لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

قاسم حداد بصوته قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع























































 

سميح القاسم

  • سيرة ذاتية
    سميح القاسم
  • مؤلفات الشاعر
  • حوار
  • مختارات شعرية
  • عن تجربة الشاعر
  • مقالات للشاعر
  • سميح القاسم، حسبك أن تتذكـر
  • تجربة مديدة في عالم الصحافة
  • الشاعر الفلسطيني يقاوم «موتاً عابراً»
       

    سيرة ذاتية

    سميح القاسم 
    يعد سميح القاسم واحداً من أبرز شعراء فلسطين، وقد ولد لعائلة درزية فلسطينية في مدينة الزرقاء الأردنية عام 1929، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. وعلّم في إحدى المدارس، ثم انصرف بعدها إلى نشاطه السياسي في الحزب الشيوعي قبل أن يترك الحزب ويتفرّغ لعمله الأدبي.

    سجن القاسم أكثر من مرة كما وضع رهن الإقامة الجبرية بسبب أشعاره ومواقفه السياسية.
    · شاعر مكثر يتناول في شعره الكفاح والمعاناة الفلسطينيين، وما أن بلغ الثلاثين حتى كان قد نشر ست مجموعات شعرية حازت على شهرة واسعة في العالم العربي.

    · كتب سميح القاسم أيضاً عدداً من الروايات، ومن بين اهتماماته الحالية إنشاء مسرح فلسطيني يحمل رسالة فنية وثقافية عالية كما يحمل في الوقت نفسه رسالة سياسية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي فيما يتعلّق بالقضية الفلسطينية.

    مؤلفاته

    أعماله الشعرية:

    1. مواكب الشمس (مطبعة الحكيم، الناصرة، 1958م).
    2. أغاني الدروب (مطبعة الحكيم، الناصرة، 1964م).
    3. دمي على كتفي (مطبعة الحكيم، الناصرة، 1968م).
    4. دخان البراكين (شركة المكتبة الشعبية، الناصرة، 1968م)
    5. سقوط الأقنعة (منشورات دار الآداب، بيروت، 1969م)
    6. ويكون أن يأتي طائر الرعد (دار الجليل للطباعة والنشر، عكا، 1969م).
    7. رحلة السراديب الموحشة / شعر (دار العودة، بيروت، 1969م).
    8. طلب انتساب للحزب / شعر (دار العودة، بيروت، 1970م).
    9. ديوان سميح القاسم (دار العودة، بيروت، 1970م).
    10. قرآن الموت والياسمين (مكتبة المحتسب، القدس، 1971م)
    11. الموت الكبير (دار الآداب، بيروت، 1972م)
    12. وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم (منشورات صلاح الدين، القدس، 1971م).
    13. ديوان الحماسة / ج 1 (منشورات الأسوار، عكا، 1978م).
    14. ديوان الحماسة / ج 2 (منشورات الأسوار، عكا، 1979م)
    15. أحبك كما يشتهي الموت (منشورات أبو رحمون، عكا، 1980م).
    16. ديوان الحماسة / ج 3 (منشورات الأسوار، عكا، 1081م)
    17. الجانب المعتم من التفاحة، الجانب المضيء من القلب (دار الفارابي، بيروت، 1981م)
    18. جهات الروح (منشورات عربسك، حيفا، 1983م)
    19. قرابين (مركز لندن للطباعة والنشر، لندن، 1983م).
    20. برسونا نون غراتا : شخص غير مرغوب فيه (دار العماد، حيفا، 1986م)
    21. لا أستأذن أحداً (رياض الريس للكتب والنشر، لندن، 1988م)
    22. سبحة للسجلات (دار الأسوار، عكا، 1989م)
    23. أخذة الأميرة يبوس (دار النورس، القدس، 1990م)
    24. الكتب السبعة / شعر (دار الجديد، بيروت، 1994م)
    25. أرض مراوغة. حرير كاسد. لا بأس (منشورات إبداع، الناصرة، 1995م)
    26. سأخرج من صورتي ذات يوم (مؤسسة الأسوار، عكا، 2000م)

    السربيات:

    1. إرَم (نادي النهضة في أم الفحم، مطبعة الاتحاد، حيفا، 1965م)
    2. إسكندرون في رحلة الخارج ورحلة الداخل (مطبعة الحكيم، الناصرة، 1970م)
    3. مراثي سميح القاسم (دار الأداب، بيروت، 1973م).
    4. إلهي إلهي لماذا قتلتني؟ (مطبعة الاتحاد، حيفا، 1974م)
    5. ثالث أكسيد الكربون (منشورات عربسك، حيفا، 1976م).
    6. الصحراء (منشورات الأسوار، عكا، 1984م)
    7. خذلتني الصحارى (مطبعة فينوس، الناصرة، 1998م)
    8. كلمة الفقيد في مهرجان تأبينه (مؤسسة الأسوار، عكا، 2000م)

    أعماله المسرحية:

    1. قرقاش (المكتبة الشعبية، الناصرة، 1970م)
    2. المغتصبة ومسرحيّات أخرى (دار الكاتب، القدس، 1978م)

    الحكايات:

    1. إلى الجحيم أيها الليلك (منشورات صلاح الدين، القدس، 1977م)
    2. الصورة الأخيرة في الألبوم (دار الكاتب، عكا، 1980م)

    أعماله الأخرى:

    1. عن الموقف والفن / نثر (دار العودة، بيروت، 1970م)
    2. من فمك أدينك / نثر (الناصرة، 1974م)
    3. كولاج / تعبيرات (منشورات عربسك، حيفا، 1983م)
    4. رماد الوردة، دخان الأغنية / نثر (منشورات كل شيء، شفاعمرو، 1990م)
    5. حسرة الزلزال / نثر (مؤسسة الأسوار، عكا، 2000م)

    الأبحاث:

    1. مطالع من أنطولوجيا الشعر الفلسطيني في ألف عام / بحث وتوثيق (منشورات عربسك، حيفا، 1990م)

    الرسائل:

     2.  الرسائل/ بالاشتراك مع محمود درويش (منشورات عربسك، حيفا، 1989م)

    * * *

    مختارات شعرية

    سميح القاسم

    بطاقات معايدة إلى الجهات الست

    أُسْوَةً بالملائكةِ الخائفينَ على غيمةٍ خائفهْ
    في مَدى العاصفهْ
    أُسْوَةً بالأباطرةِ الغابرينْ
    والقياصرةِ الغاربينْ
    في صدى المدنِ الغاربَهْ
    وبوقتٍ يسيرُ على ساعتي الواقفَهْ
    أُسْوَةً بالصعاليكِ والهومْلِسّ
    بين أنقاضِ مانهاتن الكاذبَهْ
    أُسْوَةً بالمساكينِ في تورا بورا،
    وإخوتِهم، تحت ما ظلَّ من لعنةِ التوأمينِ،
    ونارِ جهنَّمها اللاهبَهْ
    أُسْوَةً بالجياعِ ونارِ الإطاراتِ في بوينس إيريسْ،
    وبالشرطةِ الغاضبَهْ
    أُسْوَةً بالرجالِ السكارى الوحيدين تحت المصابيحِ،
    في لندنَ السائبَهْ
    أُسْوَةً بالمغاربةِ الهائمينَ على أوجه الذلِّ والموتِ ،
    في ليلِ مِلِّيلَةَ الخائبَهْ
    أُسْوَةً بالمصلّينَ في يأسهم
    والمقيمينَ ، أسرى بيوتِ الصفيح العتيقْ
    أُسْوَةً بالصديقِ الذي باعَهُ مُخبرٌ ،
    كانَ أمسِ الصديقَ الصديقْ
    أُسْوَةً بالرهائن في قبضةِ الخاطفينْ
    أُسْوَةً برفاقِ الطريقْ
    أُسْوَةً بالجنودِ الصِّغار على حربِ أسيادهم ،
    وعلى حفنةٍ من طحينْ
    أُسْوَةً بالمساجين ظنّاً ،
    على ذمّةِ البحثِ عن تهمةٍ لائقَهْ
    أُسْوَةً بالقراصنةِ الميّتينْ
    بضحايا الأعاصيرِ والسفنِ الغارقَهْ
    بالرعاةِ الذين أتى القحطُ عاماً فعاماً
    على جُلِّ إيمانهمْ
    وعلى كُلِّ قُطعانهمْ
    أُسْوَةً بالشبابِ المهاجرِ سرّاً ،
    إلى لقمةٍ ممكنَهْ
    خارجَ الجوعِ في وطنِ الفاقةِ المزمنَهْ
    أُسْوَةً بالفدائيِّ أَوقَعَهُ خائنٌ في كمينْ
    أُسْوَةً بالنواصي التي جزَّها النزقُ الجاهليّ
    والرقابِ التي حزَّها الهَوَسُ الهائجُ المائجُ الفوضويّ
    أُسْوَةً بالمذيعِ الحزينْ
    مُعلناً ذَبْحَ سبعينَ شخصاً من العُزَّلِ الآمنينْ
    باسم ربِّ السماءِ الغفورِ الرحيمْ
    والرسولِ العظيمْ
    والكتابِ الكريمْ
    وصراط الهدى المستقيمْ
    أُسْوَةً باليتامى الصغارْ
    بالمسنّينَ في عزلةِ الزمنِ المستعارْ
    بينَ نارٍ وماءٍ.. وماءٍ ونارْ
    أُسْوَةً بالجرار التي انكسرتْ ،
    قبلَ أن تبلغَ الماءَ ،
    في واحةٍ تشتهيها القفارْ
    أُسْوَةً بالمياهِ التي أُهرقتْ في الرمالِ ،
    ولم تستطعْها الجرارْ
    أُسْوَةً بالعبيد الذينْ
    أَعتقتْهم سيولُ الدماءْ
    ثمَّ عادوا إلى رِبْقَةِ السادةِ المترفينْ
    في سبيلِ الدواءْ
    وبقايا بقايا غذاءْ
    أُسْوَةً بالقوانين ، تقهرها ظاهرَهْ
    بالبحارِ التي تدَّعيها سفينَهْ
    بالجهاتِ التي اختصرتْها مدينَهْ
    بالزمانِ المقيمِ على اللحظةِ العابرَهْ
    أُسْوَةً برجالِ الفضاءِ وحربِ النجومِ اللعينَهْ
    أُسْوَةً بضحايا الحوادثِ في الطرقِ المتعَبَهْ
    وضحايا السلامْ
    وضحايا الحروبِ وأسرارِها المرعبَهْ
    وضحايا الكلامْ
    وضحايا السكوتِ عن القائلينَ بحُكم الظلامْ
    وبفوضى النظامْ
    أُسْوَةً بالمياهِ التي انحسرتْ ،
    عن رمادِ الجفافْ
    والجذوعِ التي انكسرتْ ،
    واستحالَ القطافْ
    أُسْوَةً بالشعوبِ التي أوشكتْ أن تبيدْ
    واللغات التي أوشكتْ أن تبيدْ
    في كهوفِ النظامِ الجديدْ
    أُسْوَةً بضحايا البطالَهْ
    يبحثونَ عن القوتِ في حاوياتِ الزبالَهْ
    أُسْوَةً بالطيورِ التي هاجرتْ
    ثم عادتْ إلى حقلِهَا الموسميّ
    في الشمالِ القَصِيّ
    لم تجدْ أيَّ حقلٍ.. ولا شيءَ غير المطارْ
    والفراشاتُ ظلُّ الفراشاتِ في المشهد المعدنيّ
    ظِلُّ نفاثةٍ قابعَهْ
    خلفَ نفّاثةٍ طالعَهْ
    بعدَ نفّاثةٍ ضائعَهْ
    خلفَ نفّاثةٍ راجعَهْ
    لم تجدْ غير دوّامةٍ من دُوارْ
    أُسْوَةً بغيومِ الشتاءِ على موتها مُطبِقَهْ
    بالبراكينِ في آخرِ العمرِ.. مُرهَقةً مُرهِقَهْ
    بالرياحِ التي نصبتْ نفسها مشنقَهْ
    وتدلَّتْ إلى قبرِهَا
    بين قيعانِ وديانها الضيّقَهْ
    أُسْوَةً بالشعوبِ التي فقدتْ أرضَها
    بضحايا الزلازلِ والإيدز والجوعِ والأوبئَهْ
    أُسْوَةً بالبلادِ التي خسرتْ عِرضَها
    ومواعيدَ تاريخها المُرجأهْ
    في سُدى هيئةِ الأُمم المطفَأَهْ
    أُسْوَةً بي أنا
    نازفاً جارحا
    غامضاً واضِحا
    غاضباً جامحا
    أُسْوَةً بي أنا
    مؤمناً كافراً
    كافراً مؤمِنا
    أُسْوَةً بي أنا
    أرتدي كفني
    صارخاً: آخ يا جبلي المُنحني
    آخ يا وطني
    آخ يا وطني
    آخ يا وطني !

    (26/12/2001)

    *****

    الخفافيش

    الخفافيش على نافذتي،
    تمتصّ صوتي
    الخفافيش على مدخل بيتي
    والخفافيش وراء الصّحف
    في بعض الزوايا
    تتقصّى خطواتي
    والتفاتي

    والخفافيشُ على المقعد،
    في الشارع خلفي..
    وعلى واجهة الكُتب وسيقان الصّبايا،
    كيف دارت نظراتي!
    .......................
    الخفافيشُ على شرفة جاري
    والخفافيش جهازٌ ما، خبّيءٌ في جدار.
    والخفافيشُ على وشك انتحار.
    ......................
    إنّني أحفرُ درباً للنهار!

