جان خليفة PAX (زيت على خشب ــ 75 × 75 سنتم ـ 1975) قد لا تكون الخطوة مكتملة، بمعنى الشموليّة والدقّة العلميّة والبحث والتوثيق، لكنّها مبادرة أساسيّة، تلك التي يطلقها صاحب «أجيال» ممهّداً لإعادة اكتشاف النتاج الفنّي للحرب الأهليّة... يبقى سؤال على «طريق السلم»: إلى أيّ مدى يمكن نظرتنا إلى الماضي أن تتحرّر من أعباء الحاضر؟
بيار أبي صعب
يروي صالح بركات، صاحب «غاليري أجيال» البيروتيّة، أنه حين كان يعدّ لمعرض «طريق السلم، لوحات من زمن الحرب ١٩٧٥ - ١٩٩١)» الذي يستضيفه حاليّاً «مركز بيروت للفنّ»، فوجئ بأن بعض الفنّانين لا يذكرون أنّهم رسموا الحرب... وأن آخرين أضاعوا الأعمال التي أنتجوها خلال تلك المرحلة. لقد تركوها في بقعة مظلمة من اللاوعي... واستأنفوا حياتهم الطبيعيّة. قد يخيّل لكثيرين أن الحرب لم تشهد حركة فنيّة تذكر (علماً بأنّها احتضنت إنتاجاً غزيراً)، لأن جمهوراً جديداً تكوّن مع بروز جيل الفنون المعاصرة الذي جاء، في التسعينيات، محمّلاً بالحيرة والأسئلة المقلقة، والإحساس بالفراغ والقطيعة... فإذا بالحرب موضوعه الأثير. عند وصول هؤلاء، كان بعض فناني الجيل الأسبق قد «نسي» الحرب. كأنّه لم يشهد على فظائعها... ولم تترك ندوبها على نتاجه الإبداعي.
حسن جوني «هجرة» (زيت على قماش ــ 100 × 120 سنتم ــ 1981)هل قلنا «يشهد» على فظائعها؟ هذا هو الفخّ الذي يستدرجنا إليه صالح بركات، الباحث اللبناني الناشط في سوق الفنّ، من دون قصده ربّما، منطلقاً في قراءته الاسترجاعيّة لتلك الحقبة، من اللحظة الأيديولوجيّة الراهنة التي يختصرها شعار «حب الحياة». هكذا يبدو أن الفنّانين براء من الحرب، أُقحموا فيها... أو أعطي لهم أن يشهدوا عليها من خارجها، كما القديس يوحنا الحبيب شاهداً على يوم القيامة، في ثلاثيّة هانز ميملينغ التي يغزل حولها الباحث والفنّان وليد صادق مقالة لافتة في كاتالوغ المعرض. ولعلّنا هنا أمام إحدى مفارقات هذا المشروع الحيوي الذي يطمح إلى إعادة الاعتبار لمرحلة حاسمة في مسار الحركة التشكيليّة اللبنانيّة. إذ كيف نغفل أن معظم الفنّانين الذين ارتبطت تجاربهم بموضوع الحرب، كانوا طرفاً فيها، ولم يكتفوا بالنظر إليها من بعيد؟
لور غريّب التي نكتشف في منمنماتها (حبر على ورق، ١٩٨٤) رجلاً وامرأة مصنوعين من كلمات الحرب ومذكراتها، كانت من أنصار بشير الجميّل. الراحل بول غيراغوسيان، في ثلاثيته بالحبر الأسود عن قلعة الشقيف (١٩٧٨) يحيّي المقاومة الصامدة في وجه العدوّ الإسرائيلي. يبدو ذلك واضحاً في ملصق صمّمه ضمن السلسلة نفسها، وعرضته زينة معاصري في «علامات النزاع». (لا تكتمل الإحاطة بتلك المرحلة، من دون فن الملصق، الأساسي وقتذاك، والذي خاض فيه معظم الفنانين الحاضرين في «طريق السلم»). سيتا مانوكيان التي يعرض لها عملان «بلا عنوان» (زيت على خشب ـــ ١٩٧٩) كانت شيوعيّة، منخرطة في الصراع. والمؤكد أن سمير خدّاج ومارك موراني، من خلال رصدهما التصويري والهندسي للواقع اليومي ومعاناة الجماعة («الجسر» ١٩٨٣، و«الرينغ» ١٩٨٨ - أكريليك على خشب)، لم يكونا بعيدين عن المناخات نفسها. ما قادهما إلى العمل ضمن محترف جماعي مع مانوكيان، وإميل منعم الذي نأسف لغياب أعماله عن المعرض، شأن آخرين اقترنت تجربتهم بالحرب مثل جان - مارك نحّاس.
وماذا نقول عن جميل ملاعب الذي يعرض صالح بركات مجموعة رسوم له (طباعة) «من دفاتر الحرب الأهليّة»؟ والراحل رفيق شرف في رسمين بالحبر يعودان إلى عام ١٩٧٦، يقولان الانقسام والعنف وفيهما حصانه الأثير رمز الوجدان العربي الجريح؟ هل نغفل هوس فؤاد خوري في أعماله الفوتوغرافيّة بالأبيض والأسود (٨٢ - ٨٣)، بفكرة خروج المقاومة الفلسطينيّة، ومذابح صبرا وشاتيلا، وزوال لبنان القديم، وفكرة العبور...؟
بين الفنّان «الشاهد»، والفنّان «المنحاز» الآتي من صخب السبعينيات إلى المعمعة، خيط رفيع يلازمنا في جولتنا على أعمال تحكي الدمار والتشرذم والرحيل والعجز والغضب والذعر. الخوف في «وجوه» الراحل جان خليفة (زيت على خشب، ١٩٧٦)، ولوحات للراحل عارف الريّس (زيت على كانفاس) تفكك الفضاء العام والكائنات... فيما ترصد رسوم الريّس التي حققها أول الحرب (طباعة)، ونشرت في كتاب أعطى للمعرض عنوانه، مشاهد صاخبة تحضر فيها المجاميع ويضيع الأفراد في لعبة الانتظار والموت.
