لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

رفض الانضمام الى التكعيبية أو الى كل حركة فنية طوال حياته

أحمد مرسي
(نيويورك)

موديلياني في أول معرض شامل له في نيويورك

موديليانيلا شك أن علاقتي بالفنان الإيطالي أميديو موديلياني (1884 ـ 1920) معقدة بعض الشيء. وإلا كيف أفسر عدم هرولتي لمشاهدة أول معرض شامل يقام له في نيويورك خلال إقامتي في المدينة، وربما كان أيضا أضخم معرض أقيم لأعماله حتى الآن. ذلك برغم أنني كنت في بداية رحلتي كفنان تشكيلي، في سن 17 و18 سنة، مفتوناً بوجوهه البيضاوية وعارياته المقتحمات والصادمات، في أربعينات القرن الماضي، وتماثيله الطوطمية المستلهمة من تراث الفنون الفطرية الأفريقية والنحت المصري القديم الذي لا يزال يحتفظ بطزاجته.

لقد بلغ بي الولع بلوحات وتماثيل مودلياني الى حد أنني استنسخت إحدى عارياته على مساحة ضخمة تكبر الأصل بنحو ثلاث مرات، ولا أدري مصيرها الآن بعد مرور سنوات طويلة على وفاة مقتنيها، الصديق الفنان المسرحي والإذاعي الراحل ذي الصوت المتميز، محمد الطوخي. ولا تزال اللوحة الأخرى (بياتريس هيستنجز أمام باب ـ 1915) موجودة في موسمي في القاهرة، بعد أن استخدمت ظهرها ـ فيما يبدو ـ كباليتة. ولكنني، بالرغم من تلك السنوات الطويلة، أكثر من نصف قرن، لا زلت أحتفظ ضمن ذخيرة العمر، أو ما تبقى منها، بهذه الصفحة المطوية التي لا تزال تذكرني بتلك العلاقة، والتي أدرك الآن أنها كانت نفسها علاقة مركبة.

إن موديلياني الفنان كان ولا يزال، فيما أعتقد، نموذجاً للانسان البوهيمي في بداية القرن العشرين. ولكنه لم يكن، مع ذلك، شخصاً يستهان به.

تحكي الشاعرة الروسية آنا أخماتوفا التي احتكت بموديلياني..

"كان يبدو أنه يعيش في حلقة من العزلة. لم يذكر أبداً اسم صديق، لم يتفكه أبداً. لم يتحدث أبداً عن غراميات سابقة، أو عن أشياء دنيوية أبداً. كان مجاملاً بنبل، وكان ينحت تمثالاً في فناء ملحق بالأتيلييه. وقد دعاني الى "صالون المستقلين في 1911 لكن عندما ظهرت لم يأت الي. وقد أخذني الى القسم المصري بمتحف اللوفر ـ كان يحلم بمصر فقط، "كل شيء آخر لا أهمية له". وقد رسم رأسي بأسلوب ملكات الأسر المصرية القديمة. لقد انتصر عليه كلية ما كان يسميه "الفن العظيم". كان يصحبني لأشاهد باريس في الليل، Clair de lune. وأمام فينوس دي ميلو استدار ـ "تبدو النساء الجميلات الجديرات بأن يرسمن أو تصنع لهن تماثيل متدثرات بكثافة في ملابسهن". كان يحمل مظلة سوداء ضخمة، وقد جلسنا تحتها في اللوكسمبرج تحت أمطار باريس في الصيف الدافئ. أنشدنا قصائد بولين معاً كجوقة. كان من ذلك النوع النادر، رساماً يعرف ويولع بالشعر. وذات مرة وجدت باب مرسمه موصداً، فألقيت وروداً عبر النفاذة في تراخ. "كيف دخلت؟ لقد كان الباب موصداً". "لم أدخل". "لكن الورود وضعت بشكل جميل ـ بشكل منسق على السرير".