    ****

    تعالي لنرسم معا قوس قزح

    نازلاً كنت : على سلم أحزان الهزيمة
    نازلاً .. يمتصني موت بطيء
    صارخاً في وجه أحزاني القديمة :
    أحرقيني ! أحرقيني .. لأضيء !
    لم أكن وحدي ،
    ووحدي كنت ، في العتمة وحدي
    راكعاً .. أبكي ، أصلي ، أتطهر
    جبهتي قطعة شمع فوق زندي
    وفمي .. ناي مكسّر ..
    كان صدري ردهة ،
    كانت ملايين مئه
    سجداً في ردهتي ..
    كانت عيوناً مطفأه !
    واستوى المارق والقديس
    في الجرح الجديد
    واستوى المارق والقديس
    في العار الجديد
    واستوى المارق والقديس
    يا أرض .. فميدي
    واغفري لي ، نازلاً يمتصني الموت البطيء
    واغفري لي صرختي للنار في ذل سجودي :
    أحرقيني .. أحرقيني لأضيء

    نازلاً كنت ،
    وكان الحزن مرساتي الوحيدة
    يوم ناديت من الشط البعيد
    يوم ضمدت جبيني بقصيدة
    عن مزاميري وأسواق العبيد
    من تكونين ؟
    أأختاً نسيتها
    ليلة الهجرة أمي ، في السرير
    ثم باعوها لريح ، حملتها
    عبر باب الليل .. للمنفى الكبير ؟
    من تكونين ؟
    أجيبيني .. أجيبي !
    أي أخت ، بين آلاف السبايا
    عرفت وجهي ، ونادت : يا حبيبي !
    فتلقتها يدايا ؟
    أغمضي عينيك من عار الهزيمة
    أغمضى عينيك .. وابكي ، واحضنيني
    ودعيني أشرب الدمع .. دعيني
    يبست حنجرتي ريح الهزيمة
    وكأنا منذ عشرين التقينا
    وكأنا ما افترقنا
    وكأنا ما احترقنا
    شبك الحب يديه بيدينا ..
    وتحدثنا عن الغربة والسجن الكبير
    عن أغانينا لفجر في الزمن
    وانحسار الليل عن وجه الوطن
    وتحدثنا عن الكوخ الصغير
    بين احراج الجبل ..

    وستأتين بطفلة
    ونسميها " طلل "
    وستأتيني بدوريّ وفلـّه
    وبديوان غزل !

    قلت لي - أذكر -
    من أي قرار
    صوتك مشحون حزناً وغضب
    قلت يا حبي ، من زحف التتار
    وانكسارات العرب !
    قلت لي : في أي أرض حجرية
    بذرتك الريح من عشرين عام
    قلت : في ظل دواليك السبيه
    وعلى أنقاض أبراج الحمام !
    قلت : في صوتك نار وثنية
    قلت : حتى تلد الريح الغمام
    جعلوا جرحي دواة ، ولذا
    فأنا أكتب شعري بشظية
    وأغني للسلام !

    وبكينا
    مثل طفلين غريبين ، بكينا
    الحمام الزاجل الناطر في الأقفاص ، يبكي ..
    والحمام الزاجل العائد في الأقفاص
    ... يبكي
    ارفعي عينيك !
    أحزان الهزيمة
    غيمه تنثرها هبة الريح
    ارفعي عينيك ، فالأم الرحيمة
    لم تزل تنجب ، والأفق فسيح
    ارفعي عينيك ،
    من عشرين عام
    وأنا أرسم عينيك ، على جدران سجني
    وإذا حال الظلام
    بين عيني وعينيك ،
    على جدران سجني
    يتراءى وجهك المعبود
    في وهمي ،
    فأبكي .. وأغني
    نحن يا غاليتي من واديين
    كل واد يتبناه شبح
    فتعالي . . لنحيل الشبحين
    غيمه يشربها قوس قزح !

    وسآتيك بطفلة
    ونسميها " طلل "
    وسآتيك بدوريّ وفلـّه
    وبديوان غزل !!

    ***

    حاوره :
    طلعت سقيرق


    تتفاوت أدوات التعبير بتفاوت الزمن والتجربة
    هناك نقاد ساعدوني على معرفة ذاتي، أعني النقاد الذين لم يقتصر نقدهم على المعنى
    آمنت دائماً أن الدراما هي عنصر جوهري وأساسي في العمل الشعري
    في طفولتي عايشت مناخات وأجواء متعددة ومدهشة
    لايتحول الشاعر إلى رمز إلا من خلال قصيدته

    الحضور الأساسي للقصيدة وليس للشاعر
    أحبُّ المغامرة الفنية وأمارسها بكامل حريتي

    وكان الشعر عنقود فرح.. كان صرخة غضب.. وكان كما قال روزنتال: "إن الحياة التي تخلو من الشعر


    سميح القاسم وطلعت سقيرق

    لهي حياة غير جديرة أن تعاش"، أو كما قال جان كوكتو: "الشعر ضرورة وياليتني أستطيع أن أعرف لماذا" أو على رأي سومرست موم: "الشعر هو تاج الأدب، هو غايته ومنتهاه. إنه أرقى فعل يقوم به العقل البشري".. وكان لابد من لقاء الشاعر الكبير سميح القاسم ـ حاورته يوم الأحد 19/11/2000 ـ الشاعر الذي أعطى الشعر صفوة الروح والعمر، فانتصبت القصيدة شجرة عطاء لاينضب..
    ربما يبقى القول الأوجز في تعريف الشاعر الإنسان، والشاعر الصديق سميح القاسم، متمثلاً في أنه لايبرح الشباب وعنفوان الإنسان الممتلئ بالحيوية والمرح والأمل، ليكون شاعر المقاومة ورئة الكلمة الصامدة.. ويطول الحديث مع الشاعر الكبير سميح القاسم..
    أقرأ من دفتر شعره:
    طعام الشهيد يكفي شهيدين
    يا أمنا الريح .. ياهاجر المتعبه
    أعدي الطعام القليل لأبنائك العائدين على عربات المنافي
    خذي كفني شرشفاً للأواني العتيقة
    قومي افرشي للضيوف الأحبة كوفيتي..
    إنهم متعبون جياع
    أعدي لهم وجبة من بقول الخراب
    أعدي كؤوس العذاب
    وإبريق أحزانك المرعبه
    سيجمعنا الخبز والملح عما قريب
    وتجمع أشلاءنا لقمة العودة الطيبه
    وأفتح دفتر أمسية شاعرنا سميح القاسم التي امتد فيها الحضور دالية شغف.. ويحدثني عن علاقته الجميلة بالجمهور، عن القصيدة التي تشعل فتيل التواصل، فيكون الشعر أغنية ممتدة من الأعماق للأعماق..
    وإذا أردنا أن نوجز في التعريف عن شاعر مثل سميح القاسم نقول إنه عرف بمقاومته الدائمة للاحتلال الإسرائيلي، وسجن مرات عديدة، وفرضت عليه الإقامة الإجبارية والاعتقال المنزلي وطرد من عمله عدة مرات بسبب نشاطه الشعري والسياسي.. اشتغل معلماً وعاملاً وصحفياً.. أسهم في تحرير "الغد" و "الاتحاد" ثم رئس تحرير مجلة "هذا العالم" عام 1966، ثم عاد للعمل محرراً أدبياً في "الاتحاد" وسكرتيراً لتحرير "الجديد" ثم رئيساً للتحرير.. وأسس منشورات "عربسك" في حيفا مع الكاتب عصام خوري عام 1973، وفيما بعد أدار "المؤسسة الشعبية للفنون" في حيفا.. وهو اليوم رئيس مجلس إدارة تحرير "كل العرب" الصادرة في الناصرة، ورئيس تحرير الفصلية الثقافية "إضاءات"..
    صدر له أكثر من أربعين كتاباً في الشعر والقصة والمسرح والمقالة.. وصدرت أعماله في سبعة مجلدات عن ثلاث دور نشر في القدس وبيروت والقاهرة.. ترجم عدد كبير من قصائده إلى الانجليزية والفرنسية والتركية والروسية والألمانية واليابانية والإسبانية واليونانية والإيطالية والتشيكية والفيتنامية والفارسية ولغات أخرى.. حصل على الكثير من الجوائز عن شعره منها "غار الشعر" من اسبانيا، وجائزة البابطين للإبداع الشعري.. وأسأل..

    بعيداً عن المقدمات المعروفة في الأسئلة، أدخل مباشرة إلى صلب الموضوع لأطرح موضوعة تقول كيف ينظر سميح القاسم إلى مسيرة شعره.. ليتك تستحضر الناقد عندك؟؟..

    يجوز القول إن الشاعر هو أفضل ناقد لنتاجه، وهو أسوأ ناقد لنتاجه في الوقت نفسه.. أميل إلى إعفائي من الحالتين.. لكن استجابة لإلحاح سؤال كهذا أستطيع القول أو التحدث عن الأمور العائمة على السطح، كتحول القصيدة من الإيقاعات الحادة والألوان الزاهية والقوية في مرحلة الصبا والشباب، إلى حالة التداخل الإيقاعي والتداخل اللوني.. خفوت الصوت بعض الشيء واقتحام ألوان الشك لمواقع اليقينية المطلقة التي تميز روح الشباب.. لكن يبقى هناك الخط السري الذي يصل بين القصائد الأولى والقصائد الجديدة بدون شك.. بكلمات أخرى تتفاوت أدوات التعبير بتفاوت الزمن والتجربة وتراكم معرفي ووجداني هو من طبيعة الحياة.. ويبقى الهاجس الأساسي، هاجس الحرية والعدل الإنساني، بحيث يشتبك السياسي بالوجداني بالمجرد بالمطلق، والشك باليقين.. هذه سمة تجربتي بخطوط عريضة بين الأمس واليوم..

    تأخذني هنا للسؤال عن النقد والنقاد.. كثيرون تناولوا شعرك.. تجربتك الشعرية درست بغزارة.. هل وصل النقاد إلى العمق.. ماذا أخذت من هذا النقد، مارأيك فيه؟؟

    هناك نقاد ساعدوني على معرفة ذاتي بدون شك وأعني النقاد الذين لم يقتصر نقدهم على المعنى، ولا على الخطوط العريضة في الشكل، بل تعمقوا في هذه التجربة واستشفوا أموراً تتصل بالذات بالسايكولوجي، باللغة.. وعلى سبيل المثال فوجئت بدراسة كبيرة من ناقدة وباحثة أمريكية هي الأستاذة تيري دي يونك التي كتبت دراسة عميقة وهامة بعنوان "سميح القاسم وتحديث الجناس" حيث نظرت في تحديث الجناس العربي في قصيدتي، وبهذا لفتت نظري إلى مسألة كنت أعيشها دون أن أنتبه لها، وهي مسألة المحاولة المستمرة لتكوين حداثة على أسس تراثية أصيلة، حداثة لاتتنكر للماضي، ولاتتقزم أمام حداثة الآخر الغربي أو الأجنبي، لكن تكون ذاتها من خلال التجربة في سياق عملية الكتابة وبالرجوع بقدر كبير من الحب والحنين إلى مقومات فنية متوفرة في تراثنا بشكل ملحوظ..

    في شعرك دراما.. لنقل هناك إصرار على محاورة الذات الخارجة عن الذات الشاعرة، أي ذات المتلقي.. هذا يشدّ السامع أو القارئ؟؟

    آمنتُ دائماً بأن الدراما هي عنصر جوهري وأساسي في العمل الشعري، وقد يعود ذلك إلى بدايات ثقافتي الشعرية، قد يعود ذلك مثلاً إلى مغني الربابة الذي سمعته في بيت جدي، وتتبعت أداءه عبر وجو الحضور.. أيضاً أنا أحب المسرح، وقد كتبت المسرح من وقت لآخر. فمن الطبيعي أن يكون العنصر الدرامي قائماً، وهي مسألة أشار لها معظم النقاد الذين كتبوا عن تجربتي.. نعم إنه شديد الحضور في قصيدتي.. والعنصر الدرامي حتى في صيغة المونولوج يفترض ويستدعي الآخر..

    ألاحظ أن قارئك ومستمع شعرك يعيش فسحة الشعور بأنه كاتب القصيدة، مشارك في صياغتها، كأن القصيدة تنبع منه هو.. ألا تطرح هذه النقطة تساؤلاً؟؟..

    أنا معك في ذلك.. هنا تدخل نظرية التقمص.. وهي نظرية بدون شك تنبع من خلال تراث الموحدين وقد كان لي أن نشأت في بيئة مدهشة في تنوعها وتعدديتها.. نشأت بين جد فقيه علامة في شؤون الدين وجد علماني حداثي بشكل متطرف.. في الحقيقة في طفولتي عايشت مناخات وأجواء متعددة ومدهشة في رحابتها وفي ثرائها، وهذا بطبيعة الحال انعكس أيضاً في تجربتي، وهذا ماساعدني بعض النقاد على رؤيته من أنني أستفيد كثيراً من الرموز الدينية القرآنية والتوحيدية والمسيحية وحتى من البوذية ومن ديانات قبائل الإنكا.. قصيدتي بالطبع لاتستطيع أن تكون إلا علمانية كصاحبها، لكن لم تجد هذه القصيدة غضاضة في وجود هذا التداخل، هذا التنوع الجميل في رأيي بين القرآن الكريم وأبي ذر الغفاري وكارل ماركس وابن خلدون.. جمعت مايبدو مجموعة من التناقضات، لكن هذه التناقضات وجدت صيغة من التناغم، من التعايش، من خلال تجربتي..

    هناك شعراء يتحولون إلى رمز، أنت واحد منهم..

    لايتحول الشاعر إلى رمز إلا من خلال قصيدته.. في الحقيقة الشاعر يستفيد من "قصيدته" في هذا.. الحضور الأساسي للقصيدة وليس للشاعر.

    ربما أشير هنا إلى هذا التواصل والتماهي الحميم بينك وبين الجمهور.. ومن ثم فالشاعر هو صاحب القصيدة؟؟..

    أولاً أنا سعيد بهذا التواصل الحميم بين قصيدتي والجمهور.. وهذه المشاركة تنجم أيضاً عما يجوز تسميته بالتماهي بين ذاتي وذات الآخر.. هناك شيء من التماهي لم أخطط له.. لكن كما يبدو من ردود الفعل على هذه القصيدة يبدو أن هناك تماهياً إنسانياً ووجدانياً وفكرياً أيضاً بيني وبين عدد كبير من الناس..

