قال الشعر من الشعور، أو كما قال الشرقاوي آيا طائر الفردوس إن الشعر وجدان)، لكن المنصف والقادر الحقيقي على قراءة الشعر (فقراءة الشعر فن) سوف يستطيع أن يتلمس العمق الشعري والجوهر النشط بما يحمله من طاقة مخبأة داخل الرسائل التعبوية التحريضية في أشعار الماغوط.

وليد منير: العبقرية الحقيقية في قصيدة النثر

حين قرأت منذ سنوات طويلة (حزن في ضوء القمر) و(غرفة بملايين الجدران) و(الفرح ليس مهنتي) أحسست أنني أمام عالم واسع بكر من المشاعر والانفعالات، ولو مرة بيني وبين نفسي أعترف أن فناناً عبقرياً في وسعه أن يجعل من النثر شعراً لو كانت موهبته استثنائية كتلك التي يمتلكها محمد الماغوط وعندما قرأت مسرحيته (العصفور الأحدب) زاد إيماني بذلك، إذ إن المسرح الشعري ليس فقط هو المسرح المكتوب شعراً بل هو المسرح الذي يجعل لموضوع من موضوعات الحياة معادلاً استعارياً يكشف عما وراء المعنى المألوف للوجود.

إن محمد الماغوط يعد، من وجهة نظري، العبقرية الحقيقية في قصيدة النثر العربي، وبرغم موقفي من قصيدة النثر بوصفها قصيدة لا تنتمي أصلا الى حساسية الثقافة العربية وجمالياتها فإن الماغوط هو أول من غير وجهة نظري الى الشعر المكتوب نثراً إذ أنه استطاع أن يستخرج من الحساسية الجمالية العربية ما يتوافق مع إيقاع داخلي جديد يعوض الإيقاع الخارجي الجهير للقصيدة الموجودة في الموروث العربي على مر العصور ويشحذه باستعارات جريئة وصور تمثيلية قادرة على صناعة منطق جديد للسان العربي.

إذ أن الماغوط، ولا أدري لماذا لم يستطع أن يخرج من عباءة شعراء مدرسة في الشعر النثري العربي، يتعلم فيها ويطور منها أبناء هذه الأجيال التي تلتها إذ أن أغلبهم قد حاكى القصيدة الأوروبية المترجمة الى لغتنا أو أعتمد على الطريقة السريالية أو شبه السريالية التي أعتمدها أدونيس مثلا أو أنسي الحاج أو شوقي أبو شقرة في كتاباتهم الشعرية المنثورة.

وعلى ذلك فإن الماغوط يعد علامة مفردة قائمة برأسها في تاريخنا الشعري الحداثي المعاصر، إذ أنه ربما الوحيد الذي استطاع أن يهضم بودلير أو أرثور رامبو أو مللري أو سان جون بيرز وأن يتمثلهم بطريقته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد والتي تعتبر في الوقت نفسه مستقلة نسبياً عن الجو أو المناخ الذي كتب فيه هؤلاء الشعراء الغربيون قصائدهم.

مصطفى الضبع: ليس غيره

يمضى الماغوط مستريحاً من واقعنا العربي، متجاوزاً رحلته مع قدره العروبي منذ مولده 1934، وحتى آخر كلمة خطتها يداه وهي تتحرك مؤشرة على زمن لم يكن لنا، ليس غيره من منح القصيدة روحها الجديدة طوال عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ليس غيره ذلك الرجل متعدد المواهب قادراً على أن يقوم بهذا الدور الأكثر بروزاً فى الثقافة العربية المعاصرة، ليس غيره يمكننا أن نتذكره يوما وهو يهتف: (هذا الفم الذي يصنع الشعر واللذة/يجب ان يأكل يا وطني).
وإذا كانت شخصيته قد تبلورت فى جوانبها المتعددة: الصحافة، الشعر، المسرح، الكتابة الدرامية، فليس من السهل أن ترغمنا مشاغل الأيام عن رجل كان له هذا الدور الأهم.

سنتذكره واقفا معنا على (الحدود)، رافعا (كأس الوطن)، متأملين ما يحدث في... (شرق عدن غرب الله...).

هل يكفي حزننا معه فى ضوء القمر وهو الذي صرح يوما أن: الفرح ليس مهنتي، أم سينظر إلينا نظرة من رأى مهرجاً يحاكي ضميراً معذباً فى مأتم عربي... تحية تليق بالرجل، رجل كان يليق بزمنه وبموهبته.

أحمد زرزور: الطائر البري

الماغوط هو ذلك الطائر البري الذي خط نعكشاته وتسكعاته عبر حواري وأزقة دمشق وحاناتها الرخيصة، تاركاً على جدرانها تمرده العفوي، مزركشاً خطواته على إسفلتها وترابها بألم إنساني لا يندرج في الأيديولوجيات الرسمية، إنه ألم من ينتصر لبساطة العيش الحر بكل مفرداته، حيث لا معقب على حقه في الحب والأمل وكرامة الإنسان. لهذا كانت اعترافاته البسيطة كلمات تنفذ إلي صميم الروح الإنسانية، لتوقظها من عماء الرؤية الضخمة إلى نور الواقع بمشهديته الجارحة، لقد أنزلت نصوصه الأقنعة التي ألبسناها للأشياء والأفكار، فصار القمر قرين حزن، والغرف الصغيرة عالماً يختزل مأساة كبيرة تلتف حولنا، ونحن سادرين لا نزال في غياهبنا الكثيرة.

نصوص الماغوط هي الإبنة الشرعية بل الأكثر شرعية لفعل الحياة الحقيقي، إيقاعها من إيقاعه، ولا إيقاعها من لا إيقاعه، دخان السجائر من نفثاته الصعلوكية حيناً والبرجوازية حيناً، في الوقت الذي كانت فيه القصائد تتغنج أمام ميكروفونات الهيبة المؤسسية (سواء في بلاط الأنظمة الأيديولوجية المتحالفة مع خداع الجماهير أو الأنظمة الأيديولوجية المضادة ) كانت نصوصه الصغيرة تفتح كوة في أقبية المؤامرة الكبرى التي يصوغها السادة المتبخترون بنسور الأكتاف وعصي المارشالية، والسادة المتغندرون بطلاقة بياناتهم السرية في أقبية الأحزاب التحت أرضية شكلاً والمتراسلة مع أبهاء القصور الحاكمة ودلاليها. نصوص أعادت بلا سابق رؤية تجهيزية للكلمات أحاسيسها الأولية التي تخطف القلب والجسد والروح، لتفتح وعينا على ملمس الواقع بكل خشونته، لنقترب أكثر من عوالم الحقيقة. نصوص الماغوط هي في حقيقتها اسم حركي للشعر في بداهته ووحشيته المعفرة بغبار الطريق، لذا: نحن الملعونة روحنا بالشعر، مدينون لهذا البصير الذي لم يصرخ، باستنارة ظلامنا الذي يتهددنا قابعاً في التفاصيل، بينما كنا مشدوهين بوهمنا إلى المطلق، لقد أشار شعر الماغوط إلى الوحوش الصغيرة التي نربيها في حدائقنا الخلفية، ثم بعد ذلك نبكي ويا للغرابة على أحلامنا المجهضة.

شريف الشافعي: الفرح مهنته!

كيف يدّعي محمد الماغوط في أحد دواوينه أن (الفرح) ليس مهنته؟! هو مهنته على طول الخط، لإسهامه التاريخي في عقد قران (القصيدة) على (النثر) كواحد من أهم رواد قصيدة النثر في الوطن العربي، ولفتوحاته المسرحية المشهودة التي كتبها بسكين السخرية، ولمقالاته الشرسة في سبيل إحقاق الحق، ولأنه واحد من أكثر من أثاروا القضايا الكبرى في تاريخ الكتابة الشعرية المعاصرة، أليس هو من قال في ستينيات القرن الماضي (عن العدالة الناقصة): (العدالة التي تشمل الجميع وتستثني فرداً واحداً ولو في مجاهل الأسكيمو، هي عدالة رأسها الظلم وذيلها الإرهاب. والرخاء الذي يرفرف على موائد العالم ويتجاهل مائدة واحدة في أحقر الأحياء، هو رخاء مشوّه!). الفرح مهنته رغماً عنه لأنه أفرحنا كثيراً، ربما لأنه الأكثر صدقاً في جيله، أو كما وصفه الراحل نزار قباني بقوله: (أنت أصدقنا، أصدق شعراء جيلنا. حلمي أن أكتب بالرؤى وبالنفس البريء البعيد النظر الذي كنت تكتب به في الخمسينيات. كان حزنك وتشاؤمك أصيلين، وكان تفاؤلنا وانبهارنا بالعالم خادعاً). الماغوط معلم كبير في كتابة الحرية والألم والحياة والواقع، خَطَّ مع رفقائه في مجلة (شعر) (من أمثال أدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال وسعدي يوسف وخليل حاوي) ملامح القصيدة الجديدة التي كانت طفرة في وقتها، واستمرت في التحقق والتطور إلى يومنا هذا. وصل الماغوط مبكراً إلى الكتابة الحرة، كتابة العالم والحياة، بكامل بهائهما وغضبهما ونزقهما وتفجرهما وترددهما، وكتب دائماً للبسطاء والعاديين وأصحاب الأحزان المشروعة: (عيناي زرقاوتان من كثرة ما نظرت إلى السماء وبكيت). إنه الشعر الذي ينبع في طبقات العتمة الداخلية، ينبجس منها، آتياً من الأمكنة التي تجتمع فيها حقائق الباطن والأسرار واللآلئ والدهشة والبدائية: (ولدتُ عارياً وشببت عارياً كالرمح، كالإنسان البدائي). لقد استطاع محمد الماغوط أن يُحرج الكثير من الشعراء بشعره، لأنه ظل قادراً على الاحتفاظ بالطفل المقهور الذي يندهش من الجمال ويفرح به، ويشمئز من القبح، ويبكي من الظلم، ومثل هذا الطفل يرى أن الشعر كله زيف وضلال طالما أن الواقع يصب علينا لعناته. وإذا كان الماغوط ملكاً للسخرية وللحزن في كلماته وقصائده، (وربما لهذا السبب جاءت مجموعته الشعرية الأولى بعنوان: حزن في ضوء القمر) فإنه كان يعي ذلك جيداً، وكان يقول: (إذا كان شعري حزيناً، فربما كان طابع التاريخ الذي نعيشه هو الحزن، لا أحد يولد حزيناً أو متفائلاً أو كريماً أو بخيلاً، فكل هذه الصفات تتكون في بيئة الإنسان، وقد رأى البعض أن الرحلة التي بدأنا الكتابة بها تبشر بالخير، في حين أني رأيت أنها تبشر بالحزن وبالتشاؤم وبالنكسات وبالهزائم). وبمثل هذه التركيبة الفريدة من السخرية والحزن والتلقائية والبدائية؛ وربما الفظاظة في بعض الأحيان؛ شكّلت كتابات محمد الماغوط تحدّياً لكثير من شعراء قصيدة النثر، وقد كان الماغوط بكثير من التواضع يكتب ما يكتبه على أنه خواطر لا قصائد، فإذ به يحقق فرادةً في قضايا قصيدة النثر دون أن يدري أو يقصد إلى ذلك في البداية!

