لغات أخرى
 
   الصفحة الرئيسة | اتصل بناخارطة الموقع
الغرفة الكونية | دفتر الزوار
جهة الشعر
دفتر الزوار الغرفة الكونية
 
كتاب الجهة
كتاب الجهة

 مجلات أدبية قاسم حداد بصوته
جهة الأسبوع






















































 

في تأبين الفنان الراحل عبد اللطيف الصمودي

عبد اللطيف الصمودي تكريم للمدرسة الحموية المهاجرة في التشكيل السوري الفنان في الشرق يموت وهو حي ويزداد موتاً بعد وفاته!

دمشق القدس العربي من أنور بدر:
في ذكري أربعين الفنان التشكيلي عبد اللطيف الصمودي، أقام أصدقاؤه من الفنانين والمثقفين السوريين حفل تكريم له في مشغل/ مُحترف الفنان مصطفي علي في دمشق القديمة، بمشاركة رسمية باهتة وحزينة لوزارة الثقافة ممثلة بالسيدة مها قواص.
وبلغته المليئة بالحب والشعر، قدّم الزميل نبيل الصالح حفل التكريم، مشيراً إلي تميز الراحل في إبداعاته الفنية المليئة بالمعاني والدلالات الصوفية متعددة الإشارات في الفهم والسرد والإيقاع.. لقد أدرك عبد اللطيف منذ البداية وعبر تجربته الروحية في بلاد الغربة أنّ الفن هو إيماء أكثر منه تقريراً، فعمل علي التجريد والمزاج الشعري، منذ أول التماعة ضوء في عيني عبد اللطيف الطفل وحتى آخر بريق غادرهما في كهولته.

د. عفيف بهنسي أشار إلي شيء من تجربة الفنان الراحل في ارتباطه بالوطن، بالواقع، التراث، لنخلص إلي نتيجة أنّ الراحل استطاع أن يُعبر ببساطة وشفافية عن الأصالة المرتبطة بالمعاصرة والحداثة في العالم.
بينما اتكأ الفنان والناقد د. اسعد عرابي علي عبارة للكاتب محمد السباعي تقول: إن الفنان في الشرق يموت وهو حي، ويحيا وهو ميت، لكنه يعيد صياغتها بعد خمسين عاماً لتصبح الفنان في الشرق يموت وهو حي، ويزداد موتاً بعد وفاته وهي تعبير عن مسيرة الثقافة في مجتمعاتنا العربية في النصف الأخير من القرن الماضي.
لكن الدكتور عرابي في تقييمه لتجربة الفنان الصمودي اجترح مصطلحاً نقدياً جديداً حين تساءل إذا كان الحديث وارداً عن مدرسة سورية للفن التشكيلي، فانا أقول أكثر من ذلك بوجود تيار أو مدرسة حموية تأثر بها الصمودي في تيارين أساسين هما مصطفي نشار المقيم في بون ونشأت الزعبي العائد حديثا من الكويت، وليس مصادفة أنّ ثلاثتهم مهاجرون، أو منفيون .

عبد اللطيف الصمودي فهل يكفي أنّ الصمودي ولد في مدينة حماة وسط سورية عام (1948) حتى ينتسب للمدرسة الحموية؟ يجيب الدكتور عرابي قائلاً: بالمناسبة هي لا تنبطق علي خزيمة علواني الحموي، لكنها تنطبق علي فنان آخر كمصطفي بكري وهو غير حموي، فما الذي يُميز المدرسة الحموية إذاً ؟
يعود عرابي إلي مصطفي نشار ونشأت الزعبي باعتبارهما مؤسسي هذه المدرسة مع بول كي الذي أحبّ الحضارة الإسلامية، وعمل علي إشاراتها وزخرفاتها، فكان البرزخ المتوسطي الذي درس الفن الإسلامي، وهؤلاء يعتمدون علي المادة السردية التي تصل حدود البوح لاستدعاء التكوينات الزخرفية المتنوعة.

