لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية

كتاب الجهة
كتاب الجهة

جهة الأسبوع



































 

ظاهرة الشعري في التشكيلي:
شاكر حسن آل سعيد بين أبجدية الحرف وشعرية اللون

أسامة الشحماني*

شاكر حسن آل سعيد ثمة شخصيات تمرُ في التاريخ الانساني فتنفلت من مساحة الغياب أو الاندثار، إذ يصبح وجودها أكبر من أن تحتويه دلالة مفردة الزوال ،لأنها شخصيات تتجذر وبمنتهي الهدوء في الذاكرة الجمعية للمجتمعات لتأسس لها حضورا رمزيا راسخا لا يزيدهُ تراكم السنوات إلا عمقا وإمتدادا في الجذور، ومن هنا ترتبطُ القيمة الانسانية لهذه الشخصيات بمواريث تلك المجتمعات ومكوناتها الحضارية التي تخلقُ مجتمعة، وعلي إختلاف حقولها عوامل بناء وتشكيل هوية ثقافية لها معالمها الخاصة بها داخل هذا الفضاء الانساني .
شاكر حسن آل سعيد واحدٌ من تلك الشخصيات أو الوجوه التي ستحتفظ بها ذاكرة الثقافة والابداع الانساني بوصفه تجربة فنية خاصة زاوجت بين الثابت، وهو الوعي الحاد بالهوية الحضارية والثقافية ومعطياتها التاريخية التي يقف عليها الفنان ويجتهد في إبراز خصائصها، والمتحول وهو الحرص علي الدينامية والنزوع الي التحديث في الرؤيا الفنية للخروج من دائرة النمطية والتقليد، ولذلك فهو رائدٌ من رواد الفن العربي المعاصر، إذ شغل ولعقود عديدة مساحة واسعة من مجال الفن التشكيلي الحداثي العربي والعالمي، ويمكن لأية وقفة نقدية متأملة أن ترصد ومن خلال المنتج الابداعي الذي تركه هذا الفنان وراءه مسارات التطور والنمو التي حققتها التجربة الفنية العربية الحديثة في العقود الخمسة الأخيرة من القرن الماضي .
بدأت رحلة الفنان آل سعيد من مدينة السماوة (جنوب العراق) تلك المدينة التي ولد فيها عام 1925، وأكمل فيها دراساته الأولي لينتقل الي بغداد حيث واصل تعليمه الجامعي وتخرج من جامعة بغداد، قسم العلوم الاجتماعية عام 1948، ثم نال دبلوم الرسم من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1955. ومن اللافت للنظر أن آل سعيد وعندما كان ما يزال طالبا في عام 1951 قد أسهم وبشكلٍ فاعلٍ في تأسيس أولي الحركات التشكيلية المحلية وهي (جماعة بغداد للفن الحديث) التي كانت تهدف الي تجسير وتوثيق العلاقة بين المنظور التشخيصي الواقعي في الرسالة الفنية، والأبعاد الحداثية المنفتحة علي العالم الخارجي وإتجاهاته الفنية المتعددة. ولم يقف آل سعيد عند حدود بغداد في دراسته للفن إذ سافر الي باريس وأكمل هناك دراسته في معهد (البوزار) ليتخرج منه عام 1957، وقد مكنته هذه الدراسة، ولا سيما علي مستوي التجريب في المدرسة التكعيبية، أن يعكس صورة الحداثة علي نوافذه الفنية المفتوحة أمام رياح بلاد وادي الرافدين فنجح في إنعاش الحاضر بروح ذلك الماضي الذي لم يقتطعه من سياقه الزمني وإنما أعاد نسجه بخيوط الحداثة، لقد إطمأن آل سعيد الي رحم الماضي بكل مفاصله، بوصفه ذاكرة شعب وحضارة، أي أنه كان ملتصقا بمعطيات المحيط الجغرافي والتاريخي والثقافي، واستطاع أن يضع لمساته المبنية علي هاجس التجريب علي تلك المحلية ليخلق هوية فنية تتجلي ملامحها في إطار الحداثة إلا أنها وفي الوقت نفسه تنسجم والطبيعة الثقافية للشعب العراقي التي تراكمت منذ آلاف السنين. فقد عالجت أعماله الفنية الموروث الحضاري العراقي من زاوية واقعية تغوص في أدق تفاصيل الحياة اليومية للانسان، فهو حين استلهم الحرف العربي في لوحاته، خلق من ذلك الحرف فكرة تختزل التراب بكل ما له من عمق وامتداد يقود المتلقي الي سومر وبابل وشكل الكتابة الأولي التي وصلتنا منقوشة علي ألواح من الطين. لقد ورث آل سعيد من السومريين كيف يمكن للمرء أن يرسم بالحرف بمعني أنه أعاد الي شكل الحرف إمكانيته في أن يتحكم بالشيء المرسوم أو أن يتحول من مجرد وسيلة لغوية الي أداة فنية موحية، فهو لا يرسم بالحرف بوصفه إشارة براقة بقدر ما أراد أن يجعل منه رمزا ينطلق في عالمه الفني الرحب المبني علي التأمل والادراك والمعرفة، والتي هي أنبل الطرق للبحث عن الحقيقة، من جانب آخر ركز آل سعيد علي أبعاد العلامة الخطية وكيف نفكر بالمرئي ودلالته أكثر مما نفكر بالمرئي ذاته، ولعب دورا تجديديا واضحا في عصرنة الفن الاسلامي داخل إتجاهات الفن التشكيلي الحديث، فضلا عن كونه مبدعا تشكيليا، فهو يعد من الباحثين في مجال فلسفة الفن والنقد التشكيلي، ومؤرخا لتاريخ الحركة الفنية في العراق، وقد ترك آل سعيد مؤلفات وبحوثا عديدة نذكر منها كتابه الهام (الفن يستلهم الحرف) والذي نشره عام 1973، وهذا الكتاب عبارة عن مقدمة نظرية للبحث في الفضاء الفني بين الرؤيا التأملية والرؤيا السريالية .