    في سنوات مضت اعتبرت غزيراً في نتاجك، ثم بدأت في الإقلال والتأني.. برأيك ماهو سبب التحول إلى الإقلال؟؟

    أعتقد أن هناك خطأ بصرياً في الشطر الأول من عمري، ربما كنت أكتب القصائد بالمقاييس العادية وبتوهج الشباب.. كل قضية تصادفني تتفجر من خلال قصيدة.. بمرور الزمن تصورت لدي صيغة السربية أو المطولة حيث ظهرت سربيتي الأولى "إرم" لكن لم أعتمدها شكلاً أساسياً إلا في العقدين الأخيرين.. وهذا الشكل من المطولات الشعرية السربيات التي تقوم على التداعي ولاتقوم على وحدة الشكل، تقوم على تعددية الحالات واللمحات والإيقاعات والأشكال، لكن ينتظمها هاجس واحد أساسي من بدايتها حتى نهايتها مع تشعبات واستطرادات كثيرة في الشكل وفي المضمون وفي الصور. هذا هو الشكل الذي أسميته بالسربية والذي كما يبدو استراح له عدد من الشعراء، من أصدقائي الشعراء، ومنهم شعراء كبار تبنوا هذا الشكل وكتبوا به.. لذلك أصبحت عناويني أقل غزارة.. لكن العمل الشعري حافظ أو ربما صعد من وتيرته..

    أقرأ هنا في كتابك الشعري الجميل:
    تقدموا.. تقدموا
    كل سماء فوقكم جهنم
    وكل أرض تحتكم جهنم
    تقدموا..
    يموت منا الشيخ والطفل
    ولايستسلم
    وتسقط الأم على أبنائها القتلى
    ولاتستسلم..
    تقدموا..
    بناقلات جندكم..
    وراجمات حقدكم
    وهددوا..
    وشردوا..
    ويتموا..
    وهدموا..
    لن تكسروا أعماقنا
    لن تهزموا أشواقنا
    نحن قضاء مبرم..

    lمن قصيدتك "رسالة إلى غزاة لايقرؤون".. أسأل: الانتفاضة كتبها سميح القاسم بتميز.. ماأثرها على أدبك بشكل عام، وعلى أدبنا الفلسطيني بامتداده؟؟..

    هناك نقاد كثيرون بحثوا عن إرهاصات الانتفاضة في قصائدنا، في الشعر العربي الفلسطيني، وألمحوا إلى مقاطع وإلى أبيات وإلى قصائد كأنما بشرت بالانتفاضة وحرضت عليها، وهذا اقتراح مشروع ومبرر عند الناقد.. لكن الانتفاضة الأولى لم أكن مراقباً فيها بل أتيح لي أن أشارك في بعض فعالياتها. لذلك قصيدة "رسالة إلى غزاة لايقرؤون" كانت من قلب الحدث وعرفت بشكل واسع..

    أعتقد أنها قصيدة الانتفاضة، وأنها أول قصيدة عن الانتفاضة؟؟

    كانت أول عمل شعري متكامل كتب في قلب الانتفاضة، وبدأت إيقاعاته على إيقاع قنابل الغاز والرصاص المطاطي والشظايا التي كانت تتطاير من حولي في القدس.. إيقاعاتها بدأت هناك.. أخذت إيقاع الشارع وإيقاع المظاهرة ورائحة الغاز المسيل للدموع التي دخلت رئتي.. كأنما كل هذه الأمور كتبت نفسها في هذه القصيدة.. رغم البساطة الظاهرية والمباشرة الفنية الموجودة فيها دون شك..

    إنها من نوع الشعر الذي نطلق عليه تسمية السهل الممتنع؟؟

    قد تكون تسمية السهل الممتنع هي التسمية الأدق نعم.. بحيث يعتقد كل قارئ أنه يستطيع أن يكتبها، ولكن اكتشفت أنا شخصياً أنني لاأستطيع أن أكتبها مرة أخرى.. لاأستطيع أن أكتب مثلها مرة أخرى.. هذه القصيدة لم تكن من خارج الانتفاضة، بل كانت من داخلها وكانت إيقاعها وكانت لحمها وكانت دمها، لذلك بقيت وترددت كثيراً.. هي قصيدة الانتفاضة بالفعل.. في كل أمسية شعرية أطالب بقراءتها، أحياناً أشعر بضيق، أريد أن أقرأ شيئاً جديداً مختلفاً، ويصر الجمهور على قراءتها.. أحياناً أدعي أنها ليست معي لأتهرب..

    لكن لاتنسى أن الجمهور صار يحفظها.. فهو يردد معك ماتقرأ حين تقرأها..

    نعم حين أقرأ هذه القصيدة يرددون معي.. نعود لشعر الانتفاضة بشكل عام.. ليس بالضرورة أن كل مايكتب عن الانتفاضة هو شعر جيد، وليس بالضرورة أن يكون الموضوع العادل والجميل والجيد كافياً لتبرير قصيدة. هناك قصائد جيدة كتبت عن الانتفاضة، وهناك قصائد رديئة كتبت عن الانتفاضة. الانتفاضة تحولت إلى هاجس ليس في الشعر الفلسطيني فحسب بل في الشعر العربي ككل، لأنها تحولت من حدث سياسي إلى هم قومي ووطني وإنساني.. فوجئت في بلجيكا بشاعر يقرأ لي قصيدة عن الانتفاضة باللغة الفرنسية، فوجئت بألمانيا بشاعر ألماني يقرأ لي قصيدة عن الانتفاضة بالألمانية.. فوجئت في أكثر من بلد أجنبي بشعراء وشاعرات كتبوا قصائد بعنوان "انتفاضة" لفظ الكلمة بالعربية وبحروف أجنبية..

    قد أقف هنا عند نوع من الأدب الإسرائيلي الذي كتب عن الانتفاضة.. ماذا نقول عن هذا الأدب أو هذا النوع؟؟

    ليس لدي قدر كاف من العنصرية بحيث أنفي الصدق عن كل ماكتب، قد يكون هناك شاعر عبري شعر بالفعل بالإهانة من تصرفات دولته وجيشه وشرطته واستفذ وكتب قصيدة صادقة، قد يكون ذلك.. لكن على العموم تظل الكتابة العبرية بمعظمها نوعاً من تبرئة الذمة، تسجيل موقف، ولم يزل هناك وقت حتى يتحول الإنسان الفلسطيني والإنسان العربي إلى هم حقيقي أو إلى نقطة قلق عند الكاتب الإسرائيلي.. ما زال يكتب بفكره وبآرائه وأشك في أن يكون الإنسان العربي قد تحول إلى هم وجودي عند الكاتب العبري..

    قيل الكثير عن الأدب المقاوم، لن أدخل في التوصيفات الجاهزة.. لكن هناك من رأى بشيء من الغباء ربما أن الأدب المقاوم كله سيطير بنفخة حين يحل السلام.. أصر على أنه رأي عجائبي.. لكن هنا أريد أن أسألك ماذا تقول عن هذا الأدب حاضراً ومستقبلاً؟؟.

    لنقل لهذا الرأي العجائبي أولاً ليسترد شعبنا حقوقه وليطر أدب المقاومة في الهواء!!.. نحن لم نطلب النكبة ولم نطلب النكسة ولم نطلب الكوارث لنقاومها ولنكون شعراء مقاومة.. وثانياً نحن لم نطلق على أنفسنا شعراء المقاومة أو أدباء المقاومة التسمية أطلقت علينا من الخارج ونعتز بهذا اللقب، وأولئك الذين يقفون هذا الموقف من أدبنا هم محرجون، نظروا لنوع آخر من الأدب ولم تقدم نظرياتهم إبداعاً استحق الحياة أو استحق الوجود، بالمقابل ظهرت ظاهرة شعرية وأدبية أقبل عليها الشعب العربي والقارئ العربي وعانقها وأحبها واحتضنها وحفظها عن ظهر قلب، لذلك اعتبروا هذا الأدب كأنما هو صخرة تحطمت عليها أمواجهم وتطايرت عليها رذاذاً.. أنا مع تعايش التجارب الأدبية، ليبدع كل من شاء كيف شاء، لاأضع مواصفات للشعر ولا للنثر ولا للنقد، أقول قصيدتي كما يقولها زملائي، بتجربتنا، بطاقتنا الفنية، بوعينا وبوجداننا، ونتابع الحياة كما ينبغي أن نتابعها، ولكن كما يبدو فإن السلام والحرب معاً لا يستطيعان محو وجدان شعب وذاكرة شعب، نرجو أن تنتهي الانتفاضة إلى نصر وألا يضطر شعبنا إلى الانتفاض على الاحتلال طبعاً من خلال زوال الاحتلال.. لكن أعتقد أن جمهور الشعر العربي سيحن دائماً إلى نماذج كثيرة من شعر الانتفاضة وسيحفظها عن ظهر قلب بمثل مايحفظ صورة جده وجد جده، مضى الأجداد من العالم ومازالت صورهم في قلوبنا وفي منازلنا وفي دفاترنا وفي مكتباتنا، لذلك أعتقد أن التعامل النقدي مع هذه التجربة يجب أن يكون أرقى وأكثر صدقاً وبعيداً عن العقد الذاتية والإحباطات والشعور بالقزامة أمام هذه التجربة أو تلك..

    حبك للتجديد واضح جلي في شعرك ونثرك.. مامفهومك للتجديد من جهة وللحداثة من جهة أخرى؟؟..

    أنا بطبعي ملول، هذا ينعكس على تجربتي.. لاأحب التكرار، أحب المغامرة الفنية وأمارسها على مزاجي وبكامل حريتي وأحترم حس الآخرين بالمغامرة الفنية.. لذلك من الطبيعي أن يلتقي في تجربتي المناخ الكلاسيكي بالمناخ الحديث، السريالية بالواقعية الاشتراكية.. هذه شخصيتي في الحياة..

    أخيراً أنت من الأسماء القليلة جداً التي عرفت بشكل واسع لتكون نجماً.. أسأل ماتأثير النجومية على شعرك وأدبك.. ألا تشعر بأن حب الناس يحاصرك ويطالبك بالمزيد دائماً؟؟..

    تسمية النجومية تسمية من خارجنا.. أما تأثير هذه "النجومية" ـ أصر الشاعر سميح القاسم على وضعها بين قوسين ـ فربما لاشيء، فهي لاتؤثر على القصيدة وعلى السلوك الشخصي.. برأيي فقط الإنسان الضعيف، ضعيف الشخصية، تسكره النجومية وتفقده القدرة على الاتزان.. الأمر الأساسي عندي هو هذا الاكتشاف الجميل لأصدقاء لقصيدتي، في كل مكان أذهب إليه هناك أصدقاء محبون أوفياء لهذه القصيدة وهذا عزائي الوحيد..
    وتبقى القصيدة طائر العمر ونسمع من الشاعر القاسم:
    هلا .. ياهلا
    إلى عرسنا .. أولاً ..
    إلى شمسنا .. أولاً ..
    إلى قدسنا .. أولاً ..
    هلا .. ياهلا ..
    بأبيض
    أسود
    أخضر
    أحمر
    طعام الشهيدة يكفي شهيدين
    والله أكبر
    الله أكبر
    الله أكبر..

    ***

    عن تجربة الشاعر

    سميح القاسم:
    زمن الحجارة .. دراسة في شعر الانتفاضة

    سليم الحسني

    في (قصيدة الانتفاضة) للشاعر سميح القاسم، نقرأ خطاباً حماسياً ساخناً، يحاول به الشاعر ان يستوعب حدث الانتفاضة، من خلال اخضاعه لحالة التصادم بين الطرفين. وقد توافر القاسم في خطابه على حس ثوري متحد، حرص ان يكون بنفس درجة الانتفاضة، من حيث قوة الموقف وسرعة الحركة وسعة الآثار.

    عندما نقرأ شعر القاسم في مراحله التاريخية المختلفة، وصولا الى (قصيدة الانتفاضة)، فاننا نكتشف بانه كان يسعى لتقديم اطروحة شعرية عن الثورة. ولم يؤسس هذه الاطروحة بشكل منفرد وبنظرة خاصة منطلقة من رغبة في الخروج على واقعه المرير.. او على أمنية داخلية متعلقة بحالة النصر، انما استند في ذلك على رؤية قومية تميز بها.. وتحرك من قاعدتها وعلى ضوئها في التعبير عن اطروحته الثورية التي أخذت الكثير من تفكيره واستقراءاته، وهذا ما يتضح من خلال ثبات المضامين الشعرية التي كتبها في فترات زمنية مختلفة.. حيث نجد بقاء الفكرة والموقف على ما هما عليه، دون تغير في الاسس، رغم تبدل الصورة التي تستوعب كلا منهما او كليهما. مما يشير الى عمق التصور الذي كونه الشاعر حول مسيرته.. والى ايمانه بخط التحرك الذي سلكه منذ البداية.

    في بعض الفترات كانت ثمة مواقف تبدو مظلمة، حيث يسيطر احساس الانكسار على الشاعر بدرجة ملحوظة، عندما يتحدث عن واقعه، ويتنقل عبر نقاطه على مشاهد المأساة والحزن والألم. لكن اعترافاته بالهزيمة، لا تشكل انهياراً ذاتياً يجعله يسقط في حالة اليأس التام، فتتلاشى طموحاته واحلامه.. وتموت في داخله اطروحته الراسمة طريق الغد.

    ان ذلك لم يحدث بهذه الصورة المخيفة.. وان ما ظهر من نتاج الشاعر في هذا الخصوص، انما مشاعر مشتركة بين كل ابناء البلاد العربية والاسلامية، تولدت عبر حقب تاريخية متلاصقة، نتيجة مواقف الهزيمة التي صنعها الحكام. ولم يعد بامكان أي انسان على هذه الخارطة المترامية، الا ان يبوح بهذه المشاعر التي تزدحم في قلبه ويعجز عن حبسها.

    لقد كان القاسم يصف الواقع العربي.. يتحدث عن التردي الذي احاط به كأنسان ينتمي لفلسطين ولغير فلسطين. وكان في حديثه عن الألم يحاول ان يسحب بطريقة سرية مسمار الامان ليفجر العبوة.

    وهو في هذا الاتجاه الذي يتناول فيه مظاهر الهزيمة والضعف في الواقع العربي، يقدم مظهرين متقابلين لحالة القضية الفلسطينية. وكأنه يريد ان يعلن مظلومية فلسطين على أكبر مساحة مرئية، ليثير ما يستطيع اثارته من مشاعر التعاطف، ومن ثم التفاعل معها، حتى لا تضيع في النسيان، ولتظل شاخصة أمام الأعين وحية في الضمائر.