ويُضيف أنّ الصمودي يزاوج بالنسبة لمفرداته بين التخليص والتوليف، ففي المختبر البصري له نلاحظ كل مفردات الزخارف والإشارات، وهي إما هندسية (مثلث دائرة مربع) أو عضوية (حلزون ورقة) أضفت إلي كل ذلك ما يُمكن أن نسميه الإشارات السحرية في السجاد أو العمارة الإسلامية، في بعض الجدران والأبواب مثلا.
فضاء عبد اللطيف يحوي العديد من الاستعارات من مكونات ما قبل الطفولة، وهو خليط، لكنه لا ينفي الوحدة الأساسية في تجربة الصمودي، فهو استفاد من عناصر متباعدة لكنه تطور مع التطور الدينامي الحاصل نتيجة احتكاكه مع آثار وتجارب فنانين عرب وعالميين في بينالي الشارقة.

ثمّ انتقل إلي أهم خصائص تجربة الصمودي في الجانب اللوني الذي يُحيل علي ذائقة موسيقية من ثقافة سمعية وبصرية، ويؤكد عرابي أن هذا الحديث ليس إنشائياً، بل هو حديث مخبري، فلو أخذنا طريقة السرد والتي يُمكن أن نسميها سرد شطرنجي، نلاحظ أنّ النوطة البصرية كما الفكرية تتجه مثلما اللحن الأفقي الشرقي من اليمين إلي اليسار ومن ثمّ اليسار فإلي اليمين.
وهناك أنماط من التطريبات والمقامات الصوفية تحال إلي مساحات لونية، كل لوحاته تعتمد علي ما يُمكن تسميته بالمنمنمات الإسلامية بشروط ما هو باطني في الصفحة وهامشي في الإطار.
الفنان عبد الله السيد توقف مع ظاهرة أخري في تجربة الصمودي ابتداء من تفتح الحلم علي إيقاع الذاكرة، يستحث الواقع والذاكرة، وتتداعي أطياف الذاكرة علي الواقع، تمثل منه صوراً، علي إيقاع لهب وجداني، تتوسل وما هو إلا سراب .

عبر هذا التصاعد المعراجي، تتصاعد الدلالات وتتناثر في تجربة الصمودي عبر ثنائية الوحدة والفكرة المغالبة في حضورها، فهي الثنائية التي تجتمع في نتاج فنان سوري بعبق حضاري فواح، موثق بذاكرة ثقافية عميقة متوزعة العناصر والأصول، متعددة المستويات والمدارات.
إنّ ثنائية الوحدة والفكرة عند الصمودي تستند إلي علاقة الملاء والخلاء، وتحيل بهذه العلاقة لصالح الملاء الذي يعتمد اللعبة الزخرفية دون بعدها عن التنميط، ويمنحها الحرارة....
ويقوم هذا التبويب علي المنسوخ والمطبوع، وبين الصريح والموثق فتكرر في التكوين ما بين المساحة اللونية والمساحة الزخرفية، ويزداد غني بعلاقة التناسب بين الحار والبارد، وبين الأسود والأبيض.

إنّ هذه العلاقات تنشد علاقة الغرابة بين لوحة الصمودي المعاصر وبين المخطوطات والمنمنمات والجداريات والسجاد الإسلامي، تمثلها الانفعالات الحروفية في هامش صفحة المخطوط، التي تتضمن في خلفياتها السمولوجية إشارة للاستمرار الثقافي الموثق والمتداول، وهي استعارات من الخط والتوريق الزخرفي أو تسجيلات... استعارات واقتباسات تؤكد انتماء الفنان وفق تفرعاته التجريبية وانفتاحا لرؤاه الروحية.
تحدث في هذه المناسبة فنانون ونقاد آخرون، فسعد القاسم أرسل مادة من القاهرة قرأها الفنان مصطفي علي نيابة عنه، كذلك تحدث الأستاذ نشأت الزعبي، تحدثوا عن أشياء حميمية وشخصية لكنها لم تضف كثيرا بالمعني النقدي، ثم عرض فيلم مقامات صوفية عن شخصية الفنان الصمودي وتجربته، هذا الفيلم الذي أخرجه محمد قارصلي كان جزءا من مشروع توثيقي للمشهد التشكيلي السوري، وتحديدا للفنانين المهاجرين منهم أو المنفيين، لكن المشروع توقف بعد تصوير ثلاثة أفلام، توقف لأسباب مالية كما يؤكد قارصلي، فحثي التلفزيون السوري لم يشتر هذه الأعمال، لكنها كانت مناسبة لأن نلتقي بالراحل المحتفي به عبد اللطيف الصمودي وهو يرسم، وهو يتوقف مع تفاصيل الأشياء، وهو يعمل بقوة وكثافة كانت مدهشة لكل من عرفه، وقد شكل هذا العرض مقدمة ضرورية لإعادة النظر بالمعرض الاستعادي الذي أقيم بهذه المناسبة، وقد ضم نماذج من أعمال الصمودي ومن تجاربه الفنية المتميزة.