ونواصل الرحلة بين كولاج ليوميات الحرب، ونحت من بقايا قذائفها. بين تصويريّة وتجريد، تفجّر لوني وطغيان للأسْود. أوديل مظلوم وتيو منصور، غادة جمال وحسن جوني، فريد حداد وساميا عسيران جنبلاط، محمد الرواس وجنان مكي باشو. منحوتات سلوى روضى شقير (خشب وألومنيوم) المشغولة بجمع النقيضين. وفي خلفيّة الصالة موعد من نوع خاص مع عماد عيسى، من خلال تجهيز يدعونا فيه إلى جنازته. أما المحطّة الأولى (والأخيرة) عند مدخل المعرض، فإحدى جداريات عبد الحميد بعلبكي (زيت على كانفاس، ١٩٧٦) التي قالت الحرب في سنواتها الأولى...
إذا كان «فقدان الذاكرة» موضوعة محوريّة، ليس في خطاب هذا المعرض فحسب، بل في تاريخنا الثقافي - والسياسي - المعاصر... فذلك يزيد من أهميّة الشغل الأركيولوجي الذي يدعونا إليه صالح بركات. إنّها خطوة أولى، متعجّلة ربّما، إنما أساسيّة في مشروع المراجعات الفكرية، وعمليات فحص الضمير الفردي والجماعي، وإعادة الاعتبار إلى الماضي القريب المؤلم، بصفته أيضاً أرضيّة خصبة لكل التجارب والأسئلة وتصوّرات المستقبل.
متحف بصري لذاكرة الحرب
صالح بركاتتتخذ الأعمال المعروضة في «طريق السلم - لوحات من زمن الحرب ١٩٧٥-١٩٩١»، موقفاً واضحاً من الحرب الأهليّة ونزاعاتها. في هذا السياق، يبدو عمل صالح بركات على جمع اللوحات المعروضة أكثر من خطوة تجميعية يقدم عليها هاوي لوحات وتحف. بعين تاريخ الفنّ وعين علاقة الفنّ بالسياسة والمجتمع، يأخذ المعرض بعداً توثيقياً. صاحب «غاليري أجيال» ومنسّق المعرض يسمّيه «بعداً متحفياً». حصر الفترة الزمنيّة بسنوات الاقتتال يجعلنا نفكّر في سياق الرسم بقدر ما تلفتنا التقنية واللون. هل رسم الفنانون في الملاجئ؟ هل شاركوا في القتال؟ هل فقدوا أعزّاء؟ كلّ الأسئلة السابقة ستكون أرجحيّة الإجابة عنها بنعم.
اتخذ بحث فريق عمل صالح بركات عن اللوحات شكل الحفر في التاريخ والسياسة والذاكرة. بين أعمال مشتّتة وأعمال أخرى مخبّأة، أمضوا شهراً ونصف شهر في تجميع التحف واللوحات بين المقتنين والفنانين الأحياء وعائلات المتوفّين منهم. عثروا في طريقهم على لوحات يعرض بعضها هنا للمرّة الأولى. بعيداً عن قيمة الأعمال العاطفيّة، أراد صالح بركات كما يخبرنا «أن يفتح باباً. غالباً ما يقال إنّ فترة الحرب كانت عاقراً ولم تنجب أي تجارب تشكيلية جديّة، وهذا المعرض وسيلة لقول العكس. إنّها محاولة للفت نظر الناس إلى مرحلة من تاريخ الفنّ البصري اللبناني» يشرح بركات. أمام ذاكرة حرب مكبوتة، أراد بركات كما يقول وضع «هذه التجربة في تصرّف النقّاد والمؤرخين».
منال خضر ولميا جريج لاقتا بركات في وسط الطريق. في «مركز بيروت للفنّ المعاصر» حيث يقام المعرض، سلسلة أفلام من الحقبة ذاتها إضافةً إلى محاضرات نظريّة اختارتها الممثلة الفلسطينيّة والتشكيليّة اللبنانيّة. هكذا عرض فيلما «مصائب قوم» لعمر أميرالاي، و«غياب» لمحمد سويد، كما أقيمت طاولة مستديرة بعنوان «حيوات الأعمال الفنيّة في وبعد الحرب» مع صالح بركات والاختصاصية في علم الأنتروبولوجيا وتاريخ الفنّ كيرستن شايد، وكرستين خوري.
وتقام في الإطار نفسه محاضرة «أطوار التنازع وسلطة التحكيم» مع أحمد بيضون (8:00؛ 1\7)، ومحاضرة أخرى بعنوان «حيوات في حالة الحرب» مع جونا شولهوفر ــ ول (8:00؛ 8 \7)، ويختتم النشاط مع عرض لفيلم نبيهة لطفي «لأنّ الجذور لن تموت» (بالأبيض والأسود ، 1977 ـــ 8:00؛ 15\7).
أمام كلّ هذا، يمكننا القول إنّ هؤلاء الفنانين لم يحوّلوا العنف إلى مادّة لونيّة فحسب. أعمالهم تلفتنا إلى أهمية الفنان كشاهد ومكانته كجزء من القصّة، يغرق فيها ثمّ يعيد إنتاجها.
حتّى 15 تمّوز (يوليو) المقبل ــ «مركز بيروت للفنّ المعاصر» (جسر الواطي ــ بيروت) ــ للاستعلام: 01/397018