السفير- 2006/04/04-5-

************

جريدة الحياة/

الموت يفاجئ محمد الماغوط جالساً على أريكته

بيروت، دمشق: عبده وازن، إبراهيم حميدي

غيّب الموت بعد ظهر أمس الاثنين 3 نيسان - ابريل 2006 الشاعر والكاتب السوري محمد الماغوط عن عمر يناهز 72 عاما، اثر تعرضه لهبوط حاد في القلب.
وكان أمس يوماً عادياً في حياته. تناول طعامه وأدويته بإشراف ابن أخته الدكتور محمد بدور مرافقه في السنوات الأخيرة. ولدى عودة بدور وجده جالساً على أريكته في الصالون. وكان في يده اليمنى عقب سيجارة وفي اليسرى سماعة الهاتف، في حين يدور صوت شريط المسجلة في تلاوة لسورة يوسف... لكنه كان فارق الحياة.
وفور شيوع الخبر، تجمع أصدقاء له وأقارب في منزله في "المزرعة"، وكان بين أول الواصلين "صاحب العمر" دريد لحام الذي تصالح معه بعد فترة من البرود.
ولد الماغوط في السلمية في محافظة حماة في 1934 من عائلة فقيرة. ولم يستطع إنهاء دراسته الثانوية في المدرسة الزراعية. ودخل السجن في 1955 بتهمة الانتماء الى الحزب السوري القومي الاجتماعي.
ثم انتقل الى بيروت ليشارك في مجلة "شعر"، وينشر ديوانه الأول "حزن في ضوء القمر" في 1959. وتلاه ديوان "غرفة بملايين الجدران" (1961) و "الفرح ليس مهنتي" (1970). وكتب الماغوط مسرحيات مثل "العصفور الأحدب" و "المهرج" و "ضيعة تشرين" و "غربة"... وكان منحه الرئيس بشار الأسد العام الماضي وسام الاستحقاق من الدرجة الاولى، وأرسل على حساب القصر الرئاسي للمعالجة في باريس.
كان محمد الماغوط من رواد قصيدة النثر وأولى قصائده وعنوانها "القتل" كتبها في السجن. واستطاع في دواوينه الثلاثة الأولى أن يؤسس مدرسة شعرية جديدة، عمادها التجربة الحية والموهبة الفريدة. فهو جاء الشعر من الحياة أكثر مما جاءه من الثقافة والكتب. وكان له أثر كبير في الأجيال التي أعقبته.
الحوار الأخير
رحل الماغوط من دون ان يتسنى له ان يقرأ الحوار الذي أجرته معه "الحياة" في دبي عندما زارها قبل ثلاثة أسابيع، ليتسلّم جائزة العويس التي فاز بها. قال لي إنه سينتظر الحوار في "الحياة" التي يحبّها ويقرأها، وأوصاني ألا أتأخر في نشره. ومثلما لم يهنأ بالمئة ألف دولار التي حصل عليها أخيراً لم يهنأ كثيراً بكتابه الذي صدر حديثاً وعنوانه "البدوي الأحمر"، فهو بالكاد قلّبه بين يديه ووزّع بضع نسخ على أصدقائه. عندما سألته عمّا يريد ان يفعل بـ "دولارات" الجائزة قال لي ان نصفها سيذهب الى الصيدلية، فالحياة أصبحت بقايا حياة، والرغبات لم يبق لها وجود.
هذا الحوار هو الأخير له، وفيه ما يشبه الوصايا الصغيرة والكلام الذي يشبه الوداع. فهو لم يكن يدلي بأي حديث في الآونة الأخيرة ويتحاشى الصحافيين وأسئلتهم. كان متعباً جداً، إذا خرج من البيت فإنما على كرسي متحرّك يسميه صديقه الوفيّ. أما في الداخل فيمشي بصعوبة كبيرة متكئاً على عصاه. لكن السيجارة لم تكن تفارق أصابعه ولم يكن يتخلى عن "الدواء" الذي يخدّر أعصابه ويخفّف من الألم الجسدي والروحيّ. كان نومه قليلاً وكان ليله ونهاره متواصلين، لا يعرف متى يغفو ولا متى يصحو كما قال في "الحوار". وكان يصرّ على الكتابة بيد ترتجف قليلاً. فالكتابة في نظره هي الحياة، والموت هو الانقطاع عن الكتابة.
وعلى رغم الكآبة التي لم تكن تغادره والألم الذي يعتمل في ثنايا جسده، كان يتمسك بسخريته الحيّة والعابثة وبخفة الظل التي وسمت مقالاته وأعماله المسرحية. كان يحاول دوماً ان يبتسم ويضحك، لا سيما بعدما حصل على الجائزة التي فرح بها كما "يفرح الطفل بالطابة" كما قال. حتى الأسئلة التي تذكّره بماضٍ أليم كان يجيب عليها بشيء من الحبور الخفيف. كان يحبّ الحياة، ولو مقعداً، أو معزولاً ووحيداً.
لم يخطر لي وأنا أحاوره ان هذا الحديث سيكون الأخير. تحدث عن ماضيه وحاضره باختصار، ولكن ببعض الأسى واللامبالاة غير نادم على شيء. قال إن العالمية لا تعنيه و "ليذبح أي لحام زوجته فيصبح عالمياً".
وتحدث الماغوط عن أمور شتى، عن الشعر وقصيدة النثر وبيروت ودمشق والمقهى والشارع وعن أصدقائه وعن حافظ الأسد الذي قال له: أكتب ما تشاء ولن يراقبك أحد. (عن الحياة).

******

محمد الماغوط:
السجن جعلني شاعراً والحذاء العسكـري علمنـي الكثير
العالمية لا تعنيني وكنت أتمنى أن أظل فتى أمياً يرعى الغنم

حاوره : عبده وازن

التقيت الشاعر محمد الماغوط في 9 آذار (مارس) في دبي خلال أيام الاحتفال الذي أحيته مؤسسة سلطان العويس لمنح جوائزها للفائزين بها وكان الماغوط واحداً منهم. وعندما ورد نبأ رحيله بعد ظهر أمس كنت أضع اللمسات الأخيرة على الحوار الذي أجريته معه في غرفته في الفندق. لعلها المصادفة القدرية تجعل هذا الحوار آخر حوار يدلي به هذا الشاعر الكبير قبل ثلاثة أسابيع من رحيله. هنا الحوار كما دونته مع المقدمة المفترضة له:
حمل محمد الماغوط عالمه الخاص الى غرفته في الفندق الذي حلّ فيه ثلاثة أيام، ملبياً دعوة مؤسسة العويس لتسلّم الجائزة التي فاز بها. عالمه نفسه الذي اختلقه في بيته الدمشقي انتقل الى غرفة لا يحتاج فيها الى أن يمشي أكثر من بضع خطوات، هو الذي بات مشيه صعباً، لا سيما خارج الغرفة أو البيت. في ردهة الفندق كان الماغوط يتنقل على كرسيّ متحرّك يقوده طبيبه الشاب محمد بدّور وهو ابن أخته. إنّها اللحظات القليلة التي ظهر فيها خارج الغرفة، ناهيك بحفلة التكريم، حين جلس على المنصّة بعدما سار متوكئاً على عصاه. أصبح الكرسيّ المتحرك والعصا الوسيلتين الوحيدتين اللتين تساعدانه على استعادة العالم في الخارج، عندما يقرّر أن يخرج وهو نادراً ما يخرج.
لكنّ محمد الماغوط رجل جبّار حقاً. روحه ما زالت في أوج يقظتها، وما برح هو على سخريته وغضبه واحتجاجه وتمرّده وطرافته... جسده الذي خانه وقدماه الثقيلتـــان والقامـة السمينة لم تحل دون مواصلته الحياة التي يحبّها، بحزنها وبقايا رغباتها، بفرحها القليل والذكريــات، الذكريات التي يستعيدها في عزلته الطويلة المتواصلـة ليل نهار. وقد يقطعهــا بضعة أصدقــاء قليليــن يطرقون الباب. في الثانية والسبعين، في وجهه ملامح طفولة عتيقة تمتزج بشآبيب العمر، وفي عينيه تلتمع بروق الحياة التي يصر عليها، على رغم الكآبة التي تحيط به. يصرّ شاعر "حزن في ضوء القمر" على الكتابة، أياً تكن. يدبّج المقالات بيد ترتجف قليلاًَ ويكتب النصوص والقصائد من غير أن يفرّق بينها. وهو سيظل يكتب حتى آخر نفس كما يقول، حتى وان كرّر نفسه. فالكتابة هي نافذته الوحيدة على الحياة وهي حافزه الدائم على الحرية والرفض والاحتجاج وسائر "الثوابت" التي يؤمن بها. لا يخاف الموت بتاتاً وقد عاشه عن كثب. فالموت في نظره هو الانقطاع عن الكتابة.
في غرفته في الفندق التقيت محمد الماغوط. الانطباع الأول الذي يساور زائره هو أن الشاعر تغيّر ولكن من دون أن يتغيّر مزاجه الذي طالما عرف به، ولا حماسته ولا إحساسه العبثي بالزمن والتاريخ... الكأس على مقربة من يده، والسيكارة لا تغادر أصابعه، وعلى الطاولة الصغيرة المجاورة للسرير، بضعة صحون لا تخلو من طعام خفيف. هذا هو "طقس" محمد الماغوط الذي لا يتخلى عنه ولو خرج من بيته. بحّة صوته لا تزال هي نفسها، والكلام المختصر والمختصر جداً في أحيان، ما زال طريقته في التعبير. يضجر قليلاً، ثم يستعيد حماسته، مستعيناً بذاكرته المتوقّدة.
هذا الشاعر الذي كتب أجمل قصائد النثر بالصدفة، والذي أسس مدرسة شعرية من غير أن يدري، هو شاعر المستقبل بمقدار ما هو شاعر الواقع والحاضر. جاء الشعر من عيشه اياه، من الحياة نفسها، من مرارة العزلة، من الخوف الذي اكتشفه باكراً في السجن، من الشارع الذي تعلّم فيه الكثير. كانت موهبته الكبيرة هي الأساس الذي قامت عليه شعريته، إضافة الى ثقافته المتواضعة، كما يعترف. وموهبة الماغوط تتسم بطابع وحشي وغريزي، فهو يتنفس الشعر تنفّساً من غير أن يسعى الى تقديمه والتنظير له. شاعر كان صوته من الأصوات الأولى التي خرجت على الشعر التقليدي، في أشكاله وقضاياه. شاعر كان همّه أن يحتج ويعترض، مرسخاً قدميه في الأرض، ومصغياً الى إيقاع الحياة اليومية والعابرة. الا أن شعره لم يخلُ لحظة من الحنين الغامض والبعد المأسوّي والهمّ الجمالي واللغوي. وقد استطاع أن يجذب شعراء كثراً أعقبوه، سواء تأثروا به وقلّدوه أم اكتفوا بمقاربة شعريته الكبيرة. ودواوينه، لا سيما الثلاثة الأول، كانت لها رهبتها وما زالت، رهبة الشعر الطالع من عمق التجربة الحية.
ما أصعب أن تحاور محمد الماغوط. يعترف للفور أنه ملّ الحوارات الصحافية، القليلة أصلاً. ويعتبر أن ما قاله بات كافياً وأن لا جديد لديه. لكنه ما ان يبدأ في الإجابة عن الأسئلة حتى يمعن في قول جمل بديعة وفيها من الجديد ما فيها من الطريف والساخر والمأسويّ. أجوبته مختصره كعادته، فهو لا يحبّ الإطالة. يقطف الكلام قطفاً وعليك أنت الذي تحاوره أن تلتقطها لئلا تضيع في المجهول.

* ما زلت تكره الحوار الصحافي و "السين والجيم"! كيف يمكننا أن نحاور محمد الماغوط برأيك؟

- بالعاطفة، السؤال والجواب ما زالا يذكرانني بالأمن ورجاله. ويذكرانني أيضاً بالمدرسة والأساتذة. وأنا أكره المدرسة منذ مراهقتي وقد طفشت منها باكراً.

* جائزة العويس التي حصلت عليها، ماذا تعني لك؟ ألا تعتقد أنّها تأخرت في الوصول إليك؟

- فرحت بها. ولا يهمّني إن كانت تأخّرت في الوصول اليّ. فرحت بها كما يفرح الصبي بالطابة.

* وماذا ستفعل بالمئة وعشرين ألف دولار؟

- سأصرف الكثير منها على الأدوية.

* وأمورك الصغيرة أو ملذاتك الصغيرة!

- لم يبق لديّ أي ملذّات. السيكارة والكأس فقط، وربما الانتظار. هناك أيضاً الأصدقاء القلّة الذين أحبّهم ويحبونني. أعترف لك بأنني مرتاح هكذا ولم يبق لديّ طموح الى أي شيء. حتى جائزة نوبل لا أطمح اليها. وأعتقد أن جائزة العويس أصدق من نوبل في مقوّماتها وأهدافها.