القدس العربي
2005/07/18

***

غياب الفنان السوري عبد اللطيف الصمودي
اللوحة نوطة بصرية ومواجيد لونية

أسعد عرابي
(سوريا/باريس)

عبد اللطيف الصمودي اختطف الموت باكرا قبل أيام قريبة (24/6/2005) الفنان المعروف عبد اللطيف الصمودي (من مواليد 1948) فخلّف لوعة فنية وإنسانية لما يتمتع به من خلق وخيال وموهبة. هو من ابرز الفنانين السوريين المهاجرين في الخليج. ارتبط نشاطه بشراكته الأساسية في تأسيس (بينالي الشارقة)، ومنذ ان كان مخيما بسيطا في (الاكسبو) تابعا (لدائرة الثقافة) (بالتعاون مع الإماراتي هشام مظلوم والسوداني يوسف عيدابي)، هيأت له مسؤوليته في الازدهار المتدرج للبينالي (عضو مثبت في لجنته العليا منذ 1993) الاتصال والتواصل والتعرف عن قرب بالفنانين العرب والأوروبيين. هو ما يفسر خصوبة أسلوبه وشموليته، خاصة أنه عرف بنشاطه الكثيف في المعارض المتعددة المواقع، وبتسارع هذا الإنتاج على المستوى الكمي والنوعي بطريقة جهنمية انتحارية وكأنه يسابق الزمن، وهو ما أرهق قلبه وأضعف جسده باكرا. نعثر على مئات من لوحاته في العديد من صالات العرض العربية ما بين دبي ودمشق وبيروت وعمان، نال أكثر من جائزة في البينالات العربية (أحداها كان لي شرف المشاركة بتقليده إياها في القاهرة). شارك مع النحات مصطفى علي في الكثير من المعارض، واشترى محترفه السابق الكائن في ركن الدين، وكان من المفروض ان يستلمه منذ يومين. وبسبب العلاقة التوأمة التي تربط الاثنين فقد هيأ مصطفى علي في صالته (دمشق القديمة) معرضا تكريمي لأعماله، وندوة سيشارك فيها كل من د. عفيف البهنسي وسعد القاسم وعبد الله السيد إلى آخرين وذلك خلال الأسبوع الأول من ذكرى وفاته. يقوم فنه على (التوليف) وصهر العناصر المتباعدة بعد استحواذ حساسيته عليها، بصفته السائح أبدا بين مستقره في الشارقة ومرتع خياله الطفولي في حماه. وحيث انتهل ثراء إشاراته من سطوح العمارة الإسلامية (الفسيفساء والزيلليج والسيراميك) وزخارف الأقمشة والسجاجيد والبسط الحموية، ناهيك بصناعاتها النورانية الزجاجية، رسم المدينتين في أكثر من مناسبة.

إذا قربنا مجهرنا من خصائص تجريداته (رغم شرودها الأسلوبي أحيانا) وجدناه منتسبا بصيغة صريحة إلى (مدرسة حماه)، في التصوير، بل قد يكون من أبرز ممثليها بسبب موقعه البرزخي المتوسط بين الرائدين: مصطفى النشار (مقيم في ليون) ونشأت الزعبي (العائد بعد سنوات غياب طويلة في الكويت). وتراوح منهجه بين التجريد والتشخيص يكشف هذه المراوحة بين الاتجاهين كما هي بشكل مناظر ما بين تجريدات بول كلي وعرائس هنري ماتيس (عبورا بغنائية مدرسة باريس: من بازين وسانجييه وحتى غواتيلو، دون إهمال مدرسة نيويورك ما بين ارشيل غوركي وتوبي).