الفن المصري

ربما كان عشق موديلياني للفن المصري، وجنونه بالشعر، الذي بدأ في صباه باستغراقه في قراءة دانتي، أحد أسباب تعلقي المبكر بأعماله وافتتاني ببوهيميته، وبصفة خاصة أعماله النحتية التي تدين بسكونها وتبسيطها المعجز للفن المصري، كما تدين في تعبيريتها الفطرية للفن الأفريقي.

وتقول أخماتوفا.. "كان يحب أن يهيم على وجهه في الليل في باريس ـ كنت أسمع وقع خطواته في الشارع الغافي، وأتطلع عبر الستائر، وأرى ظله الذي يتباطأ وهو يمر تحت نافذتي. كان يرى الأشياء بطريقة مختلفة عن الآخرين ـ وقد ظلت التكعيبية غريبة بالنسبة له." "أنا ضحية أخرى من ضحايا بيكاسو، قال موديلياني، لم يلاحظ أن كل شيء سائد، يسمى "موضة". كان يتحدث عن الشعر. قال أن عمره 24 سنة (كان عمره 27 سنة). ما الذي كان يسعى الى تحقيقه؟ جاء صديق الى روسيا كان قد سمع عنه: "مسخ مدمن للكحول".

موديليانيقرأ أميديو موديلياني في صباه قصائد الشاعر اللص الصعلوك الفرنسي فيون Villon، الذي استعاد بريقه ورواجه في تلك الأيام. وكما قرأه في لغته الأصلية، الفرنسية، قرأ أيضاً "المادة والذاكرة" لبرغسون، الذي كان قد صدر قبل عامين فقط. لقد كانت أمه يوجينيا فرنسية، وكانت تحدث الفرنسية والانكليزية والإيطالية. وكان أبوه، إسحاق، الذي أتى الى ليفورنو ليعيش معهم في 1886، عندما كان عمر موديلياني عامين، رجلاً متوسطياً نيوراستينياً على نحو غريب. وكان هو الآخر يتحدث الاسبانية والفرنسية والإيطالية واليونانية بطلاقة، كما كان يتحدث العربية والانكليزية.
أما خالته لور أولورا، التي كانت تنزع نفسها من حياة البشر، من وقت الى آخر، وكانت تتناوب دخول مصحات الأمراض العقلية والخروج منها من جراء الإصابة بجنون الاضطهاد. وبحلول 1915 ـ نفس السنة التي انتحرت فيها خالة موديلياني جابرييلا بإلقاء نفسها من سلالم بيت في روما ـ استطاعت ان تسترد عافيتها العقلية وتمارس الكتابة بإتقان باللغات الفرنسية والإيطالية والإنكليزية حتى توفيت عن عمر مائة عام. وفي 1909، أصدرت كتاباً بالتعاون مع موديلياني. وكانت مسكون بخاطر بث في قلبها الرعب، أن الأدباء الرجال الذين عاصروها سوف يأتون الى ليفورنو ليغتصبوها. لكنهم لم يفعلوا ذلك أبداً.

نشأ موديلياني وسط هؤلاء الناس. وقد تعلم اللغة الفرنسية فور تعلمه الإيطالية، وعندما قرأ بودلير، وفييون وبرغسون، كان يقرأهم في لغاتهم الأصلية. ولكنه لم يعرف الانجليزية. ذلك، برغم أن حياته تخللتها علاقات إنكليزية. ذلك بالرغم من أن حياته تخللتها علاقات إنكليزية، من نينا هامنت الى أرنولد بينت، الروائي الانكليزية الشهير في ذلك الوقت الذي كان في الواقع أول هام لأعماله. وقد اشترى "لونيا تشيكو فسكا" عندما كان موديلياني يبعد عن الموت بأقل من عام.

رؤية خاصة

نحن إذن أمام فنان موهوب ومثقف له رؤيته الخاصة وحساسيته المتميزة، فنان رفض أن ينجرف مع غيره في تيار التكعيبية الذي كسر أسوار الكلاسيكية وفجر آفاق جديدة تمحضت عن مدارس وحركات فنية تجاوزت من حيث القدرة التعبيرية التكعيبية نفسها التي أصبحت اليوم مجرد علامة طريق هامة، وربما أهم علامات طريق حركة فن القرن العشرين.