* ما قصة مسرحية "جلوس قيام" التي عرضت في دمشق والتي قيل انك هاجمت فيها بيروت؟

- هم أضافوا اليها. أنا لم أكتب كلّ النص. حتى إنني لم أشاهد المسرحية. أنا أعبد بيروت فكيف أهاجمها. كنت في المستشفى عندما أضافوا الى النص. أنا لا أهاجم بيروت مهما حصل.

* تتحدّث دوماً عن شاعر يدعى سليمان عوّاد وتعتبره الوحيد الذي أثر بك! ما قصّة هذا الشاعر شبه المجهول؟

- سليمان عواد شاعر سوري درس الفرنسية، كنت أحبّه كثيراً كشخص وأحب بعض أشعاره، وكان صديقي. لكنّه لم يطوّر نفسه. توّفي فقيراً وما زلت أحبّه حتى الآن وأتحدّث عنه بإعجاب.

* عندما شاركت في "خميس" مجلّة "شعر" للمرة الأولى في بيروت، شبهك بعض الحاضرين بالشاعر الفرنسي رامبو، بعدما استمعوا الى قصائدك بصوت أدونيس! ما رأيك بهذا التشبيه؟

- لم يعنِ لي هذا التشبيه شيئاً حينذاك. لم أكن أعرف رامبو ولم أكن قرأت له أيّ قصيدة. وأذكر أن شاعراً وناقداً أوسترالياً قال: اذا اخترنا أربعة أو خمسة شعراء كبار في العالم فالماغوط سيكون واحداً منهم. هذا الاسترالي قرأني بالانكليزية طبعاً. وهناك شاعر استرالي أيضاً يدعى جان عصفور، عربي الأصل، يعتبر أن تعريفي بالشعر هو الأجمل. ويقصد الجملة التي وردت في قصيدة لي وتقول: "سئمتك أيها الشعر. أيتها الجيفة الخالدة".

* ماذا تشعر عندما ترى شعرك مترجماً الى اللغات الأجنبية؟

- لا يعني لي شيئاً. الشهرة نفسها لا تعنيني أيضاً. وأنا لا أعرف أي لغة أجنبية.

* لكن الشعراء يسعون دوماً الى العالمية من خلال الترجمة!

- العالمية لا تعنيني. انها تعني أدونيس مثلاً. ثم أقول إنّ أي لحام يستطيع أن يصبح عالمياً: ليذبح امرأته، هذه طريقة اقترحها سبيلاً الى العالمية.

* أين أصبحت علاقتك بأدونيس؟

- تصالحنا أخيراً. اتصل بي عندما كنت في المستشفى. وقال لي: إشرب شعراً واسقنا شعراً. معظم خلافاتي مع أدونيس سببها أنا. رياض الريس كما يعلم الجميع لا يحب أدونيس. ومرّة أخذوا مني في جريدة "المنار"، التي كان يصدرها رياض، حديثاً هاجمت فيه أدونيس بشراسة وكنت ثملاً.

* وخالدة السعيد، شقيقة زوجتك؟

- انني أحبها كثيراً. قالت لي مرة: أنت مرصود والعين عليك وهناك أناس يحاولون أن ينالوا منك. وأضافت: أنت أكبر شاعر عربي، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

* أشعر بأن الكراهية لا تغادرك؟

- الكراهية أصعب من المحبّة. هذه أمثولتي الشخصية.

* هل تخفف الكراهية والسخرية من سوداويتك التي تُعرف بها؟

- لا. السوداوية لا يخففها إلا حضور الحب والمرأة. الإحساس بالحرية كذلك. محبّة الناس لي. عندما كنت أمرّ في الشارع بلباسي العادي كان الناس ينظرون إليّ بإعجاب ومحبة. أياً كان كلامي يسمعني الناس بمحبة. حتى اذا شاهدوني وأنا آكل يُعجبون بي. مرّة أوقفتني امرأة محجبة في الشارع وسألتني عن يدي التي أكتب بها وقبّلتها. مرّة ركع الشاعر طلال حيدر أمامي وراح يمدحني. وابنة شقيقة زوجتي رامة فضة رمت ديواناً لأدونيس مرة وقالت: الماغوط هو إله الشعر. وقال يوسف الخال: هبط الماغوط علينا كإله اغريقي.

* يبدو أنك تحب المديح!

- لا أحتمل المديح ولا الاهانة.

الطفولة البائسة

* ماذا تذكر من طفولتك البائسة في قرية السلمية؟

- ولدت في السلمية وعشت فيها مراهقتي. كان حلمي أن أتزوّج من ابنة عمّي أو خالي وأنجب الأطفال. هذا كان حلمي أيام الفتوّة. لكن قدري كان أن أتزوّج سنية.

* ماذا تذكر من ملامح أمك وأبيك؟

- أمي كانت قوية مثل الرجال وربّتا هي بنفسها. وأذكر الألم الذي كانت تعانيه في ركبتها التي لم تكن تستطيع أن تطويها، وكانت أصيبت في ركبتها وهي شابة. أمي أثرت بي كثيراً. كانت جميلة وساحرة. أما أبي فكان من أبسط الرجال. رجل مسالم يعمل في الحصاد. وظلّ فقيراً طوال حياته. عاش "مديوناً" ومات "مديوناً". كنا نأكل البطاطا دوماً. نأتي بها من الحقل. أذكر وجه أمي الجميل، أذكر حنانها وقسوتها في الوقت نفسه. زارتني مرة في دمشق. كانت في الثمانين وكانت طلّها تحفظ بعضاً من جمالها القديم. وعندما سجنت في "المزّة" للمرة الأولى، ركبت أمي البوسطة وجاءت تزورني وتراني وراء القضبان.

* ماذا عن دراستك أنت الذي يكره المدارس؟

- لعب القدر لعبته، وتحوّلت من قروي فقير الى تلميذ في المدرسة الزراعية في الغوطة. وكان من تلاميذها أديب الشيشكلي وأنور السادات وصدام حسين. تصوّر. هؤلاء درسوا فيها.

* هل درست علم الزراعة حقاً؟

- درست القليل. وأذكر كان لدينا أستاذ فلسطيني اسمه رفّول خوّام وكان قاسياً جداً. مرة أعطاني علامة 19/20 من دون أن يسألني أي سؤال. ربما تقديراً لموهبتـي الشخصية. كنت أحبّ ميله الى الصمت. وربما منه تعلمت كيف أصمت. أما رفاقي في الصف فجنّوا حسداً.

* لكنك لم تكمل الدراسة!

- هربت من المدرسة سيراً على قدميّ، ولم أكمل الدراسة منذ ذاك الحين.

* وما قصة السجن الذي دخلته للمرة الأولى؟

- دخلت السجن عام 1955لأنني انتسبت الى الحزب القومي؟

* هل كنت حزبياً؟

- لا، أنا لا أحبّ الأحزاب. أنا شخص منفرد، أميل دوماً الى الوحدة.

* وماذا عن الحزب القومي؟

- دخلت الحزب القومي من دون أن أقرأ مبادئه. كنت فتى فقيراً وكانت لديّ حاجة الى أن انضمّ الى جماعة ما. وكانت قريتي السلمية تضج بفكرة الحزبية، وكان هناك حزبان: الحزب القومي والحزب البعثي. وقد اخترت القومي لأنه كان قريباً من المنزل، وفي المركز كانت هناك صوبيا (مدفأة)، أي أن الجوّ كان دافئاً، بينما المركز البعثي بلا صوبيا. لم أقرأ مبادئ الحزب، وفي الاجتماعات كنت أنعس وأتثاءب. وأذكر انهم عندما كانوا يتحدثون عن المناقبية الحزبية كنت أفكر بالمخدّة. عندما كان ينتهي البرد كنت أهرب من الاجتماعات. ومرّة كلفوني بجمع التبرّعات للحزب فجمعت ما يكفي لشراء بنطلون وفررت.

* أي أنك لم تكن أيديولوجيا؟

- أبداً. كنت فتى يافعاً. لكنني سُجنت بتهمة الانتماء الى هذا الحزب. لكن هذا لا يعني أنني لم تكن لديّ حماسة ضد الظلم والفقر والعار القومي. إلا أنّ السياسة لم تعنِ لي الكثير وكذلك الأحزاب. أنا شخص فرديّ جداً. لكنني أعترف أنني كنت أحب انطون سعادة وأحترمه. وقد سحقني إعدامه بقوّة.

* هل كتبت عنه؟

- لم أكتب عن انطون سعادة مع أن إعدامه سحقني. اعترف أنني لم أقرأ كتبه.
انني ضدّ الإعدام. إعدام تروتسكي آلمني كثيراً أيضاً.

* هل انحزت الى تروتسكي مثل بعض المناضلين العرب؟

- كنت أحب تروتسكي لكنّني لم أحب الشيوعية.

* نعود الى السجن! كم مرة سجنت؟

- مرتين، وأثر السجن لم يغادرني يوماً. صحيح انني لم أمكث في السجن سنوات، لكن الأشهر التي أمضيتها كانت كافية لتغيّر حياتي كلها. في العام 1955 سجنت نحو تسعة أشهر، وفي العام 1961 ثلاثة أشهر. وكان الشهر بطول سنة وأكثر.

* هل غيّر السجن نظرتك الى الحياة؟

- كثيراً. كنت في العشرين من عمري، وكنت أظن أن السجن هو للمجرمين والقتلة. وعندما سجنت في المرة الأولى شعرت بأن شيئاً جوهرياً تحطّم في داخلي. كلّ ما كتبته وما أكتبه هو أشبه بعملية ترميم لتلك التجربة المرّة والقاسية. وما زلت أرمم آثار هذه التجربة حتى اليوم. ولا أبالغ ان قلت إن أمل الحياة سقط في السجن. وكذلك الجمال والفرح. كان هناك الكثير من الرعب. قسوة ورعب. كنت ضعيفاً وغير قادر على استيعاب ما يحصل ولا على تحمّل الإذلال والظلم. حذاء الشرطي لا أنساه. كان الشرطي يقطر عرقاً وهو يمارس فعل التعذيب. والفادح في الأمر أنني حتى الآن لم أعرف ما هي التهمة التي قادتني الى السجن، أنا الفتى الفلاح والقروي البسيط، الذي لا يعرف شيئاً عن العالم. وانتمائي الى الحزب القومي كان عابراً ولم أكن حزبياً.

* ماذا تعلّمت في السجن؟

- السجن مدرسة تعلّمت فيها الكثير. السوط علّمني. الحذاء العسكري علّمني. لقد أثر السجن فيّ كثيراً في مطلع شبابي. فيه اكتشفت اللون القاتم للحياة. واعتقد أنّ شيئاً في داخلي انكسر ويصعب عليّ تجبيره حتى الآن. في السجن تعرّفت على الخوف وصرت أعرفه. وما زال الخوف يرافقني. الأمان فقدته في السجن وصرت أشعر بأنني أعيش قلقاً بلا أمان أو طمأنينة. ولا أخفيك أنني كنت أبكي في السجن وأصرخ لا سيما خلال التحقيق.

* قلت مرة أنك تعرّفت الى أدونيس في سجن المزّة!

- صحيح. لكنه كان في زنزانة أخرى. كان مهجعه قبالة مهجعي.

* لكن أدونيس استطاع أن يتخطّى هذه التجربة؟

- صحيح. أدونيس له تركيبته الخاصة. ولا أعرف كيف تخطى هذا الأمر.

* هل استطعت أن تكتب في السجن؟

- أجل، كتبت بعض المذكرات واستطعت أن أهرّبها عندما خرجت، بين ملابسي الداخلية.

* قصيدة "القتل" كتبتها في السجن أيضاً!

- لم أكن أعرف أنها ستكون قصيدة. نشرتها مثلما كتبتها ولقيت صدى طيّباً.

* كيف تقرأ هذه القصيدة اليوم؟

- بألم.