نوطة مشرقية

عبد اللطيف الصمودي ورث عن مدرسة حماه (مثله مثل ابراهيم جلل في باريس وحضرموت في حماه) عقيدة حياكة الفراغ الشطرنجي بخصوبة سردية باروكية. يجمع في هذا التراث ما بين مصادر الإشارات الهندسية (المربع والمثلث) والزخارف العضوية (الارابسك) من أنماط حلزونيات الرقش الإسلامي. يستضيف في هذا المختبر الكرافيكي أحيانا الإشارات والرسوم السحرية لحيوانات الكهوف (ما قبل رسوم التاريخ).
تنضبط تكويناته غالبا ضمن (طوبوغرافية) إيقاعية تجريدية تستعيد نظام (هوامش) صفحات المخطوطات ورسومها (المنمنمات)، يلعب نفس ألاعيب شرود الحليات والعناصر من باطن الصفحة إلى الهوامش. أما في الداخل فتنتظم مفرداته (من وحدات المربع والمثلث إلى الحلزون والسهم) وفق نوطة مشرقية تتوازى مع نظام (سماعي) المقام الأفقي في الإنشاد الصوفي.
يستقي صبوة التراشح بين السمع والبصر من ذائقته التصوفية ومن خاصة عقائد بول كلي الذي كان مصورا وموسيقيا.

تفرخ مفرداته وتتخلق من ذاتها بطريقة التداعي الحدسي (القلبي)، يروض خرائطها الشطرنجية أحيانا بالقص وإعادة تنسيق الملصقات حتى يشارف شطرنجية علم الإعداد والأحرف والمربعات (الاوفاق)، يلتقي هنا في بعض شطحاته مع الخربشات العدمية للعراقي شاكر حسن معرجا على تعاويذ الجزائري بن بيللا وعابرا من السردية الميثولوجية (ذات الفراغ الفلكي) للتونسي قويدر التريكي.
تعوم خطوطه السوداء الرهيفة (مثل بول كلي) على المساحات الكونية دون ان تتطابق معها، بحيث يبدو الطرفان وكأنهما نوطتان متزامنتان.

إذا كانت مصادر الصمودي الكرافيكية متباعدة الأصول فان موهبته الكونية تتفوق في خصوصيتها على الأولى، معتمدا على (مقام) لوني نوراني عام مسيطر، يرصّع في رحابته لآلئ وشظايا الألوان المشرقة المشرقية، هو المنهج المعتمد في تقاليد تلوين المنمنمات العباسية والصفوية وسواهما.

ترك الصمودي ثروة ضخمة من اللوحات، ولكنها تحتاج إلى فرز حتى لا تضيع التجارب التأملية منها بالمتسرعة (والتسويقية). لكن غيابه يكشف قوة تأثيره وأهميته.
نقل جثمانه من الشارقة إلى مدينة النواعير الحزينة، لعله كل ما بقي من استرداده كثروة فنية ضائعة، مثله مثل بقية فناني حماه المحكومين بالهجرة وشدة الترحال والحنين المتقرح إلى المكان الأم.

السفير
2005/07/02

*****

الرسام الراحل عبداللطيف الصمودي شرقي اللون والنور

مهى سلطان
(لبنان)

عبد اللطيف الصمودي شاعر الكلمات واللون، متواضع لطيف صموت، شغوف بفنه وجذوره أقصى الشغف. عبداللطيف الصمودي الفنان التشكيلي السوري (1948- 2005) الذي رحل باكراً عن 57 عاماً، كان قد ابتكر اتجاهاً خاصاً به في التجريد- الشرقي الحديث. عرف انطلاقته الفنية في دولة الإمارات العربية منذ أوائل ثمانينات القرن الفائت، كمنظم للجمعيات والملتقيات الفنية، وكمنشط ثقافي لبينالي الشارقة في مختلف دوراته، واجداً في احتكاكه مع الفاعليات الغربية والعربية على السواء، مكانته المتميزة كفنان يتمتع بالبعد الوجداني ذي النزعة الصوفية. حائز جوائز عدة من بينالات عربية ودولية (أبرزها الشارقة والقاهرة وبنغلادش).