    في المشهد الأول، يقارن بين اليهود وشعب فلسطين.. بين التاريخ والحاضر. حيث يتحدث عن التيه اليهودي الذي استقر فيما بعد في فلسطين، بينما تشرد شعبها في الارض وصار هو الغريب. يقول في قصيدة (غرباء):
    سنوات التيهِ في سيناء كانت أربعين
    ثم عادَ الآخرون
    ورحلنا.. يوم عاد الآخرون
    فالى أين؟.. وحتامَ سنبقى تائهين
    وسنبقى غرباء؟
    وفي قصيدة (بوابة الدموع) يقدم المشهد الثاني الذي تتحرك مفرداته داخل فلسطين بشكل رئيس:
    أحبابنا.. خلف الحدود
    ينتظرون حبةً من قمحهم
    وقطرةً من زيتهم.. ويسألون
    كيف حال بيتنا التريك
    وكيف وجه الأرض.. هل يعرفنا اذا نعود؟!
    يا ويلنا..

    امَ شعب لاجىء شريد
    يا ويلنا.. من عيشةِ العبيد
    فهل نعود؟ هل نعود؟
    انه في المشهدين ينتهي الى تساؤلات حائرة، خالية من الجواب.. تساؤلات حول المكان والزمان والمصير، وهي أقسى مفردات الضياع والغربة، واشدها ألماً، واكثرها ضغطاً على الاعصاب.

    ين نحدق فيما رسمه الشاعر، لا نملك الا ان نسلم ـ للوهلة الاولى على الأقلـ ان المأساة قد أخذت كل قلبه ومشاعره.. فسقط حائراً أو يائساً، فلم يكتشف وجهة الغربة ومحطاتها القادمة، ولم يقدّر مدتها الزمنية، ولا يستطيع ان يتكهن بالمصير. فوقف ازاء مجاهيل مظلمة.

    ان بالامكان ان نقرر بصورة نهائية سقوط القاسم ضحيةً لليأس، معتمدين على الوثيقتين اللتين كتبهما بنفسه. لكن سعة المشروع الثوري الذي بلوره بتعب ودقة خلال فترة زمنية طويلة من النتاج الشعري، تجعلنا نتريث.. ونبحث في الرؤية الحقيقية التي اعتمدها في رسم اشكاله اليائسة.

    لا نتردد في القول: ان الشاعر كان من الضروري ان يلجأ الى هذا الاسلوب.. ان يسلط اضواءه على جوانب المأساة الفلسطينية.. ان يظهرها للعيان بكل ما تعينه قواه. لأن ما حدث لفلسطين ليس شيئاً عادياً، ولأن فلسطين تحتاج الى تعامل حسي مرهف مع قضيتها، والى عين جوّاله في مناطق الألم، وأذن سماعة لكل آهة حزن.. انها تحتاج الى هذا وذاك حتى يمكن ان تبقى فلسطين حية في الوجدان الانساني، قضية غير قابلة للتمييع، خصوصاً وأنها مستهدفة عربياً ودولياً.. ومحاطة بقدر كبير من محاولات الاستيعاب والانهاء بالطرق المستحبة رسمياً المحرمة جماهيرياً.

    لابد لأي شاعر يكتب عن فلسطين ان يحترم هذا القانون.. ان يحترم الألم الفلسطيني، من أجل ان يثبت شهادته بان فلسطين ما زالت كما هي مأساة متحركة وجرحاً ندياً نازفاً. وقد فعل ذلك كل الذين كتبوا عن فلسطين. لكن الاختلاف حصل في النسبة، فمنهم من وقف عند الجوانب الحزينة حتى صارت ابرز ملامح شعره.. ومنهم من مرّ سريعاً فترك خلفه لمسة.

    ولسنا بصدد تحديد المواقع، لنضع القاسم مكانياً على هذا السلم الطويل، لكننا نجد انه التزم بالقانون الاسبق، وثبّت في الذاكرة حالة فلسطين وشعبها في اوقات الهزيمة المرة وفي سنوات المحنة الخطيرة التي تعرضت لها وما تزال.

    لقد كان ذلك منذ زمن يقرب من ربع قرن، ثم عاد اليه لشاعر في فترات لاحقة من أجل ان يركز في الذاكرة ما قد تزيله السنوات.

    يتألف المشروع الشعري في الثورة لسميح القاسم من ثلاثة اجزاء متميزة. يشمل الأول الدائرة الشخصية وايمانها العميق بقيم وثوابت يلتزم بها الشاعر.. ويتحرك الجزء الثاني على العلاقة الترابطية الوثيقة بين الماضي والحاضر، حيث يؤكد الشاعر القيمة التراثية الكبيرة للتاريخ ودوره الدافع للاحداث ضمن عملية صنع الحاضر، وذلك وفق منظور قومي صرف. ويشغل هذا الجزء المساحة الاكبر من المشروع.. اما الجزء الثالث فانه يتركز حول حتمية الانتصار في المستقبل، والذي جاءت الانتفاضة لتحتل موقع المستقبل الذي انتظره وبشّر به في الجزئين السابقين.

    في البداية.. يثبت الشاعر قناعاته الخاصة وايمانه بالقيم المعنوية الموضوعية التي يتعامل معها بنفس حتمي، دون ان يضع احتمالا للمراجعة او اعادة النظر، بل انه يمنحها صفة القانون، ويفسر على ضوئها الاسباب ويقدم نتائج يراها منطقية للمواقف والقضايا. فنراه يتعامل مع الحياة على انها تتحدد على اساس الموقف النضالي. حيث يعتبر ان النضال هو المقياس الكبير لاستمراريتها، وبدونه تتلاشى الحياة وتنتهي، لأنها تفقد صفتها المتحركة وتتحول الى مجرد اشارات بليدة خالية المعنى.

    في قصيدة (لأننا) المكونة من رباعية واحدة، يفسر الشاعر احساسه بالموت نتيجة تفتت عناصر الحياة وابرازها عنصر النضال:
    أحسُ أننا نموت
    لأننا.. لانتقن النضال
    لأننا نعيد دون كيشوت
    لأننا.. لهفي على الرجال.

    انه ينظر الى حياته على انها ماضية في التلاشي لضعف الممارسة النضالية، وبروز عناصر سلبية اخرى تتعارض مع حقيقة النضال وروحيته العالية.

    ان الموقف يمتلك قيمة حيوية كبيرة، بحيث يشمل الحياة على اتساعها وتعدد ادوارها، بل انه يتسع ليتجاوز دائرة الحياة نفسها، باعتباره يمثل قضية مستقلة لا تخضع لقوانين الزمن والحياة.

    في قصيدة (الذي قتل في المنفى كتب لي) يتضح من العنوان ان الموت لم ينه دور المقتول، بل يستمر مع الآخرين الذين يعرفهم. مما يعني بقاء عناصر الحياة في داخله، وان الموت الذي فرضه الاعداء على السجين كان شكلياً، لأنه دون الاستلاب الروحي لشخصية المناضل.

    في القصيدة يتحدث الشاعر عن قيمة التحدي، فيجعلها تمثل قيمة حية غير قابلة للحذف، رغم كل المحاولات المعادية. حيث تتزايد اساليب التعذيب حتى يموت السجين، لكنه يظل محافظاً على موقف التحدي المتمثل في (جبينه المرفوع).

    قتلوني ذات يوم
    يا أحبائي.. لكن..

    ظل مرفوعاً الى الغربِ.. جبيني.

    ان الموقف عنده أهم من الحياة، لأنه سيبقى محركاً لها، صانعاً مواقف اخرى في الطريق النضالي. فلقد توقف التعذيب وانتهت ممارسات الاعداء لحظة موت السجين جسدياً.. لكن موقفه ظل مستمراً شاخصاً في الحياة.

    ويقدم الشاعر في قصيدة (رسالة من المعتقل) قناعات اضافية تسير في نفس الخط. فاذا كان في المرة الاولى قد اعتبر ان الموقف النضالي أهم من الحياة، فانه هنا يعزز الرؤية السابقة، حيث يعتبر ان الاجواء النضالية هي الوسط الذي تولد فيه الحياة.

    وعلى هذا فان السجن الذي يشكل المحطة الطبيعية للمناضلين يتحول الى ساحة للولادة، وليس كما اعتادت النظرة العامة ان ترى فيه منطقة الموت والنهاية التعيسة للداخلين اليه. بل ان السجن حسب تصور الشاعر سيواجه التهديد امام الانبعاث الثوري الذي يولد في داخله.

    لكني أومن يا أماه
    أومن.. أن روعة الحياة
    تولد في معتقلي
    أومن أن زائري الأخير.. لن يكون
    خفاش ليل.. مدلجاً. بلا عيون
    لا بدّ.. ان يزورني النهار
    وينحني السجان في انبهار
    ويرتمي.. ويرتمي معتقلي
    مهدماً.. لهيبة النهار!!
    انها ليست أمنيات تتفاعل في نفس السجين كعزاء يومي يكرر الفاظه مع نفسه حتى لا يسقط في اليأس ويفقد معنى الحياة، كما فقد الحرية.. انها ليست كذلك، انما هي رؤية ايجابية منطلقة من قناعة الشاعر بحتمية التحول الكبير الذي سيفرض ذات يوم على الواقع، فيغير ملامح الحياة الكئيبة، مستبدلا اياها بالمظاهر المشرقة. انها حتمية انتصار الاستضعاف الذي سينهي عصر الطواغيت.

    لقد ترك الواقع العربي بافرازاته المتردية عبر حقب زمنية متلاحقة، شعوراً انهزامياً في داخل الانسان، بحيث ان التخلص من آثار الهزيمة النفسية اصبح مشكلة كبيرة قائمة في الساحة، وللدرجة التي أحيطت بها محاولات الخلاص بالتشكيك والانتقاص. لأن اي محاولة لا تستطيع ان تتجاوز ركام التردي الهائل الذي نظرت اليه الأعين على انه باق لايمكن تجاوزه من خلال التوافر على احساس حماس او رغبة اصلاح.. لأن مثل هذه الأحاسيسس والرغبات تعبّأ بها الانسان العربي بعد كل نكسة وقبل هزيمة، فلم يرّ تغيراً محسوساً، انما وجد نفسه يسير في خط تراجعي مخيف. فكانت النتيجة ان فقد الثقة بامكانية الانتقال الى واقع أفضل في ظل الركود العام الذي يحكم محيطه السياسي والاجتماعي والفكري. وقد تسربت الشكوك الى نفسه، فخف عنده احساس القوة والثقة بالنفس، أو تلاشى هذا الاحساس في بعض الاوساط.

    ان أخطر ما في الهزيمة النفسية، تحولها الى حالة عامة تسيطر على تفكير المجتمع. ففي ذلك اقرار بانعدام امكانية النصر، ما لم تحدث نقلة نوعية هائلة في الواقع العربي، فتقلب التصورات والرؤى، وتشكل من جديد قناعات بديلة بنفس ايجابي متطلع.

    لم تكن هذه الاوضاع القاسية بعيدة عن الشاعر، فلقد عانى منها بحكم تبعيته لهذا الواقع وتأثره بحركته ومعادلاته، فتسربت اليه الشكوك وآثار الاحزان، مما اضعفت عنده بعض الشيء ايمانه بحتمية الانتصار كقضية فلسطينية. لكن منطلقاته الثابتة الصادرة من قناعاته السابقة، استطاعت ان تحافظ على معنوياته، فنظر الى ان مسألة حتمية بالنسبة للانسان.. حيث تعامل مع الجانب الاوسع للحتمية.. مع الجانب الانساني الكبير الذي لا يتحجم بدائرة الساحة العربية وخصوصيتها القومية، بل يشمل عالم الانسان كله، وعند ذاك اطمأن الى وقوع النصر ذات يوم.

    م الشكّ.. ورغم الأحزان
    أسمع.. أسمعُ.. وقع خطى الفجرِ
    رغم الشكّ.. ورغم الأحزانِ
    لن أعدم ايماني
    في أنّ الشمسّ ستشرقُ
    شمس الانسانِ
    ناشرة ألوية النصرِ
    "اكثر من معركة "
    ان اطمئنان الشاعر لحتمية الانتصار، لا يعني تجمده في حدود واقعه واوضاعه وحالته الآنية. انه لا يفهم الحتمية على انها حركة تنطلق بدوافع خفية خارجة عن دائرة الفعل النضالي، انما ينظر اليها على انها مترابطة سببياً مع هذا الفعل.. فهو سببها وهي نتيجته. وعلى هذا فهو لا يعيش حالة اضطراب او فوضى داخلية، فالرؤية واضحة لعينيه.

    ونفسي ـ رغم دهر البين
    رغم الريح والمنفى
    ورغم مرارة التش
    تدرك.. تدرك الدربا!!..

    "صقر قريش"
    تحتل هذه الرؤية للطريق، موقع الايمان الثابت في نفس الشاعر لذلك فهو يتحرك في خطواته من نظرة يقينية تقود الى النصر المؤكد، بعد ان يوفر مقومات الخطوة المتجهة نحو الهدف.. انه يؤمن بالقدرة على صناعة المجد من خلال الفعل الثوري والممارسة النضالية. ففي قصيدة (بابل) يتحدث بحماس ثوري مرتفع النبرة، مؤكداً ايمانه بالنصر:
    وأنا أومن بالحق الذي
    مجده يؤخذ قسراً واغتصابا
    وأنا أومن أني باعثٌ
    في غدي الشمسُ التي صارت ترابا
    فاصبري يا لطخةَ العار التي
    خطها الأمسُ على وجهي كتابا
    وانظري النار التي في اضلعي
    تهزمُ الليل وتجتاح الضبابا
    يستكمل الشاعر الجزء الأول من اطروحتهِ الثورية، بتحديد موقفه من الاحداث والضغوط المضادة. على اعتبار ان تحديد الموقف الشخصي يتصل في محصلته بالجو العام للتحرك النضالي، فيثري الخطوة، ويعمق الشعور بالانتصار. فلا يمكن تجريد الموقف من الصمود والارادة الصلبة على الاستمرار في النهج الثوري.. والا فان قيمته ستتلاشى دفعة واحدة وتنهار البنية النضالية عند لحظة المساومة الاولى او عند نقطه التخلي عن المقاومة، حيث تفقد المواقف الثورية عناصرها الجوهرية وتصبح مواقف اخرى غير نضالية.