* لكنها كانت إطلالتك الشعرية الأولى!

- صحيح. السجن جعلني شاعراً. بل جعلني أيضاً اكتشف معنى الحياة والمرأة والحرية والسماء...

* ألم تكتب قبل دخولك السجن قصائد أو نصوصاً؟

- كان لديّ بعض المحاولات. محاولات البدايات. لكن قصيدة "القتل" كانت الباب الذي دخلت منه الى عالم الشعر.

* كيف كنت تقضي الوقت خلف القضبان؟

- كنت أدخّن وأحلم على رغم الخوف والقلق. وكنت أقرأ. قرأت كثيراً.

* كيف كنت تحصل على الكتب؟

- صديقي العزيز زكريا تامر كان يزورني ويمدّني بالكتب.

* هل فكرت أن تزور سجن المزّة بعد إقفاله؟

- لا، هذه ذكرى أليمة.

* هل تدافع عن سجناء السياسة والفكر؟

- أجل، إنني معهم جميعاً. أنا ضد سجن السياسيين والمفكّرين أياً كانوا. ومن الظلم حقاً أن يبقى في العالم سجن سياسيّ.

* هل تحلم بأن يأتي يوم لا يبقى فيه سجن سياسي!؟

- أجل. السجن شيء بشع وقاتل. تصوّر، هناك سجون ليس فيها مراحيض. أنا كنت أبرد في السجن وكنت أجوع. وأشعر حتى الآن أنني لم أشبع. في حياتي جوع دائم هو أقوى منّي. هذا جوع تاريخيّ.

* غالباً ما تتحدث عن قناعات ثابتة لديك. ألا تتغيّر القناعات على مرّ الزمن؟

- القناعات ثابتة ولا تتغيّر مهما حصل. والثوابت هي: الحرية، الكرامة، الرأي، اللقمة الكريمة، الجرأة... أنا واقعي جداً ولا أحبّ أن أفلسف الأمور. أنا شاعر صورة ولست شاعر فكر. لا فكر في شعري، وصورتي الشعرية واضحة ويمكنك أن تراها.

* ماذا تعني لك فكرة تغيير العالم التي شغلت شعراء كثيراً؟

- لا تهمّني. ولا يهمّني أن أغيّر العالم. ولم أحاول أن أنخرط في أيّ حركة من أجل تغيير العالم. الكلمة هي الأهم. أنا لا أؤمن بالثورة التي تريق الدم. ولا بالرصاص. أنا شاعر وأكره الدم.

القصيدة وحدودها

* لا حدود تفصل لديك بين القصيدة والمقالة! أحياناً يشعر القارئ بأن المقالة أشبه بقصيدة والعكس!

- صحيح لا حدود بين النصوص التي أكتبها. هذه ليست لعبة ألعبها على نفسي وعلى القارئ. انني أكتب. أحياناً تطلع معي قصيدة وأحياناً مقالة. كل شيء عندي مادة للكتابة. حتى البصقة مادة شعرية. ولكن عليك أن تعرف كيف تبصق وعلى مَن. أي كلمة هي كلمة شعرية شرط أن تحلّ في محلّها.

* هل خفت يوماً ان تسرق المقالة القصيدة منك؟

- لا. لم أخف يوماً على القصيدة، لا من المقالة ولا من سواها.

* السخرية لافتة جداً في مقالاتك!

- أحب السخرية كثيراً. وكلّ كاتب "جدّي" (جادّ) يلزمه علاج نفسي. لديّ إحساس عميق بالسخرية. وأكره السماجة كثيراً. أحبّ خفة الظل.

* روايتك الوحيدة "الأرجوحة" هل أردتها سيرة ذاتية؟ ألست أنت بطلها "فهد التنبل" و "غيمة" هي سنية صالح زوجتك الشاعرة؟

- أنا لم أكتب "الأرجوحة" مثلما نُشرت. جاءني رياض الريّس وطلب مني نصوصاً لمجلّة "الناقد" التي كان باشر في إصدارها. أعطيته نصّاً كان عندي، هو سمّاه "الأرجوحة". هذا النصّ بدأت في كتابته أيام السجن. وخبأته عند أمي. عندما قرأته بعد خمس وعشرين سنة وجدت أنّه تغيّر. كنت أكتب ما يشبه الرموز. أعطيتهم النص كما هو ففكوا رموزه،. وطبعوه. وهم اختاروا اسم "غيمة" ليرمزوا به الى سنية زوجتي.

* لماذا لم تُعد أنت بنفسك كتابة هذا النص الروائي؟

- لا أستطيع كتابة الرواية. خلقي ضيّق عليها. الرواية تحتاج الى منطق. وأنا أكره المنطق، خصوصاً في الكتابة.

* تصدر قريباً الأعمال الكاملة لزوجتك الشاعرة سنية صالح! ما انطباعك؟

- انني في غاية السعادة لصدور هذه الأعمال. سنية شاعرة كبيرة. لقد تأخروا كثيراً في نشر هذه الأعمال. وقصّروا كثيراً في حقها.

* ألا تعتقد ان اسمك ظلمها شعرياً؟

- اسمي طغى على اسمها. اسمي ظلمها صحيح. نظرتي اليها لم تتغير لحظة. انها شاعرة كبيرة ويجب أن تنال حقها. ديوانها "ذكر الورد" قمة شعرية وكانت كتبت قصائده وهي على فراش الموت.

* كيف كانت علاقتكما، كشاعر وشاعرة؟

- كنت أقرأ لها قصائدي قبل نشرها، لكنني لم أكن أقرأ شعرها قبل أن تنشره. وهي أصلاً لم تكن تطلعني عليه، أدونيس كان يموت فزعاً من رأيها. كان لديها حسّ شعري كبير.

* وظُلمت سنية كامرأة أيضاً. أليس كذلك؟

- أجل، ظلمت كامرأة. كانت مثل النسيم العابر.

* لو قدر لك ان تحيا معها حياة جديدة كيف تتصور هذه الحياة؟

- ستكون الحياة نفسها. أنا لن أتغير وهي لن تتغير. لم أتزوج بعدها. وأكشف لك أمراً: سنية وشقيقتها خالدة سعيد عانتا الكثير تحت سلطة الخالة. فوالدهما تزوج بعد وفاة زوجته أي أمهما. انني رفضت الزواج لئلا تعيش ابنتانا تحت سلطة الخالة. وعندما كانت سنية تحتضر كانت "تملحس" بيدها على ركبتي قائلة: أنت أنبل رجل في التاريخ.

* كيف تعرّفت الى سنية؟

- تعرفت اليها في بيروت، في بيت أدونيس. وكانت مجلة "شعر" حينذاك نشرت لي قصائد. دخلت سنية وأبدت إعجابها بالقصائد. وكان الحب ثم الزواج.

* هل تشعر بندم ما لأنك لم تكمل التعليم وانطلقت الى الحياة بالقليل مما حصّلت؟

- أشعر بالندم لأنني تعلّمت أن أقرأ وأكتب. كنت أتمنى أن أظل ذاك الفتى الأميّ الذي يرعى الغنم ويعيش في القرية حياة النوَر والغجر.

* لكنك أصبحت شاعراً!

- الشعر متعة. مع انني لم أكن أعرف أن ما كتبته في السجن كان شعراً. كنت أكتب بعفوية تامة. وبعض ما كتبت كان على ورق البافرا، وهو نوع رخيص من الدخان، كنا نحصل عليه في السجن. وقصيدة "القتل" التي جعلتني شاعراً، لم أكن أعتقد انها قصيدة نثر كما صنّفها القراء والنقاد.

******

إبراهيم حميدي

رحل على أريكته جالساً بين سيجارته وسماعة التلفون

عندما زارته مساء الأحد في منزله صديقته فاطمة النظامي الآتية من السلميـة مسقط رأسه، بادرها محمد الماغوط بالآية الآتية: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضيـــة" ثم عدد لها أغلى الأشياء في حياته: زوجته سنيـــة الشاعرة الراحلة، ابنته الكبرى شام وقولها "ما في أحلى من بابا"، وابنته الثانية سلافة وقولهــا "ما أسخف من بابا" قبل ان يختتم: "الله يوفق كل أعدائي وأصدقائي".
سألته فاطمة: "هل تخاف الموت؟"، فأجاب: "لا، لا أخاف الموت، وسأعيش مئة سنة"، قبل ان يستغرب من أين تأتيه هذه القوة.
قال لها عبارة سعد الله ونوس التي قالها في خطابه في يوم المسرح العالمي: "إننا محكومون بالأمل". ردت فاطمة: "إننا محكومون بالندم"، فكان جوابها ان هز رأسه، لأن "جسمي سينتقم مني لإهمالي له سنوات طويلة".
عندما استيقظ الماغوط في صباح اليوم التالي، يوم أمس. وضع شريط مسجل لشيخ يقرأ القرآن. وراح يستمع. تدخل عليه أم علي وابن أخته الدكتور محمد بدور، الذي لازمه في السنوات الأخيرة. تطعمه قبل ان يتناول الدواء.
غادر الدكتور محمد الى مكان عمله في المستشفى. ثم غادرت أم علي. وتركا الماغوط يستمع الى تلاوة القرآن، كما جرت عليه العادة في الأشهر الستة الأخيرة.
اتصل الدكتور محمد بخاله الماغوط في الثانية عشرة ونصف، ليمطئن عليه. فكان جواب الماغوط: "صحتي كويسة".
كان ابن أخته يشعر بالقلق عليه، حاول الاتصال به مرات عدة بعد ساعة. غير ان الخط الهاتفي كان مشغولاً. وعندما جاء الى المنزل.
رحل الماغوط جالساً على أريكته. بيده اليسرى سيجارته وفي اليد اليمنى يمسك سماعة التلفون.

غسان شربل

بائع السموم

كنا في مطلع العمر والحبر حين بحثنا عن مائدته. عثرنا على دواوينه وانفردنا بها قرب النوافذ المفتوحة على الوهم وقرب الشرفات المنسية قبالة البحر. كانت الوليمة عامرة ووقعنا في الفخ. أعشاب غامضة وعصافير مرتبكة. أشجار موتورة وأقمار متهورة تهاجر الى المناديل. كان يصرخ كمن يحاول دفع وحشية العصر. كمن يحاول أن يحمي غيمة من مزوري الغيوم. كمن يحاول أن يحمي ينابيع البراءة من مافيات المشعوذين.
كان محمد الماغوط صياداً قاتلاً. عينان مكونتان بآلاف الصور تستدرجان القاموس الى العري الصارخ الشفاف. وكانت بندقيته مخيلة شاسعة قضى عمره رافضاً أن يروضها خوفاً على بكارتها من قدرة العصر على التلاعب ببراءة البوح والغضب والاحتجاج. كان الصياد الذي يدافع عن الغابة وقناديل القلب. كان شرساً في دفاعه وعنيفاً في إخلاصه وعنيداً في ولائه. كان صياداً مجنوناً لا يطلق النار إلاّ ليصيب نفسه.
كنا في مطلع الحبر والعمر حين تسللنا الى مائدته. قرأناه من الوريد الى الوريد. وأعدنا القراءة. وحين عدنا اليه بعد سنين وجدناه واقفاً حيث كان على ذلك الحبل الذي يفصل بين الحبر والدمع وبين الحلم والانتحار وبين الشغف والهاوية.
تقرأه فتهب عليك الصور. تتسلل الى قلبك وأوردة الرأس. هذا شاعر لا يطيق الحياد. يستحيل أن تكون معه نصف معجب ونصف عاشق. تكرهه أو تذهب معه. وان ذهبت دفعك الى الحدائق والمناجم وقدّم لك الحزن عرائس يتغاوين بقلائد الرغبة وخواتم اليأس.
قبل أسابيع هاتفني زميلنا إبراهيم حميدي من دمشق. كان في منزله ثم جاء صوته: "غسان. أنا. لا ازعبر. اكتب هذه الأيام أشياء جميلة ومستعد لكتابة مقال في "الحياة" كل أسبوعين". كان محمد الماغوط يعرف جوابي ويعرف انحيازي إليه منذ استدرجته للكتابة في "الوسط" قبل أعوام. ولأنني كنت أخشى على الصياد الذي أدمن إطلاق النار على نفسه والذي كان يعالج تصدّعات الروح بما يبيد الجسد كشفت عن طمعي. قلت له: "نبدأ بحوار طويل ثم نعلن لقراء "الحياة" عن موعد مقالتك".
كنا نعد الإعلان عن الحلقات أمس حين هاتفني إبراهيم ليبلغني أن محمد الماغوط لن يقرأ الحوار ولن يكتب. هجمت عليّ عبارات سمعتها منه في منزله وفي منزل الصديق فخري كريم رئيس تحرير "المدى" وفي المقهى الذي كان يحبه في دمشق. تذكرت عبارته الواثقة "ان الظلام الدامس يقترب". تذكرت قوله عاتباً "لا مستقبل لأمة كان لديها بيروت وأضاعتها".
حزنت. ركض محمد الماغوط عمره بوحشة الأنهار وطيش العصافير. كانت النار مشتعلة في ثيابه وأجنحته ومحركات الروح. كان يرمي الأيام مثقلة بأعقاب السجائر وأعقاب الأحلام المهشمة ككؤوس تطاردها لعنة الزلازل. هرب الى التراب نجمة تعبت من السهر على حبال المخيلة الراعبة. كان حارس منجم الحزن وبائع السموم الباهرة. وكنا نحب سمومه ولا نزال. و "الحياة" التي كانت تستعد لاستضافته كاتباً تنشر اليوم حواره الأخير تحية لبائع السموم الجميلة.