عرف الصمودي كيف يقطف حنينه إلى أمكنة طفولته في حماة - مسقط رأسه، ومشاهداته البريئة للتراث المعماري والزخرفي في أحياء دمشق وأزقتها وما تركه الزمن من علامات ورموز على جدرانها القديمة. وقد استوحى هذه الجدران في استعادته لتراث الماضي، لا سيما الرقش في الفنون الإسلامية. لكنه لم يقتبس إلا من مفرداته وعناصره في نسج عالمه ولم يتوغل إلا في أسراره ولم يتعاطف إلا مع تأملاته للأشياء والكائنات وموجودات الطبيعة. وطالما عانق ببصره ضفاف نهر بردى وأشجار غوطة دمشق وفروع نباتها. كل ذلك كوّن لديه مخزوناً بصرياً اشتغل عليه بحواسه وأدواته البسيطة، كي تعيش كائناته في ذاكرة اللوحة كما تعيش الأشياء الراكدة تحت سطح الجلد أو تحت سطح مياه النهر. ومن فعل الجريان والانبساط الأفقي استمدت لوحات الصمودي قاماتها الكبيرة، كسجادات شرقية معلقة، حالمة تضج بالألوان الحارة والأضواء المشمسة.

كثيراً ما استخدم طريقة المشكاة في رؤية العوالم الداخلية، لتبدو أشكاله مبهمة مجردة من المعنى، في منقلب السعي إلى الروح. هكذا تحول لديه المخزون التخيّلي إلى مخزون بصري، يعج بالتفاصيل والأشكال النباتية والزخارف على سطح ذي بعد واحد، ما هو إلا ساحة غير محددة بالمنطق، لا يلبسها معنى ولا يحدها عمق ولا بعد ولا جاذبية، بل هو سطح مستقل أو كوكب صغير، يشخص أحيانا كحديقة من عالم فردوسي، فيه امتلاء واشتهاء، فيه أشجار وفروع ومدرجات. هو غيض من فيض كما يحلو للصمودي أن يدعوه.
فالإيهام الشعري طغى على أسلوب الصمودي، كي يميز نوع التجريد الذي أحب أن يزاوله، بعذوبة وجزالة فيهما الكثير من الإشراق. فتجريد الشكل لم يستبعد الأثر الإنساني العميق، الذي يتبدى كعالم سيميولوجي شبه مقروء، مسكون بالخطوط العشوائية والأثلام والنباتات البرية وحوافي الجدران والشرفات في تجسيد حنانه للأمكنة. فثمة أنواع من الفضاءات تعم اللوحة، في لبس بين فضاء الداخل والخارج، بين الفارغ والمملوء، أي بين الجزئيات والمساحة الكلية. وإن كان التناقض بيّناً في تلاعب الضوء ومساربه بين الليل والنهار، فإن الزغل البصري الذي تصل إليه اللوحة يكاد يكون المنتهى الذي ليس بعده إلا المطلق حيث لا بداية ولا نهاية.

فاللوحة لعبد اللطيف الصمودي، هي طريقة حياة، ملعب وجود، هي وطن بديل حين يضيق عليه المكان، أو المحترف الذي يملأه بالاستذكارات. والفنان تلقائي حاضر الذهن وطليق في آن، يعرف مبتغاه في لعبة الإيهام والتشفيف والتمويه والتلصيق. تحضره الأفكار والصور، لكنه يعتني أكثر ما يعتني بالتفاصيل التي تتوالد بعضها من بعض، بغية تشكيل قماشة زخرفية تدنو من غرافيكية ألشنسكي في توقيع المفردات الخطية، بحرية أقرب إلى الحدس، كما تدنو من جمالية أعمال ماتيس بالإحساس والامتلاء. هذا الامتلاء الذي يدعوه الصمودي مقامات، لفرط التشابه بين الإضافات النغمية والإضافات اللونية.

هكذا بدت لوحاته سطوحاً من ارتعاشات لونية، رقصاً من ماء ونور. لطالما ردد: "النور سيدي واللون مملكتي". عبد اللطيف الصمودي الذي عاش كما يحلو له في مملكته، لم يمكث طويلاً ولكنه أفرغ كل ما لديه من حب وحنين وشعر ووجد، وقبل أن يخلد إلى الراحة الأبدية في خلوة الصمت، ترك إنتاجا يخلفه كي يصافح العيون.

الحياة
13/07/05


إقرأ أيضاً:-

أعلى