وقد نجح آل سعيد في تأسيس العديد من المجموعات الفنية المتطلعة الي فهم الرسالة الانسانية العميقة للفن التي تذوب داخلها مسافة العزلة والانقطاع التي يمكن أن تفصل بين الثقافات، ومن هذه التجمعات جماعة (البعد الواحد) التي ضمت عددا من الفنانين الرواد الذين اتخذوا من الحرف الكتابي قيمة تشكيلية، ومن الجدير بالذكر أن أصل هذه التسمية (البعد الواحد) يعود الي معرض أقيم في المتحف الوطني في بغداد عام 1971. ومما أسسه آل سعيد حديثا (مطلع التسعينيات) مجموعة (دراسات الخطاب الجمالي) وهي مجموعة ضمت عددا من الفنانين والنقاد اهتمت بمعالجة الخطاب الجمالي من زوايا مختلفة لا تنفصل عن الأطر النظرية التي ينبني عليها النقد الحديث في فهم الرسالة الشعرية. وقد عُرف آل سعيد داخل أوساط الفن التشكيلي العربي بكونه من الفنانين غزيري الانتاج، إلا إن ذلك لا يعني إنه كان يكرر نفسه، لان المتتبع لنتاجه يلاحظ سمة الحركية والنمو الذي يطمح الي تشكيل هرم التجربة الفنية الحديثة بتعابير تختزل بين ثناياها هوية الثقافة العراقية، ومكونات ذاكرتها الشعبية .
شاكر حسن آل سعيد الرسم عند آل سعيد قصيدة شعرية نبيلة إذ إن عددا كبيرا من لوحاته تدعو المتلقي للنظر إليها بوصفها نصا شعريا لابد من فك شفراته والدخول إليه عبر جدلية العلاقة بين سطح اللوحة وشفراتها الداخلية ثم النظر الي اللوحة أفقيا وعموديا، تماما كما ننظر لبناء النص الشعري وتداخله القائم علي تشاكل المفردات والجمل فيما بينها لنسج البنية الدلالية للنص من خلال محورين أساسيين هما الأفقي والعمودي، ويظهر المستوي الاستعاري للعلامة أو الايقونة داخل غالبية لوحات آل سعيد بشكل يقترب كثيرا من ذلك الذي نلمحه في الشعر الحديث من زاوية الاغراق في التجريد لقطع الحبل السري الذي يمكن أن يربط النص بأي مرجعية اخري خارجة عليه، فهو بنية ذاتية مكتفية بذاتها، أي إن ما نحتاجه لفهم النص يقع داخل النص وليس خارجه، ومن هنا تكون كل قراءة هي إعادة كتابة أو هي (إساءة قراءة) كما تسميها المدرسة التفكيكية في النقد الأدبي .
كيف استطاع آل سعيد أن يجعل من لوحاته قصائد صامتة، وهل يمكن للنص الشعري أن يكون لوحة ناطقة ؟ إن مسافة التوتر في العلاقة بين الشعري والتشكيلي لا تتيح لكلا الطرفين أن يصلح لأن يكون بديلا عن الآخر، علي الرغم من كونهما (الشعري والتشكيلي) مبنيين علي التداخل في الاشارات والدلالات، إلا إن ذلك طبعا لا يمنع من ظهور الصلات الحميمة بين الطرفين، إذ لا تنفصل عروة الشعر عن أهم المظاهر التكوينية للفنون الأخري حيث يذوب فن الموسيقي وفن الرسم في محلول النص الشعري علي الرغم من أن مادة الشعر هي الكلمات، وفي الوقت نفسه يمكن للرسوم التشكيلية التي تظهر علي أغلفة المجموعات الشعرية المطبوعة أن تقرأ النصوص الشعرية وتعيد إنتاجها بعملية تبادلية أساسها المناخ الصوري (لون...تشكيل... ظل... ضوء..الخ) توازي العمل اللغوي وكأنها ترجمة له، أو محاولة لتجسيم اللغة وتحويلها الي ألوان وخطوط في محاولة للاقتراب من رؤيا الشاعر من خلال الصورة .
لقد عاني آل سعيد ككل المبدعين من عدم فهم الآخرين له، علي الرغم من أنه من الفنانين الأوفياء جدا للرسالة الانسانية للفن، ولعل السبب في ذلك عائدٌ الي ما تميزت به تجربته من شمولية واسعة حاولت استيعاب حضارات وادي الرافدين علي إختلاف مراحلها وحقبها الزمنية، فضلا عن اهتمامها بتحديث الفن الاسلامي بكل ما له من خصوصيات .
لقد كتب آل سعيد مقدمة لأحد معارضه عام 1994 قال فيها إن أعماله غير قابلة للقراءة، وان حقيقة قراءتها هي في لا مقروئيتها...وكأنه هنا يدعونا ضمنا للوقوف علي تجربته بفهم خاص لها وحدها باعتبارها محصلة جادة لحضارة راسخة الأقدام....، توفي آل سعيد في بغداد بتاريخ 5/3/2004 عن 78 عاما تاركا لنا تجربة فنية غنية سيثبتُ الزمن المقبل أن هذه التجربة هي مدرسة هامة تضاف الي مدارس أخري خلفها أشخاص كان وجودهم أكبر من أن تستوعبه مفردة الغياب .

*ناقد عراقي يقيم في زيورخ وهذه احدي مداخلات مهرجان المنتدي الرابع الذي عقد في زيورخ .

2004/06/26القدس العربي

أعلى