شهادات

دريد لحام
هذه القامة، واسمها محمد الماغوط، ليست في حاجة الى شهادة من أحد لأن أعماله الأدبية، تعلمت منها ومن خلال رفقتي الطويلة من عمري وعمره، كيف يكون عشق الوطن. هذه الأعمال كتبها بنبض قلبه وبعشق الوطن والحرية.

شوقي أبي شقرا
لا أحد مثله يستطيع ان يحكي عن موته، وان يعلق على كونه غادر هذا العالم. اذا كان هو فعل لكان أحلى وأجمل، ولكانت أخذته الابتسامة والمرارة قبل الدمعة، ولكانت الدهشة هي الأقرب الى أي انفعال آخر. وهي الدهشة التي ملأته واحتواها نتاجه الشعري والمسرحي، وأرسلها مرنانة منهكة وجارحة الى العالم العربي، وكان سابقاً أرسلها إلينا ونحن في مجلة "شعر" وانتقلنا معه بها الى حالة طرب لا يجيدها إلا هو.
مضى بجسده الذي خانه وأما نتاجه فشجرة لا أحد يستطيع ان يقطعها، وأما اليباس فلن يأتي عليها، وإنني لأراها خضراء ووارفة الظلال، ومحمد يغرّد فوقها ويقود الاوركسترا كما يشاء.

حنا مينا
كان الصديق العزيز المرحوم محمد الماغوط عبقرية شعرية ونثرية ومسرحية. وكان على درجة كبيرة من الأنفة، وقد طلبت منذ يوم أن يأذن بترشيحه لجائزة "العويس" فرفض قائلاً: "هم يعرفون من أنا". وقبل مماته الذي أحزنني وأبكاني نال هذه الجائزة، وهي أقل بكثير من قيمة هذا العبقري الذي فقدناه. الرحمة الواسعة للصديق العزيز الذي فقدناه... وفقده الوطن العربي كله والعالم أيضاً.
إن هذه العبقرية من النادر أن تكون محدودة بزمن معين فهي تمتد على مدى قرون طوال، وقد شاء الحظ أن نفقد شاعراً كبيراً كان نثره شعراً... هو المرحوم الشاعر نزار قباني. واليوم نفقد شاعراً آخر. ومع أن سورية كانت قديماً وحديثاً منجماً إبداعيا إلا ان العبقريات لا تأتي دورياً.
رحم الله محمد الماغوط والعزاء لعائلته ووطنه ولشعبه ولأمته العربية.

جابر عصفور
محمد الماغوط واحد من أعمدة الحداثة الشعرية العربية وهو الأب الحقيقي لقصيدة النثر بموهبته المتفجرة التي لفتت الأنظار الى تلك القصيدة لقد كانت كتابته لها بعد هزيمة 1967 ابلغ الأثر للتعبير عن مشاعر الغضب التي اجتاحت الأمة العربية من المحيط الى الخليج وظلت قصائده رايات للتمرد على الهزيمة وكل شروط الضرورة التي صيغت لتزويرها، محمد الماغوط نسيج فريد من نواح كثيرة على المستوى الإيقاعي صاغ قصيدة النثر بإيقاعها الخاص التي وضعها في موازاة قصيدة التفعيلة وكان لقدرته على بناء الإيقاع بما يتكامل مع لغته وصوره الجريئة الجسورة كان أول من أسس شعرية النثر في القصيدة العربية ومهما وصلت قصيدة النثر الآن الى حدود بعد ان صارت موضة لدى الشعراء من الجيل الجديد، فإن إنجازاته تظل تؤكد على العبقرية الإبداعية التي تثبِّت ريادته التي حولت قصيدة النثر الى وعي طبيعي في الخيال العربي ذلك الخيال الذي طالما رفض الاعتراف بها.

أحمد عبد المعطي حجازي
محمد الماغوط في نظري أفضل شاعر عربي كتب قصيدة النثر حتى الآن خصوصاً في مجموعته الاولى، واستطاع ان يقنعنا بأن هذا الشكل له شرعية تبرر كتابته وقراءته. لم يكن في قصيدته مدفوعاً بتجريب شكل سبقه اليه الشعراء الغربيون كما نجد الكثيرين ممن كتبوا قصيدة النثر إنما كتب ما رأى انه يحتاج لكتابته ووجد شكلاً ربما على نحو عفوي استطاع ان يقول فيه ما يتمنى أي شاعر حقيقي ان يقوله في القصيدة الموزونة ويستطيع، انه تفوق على كثيرين ممن كتبوا هذه القصيدة كان بسيطاً يقدر ما كان عميقاً وصادقاً اعتقد انه لم يكتب الشعر قاصداً، إنما كتب كما أحب أن تكون ولا استطيع ان أتحدث عنه كشاعر فقط لكنه كإنسان تعذب في سنوات إقامته في لبنان وكذلك في وطنه سورية، لكن مصير الماغوط الذي عرفه كان مصير معظم المثقفين العرب.

سيف الرحبي
كنا في مطلع العمر الشعري والحياتي نجتاز الأرصفة والشوارع بين شتى العواصم العربية وغير العربية، مسكونين بأطياف الانقلابات والتمردات على كل الأصعدة، وكان طبق محمد الماغوط الشعري هو الأقرب الى ذلك التسكع الحالم والفجر والضيق من العالم السائد.
كان - رحمه الله - الأقرب الى شعر الحياة اليومية، ببساطته التركيبية الصافية والملثاثة بالهموم الصغيرة التي تنفجر من بؤرتها الهموم الكبرى، في سياق من التشظي يبتكر جماله الخاص.
كان الأقرب الى خيالنا وذاكرتنا الشعرية وبمحيط الواقع العربي والأحلام المجهضة، بنبرته التهكمية ورؤيته السوداء، يوم كان الكثير من الشعراء الرواد، يحملون نوعاً من نبرة نبوءاتية مبشرين بالمستقبل الذي يمكن ان يكون قريباً.
كان الماغوط الى جانب خليل حاوي، كل في طريقته التعبيرية، الأكثر حدساً بما سيؤدي اليه الوضع العربي والإنساني من تدهور وانجراف الى أقاصي الهاوية والعذاب.
كان نبوءة الكارثة، الماغوط حمل الحياة الى الشعر، كما حمل الشعر الى الحياة من غير مسبقات معرفية ذات شأن ثقيل، فكانت تلك الدراما الحزينة لأطوار الكائن وهو يتلاشى في مهب الاضمحلال.

شوقي بغدادي
كلنا ميتون بلا ريب ومع ذلك يبقى الموت خبراً رهيباً وبخاصة حين يأتي يحمل معه نبأ أكبر عدو للموت... محمد الماغوط.
سبحان الله يا محمد الماغوط، لقد كنت تسخر دوماً من الذين يخافون الموت، لأن امتلاءك الكبير بالحياة لم يكن يفهمه الكثيرون. وها أنت تفاجئني بهذه الصدفة، فلا أصدق ان محمد الماغوط يموت بهذه البساطة.
يا إلهي ماذا أصنع مع هؤلاء الراحلين... مع هؤلاء الراحلين الأعزاء، كيف أوقف الموت عند حده ولو بأيام كي اعرف كيف احتفل بحزني عليهم.
الى لقاء قريب يا محمد... الى لقاء قريب يا محمد.

نزيه أبو عفش
لأعترف: لم يصعقني خبر موت الماغوط كما يزعم المنافقون عادة، لأنني كنت أؤمن على الدوام ان الشعراء - اذ يستعيضون عن حياتهم بالحبر - لا يفعلون شيئاً غير كتابة الشعر وحياكة قميص الموت.
ولأعترف: لم يفاجئني الخبر ايضاً. ذلك انني، قبل أسبوعين لا أكثر، كنت في زيارته.
كان كالعادة يشرب ويدخن. فيما كان ابن أخته وحارسه "محمد" يشكو من ان الخال، على رغم تدهور صحته، لا يتوقف عن الشراب والتدخين. قلت للشاب: حسناً يفعل، عليه ألا يتوقف عن شيء، اذ ليس من اللائق برجل مثل الماغوط ان يواجه الموت بجثة خاوية، بل عليه، قدر ما يستطيع ان يكون مملوءاً بالحياة التي التهمها.. وأجاد التهامها.
وأبداً، لم أشعر وأنا أتلقى خبر رحيله حتى بالحزن ولم يخطر لي حتى ان أقول: وا أسفاه!.. أو حتى "رحمة الله عليه"... ذلك لأن شيئاً لن يتغير بالنسبة اليّ، سواء مات الماغوط الآن أو بقي على قيد الحياة مئة سنة إضافية أخرى. ما أحببته فيه سيبقى: "شعره" وبالتالي سأظل قادراً على إشباع غرامي بقراءة شعره.. سواء كنت مضطجعاً على أريكة منزله في "المزرعة" أو ممدداً تحت بلاطة قبر هناك في بلدته السلمية.
ما أحزنني حقيقة أن ثمة وعداً صغيراً لم استطع الوفاء به، كنت أخبرته انني ذاهب الى مرمريتا قال: اذاً لا تنسَ، احضر لي من هناك بضعة أقراص من الشنكليش.
لم أقل له ان أحدا في مرمريتا لم يعد يربي البهائم ذات الضروع. ولكنني طمأنته: لا تقلق، حال وصولي الى مرمريتا سأبحث عن أول امرأة مرصع لأصنع لك الشنكليش من حليبها. وكانت تلك آخر نكتة.
بعدها لم أذهب الى مرمريتا للبحث عن النساء المرضعات ولا عدت الى الماغوط لأوفي "نذر الشنكليش" أو لاعتذر عن تأخر ربيع الرعيان. طبعاً، ولا هو اتصل ليسأل لعله نسي ما أوصاني به، حال مغادرتي بيته.
مات الماغوط؟! وان يكن.
الأهم انه عاش جيداً: عاش كثيراً وعميقاً.