فيما الذي جعلني أتهيب "لقاءه" في القرن الواحد والعشرين؟ يقدم "المتحف اليهودي" المعرض تحت اسم "موديلياني: ما وراء الأسطورة" كمحاولة لفصل الفنان عن تاريخ حياته، وهي المهمة التي وضعها ماسون كلاينهاس، أمين المتحف، نصب عينيه في محاولته إعادة تقييم موديلياني الفنان بمعزل عن حياته. ولكن الأعمال نفسها (مائة لوحة ورسم وتمثال) تحكم على هذه المحاولة بالفشل، لأنها في النهاية جزء لا ينفصل عن حياة صاحبها. فهي مثل أعمال أي فنان موهوب، بالرغم ما تعكسه سطوحها من وجوه وأجساد لأشخاص آخرين، تعبر في جملتها عن مزاج ورؤية إنسان معين.

وقد حاول كلاين أن يقنع المشاهد بصرف النظر عن حقيقة موديلياني، زير النساء السكير، وتقديمه في مسوح سليل تقاليد السفارديم الثقافية الخاصة التي تركزت في مسقط رأسه، ميناء ليفورنو التوسكاني.

ويقول إن إحساس الفنان بالرسالة ـ ان يبدع فناً حديثاً وفي نفس الوقت عالمياً وخاصاً ـ كما كانت أسرته تفخر بكونها ايطالية ويهودية ـ قد استُلهم من جده من الأم الذي يُرجع أسلاف الأسرة الى سبينوزا. وطبقاً لكلاين، تشبعت مثاليته بالإنسانية الصوفية والوطنية الايطالية التي تنسب لحاخام ليفورنو الأسطوري اليا بيناموزج.
ولا يُخفى على من يتابع المعارض الهامة التي ينظمها المتحف اليهودي، ومن بينها معارض فنانين مثل شاغال وسوتين، ان تنظيم هذه المعارض، بقدر ما يقدمه من خدمة معرفية وجمالية لجمهور المشاهدين بشكل عام، يخدم في نفس الوقت مشروعاً غير معلن للمتحف هو "بناء يهودية إنسانية علمانية عن طريق اكتشافات مدرسة مونبارناس اليهودية التعديلية".

وقد اتهم ناقد يهودي المتحف اليهودي انه يحاول، من خلال موديلياني، ان يدعم نهجاً راديكالياً يتخطى ـ أو على الأقل يحاول أن يتخطى ـ الأفكار الموثقة المتعلقة بالأسلوب والترجمة الذاتية. ولذلك، يوفق كلاين بين التوترات في فن موديلياني وإحساس الفنان بالهوية والرسالة: فن هو في نفس الوقت شخصي ولا شخصي، مُبتكر ومؤسلب، يقدَّم من حيث ثنائيات الانعتاق اليهودي.

ولكن فن موديلياني، في الحقيقة وحتى بمعزل عن حياته ـ إذا كان في الوسع فصله عن حياته ـ لا ينبئ صراحة أو ضمناً عن يهوديته، على عكس فنان مثل شاغال، على سبيل المثال.

ومثل كثيرين من جيله، استلهم موديلياني الأقنعة القبلية للفن الأفريقي. وعلى عكس بيكاسو، لم يكن موديلياني يؤكد على النزعة الرجولية الشامانية. ولكنه، على عكس ذلك، كان ذا حساسية حسية ورقيقة. ولا تزال تدهشنا بغنائيتها، كما أدهشت من قبل مشاهديها الأوائل بوحشيتها.

لقد ربط النقاد الغاضبون في عصره محاجر العيون المفرغة لشخوصه بالاستلاب، إن لم يكن "بالانحطاط" بينما يرى احد نقاد اليوم ان هذا الأسلوب، الذي استعاره من مصادره الغرائبية، سمح له بأن يعبّر عن باطنية سوبر ـ شخصية ذات حدة صوفية تقريباً ـ كما تجلت في لوحته "بورتريه ماكس جاكوب" (1916)، أحد عملين في المعرض عن الشاعر الرؤيوي الفرنسي الذي تخلى عن ديانته اليهودية واعتنق الكاثوليكية الرومانية.