    وعلى هذا الاساس فان الصمود الشخصي ليس حالة فردية معزولة منحصرة في نطاق الانسان الصامد، انما هي مظهر لحالة واسعة تتسع لكل الحركة الثورية.

    لذلك يصرخ الشاعر بقوة في قصيدة (خطاب في سوق البطالة).. صرخة حارة. ورغم ارتفاع نبرتها، الا انه يشعر بان صوته ما يزال خافتاً، او أنه يريد ان يسمعه كل شيء. فيؤكد موقفه الذي يكرره أربع مرات، بانه لن يساوم وسيبقى يقاوم لآخر لحظه.

    بما أفقدُـ ما شئتـ معاشي
    ربما أعرض للبيع ثيابي وفراشي
    ربما أعمل حجاراً.. وعتالا.. وكناس شوارع
    ربما أبحث في روثِ المواشي، عن حبوب
    ربما أخمد... عرياناً.. وجائع..

    ياعدو الشمس.. لكن.. لن اساوم
    والى آخر نبض في عروقي.. سأقاوم!!
    هنا ينهي سميح القاسم الجزء الأول من مشروعه الثوري الشعري، ليبدأ الثاني.

    يشغل الجزء الثاني المساحة الأكبر من مشروع القاسم، حيث يقف وقفات عديدة ليطرح رؤاه وتصوراته عن الماضي والقيمة الحية للتاريخ. وقد بذل الشاعر جهداً كبيراً في تأكيد ارتباطه بالتاريخ واتصاله الوثيق بشخصيته. وهي محاولة واضحة لتأكيد قوميته العربية، وعمق الاحساس القومي في نفسه وذهنه.

    ورغم طغيان الاتجاه القومي في العديد من قصائده، الا ان الشاعر يسيطر عليه شعور قوي بانه لم يقدم هويته بالشكل المطلوب. وقد دفعه ذلك الى اعلان هويته على هيئة صرخة عالية مباشرة في قصيدة (هكذا) حيث وضع (13) تشبيهة كمقدمة للنتيجة التي اراد اعلانها امام العالم، على انها صفة تميزه بشكل أساس:
    هكذا تنبض في قلبي العروبه
    ولعلنا لا نجد غير سميح القاسم من الشعراء الفلسطينيين أو العرب قد حرص بهذه
    الدرجة على اظهار قوميته وبيان تفاعله العضوي معها. لكنه مع ما بذله من جهد متعب في هذا الخصوص لم يوصل ما يريد الى المستمع أو القارىء. فلقد جعل (العروبة) مثل أي مفردة أخرى يعتز ويؤمن بها.. ولم يظهرها بالصورة التي اراد لها ان تكون، حيث نلاحظ ان متبنياته الأخرى تبدو اكثر التصاقاً به من العروبة. فالنضال مثلا احتل مواقع اكثر عمقاً في نفسه من العروبة، لأنه اعطاه بعداً اكبر من الحياة.. واعتبر الموقف النضالي أبقى من الحياة. كما ان تعلقه بالنصر بدا اكثر ثباتاً في ذهنية الشاعر من العروبة حيث تعامل معه على انه مسألة حتمية لا تقبل المناقشة، وهي درجة نهائية في الايمان، لكن العروبة لم تصل عنده الى هذا المستوى.

    ولا نريد من وراء هذا الحديث ان نشك في ايمان الشاعر القومي لكن الملاحظة التي نسجلها، انه لم يوظف مقدرته الشعرية في بيان فكرته بالشكل المطلوب.. او انه حاول ذلك فخانته المقدرة.

    واذا كان الشاعر قد اخفق في هذه المحاولة بعض الشيء، فان استخداماته غير المباشرة في اظهار قوميته كانت ناجحة الى حد بعيد. فقد استطاع ان يرسم صورة حادة الالوان واضحة المعاني لشخصيته القومية.

    عبثاً تحفر الرياح جبيني
    عبثاً ينهشُ اللهيب نخاعي
    هذه نبرتي وهذي ذراعي
    وثيابي.. واحرفي.. ومتاعي
    أنا باق.. باق أنا حيث أمضي
    لم أبدل ملامحي بقناعَ
    "من المدينة"
    انه هنا يعرّف بثبات شخصيته العربية من خلال اعلانه المتحدي ببقاء ملامحها القومية على ما هي عليه دون ان يحذف منها شيئاً، مع ان المؤثرات التي يتعرض لها هائلة جبارة. لكن احساسه القومي اكبر منها وأقدر، فحفظ عناصر شخصيته كاملة.

    وفي قصيدة (لن) ذات العنوان الرافض، يتمكن الشاعر باسلوب مركب من المباشرة وغير المباشرة ان يعطي انطباعاً دقيقاً بقوة، ارتباطه القومي عن طريق انشداده للتاريخ والدم.

    قسماً.. جذرنا لن يموتا!
    قسماً.. دمّنا لن يُطلاّ!!
    ان تأكيده المتواصل على الاساس القومي، له مبرراته المنطقية من وجهة نظر الشاعر. فالقومية تمثل القاعدة الاساسية لمشروعه الشعري في الثورة، وهذا ما جعل المضامين القومية تحتل المساحة الأكبر من المشروع. بل ان هذا الجزء كان قومياً صرفاً في محتواه الفكري والسياسي. وهذا ما يتضح من خلال تشديده على قيمة التاريخ، باعتباره العنصر الأكبر في الهيكل القومي.

    لقد حرص الشاعر على التمسك بتاريخه، لانه يجد فيه مصدراً رئيساً لبلوغ المستقبل. فهو لا يريد ان يتخذ موقفاً معزولا عن الماضي، لانه لا يريده ان يكون فاقد العمق، فيأتي فاقد التأثير.. انه يريد الموقف مكملا للخط التاريخي، متمماً لخطوات الماضي، حتى يستطيع ان يتجسد على الواقع حدثاً وموقفاً.

    ما ان التاريخ يعبر عن قوة محركة للفعل الثوري، تدفع به الى الانطلاق والنمو والتكامل، ضمن ارادة ثابتة متصلة بين الماضي والحاضر.

    م أسلافي القدامى لم يزل يقطر مني
    وصهيل الخيل ما زال، وتقريع السيوف
    وأنا أحملُ شمساً في يميني وأطوف
    في مغاليق الدجى.. جرحاً يغني!!
    "ما زال".

    ان الشاعر يبين قوة التاريخ في التحريك، لأنه يحتل موقع الدافع الذاتي نتيجة تد اخله في الشخصية المعاصرة، كأحد عناصرها ومكوناتها الحية، مما يجعل الممارسة
    الثورية موقفاً مستنداً على خلفية تاريخية، وليس صادراً من فراغ او بتأثير ردة فعل لحدث طارىء.. انها ممارسة واعية ضمن التسلسل الحضاري الممتد من القديم الى الحالي ثم القادم.

    وفق هذه النظرة، لا يجد الشاعر نفسه منفصلا عن الماضي، انه ينظر اليها على انها شخصية واحدة كانت قبل قرون، وما تزال حية في الواقع، على اساس ان الشخصية القومية تتحرك على خط واحد، فهي حالة مستمرة متواصلة. وعلى هذا لا يرى الشاعر ثمة فاصلة أو فواصل بين فترات التاريخ، لأن الفصل لا يمكن ان يحدث مع الدور الواحد للشخصية الواحدة.. وهو بذلك يعبّر عن وحدة الابعاد الزمنية بلحاظها التاريخي.

    في قصيدة (في القرن العشرين) يتحدث القاسم عن جانب من مشاهد التاريخ، أيام كان المسلم العربي يريد السلام لكن الظروف كانت تضطره لحمل السلاح.

    نا قبل قرون
    لم أتعود أن أكره
    لكني مكره
    أن أشرع رمحاً لا يعيى
    في وجه التنين.

    م يقدم صورة اكثر ثورية في الواقع الحاضر، لكن جذورها تظل مرتبطة بالزمن السابق وبالتحديد في اجزائه المتراضية:
    أنا قبل قرون
    ما كنت سوى شاعر
    في حلقات الصوفيين
    لكني بركات ثائر
    في القرن العشرين!!
    ان الشاعر في اعتماده الاسلوب الثوري في دوره المعاصر لا يتجرد عن خلفيته التاريخية، ولا ينظر الى أيامه السابقة التي كان فيها مجرد صوفي معزول عن الحياة، على انها فترة ضياع أو عبث او استرخاء يجب ان يتمرد عليها يطمرها في النسيان. كما انه لم يعتبر تحوله البركاني الثائر، ولادة جديدة، رغم توافر المبررات الموضوعية لهذه الولادة، من خلال الموقف الضخم الذي اتخذه والذي يختلف كلياً عن الجو السائد في الفترة الماضية.

    لم يلجأ الشاعر الى أيّ من ذلك، انما طرح نفسه على انه الشخص الذي كان مسترضياً بالأمس ثم تحول الى ثائر بحكم الظروف المعاصرة المحيطة به والتي تتطلب موقفاً نضالياً بحجم المرحلة.

    ويقف بنا الشاعر في قصيدة (ايها الحراس أراه حياً واقتلوني) ازاء صورة اخرى من الصور الكثيرة التي رسمها، محاولا تدعيم فكرته في قدرة التاريخ على اتخاذ الموقف المطلوب، باعتباره يمتد الى الحاضر ويؤثر فيه:
    لجوادنا العربي، يصلهُ في معاركه الطويلة
    ويقول: يا نار الأعاجم
    أفنى.. ولا يرتد عرفي
    أفنى.. ولكن لستُ أغدر فارسي، وأخون سيفي
    أنا لم أزل في وجهكِ المجدورِ يا نار الاعاجم
    شعباً يدافع عن حشاشتهِ.. وتاريخاً يقاوم!
    ان المفردات التراثية لم تتجمد في اطار زمن محدد، ويختفي فعلها ودورها.. انما هي متجددة في أدوار متواصلة تتحرك على الارضية المعاصرة فتتفاعل مع اجوائها وظروفها، لتتخذ موقفاً ثورياً في زمن التحدي.

    ويصل الشاعر الى درجة عالية من التفاعل مع تاريخه كقيمة حضارية كبرى، في قصيدة (الحاصد الأول) حيث يقول:
    حفرتُ اسمي على القمه
    حفرتُ اسمي وتاريخي
    فقبّل نعل شمروخي
    ورواد اختي النجمه
    لكن تفاعله مع التاريخ لا يمنعه من تسجيل ملاحظاته الموضوعية. اذ ان تعامله القومي مع التاريخ لا يعني ان يحول نقاط الهزيمة الى نصر وان يظهر مناطق التراجع على انها محطات تقدم واندفاع. فالحقيقة التاريخية واقعة حدثت في مقطع من الزمن، ولها اسبابها وظروفها التي يتحمل اصحابها مسؤوليتهم التاريخية سواء في الفشل او النجاح.

    ان احترام التاريخ والارتباط به كأساس حضاري يختلف عن نظرة القداسة التي لا ترى فيه شائبه حتى في اجزائه المتراضية. ان الايمان بالتاريخ على انه محفز قوي في دفع العملية الثورية وفي استكمال المسيرة الحضارية بشكل عام، يستدعي التعامل مع وقائعه موضوعياً، بصرف النظر عن الجوانب العاطفية التي تتحرك في داخل الانسان وتحاول ان تخفي المقاطع الحزينة تحت الضوء الساطع لمواقف المجد والبطولة.

    وعلى هذا فان الشاعر يقف في اماكن عديدة يتحدث عن الانتكاسات المرة التي حدثت في التاريخ، ويحمّل الآباءـ الذين يرمزون كما يبدو من السياق الى الحكام العربـ مسؤولية ما تمر به الساحة العربية من تدهور مخيف.

    يا اخوتي
    آباؤنا لم يغرسوا غير الاسطير السقيمة
    واليتم.. والرؤيا العقيمه
    فلنجن من غرس الجهالة والخيانة والجريمة
    فلنجن من خبز التمزق.. نكبة الجوع العضالِ
    يا اخوتي السمر الجياع الحالمين ببعض رايه
    يا اخوتي المتشردين ويا قصيدتي الشقيه
    ما زال عند الطيبين، من الرثاء لنا بقية
    ما زال في تاريخنا سطر.. لخاتمة الروايه
    "اطفال سنة 1948"
    لا يلغي الشاعر الدور الذي تلعبه الأجيال. فما تزال امامهم فرصة تاريخية، فالهزيمة التي صنعتها الحكومات ليست قدراً أبدياً تخضع له الشعوب على امتداد الزمن.. ان للاجيال جولة لا بد ان تكتب ذات يوم.

    لقد تحسس الشاعر قساوة الهزيمة، فاراد ان يحجم دور الحكام الذين صنعوها، حتى لا يسيء انتماؤهم القومي، للتاريخ. لذلك لجأ في قصيدة (التعاويذ المضادة للطائرات) الى اعلان البراءة منهم، وتفززه من انتسابهم للامة:
    انني أصرخ من قعر جحيمي
    يا وحولا لصقت في نعلِ تاريخي العظيم
    انني أحكم بالموت عليكِ
    لكن سميح القاسم بسحبه الهوية القومية من الحكام العرب، تعامل مع التاريخ بطريقة مقدسة، ومنحه قدسية دون شعور منه، فابتعد عن الموضوعية التي تبناها سابقاً ولاحقاً في تقييم المسيرة التاريخية. ولعل محاولته لشن اكبر حملة تشنيع ضد الحكام، هي التي ابعدته عن الموضوعية.

    ان التاريخ عبارة عن مواقف يضعها الاشخاص، لذلك لا يمكن حذف الشخص من الهيكل التاريخي، لفعله السيئ او جريمته البشعة أو حرفه لمسيرة الامة.. لأنه بما فعله من مواقف يكون قد صنع جزء من التاريخ. وقد ابتلي التاريخ الاسلامي بالكثير من هؤلاء الذين ارتبطت بهم كوارث سياسية واجتماعية مروعة انهت مراحل المجد العريض. ومع ذلك لا يمكن اعتبارهم طارئين على التاريخ، لأن معنى ذلك ان نشطب على فصول طويلة من تاريخنا.