شوقي بزيع
ثمة شيء يصعب تصديقه في موت الماغوط. فهذا الذي حول الحياة الى قلعة محصنة من العناد والبسالة لم يترك للموت فسحة للتسلل او ثغرة للمباغتة. لم يكن الموت أبدا في حسبان ذلك الشاعر الذي خلخل مفاهيم البلاغة السائدة وفتح أمام القصيدة العربية أفقاً غير مسبوق وأرضاً لم تُحرث من قبل. بلا وزن ولا قافية تقدم محمد الماغوط الى حلبة الشعر أعزل الا من شياطين روحه المتوثبة، عارياً الا من الحقيقة ومضرجاً بالأخيلة مثل بطل هوميري أغفلته الملاحم.
كيف يمكن الموت ان يلم نثار ذلك الاسم الذي لم يعد ينطبق على احد بعينه بل بات رمزاً لكل ما تختزنه أمة بأسرها من احتياط الأمل والكرامة والتوق الى الحرية؟ كيف يمكن جمعه في قصيدة أو صرخة او جثمان لكي يدعي احد ان الطريق الى قبره لا ينقصها سوى المشيعين. ومن الذي يسقط الآن: الشاعر أم الناثر، المسرحي أم كاتب المقالة، المهرج أم الخشبة نفسها؟
منذ خمسين عاماً ونحن نختلف على معنى الشعر وشكل القصيدة ولا نتفق عليه. فهو، بموهبته النادرة، الذي هيأ لقصيدة النثر ان تنتزع مكانتها المرموقة في جغرافيا الشعر العربي. وهو الذي جعلنا ننحاز الى المغامرة والتجريب على رغم ما يحتملانه من مخاطر. وهو الذي ظلل بعباءته الواسعة مئات التجارب الرديئة والأفلام القاصرة وأتاح لغير الموهوبين ان يجعلوا منه المسوغ والدريئة والذريعة.
لن يموت مع جسده شيء. وباستثناء هذا الجسد سيظل لنا التصاق شعره بالحياة الى حد التماثل. ستظل لنا قوة استعاراته وصوره المباغتة التي أعادت الاعتبار للتشبيه. ستظل لنا قدرته الهائلة على استنفار الحواس. سيظل لنا امتهانه للفرح، على رغم ادعاء العكس، وحزنه الثقيل في ضوء قمر عربي لم يكتمل أبدا ولم يشاهده أحد سواه.

عبد المنعم رمضان
أنا أخاف الموت ولا أحب أن أتحدث عنه أبدا الا ان موت الماغوط ليس موتاً عادياً انه الموت الثاني لأحد مؤسسي قصيدة النثر بعد موت توفيق الصايغ والثالث انسي الحاج الذي أتمنى له عمراً طويلاً قد صمت عن الشعر، لذا فموت الماغوط موت مؤسف في شكل مضاعف انا أتذكر الآن قصائده "الرجل المائل" و "منزل على البحر" وقصيدته عن "دمشق وبردة" وأتذكر سنية صالح زوجته وقصيدته ايضاً أتذكر بيروت كلها ولا املك كلاماً غير ذلك.

حلمي سالم
كنت في اليومين السابقين استعد لكتابة كلمة موجزة احيي فيها فوز جائزة العويس بمحمد الماغوط، واحيي فيها قصيدة النثر التي جعلها الماغوط تفوز بأكبر الجوائز على غير ما يهوى العمودين والسلفيون وأهل النقل.
لكن الماغوط صاحب المعاكسة والمفاجأة عاكسنا وفاجأنا، بآخر ما في جعبته من مخالفة ومباغته.
الماغوط هو الشاعر العربي الوحيد الذي بدأ حين بدأ بقصيدة النثر، وانتهى بقصيدة النثر، فلم يتسلل اليها كما فعل كثيرون بعد إقامة قصيرة في نص العمود، او بعد إقامة قصيرة في نص التفعيلة، من هنا، فهو عندي واحد من أكثر الشعراء مبدئية في تاريخ الشعر العربي الحديث.
والماغوط هو شاعر النثر الوحيد الذي يستثنيه خصوم قصيدة النثر التقليديون حينما يصبّون طوفان اتهاماتهم الجائرة على شعراء قصيدة النثر: من مثل ركاكة اللغة او التغرّب أو الهروب من القيد او الاستسهال او العجز او انعدام الأصالة.
في كل هذه التهم (بصرف النظر عن صدقها او كذبها) فإن التقليديين يخرجون الماغوط من دائرة الاتهام، لأنه تجربة أصيلة عميقة جارحة، ولأنه "نسيج وحده".
أعلم، الآن، كم سيحزن دريد لحام، وكم سيحزن أبو حيان التوحيدي (فهو مثله غريب في وطنه)، وكم سيحزن سعد الله ونوس وممدوح عدوان وأمل دنقل (فقط كانوا جارحين مثله)، وكم ستحزن السماء لأن دموع الماغوط لن تكون زرقاء من كثرة ما نظر إليها، وكم سيحزن الحزن لان حاجباً قديماً على بابه لن يغدو واقفاً: "ما دامت كل الكتب والدساتير والأديان / تؤكد انني لن أموت / إلا جائعاً أو سجيناً".

خليل صويلح
يختلف محمد الماغوط عن غيره من الشعراء العرب، انه أنجز نصه باكراً، ثم هجره الى هجاء العالم، كمن ترك قنبلة موقوتة في شارع مزدحم، ولم يقدّر حجم الدمار الذي ستتركه في الأرواح.
ولعل صاحب "الفرح ليس مهنتي" وجد نفسه أخيراً في فخ لغوي، صنعه بيديه، إذ انتسب الى الأرصفة والتسكع والترحال في نص عصي على التجنيس، ثم غادره الى ضفاف حياتية أخرى، لا تستدعي الألم ذاته، مما أوقع القارئ والشاعر في آن معاً في مواقف ملتبسة، فمحمد الماغوط في سنواته الأخيرة، كان يطلق "مانشيتات" متباينة في أهدافها ومقاصدها، الأمر الذي أربك الجميع. وربما علينا أن نتذكر أن هذا "البدوي الأحمر" ظل مخلصاً لحلم قديم في العودة الى الصحراء، مسقط رأسه، في مدينة "السلمية"، أو معقل القرامطة، كما كان يحب أن يسميها.
كنت في زياراتي اليه، قبل سنتين، أجده منتشياً في الاستماع الى شريط عتابا بدوية، وكأنه بذلك يلملم أحلامه القديمة المبعثرة بين دمشق والسلمية، منذ أن غادرها حافياً الى أرصفة الصخب.
بأية حال، لا يمكن لديوان الشعر العربي المعاصر، أن يتجاهل منجز محمد الماغوط، بكل بكارته ودهشته، وصوره المبتكرة. أما سنواته الأخيرة فكانت مزيجاً من التمرد والطمأنينة، من دون أن تخلو من صراخ مباغت.
كتب مرة يقول: "أخذوا سيفي كمحارب/ وقلمي كشاعر/ وريشتي كرسام/ وقيثارتي كغجري/ وأعادوا لي كل شيء وأنا في الطريق الى المقبرة/ ماذا أقول لهم أكثر مما يقوله الكمان للعاصفة؟"
هل هو حدس الشاعر؟

علي المقري
مبكراً خان محمد الماغوط رعب المفاهيم الإيديولوجية وسلطاتها، خان الوطن حين تحول الى سجن كبير واتخذ شكل هاوية، وخان ناسه حين تحولوا الى سجّانين وهتّافين يمجدون الهراوة وهي تتربع على كل شيء.
محمد الماغوط هو إعلان مبكر للحزن في جوقة الفرح الرسمية، وهو الشاعر الحياة الذي يعيش القصيدة قبل ان يكتبها، الكتابة بالنسبة إليه حياة أولاً.
لقد علّمنا ان نسخر من أنفسنا... من كل شيء، ومضى يحرّضنا ان نحيا حياتنا بالمقلوب.
محمد الماغوط شخصية انقلابية بامتياز في الثقافة العربية إلا انه لم يسمح بأن يكون له شيعة يمجدونه في الصحف والإذاعات والتلفزيونات، ولهذا كان يشكك من نفسه اذا ما امتدحه المهتمون ببناء الدولة وهيبتها.
ويبدو لي ان تجربة الماغوط الشعرية والمسرحية بحاجة الى إعادة قراءة ومن ثم إعادة الاعتبار لهذا الكاتب الذي مكث في وطنه المجازي مضطراً، ربما. وبقي مع هذا يُجمّل بفوضاه كل شيء بما في ذلك الوطن، كفكرة.
عزاؤنا في رحيل الماغوط انه كان في كل حياته وممارساته اليومية وفي كتاباته يكافح لخيانة الموت، وإن ظن الأخير انه قد انتصر عليه.

حسن بافقيه
لعل الميزة الأساسية للشاعر الكبير محمد الماغوط، هو ذلك الحضور الذي يلفت الانتباه الى آخر لحظة من عمره، على رغم الحياة المأسوية التي عاشها مدة طويلة وبخاصة بعد وفاة زوجته.
ومحمد الماغوط يعد حدثاً أساسيا في الشعرية العربية، وذلك بتأسيسه الملامح المهمة لقصيدة النثر، تلك القصيدة التي أخذت مشروعيتها وشرعيتها من خلال هذا الشاعر الكبير، الذي اجمع الفرقاء عليه، من يدافع عن قصيدة النثر، ومن يقف ضدها، كلهم أجمعوا على ان الماغوط هو العلامة الفارقة لقصيدة النثر.
وعلى المستوى الجماهيري، فالذين لا يعرفون قصيدة النثر، كان الماغوط حاضراً بمسرحياته العظيمة المتتالية، التي أتحفت الجماهير العربية مع النجم دريد لحام.
في الأخير لا يسعني إلا أن أدعو الله سبحانه وتعالى ان يتغمده بواسع رحمته.

أحمد الملا
عندما يذهب شاعر مثل محمد الماغوط، سنعرف ان الشعر جاء في ذهابه.
ولا ننسى قوله مرة: "هذه الموهبة لن تمر من دون عقاب". وكنا، نحن قراءه، على انتظار طويل لمعرفة متى يكون ذلك.
كثيرة هي أعماله الشعرية التي مستنا في الصميم، وسيبقى دائماً قريباً حتى في قوله "احسد المسمار لأن هناك خشباً يضمه ويحميه". على مستوى تجربتي الشعرية، كان محمد الماغوط واحداً من الذين تعلمنا على يديه. فتنا بالصورة الشعرية التي لديه، لأنه كان من الشعراء المميزين الذين يصنعون صوراً فريدة ومختلفة. كانت حياته شعراً، حتى اشتغاله في الصحافة كان شعراً خالصاً. وكان يفاجئنا بقضايا مهمة، مثل قضية العناوين، وهذا له علاقة بالصحافة، اذ كان صانعاً يتقن نسج الصورة الشعرية وكأنها مشهد يتشكل في اللحظة، وتعرف ان هذه الصورة فريدة من نوعها، ولا يمكن ان تكون لها سابقة.

هالا محمد
"عندما أتعب أضع رأسي على كتف قاسيون وأستريح.ولكن عندما يتعب قاسيون على كتف من يضع رأسه؟!"
هذه بداية الفيلم الذي سجلته مع محمد الماغوط منذ سبعة أشهر لشركة هوت سبوت فيلم لصالح "قناة الجزيرة" ضمن سلسلة "أدب السجون" حيث روى الماغوط حكايته مع السجن والابعاد في خمسينات القرن الماضي.
الجمعة الفائت هذا صباحاً، اتصل بي وقال: هالا أريد ان أرى الفيلم الآن. ذهبت الى بيته. وبدأنا الفرجة. حين لمح جبل قاسيون وضجيج الجبل والمنازل المترامية أمامه وشمس دمشق الساحرة وسمع صوته يهدر بأنشودة الحب والتعب هذه. بكى. اهتز جسده كطفل. وبكينا الدكتور محمد بدور وأنا.قال: هذه سورية يا الله... وهذا نحن كما نحن. دخن الكثير من السجائر. ورفض مسح دموعه فتبللنا بالدمع. لم أره في حياتي يبكي ويضحك هكذا. أمنيته كانت: "ألا يبقى على وجه الأرض جائع أو سجين".وكان يعرف انها مجرد أمنية لشاعر حر لم تستطع السلطات تدجينه على رغم كل ما أبدته له من حفاوات وعلى رغم كل التكريمات في ارجاء الوطن العربي. كان يقول: "لا اعرف سبب هذا الاهتمام المفاجئ يبدو انهم يساهمون فيّ كمشروع قبر...".
مات وحيداً في بيته الذي احتضن كآبته اكثر من عشر سنوات. واحتضن دفاتر اشعاره المبعثرة كأعقاب السجائر في كل مكان. تمنى في احدى قصائده ان يلمح يداً او محرمة في هذا الكون تومئ له كشاعر من الشرق في وطنه البعيد ومنفاه البعيد. ستلوح لك آلاف الايدي والمحارم لأجيال وأجيال. أنت تعرف ذلك في قرارة روح شعرك.