كما أكد أهمية النحت لرؤية موديلياني الناضجة، وكان الفنان قد التقى النحات الروماني برانكوزي في 1909. لكن منحوتات موديلياني تختلف عن أعمال برانكوزي من النحت المباشر ـ شبه التجريدية ـ بحرارتها ووجوديتها، على عكس لا شخصية وآخرية أعمال برانكوزي التي لفتت انتباهه.

وبرغم ان موديلياني لم ينطو تحت عباءة التكعيبية، إلا انه تعلم منها الشيء الكثير؛ ضربات الفرشاة المتراكبة، وفضاءات اللوحة المسطحة، والتأثر بباليتة سيزان: الزرقات المخففة والبنيات، والرغبة في ترك فراغات من الكانفاس الخام فيما بين تلاقي الألوان.

ومع ذلك، وبرغم علاقاته الشخصية برواد التكعيبية ـ بمن فيهم بيكاسو والشعراء اندريه سالمون، وبيير ريفردي وماكس جاكوب ـ الذين رسمهم جميعاً، رفض موديلياني الانضمام إليهم، كما رفض الانضمام الى آية حركة طول حياته.

وبرغم أن موديلياني لم ينفرد باتخاذ مثل هذا الموقف من التكعيبية، ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة الى الفنان العملاق هنري ماتيس، ناهيك عن سوتين، صديق الفنان المقرب. إلا أن كلاين، أمين عام المتحف ومنظم المعرض ومنظّره، بلغ به الشطط في قراءة هذا الموقف الى حد تفسيره بتأكيد يهوديته ـ بالإصرار على الوقوف وحده. ولكن معاصريه يرجعون لجوءه الى السكر وتعاطي المخدرات الى لوحة "فتيات أفينيون" التي شهدها في 1907 في زيارة لمرسم بيكاسو في الباتولافوار.
لقد كان الفنان سريع الغضب، ومغروراً وميالاً للانفعال وإساءة معاملة النساء. وقد أشار ماكس جاكوب الى "كبريائه غير المحتملة، وانعدام إحساسه بالامتنان، وتبجحه" ووصفه بأنه هش هشاشة الزجاج... ولاإنساني. كما وصفته إحدى عشيقاته بأنه "خنزير ولؤلؤة!" وفي طريقه لتسجيل مولد ابنته، شرب حتى الثمالة، ونتيجة لذلك لم تُسجل شرعية الطفلة. وبعد مرور عدة أسابيع على سهرة صاخبة في ليلة رأس السنة، 1920، توفي بمرض التهاب السحايا الدرني عن عمر 35 سنة، معوزاً في غرفة حقيرة. وبعد وفاته بيومين، ألقت صديقته أم ابنته غير المسجلة ـ التي كانت تصغره بـ 19 سنة، والحامل في شهرها التاسع ـ ألقت بنفسها من النافذة، مودية بحياتها وحياة طفلها الذي لم يولد. وفي اليوم التالي، شيع المعزّون موديلياني الى "بيير لاشيز"، وكان من بينهم برانكوزي وسوتين وبيكاسو وليجيه. وقد نسجت هذه الوقائع وغيرها عن حياة الفنان أسطورة موديلياني.

فهل نجح المعرض في فصل هذه الأسطورة عن عمله؟ لا أعتقد ذلك. ولكن يبقى السؤال.. هل غيّر المعرض الشامل برسوماته الـ(44) ولوحاته الـ(47) ومنحوتاته أيقونة موديلياني التي غشيها غبار الذاكرة التي أصبحت تتخلص من حمولتها تدريجياً، مثل أي سفينة في طور الغرق؟ بلى. لقد طغت العين الناقدة على التوقف انبهاراً أمام السطح المصقول وتركيبة اللون النمطية وغياب المخيّلة، وإن احتفظت الأيقونة بسحرها غير المفهوم.

المستقبل
الاثنين 20 أيلول 2004

أعلى