    لقد خالف القاسم قناعته بشأن التاريخ.. ويظل ذلك المقطع من قصيدته غريباً على نمط تفكيره العام، حيث نجده في قصيدة (ثورة مغني الربابة) يتحدث عن مجد الفتوحات الاسلامية في الشرق والغرب، ثم يتحدث عن التراجع الذي اصاب حركة الفتح الاسلامي، فتحول النصر الى هزيمة. مما يد فع الشاعر ان يوجه خطابه للأمة مستثيراً همتها لاعادة مجدها القديم:
    يا أمتي.. قومي امنحي هذه الربابه
    غيرَ البراعة في الخطابه
    لحناً جديداً
    امنحي الأجيال.. أمجاداً جديده
    ولعل القناعة الواضحة التي يقدمها الشاعر في مجال تقييمه للتاريخ يلخصها في قصيدة (في ذكرى المعتصم) ففي مقطع (الوحدة الكبرى) ينظر الى التاريخ الاسلامي على انه ضم الموقفين السلبي والايجابي معاً:
    كفى لن نقبل العذرا!
    وملءُ مدارج التاريخِ
    أفواج من الشهداء
    وملءُ مدارجِ التاريخِ
    خيلٌ خانها الفرسان
    وفرسان بلا خيل
    ورايات بلا شجعان.

    ويقدم سميح القاسم نظرة اخرى حول رؤيته للتاريخ، تقوم على اساس ايمانه بالتطور الزمني. فهو يرى الماضي بوسائله وقوانينه لا يصلح ان يُعتمد في الحاضر.. انه فترة انتهت ولابد من التعامل مع الحاضر بتصورات جديدة تنسجم مع واقع الحياة الجديد.

    والحقيقة، ان هذه النظرة لا تمثل تمرداً على الماضي، ولا هي محاولة للتجرد منه، بل هي تعكس رؤيته الحضارية للماضي، باعتباره جزء من المسيرة التاريخية الممتدة عبر الزمان بابعاده المتدرجة. فالماضي قوة دافعة أوصلت الاجيال الى الحاضر. وفي منطقة الحاضر لا يصح ان يبقى الماضي ساري المفعول، لأن في ذلك تجميداً لحركة التطور. كما ان الحاضر له دوره الخاص الذي يصنع خلاله شكل المستقبل، ثم يتحول هو الآخر الى زمن ماض. وهكذا تتعاقب الادوار في مسيرتها التاريخية الطبيعية.

    يوضح الشاعر هذه التصورات في قصيدة (الميلاد)، حيث يتحدث فيها عن حجم الانجاز الذي حققه الأب عبر قرون طويلة، لكن دوره لم يعد ينسجم مع متطلبات العصر.

    وداعاً يا أبي الغالي.. وداعاً يا صديق الأمس
    فأن أكفّ أصحابي تدق الباب
    وصوت الآله الحسناء يدعونا
    لنبدأ رحلة الأجيال.. قبل الشمس.

    بما يوحي استخدام دالة (الآلة) بان الشاعر انطلق في تصوره لطبيعة الدور المعاصر من خلال الجوانب التقنية الحديثة، متأثراً بخلفيته الماركسية التي تعطي للآلة دورها المؤثر. لكن الذي نفهمه ان دالة (الآلة) أوسع من ذلك حسب السياق العام للقصيدة.. واستناداً الى متبنياتهِ الثابتة بشأن التاريخ. اذ لم تتأثر نظرته للتاريخ بالفهم الماركسي، بل تختلف عنه من وجوه عديدة، تساوي الاختلاف بين القومية والماركسية. لقد ظلت نظرته للتاريخ نظرة قومية واضحة ولم تخضع للتفسير الماركسي.

    ما ان (الآلة) هي أقرب الى الاستخدام الرأسمالي منها الى الماركسي، حسبما جاء في القصيدة.

    ونعود الى القول، ان حكم الشاعر بنهاية دور الماضي ليس تمرداً على التاريخ. فهو في قصيدة (ذكرى المعتصم) يؤكد ارتباطه بماضيه، مسجلا لنفسه شهادة تزكية، ومقدماً دليل اثبات على تمسكه به، لئلا يُظلم فهمه:
    وإن نداء أجدادي
    وراء خطابي يدفعني
    وريح الحزن والاشواق تحملني
    الى فردوسي الغالي.

    ويلخص قناعته بشأن تعدد الادوار التاريخية بشكل مكثف في قصيدة (ذكرى المعتصم) أيضاً، حيث يعبر الشاعر بوضوح عن الترابط بين ابعاد الزمن الثلاث، لتتشكل منها مسيرة متكاملة تشمل الماضي والحاضر في طريقها للمستقبل.

    فان طريقنا الممتد
    الى أروع ما في الغد
    يجوبُ مفاوز الميراث من مولدنا الماضي
    ويصعد.. عبر انقاضِ
    يقبّل كل نصب المجد بين مقابر الاجداد
    ويتركها.. بلا ميعاد!
    لقد حرص الشاعر على اظهار القوة المحركة التي يختزنها الماضي في داخله، ولم يجعل عناصرها مقتصرة على جوانب المجد التي حفل بها، انما يعتبر حتى أجزاء المحنة، تمتلك قوة التأثير الدافعة نحو العمل النضالي. وهو بذلك يعطي التاريخ دوراً مؤثراً في الحاضر، بكل احداثه ومواقفه المفرحة والمحزنة.

    في قصيدة (مازال) بعد ان يبين سميح امتداد الماضي في شخصيته، يحول المآسي التي ورثها منه الى منطلقات ثورية كبيرة:
    نكبة التيه التي أودت بنا
    فطرقنا في الدجى باباً فبابا
    عمقّت سكينها في جرحنا
    وجرت في دمنا سُماً وصابا
    وتهاوينا على انقاضنا
    فخرابٌ ضمّ في البؤس خرابا
    انه يعطي للتاريخ دوراً داعماً للعملية الثورية، ويعتبره المصدر الاساس في الانماء الثوري.

    ويكثف الشاعر قدراً كبيراً من المعاني المتعلقة بمسألة التعامل الايجابي مع محطات الانتكاسة في التاريخ، في قصيدة (حدث في الخامس من حزيران). حيث ينظر الى تلك الانتكاسة المروعة التي قتلت الثقة بالنفس عند قطاع كبير من الشعوب العربية والاسلامية، والقت ضلالا مخيفة على الواقع العربي، تحولت بسرعة الى حقائق سياسية مؤثرة على معادلة الصراع العربيـ الاسرائيلي.. ينظر الشاعر الى هذه الانتكاسة على انها لحظة ولادة جديدة للانسان العربي، لأن الهزيمة خلفت فيه رغبة التمرد الواعي على الواقع المتخلف، فولدت في اعماقه الثورة.

    يذكر القارئ
    أو لا يذكر القارئ
    لكني، لكي يفهم كل الناس ما قلت،
    أعيد:
    نحن، في الخامس،
    من شهر حزيران،
    ولدنا من جديد!!
    ان الذي يدفعه الى اعلان هذه النتيجة الخطيرة، قناعته بان الهزيمة لم تقتل مقومات الثورة.. وان الخسارة قد حدثت في موازين القوى ولم تصب مكونات الجسم العربي. واذا كانت الهزيمة قد سلبت الكثير من الواقع، فانها في المقابل خلقت الارادة الثورية داخل الانسان، والتي يمكن ان تحرك الاجزاء المتبقية عنده والمتوزعة على التاريخ والارض والهوية، كما حددها في قصيدة (اعلنها)، حيث يؤكد الشاعر فيها قوميته، ويعتبر
    ان عناصر القومية مادامت باقية، فان الثورة هي نتيجة حتمية ستحدث ذات يوم:
    مادامت لي من أرضي أشبار!
    مادامت لي زيتونة..

    ليمونه..!!
    بئر.. وشجيرة صُبّار..

    ما دامت لي ذكرى
    مكتبة صغرى
    صورة جدّ مرحوم.. وجدار
    مادامت في بلدي كلمات عربيه..

    وأغان شعبية!
    مادامت مخطوطة أشعار
    وحكايا عنترة العبسي..

    وحروب الدعوة في أرض الرومان وفي أرض الفرس
    مادامت لي عيناي
    مادامت لي شفتاي
    ويداي!
    مادامت لي.. نفسي!
    أعلنها.. حرباً شعواء
    باسم الأحرار الشرفاء
    عمّالا.. طلاباً.. شعراء
    أعلنها.. وليشبع من خبز العار
    الجوفُ الجبناء.. واعداء الشمسِ
    بعد ان يطمئن الشاعر الى امكانية الثورة.. وبعد ان يثبت عناصرها ومستلزماتها، يقف ليوجه خطابه المتحدي لاعدائه:
    يا منشئين على خرائب منزلي
    تحت الخرائب نقمةٌ تتقلبُ
    إن كان جذعي للفؤس ضحيةً
    جذري إله في الثرى يتأهبُ
    هذا أنا! عريان إلا من غد
    أرتاح في أفيائه أو أصلبُ
    ولأجل عينيه وأعين اخوتي
    أمشي.. واعطي الدرب ما يتطلبُ
    الى هنا يكون قد انتهى الجزء الثاني من المشروع الثوري الذي نستخلصه من نتاج سميح القاسم.. انه هنا يقف ازاء انطلاقه ثورية ممتدة من الماضي.. متحركة في الحاضر.. متجهة نحو المستقبل.

    آخر الاجزاء في هذا المشروع هو الفعل النضالي المستمر والعملية الثورية المتواصلة التي تحدث الشاعر عنها سابقاً. وهي تتمثل موضوعياً وزمنياً بالانتفاضة الفلسطينى. وهذا ما جعل الشاعر يصعد خطابه الحماسي الى اقصى ما يستطيع بلوغه من درجات في (قصيدة الانتفاضة).

    في القصيدة نلاحظ عودة المضامين الثورية التي تحدث بها في نتاجه الشعري السابق. فهو يجد في ثورة الحجارة نقطة الوصول الى الرحلة المطلوبة التي بنى من أجل بلوغها مقدمات طويلة شغلت معظم مشروعه النضالي.

    وفي ضوء ذلك نراه يرسم صورة ذات الوان صارخة لمصير الاعداء الذي ستحدده الثورة الفلسطينية، حيث يضعهم في محرقة حقيقية تحيط بهم من كل الجوانب:
    كل سماء فوقكم جهنمُ
    وكل أرض تحتكم جهنمُ
    لقد حدث هذا الطغيان الثوري بفعل الموقف الفلسطينية الذي حمله كل ابناء فلسطين باصرار ثابت لا يقبل المساومة أو التراجع
    يموتُ منا الطفلُ والشيخُ
    ولا يستسلمُ
    وتسقطُ الأمُ على ابنائها القتلى
    ولا تستسلمُ
    ان الحدث يمثل موقفاً تاريخياً مصيرياً، تضافرت عوامل الثورة من أجل بلورته وانضاجه، ومن ثم اطلاقه كفعل ثوري مؤثر صادر من ارادة ثابتة لا تنكسر ولا تهزم، اذ انها تحمل صفة القضاء الذي لا يتغير، مهما بذل الطغاة من محاولات ارهابية مختلفة الاشكال والمظاهر:
    تقدموا
    بناقلات جندكم
    وراجمات حقدكم
    وهددوا
    وشردوا
    ويتموا
    لن تكسروا اعماقنا
    لن تهزموا اشواقنا
    نحن قضاء مبرمُ
    ويواصل الشاعر خطابه الثوري المتحدي الغاضب مؤكداً فيه نظرته الاستشرافية للمستقبل، بان نهاية الاعداء مسألة حتمية، وهي وشيكة الوقوع.. وان نقطة النهاية هذه، هي بداية البداية للمسيرة الثورية المتصاعدة، حيث تتوافر على مقومات متجددة تشمل الانسان والارض، مما يمنح الموقف قوة اضافية على المواصلة.

    يصيح كل حجر مغتصب
    تصرخ كل ساحة من غضب
    الموت.. لا الركوع
    موت.. ولا ركوع
    ولا تتوقف العملية عند هذا الحد، بل تتواصل الاضافات الداعمة، حيث يدخل المواجهة الجريح والذبيح والثاكل والميتم.. يتقدمون الى جانب الحجارة وابواب جنين ونابلس، من أجل ان تظل الثورة مستمرة كموقف تاريخي كبير.

    لقد كنا نتوقع ان نجد المضامين القومية بمفرداتها البارزة متوزعة على مقاطع القصيدة، كما فعل الشاعر بكثرة في قصائده الكثيرة. لكن يبدو ان اندفاعه الشعري بنبرته الحماسية لم تعطه فرصة التطرق الى المفاهيم القومية. أو لعه وجد ان المضامين السابقة قد لخصها او تجاوزها رماة الحجارة.

    الانسانية والتحرر
    في الشعر الفلسطيني المقاوم

    حسن الباش

    لم يكن وجود الشعر الفلسطيني المقاوم وجودا مغلقا أو مقوقعا، بل انه انطلق ليبشر بإنسانية هذا الأدب وعالميته، ولعل ما يجعله ينطلق نحو الإنسانية الإيمان الملتزم بأن قضايا التحرر في العالم هي قضايا واحدة ترتبط فيما بينها برباط الحرية.. والالتزام بحد ذاته حدد للشاعر الفلسطيني المقاوم ملامح وجوده في وطن تربطه بالعالم قضايا تحررية معينة. ولهذا وجد نفسه محاطا بعالم يخوض أقسى المعارك والتجارب الثرية، ومن هنا نجده ينخرط انخراطا عمليا في قضايا التحرر. وبعد ذلك لا عجب أن نجد الإنسان الفلسطيني يقاتل في صفوف الثورة الفيتنامية أو في صفوف الثورات الأفريقية المتلاحقة ولا عجب أيضا أن نجد الياباني يحارب في صفوف الثورة الفلسطينية ، فحركة التحرر حركة واحدة، الجرح إذا نزف في فلسطين فان الدم يسيل في أفريقيا أو في أي بلد يقوم بحركته الثورية من اجل التحرر.