(الملف عن جريدة الحياة).

رحيل الشاعر والأديب السوري محمد الماغوط
استغرق في تصوير عالمه العربي حتى التعرية ودلّ بقوة
على الضعف والتراجع وكل معالم النهضة بالضرورة بين السطور

دمشق ـ عمر كوش
عمان ـ موسى برهومة
بيروتـ ـ يقظان التقي

رحل أمس الشاعر والأديب السوري محمد الماغوط عن 72 عاماً، وهو ما يزال يكتب ويكتب ويحفر في كسور الواقع في ذاته وفي علاقته مع المجتمع والسلطة، وفي عنف اليومي برؤيا الكاتب المتمرد.
من هناك، من موقعه المتموضع دمشقياً، بين أشيائه الحميمة، ولوحاته، وأوراقه وكرسيّه، من موقعه الرهيف الحساس رحل محمد الماغوط اكثر من شاعر، وأكثر من كاتب مسرحي، ضمير المجتمع المدني الدمشقي والعربي الصارخ على العالم.
رحل الماغوط حاملاً حقائب من ورق تقبلته حيث كوّن في حياته الأدبية شأناً كبيراً منذ انطلاقته في مجد القصيدة النثرية الجديدة واحداً من قطاف "مجلة شعر" في بث روح التمرد على التقليدي بأفكار جديدة بين الذاتية والثورية.
كان شاعراً عبثياً بامتياز، لم يعر الكثير من الأشياء أهمية، وكان يغامر ومعه نصّه الشعري، وذهب بعيداً في مسيرة استثنائية حدّد مسارها وفحواها ونبضها بعناية شديدة لم ينقطع عن التفكير بعيداً حتى في أوقات مرضهِ ومع إدراكه أنه على حافة وداع دائم.
في شعره اللماع والمنتفض ذي الطعم الدمشقي الخاص كما في كتابته المسرحية وكتابته المقالة الصحفية كان متآلفاً مع الوجع والأسى والسخرية. السخرية بالنسبة اليه كانت تلك الهبة العظيمة.
محمد الماغوط كان جزءاً من التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية ومن موقع الرجل المديني المتقدم والمتطلع الى المدارات العليا والتي جعلت كلماته تزدحم في خطر المفردة حين تشهد الحقيقة بين الذات والعالم.
لعب دور الناقد للأنظمة الأمنية والمخابراتية العربية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وفي تعرية النظام السلطوي العربي، ولم يخرج في شعره عن واجهة المسرح السياسي مستغلاً قواه ورؤاه وأدواته وإن ظهر أن ذاته أو ذاتيته الوجدانية منعزلة عما قبلها ومنصرفة عن ظواهرها.
محمد الماغوط أكثر من عاد الى وطنه والى عروبته، والى حريته من زاوية كوميدية سوداء في واقع الأمر.
الفكرة الفكاهية السوداء تأتي عنده من ذروة الصراع في مواجهة أنظمة مخابراتية عربية سيئة.
استطاع الماغوط أن يلقى بدعاباته وبجروحاته وصرخاته حول الأوطان فصار روح الشبيبة العربية والأقرب اليها، بطريقة بسيطة وشعبية تعبر عن قلق الإنسان بوطنه وبقدرٍ كبير من العافية.
وفاة محمد الماغوط خسارة كبيرة وقد أنجز مهمة ثقافية حققت نجاحاً جماهيرياً كبيراً، لكنها أيضاً عكست مأساة شاملة لكبار المبدعين في آخر المسرحية، واقعاً وتاريخاً متعلقاً بتواريخ أشخاص ومحمد الماغوط واحداً منهم، جزءاً من الانجذاب لكسر تلك العزلة المفتوحة على عالم عربي يجري نحو جفافه ويباسه وتصحره.
صدرت للشاعر "حزنٌ في ضوء القمر" و"العصفور الأحدب"، نصوص جديدة تحت عنوان "البدوي الأحمر" (عن دار المدى، دمشق) مختمرة على نضارة، فجة على طزاجة، قاسية على قسوة، صارخة على صمت. نصوص غزيرة كتبها الماغوط أخيراً ليعلن شعره من جديد وخصّ بها "المستقبل" قبل رحيله.
أما في المسرح فعُرف بنقده اللاذع للأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في سوريا والعالم العربي، واكتسب مع الثنائي دريد لحام شهرة واسعة في مسرحية "ضيعة تشرين" و"كاسك يا وطن"، وتناوب مع الكاتب زكريا على كتابة زاوية يومية في صحيفة تشرين الأسبوعية عام 1975، ثم انتقل ليكتب زاويته الشهيرة "أليس في بلاد العجائب" في مجلة "المستقبل" الأسبوعية (باريس).
محمد الماغوط مواليد العام 1934 في مدينة السلمية شمال دمشق، محافظة حماة وسط سوريا، زوجته الشاعرة الراحلة سنية صالح ولهما بنتان (شام) و(سلافة).
في رحيله شهادات من شعراء ومسرحيين وكتّاب وأصدقاء:

عمر كوش : شاعر السخرية

بوفاة الأديب والشاعر المبدع محمد الماغوط خسرت سوريا، وخسرت معها الثقافة العربية أحد أهم أعلامها المعاصرين العرب، وخسر العالم واحداً من المنشغلين بقضايا العصر، وتلبسته هموم وطنه، وقضايا الإنسان الصغيرة منها والكبيرة. فقد كتب هذا الرجل ما كان يشعر به بصدق حتى الفناء، بلا رتوش، أو مساحيق أو مجاملات ترضي جهة أو تزعج أخرى.
كان وسامه هو القلم الذي يفخر به منذ الولادة الأولى / الحياة، حتى الولادة الثانية / الموت، وسخرّه في حب الوطن، منحازاً جانب بسطاء الناس في مجتمعه، فابتعد عن التزلف، ولم يأخذ التدجين شيئاً منه، ولم توقعه أرصفة اللفِّ والدوران، لأنه كان ينظر إلى الحياة كلها موقف العزّ والعيش بكرامة.
إذاً، رحل شاعر السخرية، والمسرحي الواقعي، وصاحب العبارة الواخزة، ورائد القصيدة النثرية، وتميز بقصيدة التجاوز والتخطي، واشتهر بالتشاؤم من سوء الأوضاع في بلده وعالمه، لكنه بقي متفائلاً بتغيير ما لم يأتي بعد، وظل طوال حياته يتبرم من الذين شوهتهم المناصب، ولم تنفهم الأوسمة المزيفة.
كُتب الكثير عن محمد الماغوط، الشاعر والمؤلف المسرحي وكاتب مقالة بامتياز، وحبّر قلمه مئات الزوايا والخواطر، إذ كانت الكتابة لديه مساحة حريّة، فتخطى بأحزانه كلّ حدود البلدان العربية، ووصلت كلماته إلى العالم أجمع.

وليد أخلاصي : حالة استثنائية ماغوطية

بالرغم من مراقبتي لمرض محمد في السنوات الأخيرة، إلا أنه لم يكن لديّ شك في أن هذا الرجل سيتوقف عن العطاء والإبداع. فقد كان حالة استثنائية في الأدب العربي الحديث، وحالة جنونية، عظيمة، في الشعر والمسرح، وفي شيء آخر، هو المقالة التي أصبغ عليها الماغوط نفساً رفيعاً، وخلّصها من الخطابة والإنشائية. محمد خلق جنساً أدبياً جديداً، مستنبطاً من المقالة، ليقال عنها في يوم من الأيام، المقالة الماغوطية.
لن أقول أني حزين أو محبط بوفاة محمد، لكني فقدت صديقاً حميماً ومبدعاً. وكنت أتمنى أن يُكرّم باكراً، ولكن الذي حدث هو أنه كُرّم متأخراً.
أعتقد أنه مات سعيداً، لكن السؤال المطروح الآن: ما هي نسبة الناس الذين يحتلون مكانة الماغوط؟
الجواب: صفر.
كان محمد الماغوط، طوال حياته، وسيبقى في غيابه، وساماً، نظراً لفرادته التي حملها على صدره، وسيبقى وساماً لكل سوريا.

ديانا جبور : ليس عفوياً

عندما أجريت حواراً مع محمد الماغوط، لاحظت أن هنالك نقطة أحب أن أذكرها، وهي أنه كان ينشغل كثيراً بالمفردة، وأحياناً يقف عند مفردة ما طويلاً، وقد يتوقف عندها عشرة أيام أو أكثر، لذلك توقف محمد الماغوط عن الكتابة الصحفية، لأن هذه العناية بالمفردة تظهر بشكل واضح في الأنواع الأدبية، كالمسرح والشعر. وهذا ينافي ما يقوله منتقديه عنه بأنه عفوي!
يستحيل على إنسان عفوي أن يقف عند الفوارق البسيطة للمفردة، لكنه كان يكره الإدعاء بالثقافة أو التباهي بها، حيث كانت لديه وجهة نظر خاصة، إذ كان يفترق عن السائد والمعمم، وهذا ما جعل منتقديه يستسهلون الحكم والقول عنه بأنه عفوي.

عادل محمود : صرخة لكل الجهات

دائماً يحزنني موت الشعراء، فالشاعر يقضي نصف عمره بين حلمه ورثاء حلم، وأخيراً يضع على رصّ الغبار كل الكلمات التي كتبت، ثم يمضي كأنما ليتمّ في عالم آخر، ما، الشيء الذي لم يكن يستطيع إتمامه.
لقد عاش الماغوط كقوس على أهبة الانكسار لفرط توتره. لم يكن يحلم كثيراً، بل قتل بتوتره كثيراً من الأحلام الصغيرة، لأنها تحتاج إلى معجزات العالم العربي وإيماناته العظمى، لكي تتحقق: الخبز والحرية.
كان يعرف أن هذا مستحيل إلا بأنصاف الأرغفة، وبكامل أجهزة المنع والقمع والقسوة.
الماغوط يترك وراءه ذلك النداء العميق، البسيط، المفعم بشكوى إنسان جريح ونازف نار. بيده قيثارة ولكنها تئن غاضبة، تهمس ولكن بصرخة مرسلة إلى كل جهات الكرة الأرضية.

جواد الأسدي : كان يمنح الشام طعماً مشاكساً

الماغوط بالنسبة لي ليس رائدا من روّاد الشعر العربي المعاصر فحسب، بل هو مركب ثقافي جمالي استثنائي. وهو بنصوصه المسرحية والنثرية الفذة استطاع أن يخلق منبرا التباسيا كبيرا على صعيد مفهوم الكتابة.
نصوصه صنعت شروخات في التابوهات التقليدية. وأحدثت شرخا عميقا في القصيدة العربية.
الماغوط رائد في الشعر والمسرح. ورحيله خسارة ضخمة، فقد كان يمنح الشام طعما مشاكسا، لأنه كان قامة تضيء المدينة. سواد كثيف يحيطنا برحيل الماغوط.

جمال أبوحمدان : أختنق بالكلمات

رحيل الماغوط موجع، ولا أستطيع الحديث عن غيابه، لأنني أختنق بالكلمات.