    ولو تفحصنا نصوص الشعر الفلسطيني المقاوم لوجدناها تمتلئ بمعاني المواقف الإنسانية التي تتم عن نظرة الشاعر ورؤيته الجديدة للعلاقات التي تربط العالم ببعضه. وتدخل هذه القضية ضمن ملمح من ملامح هذا الشعر هذا الملمح يمكن أن يدرج تحت قضية يسارية الأدب الفلسطيني اليسارية التي نفهمها نحن. أي الانطلاق من الوطن الى القومية الى الإنسانية. فالالتزام بقضايا التحرر العالمية بعد عملا مميزا في أدبنا. فهو موقف مبدئي وليس موقفا مرحليا تقتضيه الظروف واشكالاتها بل تقتضيه قضية أساسية وموقف ملتزم موقف استراتيجي تحكمه أهداف إنسانية كبرى لا يمكن الانحياز عنها أو الخروج عن خطها المبدئي وهكذا فهم شعرنا الفلسطيني المقاوم كلمة الشعر. فهي لا تعرف معنى غير معنى النضال ولا تفقه لغة غير لغة الإنسان كانسان إنها خلفية فكرية تحررية تجعل من الحرف انفجارا مدويا في شتى أرجاء البقاع.

    نرى مثلا كيف نظر الشاعر الى حركة التحرر الأفريقية المناضلة ضد العنصرية. لقد نظر الى الصهيونية وعراها فوجدها حركة عنصرية تتسم تطلعاتها مع تطلعات العنصرين في أفريقيا، إذا فالشعب المضطهد واحد والحركة العنصرية واحدة والنتيجة أيضا نضال مشترك ضد هذه العنصرية هنا وهناك يقول حنا أبو حنا، موضحا إنسانية أدب الأرض:
    هناك لي أخوة في الكفاح
    يفيضون طوفانه بأس عنيد
    لتغسل أفريقيا من آثام الغزاة
    وغدر العدو اللدود
    هناك في كل أرض وشبر
    بريق نضال
    هناك في كل شبر جراح
    وانه ثكلى وقبر شهيد،
    وبتغني الشاعر الفلسطيني بأناشيد الثورات في العالم فيرى مثلا إن استقلال كوبا ما هو إلا نصر لشعوب الأرض التي تقدس التحرير، ويدخل المعاني الثورية الوطنية ليوحي بها الى قضية النضال الشعبي الفلسطيني ضد الاحتلال فالإصرار على النضال والصمود قضيتان أساسيتان في حياة الشعب وحريته يقول الشاعر نفسه حنا أبو حنا:
    لن نلين
    دون حريتنا عصف المنون
    في هفانا
    كان في الليل مع الانسام يسري
    يا حفيدي يا ابن كوبا الثائرة
    لن نغطي الفجر كف غادرة …
    يا حفيدي نم
    فعينا والديك لن تناما
    نرصدان البحر والجولكي
    لاتضاما
    ولنلاحظ أن موقف الشعر الفلسطيني المعاصر لم يكتف بالغناء من اجل الثورة بل حرض عليها في بلدان العالم الامبريالي . مؤكدا ان الظلم الذي يلقاه ابن امريكا الفقير ماهو الا ظلم الامبريالية لكل الشعوب ولذا نجده يقف موقفا حازما حتى من القضايا الاجتماعية التي يعيشها ابناء الشعوب في كثير من اقطار العالم.

    يقول سميح القاسم في قصيدته القارة المجهولة.

    من اين يبلغك الطريق
    من اين احياء شيكاغو الفقيرة
    من اين تبلغ جذوتي
    ليكود ميلاد الحريق
    وينتقد الانظمة الامبريالية انتقادا واقعيا حيث بين مقاصد تلك الانظمة وبالتالي يحرض الشعب على الثورة ضد كل النظم المستغلة:
    يا ناطحات السحب يا اكداس اكواخ حقيرة مدي يديك من الظلام
    فان رايتنا الكبيرة
    ابدا يشع حنينها لمجاهل الليل العميق ويربط الشعر الفلسطيني المقاوم بين التقدم المادي للحضارة المزيفة وبين قهر الشعوب.فكل شبر يزرع في أمريكا فهو على حساب قتل فيتنامي، وكل حجر يعمر في واشنطن يعني تهديم منزل في فيتنام ونحس بان هذا الربط قد اعطى الشعر قيمة كبرى لا سيما وان اساليب الشعراء اعتمدت على المفارقات الموضوعية والتناقضات الاجتماعيةوالسياسية بين الشعوب يقول سميح القاسم مخاطبا واشنطن :
    من اين؟
    في فيتنام مذبحة وانت تصدرين
    كعكا وادوية الى القمر الحزين
    وتكنسين على دم الجرحى الزبالة
    وحين نحصر القضايا العالمية التحرية ونعددها فاننا واجدون الشعر الفلسطيني المقاوم أكثر الاداب تعاطفا معها بل ان كل قضية من القضايا كانت تدخل ضمن تفكير الشاعر وتخرج في شعره على شكل رؤى مستقبلة تتلاحم فيها المصائر لدى الشعوب، ويمكن ان يدخل في هذا النطاق اعتذار الشاعر الفلسطيني بابطال الثورات العالمية الوطنية التحررية وتقززه من وحشية الامبريالية العالمية ـ تعاطف الشاعر الفلسطيني مع شعب هيروشيما وندد بالامبريالية، وجد في ثورا الفيتكونغ شعلة حرية ونضال ولم يترك أي جانب من جوانب القضايا الاخرى. يرى في حديثه عن رجالات الثورات تجسيدا للثورات نفسها ومعنى من معاني نضال الشعوب يقول سميح القاسم في (الى بول روبسون مبينا نضاله في سبيل التغيير والحرية):
    من اقصى اطراف الدنيا
    ينهل غناؤك في بيتي
    ويرفرف في قلبي
    عصفورا أسمر منفيا
    يا فاضح جور الإنسان على الإنسان
    ويمكن ان نرى تعاطف الشاعر مع قضايا العالم رؤية اخرى أي ان الشاعر الفلسطيني كان بتعاطفه هذا يحرض على الثورة ضد المحتل، وفي ذلك تكمن قضية استغلاله للمعاني غير المباشرة التي تؤدي الى التغيير. وغالبا ما كانت هذه هي المهمة التي حاول من خلالها الاديب القاء الضوء على ثورات العالم التحررية وبالتالي ومن خلالها التحريض على الثورة والتمسك بالتعاليم الثورية العالمية ونماذجها بالتعاليم القومية العربية والوطنية الفلسطينية . نجد مثلا قول سميح القاسم: الى أوري ديفز. مؤكدا امتزاج النضال ضد العنصرية الصهيونية ـ والامبريالية
    في كفي دفء من كفك
    في قلبي صوتك (اني في صفك)
    وهتافك (اني معكم يا اخوتي الشرفاء)
    قسما بالشمس
    معا سنفك من الاسر الدامي الشمسا،
    ويمتزج المعنى الانساني بقضية حساسة حيث نرى ان شعر المقاومة لا يجد حرجا في ان يبين ان النضال قد يقوم على اكتاف اليساريين من اليهود والعرب ضد دولة عنصرية هي إسرائيل . وقد تجلى هذا الامر في كثير من المواقف التي التزمها الشاعر الفلسطيني المقاوم في الوطن المحتل، والتعاطف هنا لا يقف عند حد. بل يتسع ليشمل التعاطف مع يهود العالم الذين تحاول الصهيونية اغراءهم واضطهادهم على ايدي طغمة عسكرية عنصرية معروفة.

    ان شعرنا الفلسطيني المعاصر، قد قدم ضمن نظرته الانسانية نماذج من شعره تمتلئ معانيها انسانية وتمتزج فيها قضايا النضال العالمية امتزاجا كاملا. ويمكن ان نقول في ذلك ان الشعر قدم لوحات الإنسان وتجاربه الثورية النضالية أينما وجد وكيفما ناضل. واعتبر بذلك رائدا انسانيا مقاتلا من أجل كرامة الإنسان وحريته مدافعا عن حق الإنسان كانسان في البقاء ضمن انسانية خيرة وليست جائرة.

    الطلائع العدد 265 تاريخ 6/12/1977

    * * *

    سميح القاسم، حسبك أن تتذكـر

    مصطفى مصطفى
    (فلسطين)

    سميح القاسمأحد أبرز الكتّاب الفلسطينيين المعاصرين، ارتبط اسمه بشعر الثورة والمقاومة. في «إنها مجرد منفضة» يحكي سيرته فتى ومناضلاً وشاعراً، سارداً معاركه تحت الاحتلال ورفقته الحزبية مع محمود درويش ومساجلاته مع الإسرائيليين. حياة عاشها بالطول والعرض والنكتة أيضاً

    القدس | في «إنها مجرد منفضة» (دار راية - حيفا)، يكتب سميح القاسم سيرته بروح دعابة وتهكّم حكّاء يودّ جعل حكايته ممتعة. «ليست سيرة ذاتية، هي محاولة لترميم صور من الذاكرة، صور قديمة، بالأبيض والأسود». يقول الشاعر الفلسطيني في مطلع كتابه ويمضي في عرض صور ينتقيها من ألبوم السيرة. في سيرته كما حياته، تعدّى موقع الشاعر ليكون الشخصية العامة ورجل المجتمع. في مونولوج طويل مع الذات، يحكي الشاعر (1939) سيرته بادئاً بأهله، ماراً بأسماء ورفاق وشعراء، وبوقفات خاصة عند محمود درويش والرفقة الحزبية التي جمعتهما.

    حياة عاشها بالطول والعرض والنكتة أيضاً: قصص مع مشاهير الأدب والفن والشعر في العالم ورجالات السياسة... وجنرالات العدو أيضاً: من دعوة غداء في بيت القائد الجزائري أحمد بن بلة في باريس مروراً بإسحق رابين الذي جمعته به المصادفة في إحدى السفرات (!) إلى تفكير القاسم بقتل ديفيد بن غوريون في أحد الوديان.

    سيرة يسردها بضمير المخاطب مطعّمة بالطرف وبسلاسة الصحافي المتمرس واللاذع. مساحة يفردها لإقامته في موسكو وغرائب الزمن السوفياتي: «كنت في موسكو. ويزورك في فندقك عدد من أهل الأدب والسياسة والفن العرب المصريين. وكانت بينهم الفنانة سعاد حسني. حين شاهدت حقائبها الكثيرة المملوءة بالهدايا، فقد علّقتَ مداعباً: يا لك من فنانة بورجوازية! ولم يتأخر ردّ سعاد حسني التي كالت لك الصاع صاعين: أنا بورجوازية؟ طب بص شوف أنا جايبتلك إيه هدية. أهو لينين شخصياً!». يكتب القاسم سيرته فتى وشاعراً يعارك الواقع في فلسطين المحتلة، ويمتطي شهرته الأدبية إلى عواصم العالم. يروي دخوله إلى «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» وملابسات خروجه منه بعد اتهامه بـ«الشوفينية القومية». زمن الفلس والرفقة والشباب الصاخب رغم كل شيء، فظائع «الحكم العسكري» للاحتلال والمقاومة بالكلمة.

    في سيرته، يعرّج على «الأخوة العربية اليهودية» رغم أنها لم تكن موضع ترحيب من الطرف الآخر كما يقول: «ذات يوم كنت سائراً في مظاهرة كبيرة في حيفا، وكنت أردّد مع المتظاهرين «أحفا يهوديت - عرفيت» (أخوّة يهودية ـــ عربية). فجأة تصدّى لكَ مواطن يهودي من أحد الأرصفة صارخاً في وجهك: لن يحدث ذلك أبداً. لن تكون أخوّة كهذه! وبسرعة البرق (...) رددت على ذلك «المواطن» الاستفزازي: لطيزي! وتابعت السير الحماسي في المظاهرة (...). وفي برنامج تلفزيوني عبري حول القدس بينك وبين إيهود أولمرت، رئيس بلدية القدس «الإسرائيلية» قبل رئاسة الوزراء، عدت بالمدينة إلى تاريخها الأوّل إلى أيام اليبوسيين والكنعانيين، وقدّمتَ أدلتك الدامغة على بطلان خرافة الهيكل اليهودي، فما كان من أولمرت إلا أن هدّد بترك الحوار ومغادرة الأستوديو حين أثبتَّ عروبة اليبوسيين والكنعانيين. ولولا تدخل المذيع بقوة لما تابع أولمرت حواره وهو يغلي غضباً». ليست مساجلات القاسم مع الساسة الصهاينة على التلفزيون فحسب. ينقل لنا القصة الآتية التي تعطي فكرة عن الشخصية العامة التي كانها القاسم: «لعلّه من البديهيّات والمسلمات أن تكون معجباً بالخيول العربية الأصيلة (...). وحين دعيت لمشاهدة عرض لهذه الخيول في مزرعة أوري أرئيلي، الناشط السلمي والإعلامي، فقد لبّيت الدعوة بمرافقة زوجتك وأبنائك. كان هناك عدد من كبار الشخصيات العربية واليهودية. وبرز بين الحضور شمعون بيرس وإيهود براك. سألكَ بيرس عن أسماء أبنائك. وحين ذكرت له الاسم «ياسر»، قام بحركة مسرحية ملفتة للنظر: أهلاً يا صديقي ياسر. تعال نتابع الحديث. ونزولاً عند رغبة المضيف، ألقيت كلمة باللغتين العربية والعبرية. وما إن فرغت من إلقاء كلمتك حتّى هبّ إيهود براك من مقعده بجانب بيرس ليصافحك بحرارة، قائلاً: موافق على كلّ كلمة قلتها بشأن السلام والمساواة. وإذا أصبحتُ في يوم ما رئيساً للوزراء، فسأفاجئكم بالإصلاحات الواسعة والشاملة (...). وأصبح براك، لاحقاً، رئيساً للوزراء. وفاجأكم، لكن بالاتجاه العكسي لوعوده، ولم يبق هناك، لا قطار ولا سكّة، ولا
    براك!».
    ينهي القاسم سيرته بما يشبه الاعتراف والمرافعة: «ولأنّك لا تدّعي العصمة ولا تزعم الكمال، فإنّك تترك الجزء الأخير من هذا البوح العفوي وغير المقولب واللامحسوب، مجالاً لكلمة أخيرة. (...) وها أنت منهمك بضرورة الاستعداد للحياة وضرورة الاستعداد للموت، لكنّك مؤمن بأنّه لا بُدّ من فرج قريب بقدر إيمانك بأنّك من حياة إلى موت ومن موت إلى حياة، ومن رمل إلى رمل، ومن تراب إلى تراب، ومن ماء إلى ماء، ومن رماد إلى رماد، ومن قمح إلى ورد. ومن كلّ شيء وأيّ شيء إليها، إلى المنفضة، فما هي إلّا منفضة. إنّها منفضة. إنّها مجرّد منفضة!».

    الأحفاد والكولاج

    أحد أبرز الشعراء الفلسطينيين الذين ارتبط اسمهم بشعر الثورة والمقاومة من أراضي الـ48. ابن قرية الرامة في قضاء عكا ولد في الاردن عام 1939، وتعلّم في مدارس الرامة والناصرة. انصرف إلى نشاطه السياسي في «الحزب الشيوعي الإسرائيلي» قبل أن يتركه. عمل في الصحافة وأسّس صحيفة «كل العرب» في الناصرة، وهو حالياً رئيس تحريرها الفخري. أصدر العديد من الدواوين، آخرها «هواجس لطقوس الأحفاد» و«كولاج 3» اللذين صدرا منذ أيام عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، بالتعاون مع «مكتبة كل شيء» في حيفا.

    *****

    تجربة مديدة في عالم الصحافة

    هشام نفاع

    سميح القاسم«بعد أيام جئت من الرامة إلى مكاتب صحيفة «الاتحاد»، فاستقبلك رئيس التحرير إميل توما بذراعين مفتوحتين، وأصبحت عضواً في هيئة التحرير، مع صليبا خميس وعلي عاشور ومحمّد خاصّ وعصام العباسي ومحمود درويش». هكذا يكتب سميح القاسم في «إنها مجرّد منفضة». والحديثُ عن حيفا، حيث لم يفلت الملتزمون بنضالات شعبهم من المبدعين - شعراً وأدباً عموماً - من مقاربة الصحافة. من الصعب على الفنّ أن يختار صومعةً رائقة على السفح، ولا بدّ من محترفه أن يستنشق غبار أرض الميدان، هناكَ «تحت».

    بالنسبة إلى سميح القاسم، ومحمود درويش، وإميل حبيبي وآخرين، لم تشكل الصحيفة منبراً لإبداعاتهم الأدبية على صفحاتها الثقافية فحسب، بل منصّة فسيحة لأفكارهم ومواقفهم مهما بلغ ضيق الحال. كان لا بدّ لهم - وفقاً لقراءة أرشيف هذا الجزء الفلسطيني الذي بقي في وطنه بعد نكبة 1948 - من أن يكونوا موجودين في الصحيفة بالقلم والعمل والجسد.

    هؤلاء الأدباء استوعبوا حرفتهم الإبداعية، ومارسوها من خلال رؤيتها جدلياً مع واقع شعبهم الذي تشظّى وجوده على محوري الزمان والمكان. كانت الصحيفة أمامهم هي الوسيط؛ الوسيط بين البقاء بقدمين ثابتتين في «حقلي السياسة والأدب»؛ والوسيط بين الكلمة الإبداعية في كلا الحقلين مع قرّاء يعملون جاهدين على تثبيت لغتهم على ألسنتهم، كبيوتهم في قراهم ومدنهم، وأشجارهم في كرومهم. أو بكلمات سميح القاسم: «بعد العمل في «الغد» و«الاتحاد» تفرَّغتَ لرئاسة تحرير مجلّة «الجديد» التي أصبحت بجهودٍ مُشتركة مع صليبا خميس، وتوفيق زياد ومحمود درويش وآخرين، المحور الأساسي والمركزي للحركة الثقافية العربية التقدّمية لدى الجماهير العربية المحاصرة، عقوداً باهظةً من الزمن الباهظ». هذه المنشورات التي أصدرها الحزب الشيوعي جمعتِ السياسي بالثقافي كموضوعات، وكذواتٍ مبدعة فاعلة في ميادين يبدو للرائي اليوم أنّها «بعيدة الى حدّ التنافر».

    يجدر بهذا أن يثير أسئلة عديدة لدى جيلنا الراهن من الصحافيات والصحافيين الذي جاء المهنة في عهد التخصّص المتشدّد. فقد توسّع حيّز تغطية الصحيفة ووسيلة الإعلام عموماً، فابتعد السياسي عن الاقتصادي، وكلاهما عن الأدبي وعن الفني بكليّته، مع أن حياة الناس مهما تعقّدت تظلّ بسيطة واحدة. ربما يصير ملحّاً السؤال (غير النوستالجي بالمرّة، بل النقدي) عن مراحل قاد فيها الصحف مبدعون، لم يتردَّدوا في صياغة موقف في السياسة وأخلاقها ومنها من دون أن ينال ذلك من قيمتهم الأدبية. في جميع الأحوال، يظلّ هذا أفضل من إعلام «جبّار» يحكمه كبارُ التجّار.

    * كاتب فلسطيني مقيم في حيفا

    *****

    الشاعر الفلسطيني يقاوم «موتاً عابراً»

    سميح القاسمفي الناصرة، يصارع «سميح الكيماوي»، كما يصف نفسه، ورماً خبيثاً في الكبد. في أرضه المحتلّة، خاض الشاعر صراعات كثيرة أخرى، جعلت اسمه يرتبط بالقصيدة الثورية خلال الستينيات والسبعينيات
    موسى برهومة

    لم ينجح مرض السرطان في ترويض السخرية عند سميح القاسم. حتى لو لم يبح هو بذلك، فإنّه يتوسّل السخرية لهزيمة المرض الذي أدخله «في ورطة» كما يقول لـ«الأخبار». عبر الهاتف من الناصرة، يقول: «عندما أخبرني الطبيب بإصابتي بسرطان الكبد، أبلغني أنّ عليّ أن أخضع لعلاج كيميائي. رحت أضحك بشدة، ما أثار دهشة الطبيب وحيرته. قلت له: لقد أوقعتني في ورطة. الناس يعرفون علي الكيماوي. ومنذ اليوم، عليهم التعرّف إلى سميح الكيماوي».

    الشاعر الفلسطيني اكتشف السرطان بعدما خضع لعملية استئصال المرارة، وكان لا يزال في بداياته. لا يمتدح صاحب «مواكب الشمس» المرض، ولا يهجيه، بل يتعامل معه «حسبما يقتضي الأمر» كما يقول. هكذا، جعله مادةً لكولاج شعري مثلاً: «اشربْ فنجانَ القهوة/ يا مرض السرطان/ كي أقرأ بختك في الفنجان».
    ابن قرية الرامة (عكا) في فلسطين المحتلّة الذي كبر وترعرع بين قريته ومدينة الناصرة، يحكي بفرح عن احتفاء حيفا أخيراً به. يصف ذلك اللقاء مع أهل المدينة بـ«العائلي»، وهو أفضل من العلاج الكيميائي على حدّ تعبيره. علاقات مماثلة تربطه بعمّان وبيروت، المدينتين اللتين يشتاق إليهما دائماً. «عمّا قريب، نلتقي في عمّان، ونلعب الشدّة». و«الشدّة» هي اللعبة الأثيرة لدى القاسم، إذ كان يدعو أصدقاءه إلى غرفته في الفندق عند زيارة العاصمة الأردنيّة، ويقول لهم: «ذهب وقت الجدّ والسياسة والتنظير، وجاء وقتّ الشدّة».

    صاحب «دمي على كفّي» ارتبط اسمه بالقصيدة الثورية خلال الستينيات والسبعينيات، وتحوّلت قصائده إلى أغنيات أشهرها «منتصب القامة أمشي» لمارسيل خليفة. نسأله إن صار يخشى الموت اليوم، فيردّ شعراً: «أنا لا أحبك يا موت/ لكنني لا أخافك/ أعلمُ أنّي تضيق عليّ ضفافك/ وأعلمُ أن سريرك جسمي/ وروحي لحافك/ أنا لا أحبك يا موت/ لكنني لا أخافك».

    السرطان إحدى المحطّات المثيرة والملتبسة في حياة الشاعر الذي ولد عام 1939 في مدينة الزرقاء الأردنية، لأب عمل عسكرياً في الجيش الأردني. لذلك كان يمازح أصدقاءه إن هم أغضبوه قائلاً: «لا تنسوا أنني وأبا مصعب الزرقاوي من مدينة واحدة»! كانَ والد سميح ضابطاً برتبة رئيس (كابتن) في قوّة حدود شرق الأردن، وكان الضباط يقيمون هناك مع عائلاتهم. حين كانت العائلة في طريق العودة إلى فلسطين عبر القطار، في غمرة الحرب العالمية الثانية ونظام التعتيم، بكى الطفل سميح فذعر الركّاب، خشية أن يؤدي صراخ الرضيع إلى تنبيه الطائرات الألمانيّة إليهم. وبلغ بهم الذعر درجة التهديد بقتل الطفل، إلى أن اضطر الوالد إلى شهر سلاحه لردعهم. ذاق القاسم مرارة السجن، مطلع حياته، بسبب مواقفه السياسية وقصائده الشعرية. وإلى جانب محمود درويش، وتوفيق زياد، وفدوى طوقان، نشأ ما عُرف بـ«شعراء المقاومة»، ويؤكّد أنّ «مصطلح شعراء المقاومة اشتق من قصيدتي «سأقاوم» التي كتبتها رداً على طردي من عملي، ومحاولة تجويعي».

    معضلة أساسيّة ظلّت تلاحق القاسم طيلة حياته، هي الهوية. اختار شاعرنا الاستقرار في فلسطين. خيار الصمود هذا فرض عليه أن يحمل هوية الدولة الإسرائيلية المحتلّة، ويتنقّل بجواز سفرها. سجالات كثيرة أثيرت بشأن مواقفه السياسيّة، وصلت إلى حدّ اتهامه «بالتواطؤ». لكنّه يردّ «طاول التشكيك كلّ القامات العظيمة في التاريخ، حتى جمال عبد الناصر، وصلاح الدين الأيوبي. التشكيك مسألة إنسانية عادية لا تقلقني على الإطلاق».

    وعلى رغم ما خيّم على علاقة سميح القاسم بالشاعر الراحل محمود درويش من فتور في بعض المراحل، ظلّ صاحب «سقوط الأقنعة» يشعر بتلك القرابة الروحية العميقة التي تربطه بدرويش. وفي قصيدته «مَا مِن حوارٍ مَعك بعدَ الآن... إنَّهُ مُجرَّدُ انفجارٍ آخر!» التي رثى فيها درويش، يستعيد القاسم مواقف الخصومة بينه وبين شريكه في الشعر والحب والمأساة: «لأنّا صديقان في الأرض والشّعب والعمر والشّعر/ نحن صريحان في الحبّ والموت... يوماً غضبت عليك.../ ويوماً غَضِبتَ عليّ/ وما كان شيء لديك. وما كان شيء لديّ/ سوى أنّنا من تراب عصيّ/ ودمع سخي/ نهاراً كتبتُ إليكَ. وليلاً كتبتَ إليّ/ وأعياد ميلادنا طالما أنذرتنا بسرّ خفيّ/ وموت قريب... وحلم قصيّ/ ويوم احتفلت بخمسين عاماً من العمر/ عمر الشّريد الشقيّ البقي/ ضحكنا معاً وبكيْنا معاً حين غنّى وصلّى/ يعايدكَ الصّاحب الرّبذي: على ورق السنديان/ ولدنا صباحاً/ لأُمّ الندى وأب الزّعفران/ ومتنا مساءً بلا أبوين.. على بحر غربتنا/ في زوارق من ورق السيلوفان».
    وعلى رغم وطأة المرض الذي يصرّ القاسم على اعتباره «أمراً عابراً حتى لو قضى عليّ»، ظلّ محافظاً على تقاليده السجالية. في نظره كلّ من يتحدث عن مشروع شعري لا ينجز شعراً، وكلّ من يقول إنّ لديه مشروعاً ليس شاعراً حقيقياً. «هناك شعراء افتراضيون كثر يتحدثون عن مستقبل تجربتهم الشعرية، أما أنا فلا أستطيع التحدث إلا عن ماضي تجربتي الشعرية؛ أتحدّث عما حصل، ولا أتنبّأ. التنبّؤ في الشعر خيانة حقيقية له».

    في مذكراته «إنها مجرد منفضة» يكتب القاسم ما يسمّيه «الجزء قبل الأخير من السيرة الذاتية». المذكرات مكتوبة بلسان الـمخاطب، تستعيد شيئاً من مناخات سيرة طه حسين في «الأيام». يحاول استعادة هاتيك اللحظات القديمة: «تحاول استعادتها بما تطيق ذاكرة طحنتها رحى الأيام لأكثر من نصف قرن. قد تستقرّ هنا زؤانة وتسقط هناك قمحة.. قد يتقدّم حدث لتتأخّر واقعة. لا تقلق. لا بأسَ عليك. حسبُك أن تتذكر. حسبك المحاولة الصادقة. صور كثيرة تمزّقت تحت جنازير الدبابات والجرّافات، وتُحاول إعادة إلصاق نُتفها وقطعها المتناثرة على الدرب الشائك وعلى الأرصفة الضيقة حَول ذاكرة محاصرة».

    * كاتب فلسطيني من الأردن

    الخفافيش

    الخفافيش على نافذتي،/ تمتصّ صوتي/ الخفافيش على مدخل بيتي/ والخفافيش وراء الصحف/ في بعض الزوايا/ تتقصّى خطواتي/ والتفاتي

    *****

    والخفافيشُ على المقعد،/ في الشارع خلفي/ وعلى واجهة الكُتب وسيقان الصبايا/ كيف دارت نظراتي!

    *****

    الخفافيش على شرفة جاري/ والخفافيش جهازٌ ما، خُبّئ في جدار./ والخفافيش على وشك انتحار.

    إنّني أحفرُ درباً للنهار!

    الأخبار
    السبت ٣ شباط ٢٠١٢

    أعلى