رسمي أبو علي : أمير شعراء الرصيف

كان رحيله متوقعا بين لحظة وأخرى. ورغم ما في هذا القول من قسوة، إلا أنه كان واضحا أن صاحب "حزن في ضوء القمر" قد وصل إلى نهاية الرحلة منذ سنوات.
وأعتقد أن الماغوط دلف طريق النهاية عندما كفّ عن أن يقوم بمشواره اليومي بمحاذاة نهر بردى، وصولا إلى أحد المقاهي الشعبية على طريق دمشق بيروت القديم. حدث هذا منذ سنوات، وأصبح رهين البيت، وكأنه كان بانتظار النهاية.
الماغوط هو أمير شعراء الرصيف بلا منازع. هو شاعر التمرد الذي رفض كل شيء تقريبا، فظل مخلصا لحريته وتمرده الدائم على كل شيء.
كان ضميرا لكل الهامشيين والرصيفيين. ونحن في تيار الرصيف الذي أطلقناه في بيروت كنا نستلهم أشعار الماغوط وشخصه.
الماغوط ترك بصمة عميقة في الشعر العربي، وخلق أجيالا من الشعراء يسيرون على نهجه شعرا وسلوكا. ونحن بالطبع حزينون لرحيل هذا الشاعر الكبير، ولا نملك إلا أن نقول: فلترقد روحه في سلام.

نادرة عمران :كان مقهوراً وحزيناً

رأيناه آخر مرة في مقهى الشام قبل سنوات، وكنت برفقة المخرج جواد الأسدي. كان متعبا جدا ومقهورا وحزينا. وأعتقد أنه برحيله قد جعلنا مقهورين أكثر وحزينين جدا ومتعبين إلى حد لا يوصف.
أتمنى أن يكون ارتحل إلى حيث الراحة. وأعده أن أحافظ على ذاكرتي الثقافية التي له آثار كبيرة فيها، فرحيله يجعلني أعض على هذه التركة المعرفية بالنواجذ.
الفراغ الذي تركه الماغوط لا يملؤه سواه.

أحمد ماض : كان يكتب بالسكين والدمع

منذ ديوانه "الفرح ليس مهنتي" شكل محمد الماغوط قنطرة كبيرة بين حالتين ثقافيتين عربيتين: واحدة تقول وتوارب وأخرى انتسب لها بكليته لا تعرف المواربة وتكتب بالسكين والدمع. ولعله في اختياره الطريقة الثانية عانق زمنا عربيا علامته المرارة والهزائم، ومقاومته لا تكون إلا عبر حز الكلمات من الوريد إلى الوريد.
كان الماغوط متمردا وثائرا في اللغة وفي الحياة. ورحيله خسارة فادحة، فقد ظل رغم مرضه متشبثا بالحياة، يكتب وينشر حتى آخر أيامه التي أتحفنا فيها بديوانه الجديد "البدوي الأحمر".

نبيل صوالحة : ثائر كبير

التاريخ الأدبي العربي لا يخرّج كثيرا كالماغوط، فهو أديب كبير وصاحب رؤية حياتية مجرّبة. الماغوط أيضا ثائر كبير على كل ما هو خطأ. وإنسان يكره التزلف والنفاق.
مقالاته وكتاباته درس عميق لي في الحياة. ولو أن عُشر العالم العربي يفكر كالماغوط لكنا بصحة جيدة.

فيصل الزعبي : عندما يموت الشاعر

عندما يموت الشاعر ينقص الجمال ويكثر الهراء والهراوات. وعندما يموت الشاعر تنقص مع موته سراديب الأمل ويكثر الشقاء والبؤس.
عندما يموت الشاعر تخف كثافة الحياة في الحياة. وتصبح الإنسانية ذات ميوعة على نحو من المستحيل.
عندما يموت الشاعر تقل المعاني وتفقد الكلمات مغزاها الأخير، وتصبح اللغة من ممتلكات الخطبة الحسنة ووزارة الاتصالات.
وعندما يموت الشاعر نصبح رهينة للانتظار الذي لا يفضي إلا إلى انتظار آخر.
لا شيء يعوضنا بالماغوط الذي تركنا نكبو وذهب ينعم بموت رحيم، سوى أن ينبعث الشاعر الثائر من جديد.

شوقي أبي شقرا : صاحب المدار الأعلى والألذ

لا أفصل محمد الماغوط الذي قرر الرحيل بجسده المنهك، وانطلاقته البارزة في الشعر العربي الحديث، وفي الشعر السوري خاصة، عن مجلة شعر في بيروت. وكونها السبّاقة والمندفعة إلى مجد القصيدة الجديدة، وإلى قطاف الحصاد الكبير الذي زرعته بذاراً في الجفاف، وإلى انها ساهمت مساهمة كاملة ومنفردة في بث روح التمرد والبحث عن الأصالة الأكيدة التي يمتلئ بها إنتاج شعراء هم قلّة، لكنهم أقحاح وساطعون.
وهؤلاء الشعراء كانوا نفراً، وهم معروفون، وانضم إليهم الماغوط قادماً من سوريا بأفكاره الأخرى والذاتية والثورية ومعه نصه الشعري "حزن في ضوء القمر".
والصفات التي غلبت على محمد هي نفسها التي غلبت على رفاقه، والتي تنطبق على الجميع معاً، إنما هو فيها بعد توسع، فلم يقتصر مقامه على بيروت وعلى مقامها الثقافي العارم، ولم يقتصر عطاؤه في نطاق العاصمة اللبنانية وحدها، بل ذهب كثيراً في معارجه وانتقل إلى المسرح وإلى الكتابة النقدية الصحفية. واستغرق في تصوير عالمه العربي حتى التعرية ودلّ بقوة على الضعف وعلى التراجع، وعلى معالم النهضة بالضرورة بين السطور.
وتلك المسيرة تبدو حيث يلتقي محمد وأصدقاؤه الحقيقيون إذ قبل محمد بقليل وبعدئذ حاضراً في الصميم، كنا الصغار عهداً، وكنا الكبار في الواقع، وكنا معاً متراصين، وكنا المغامرة بذاتها الجلّى، وفعل الإقدام على المجهول والجرأة في القول، وفي طلب الأبعاد.
كنا في بيروت المزهرة آنذاك، الوجه الأنصع والامكانيات المشتاقة إلى الحضر وإنزال ما يجب ان ينزل في الإطار الصلب. وكنا القمح الممشوق، بل الأمل المشتهى، وهكذا نملأ الوعاء وخزانة المؤونة وحنايا الكوّارة في الحائط القائم في غرفة وعليّة إذ نحن أبناء الريف معظمنا وما كان غيرنا من أي نوع أحسن منّا. لبسنا ثياب الشعر المنتفض والنفحات الثائرة وعباءة الذهاب إلى الأمام وكل الجهات.
إذاً كنا الضوء في ذلك الخفوت ونمارس ومحمد الماغوط في الطليعة فن العيش إلى آخره، وكنا نكسر الجليد المتدلي في مغاور الركود. وكانت القصيدة إذ نكتبها تكسب ألقها وأوجها المرتاح على سريرها المتين وعلى أرض تحتاج إلى الريّ وإلى تلك العروس وكنا أقوياء في صحبته ولو ضؤل العدد وما كان المكان إلا عطشاناً إلى الماغوط وأمثاله، إلى أناس مختارين يشحذون المخيلة وينشرون الحنطة الخصبة في الذين يرجعون ويهربون من العادي إلى مدار أعلى وألذ.
ونعترف بأن المتاح لمحمد كان أفضل وأغنى من المتاح له لغيرنا لأننا أدركنا ان الحياة في المتناول وأن الشجرة والمعرفة في المتناول، ورحنا نلملم الأشياء الجميلة فقط وما ينجم عن الخلق. ونظل نركض ونعد محمد العزيز بذلك بأننا سنظل نرسل صراخنا البكر في مجال بكر والحيوية لا تخون أحداً.

ريمون جبارة : أهم من الحياة نفسها

محمد الماغوط شاعر عبثي.
شاعر كبير عرفته قبل المسرح، وهو مسرحي كبير نجح كثيراً والثنائي دريد لحام.
هو أصلاً على ما أعتقد لم يكن قابضاً يوماً الحياة على محمل الجد، وهؤلاء الرجال هم برأيي أهم من الحياة نفسها.
خسرنا شاعراً كبيراً
وخسرنا مسرحياً كبيراً.
رجل مديني، "كنت أهكل همو كثير حين يكتب وأقول لأصحاب مدري وين عايش هالرجل... عم بيروحوا الكبار والمبدعون، يا ريت الرب يخفف شوي عن المبدعين ويروح بطرفو نحو المجرمين..".

يعقوب الشدراوي : بيغرغر من الوجع والضحك

محمد الماغوط شاعر حداثي كبير، اعتقد انه واحد من الكبار بالحداثة الشعرية كما انه مسرحي كبير بيغرغر من الوجع والإضحاك وشخصياته مدروسة بشكل دقيق جداً.
الأهم انه يحكي بصدق ولا يعرف الكذب إطلاقا. يجب علينا أن نتأمل كثيراً في شخصيته ولدينا وقت كبير لندرسه ونعرفه جيداً.
التقيته ليس بعيداً، وزرته في منزله الدمشقي الجميل، وسألته حين أخبرته عن جائزة السلطان العويس لماذا تأخروا، فرد عليّ ضاحكاً سأصرف الجائزة كلها وسريعاً.. وحكينا، وضحكنا كثيراً حتى الوجع.

انطوان كرباج: من الذين عملوا "مجلة شعر"

محمد الماغوط أحد أكبر شعراء العالم العربي وخاصة فيما يتعلق بالقصيدة الحديثة. وكان من كوكبة الشعراء الذين عملوا مجلة شعر في مطلع الستينيات وعلى رأسها يوسف الخال، والتي ضمت معظم الشعراء الدين أحدثوا ثورة من خلال مجلة شعر على صعيد القضية النثرية.
يوسف الخال ومن حوله الماغوط وأدونيس وفؤاد رفقه وشوقي أبي شقرا ونذير عظمة وليلى بعلبكي ولور غريب.
المجلة أحدثت ثورة على صعيد قصيدة النثر وكان من المبرزين بينهم محمد الماغوط، وهو رائد القصيدة الحديثة في العالم العربي. تطرق إضافة الى الشعر الى المسرح وكان لي شرف أنا ويعقوب الشدراوي ان نطلع مع محمد الماغوط في مسرحية "المهرج"، ومسرحية "المارسيز العربي" وقد عُرضت الأخيرة في بيروت وتوقفت في 13 نيسان 1975.
بقيت على اتصال مع محمد الماغوط، وموته شيء مؤسف جداً. سألني آخر مرة متى تزورني، وسألته هل عندك مسرحية لي جديدة. فقال لي بالتأكيد. كنت على وشك أن أطلع اليه أواخر هذا الأسبوع. فاجأني الخبر المفجع..
محمد الماغوط، خسارة كبيرة للشعر والأدب والمسرح خسارة لا تعوّض.

زاهي وهبي : عالم لا يجيد الاحتفاء بالشعر والشعراء

رأيته قبل أيام في دبي مثقلاً بتعب السنين والمرض يصعد الى المسرح كفارسٍ هرم لاستلام جائزة سلطان العويّس، وما أن تحرك عن كرسّيه حتى ضجت الصالة بالتصفيق لهذا العملاق الذي ظلّ شاباً نضِراً كما القصيدة. وظل حاضراً في حياتنا ويومياتنا رغم نأيه وابتعاده واختياره ما يشبه العزلة احتجاجاً على هذا العالم الذي لا يجيد الاحتفاء بالشعر والشعراء إلا وهم على مشارف الوداع.
أحببته قبل أن أعرفه. وبعد أن عرفته، في حياته وفي موته شاعراً يستحق التصفيق الحار.

غسان جوّاد : دهشة العادي

لحظة صادمة أن يرحل محمد الماغوط.
خسارة كبيرة خاصة لجيل الشباب العربي وأنا واحد من هذا الجيل قرأت محمد الماغوط وأحببته.
كان شعره أقرب الى روح الشباب. هذه اللغة الواقعية السحرية، والتي فيها الكثير من العبث والخبطات الشعرية العالية.
محمد الماغوط ذو أثر كبير على الشعر العربي الحديث وتحديداً شعر الشباب وتحضرني دائماً منه أبيات منها بيت "منهزماً كجيشٍ يجلس القرفصاء"..
إنها الصورة الماغوطية المبهرة على سهولة وعلى دهشة العادي.

يتبع ...>

أعلى