خلال الأشهر القليلة المقبلة يصدر عن وزارة الثقافة المصرية كتاب ضخم عن المذهب السريالي في الأدب والفن التشكيلي والمسرح والسينما، الكتاب من إعداد وترجمة وتقديم الروائي والقاص البحريني أمين صالح. وقد وقع اختيار وزارة الثقافة المصرية على هذا الكاتب البحريني لما له من وزن في الحركة الأدبية ليس في البحرين وحدها وإنما على صعيد خليجي وعربي.
ولم يكن أمين صالح كأديب وقاص وروائي وحده هو البحريني الذي يشار إليه ببنان الاهتمام والتقدير، فالشعب البحريني غني بكفاءاته المبدعة في مجالات الأدب والفن والمسرح والفن التشكيلي والاقتصاد والتجارة والادارة. انه شعب مبدع في ذاته وانجازاته.. من هنا فإن جلالة العاهل الكريم حمد بن عيسى آل خليفة يعبر عن اعتزازه دائما بالانسان البحريني ويسعى الى اتاحة الفرص أمامه لممارسة حرياته وابداعاته.وهذا هو أيضا ما أشار إليه سمو رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة عندما أعلن وردد مرارا وتكرارا أن ثروة البحرين الأساسية في انسانها، ولم يجاف سموه الحقيقة عندما أكد ذلك في مناسبات عدة، ففي مجال الابداع الأدبي تبرز البحرين خليجيا وعربيا وتفرز دوما كتابا ومبدعين في مجال الفكر والنقد الأدبي والقصة والرواية والشعر والشعر النثري حتى ان البحرين تعد من القدم القريب والبعيد بؤرة من بؤر الابداع والثقافة. تفرغ للإبداع وللأديب القاص والروائي أمين صالح عدد من المؤلفات والاصدارات آخرها الكتابة بالضوء في السينما - اتجاهات قضايا وأفلام، أما سلم الاصدارات الأدبية قصصية وروائية فأول سلمة فيه كانت عام 1973 باصدار مؤلف هنا الوردة، هنا نرقص، وهي مجموعة من القصص القصيرة. ويتدرج سلم الابداع عند أمين صالح درجة درجة.. سلمة اثر سلمة.. الفراشات، الطرائد، ندماء المرفأ، ندماء الريح، الجواشن مع قاسم حداد، ترنيمة للمجرة الكونية، السينما التدميرية (ترجمة)، مدائح، هندسة.. خرائط، موت طفيف، الوجه والظل في التمثيل السينمائي. بين الشكل والمضمون وقد تدرجت موهبة أمين صالح مع تدرج اصداراته من القصة القصيرة إلى الرواية ولم يقتصر التدرج على الشكل بل شمل التدرج المضمون أيضا فتداخلت عبارات الكاتب القصصية وخرجت من نمطية الكتابة القصصية الى فضاء الومضات الشعرية والخواطر النثرية وشكل هذا التداخل المضمون القصصي لأمين واعطاه شكلا ابداعيا متميزا نأى به عن البدايات والنهايات والعقدة وحلها في المعالجات القصصية حتى استحق بصدق وبحق تقدير الدولة فمنحته التفرغ الأدبي بدعم من الوزير محمد المطوع أيام أن كان وزيرا للإعلام ومؤازرة من المثقف الكبير الأستاذ الدكتور عبدالله يتيم. بداية الرحلة والواقع ان رحلة ابداع أمين صالح رحلة طويلة وشائكة بقدر ما هي شائقة، ولولا أن موهبته تمكنت من التغلب على نمطية حياته من البداية لما كسبنا في البحرين القاص والروائي أمين صالح ولظل هذا الأديب حبيس عمل متواضع كمحاسب مع الارقام والميزانيات في مجال مكاتب السفريات والسياحة والسفر. ولكن كيف نبشت هذه الموهبة صخر الحياة لتخرج منه مياه الابداع؟ تلك حكاية تروى ويتوقف عندها أي متأمل لسطور ابداع أمين.. وكيف كان السطر الأول فيها. حسناء فريق الفاضل هو من مواليد وأبناء فريق الفاضل ففي أزقة ودواعيس الفريق عاش مع لداته وعندما شب عن الطوق.. وفي سن المراهقة طرق الحب - من طرف واحد - باب قلبه فتفجرت ينابيع الابداع بعفوية. كانت ابنة الفريق تسير الهوينى رائحة غادية وتميزت بجمال غريب أضاف إليه من خياله الكثير.. كان ينتظر مرورها بين الفينة والفينة ولا يسمح لنفسه بمحادثتها... فقط اكتفى بالتأمل.. وقاده التأمل إلى ان يكتب فيها ما كتب.. وما كتبه لم يكن جديدا ومثيرا.. لكنه كان البداية، وتوالت البدايات المتميزة في كراسة الإنشاء عندما كان تلميذا بمدرسة أبوبكر الصديق وتطورت مهارته في اللغة العربية وأمسك بلجامها في مدرسة الحورة ثم امضى عامين في الدراسة بثانوية المنامة، وكان له رافد ثقافي آخر تمثل في خاله المثقف الذي كان يكتب فصولا مسرحية بالعامية المحلية. كان هذا الخال هو الالصق به لما رآه من موهبة متجسدة فيه وواعدة بكاتب مجيد وقد اتاح له ذلك الاطلاع على ما زخرت به مكتبة الخال من كتب ومؤلفات كانت زاده وزواده.
محمد الماجد أخذ بيدي وبعد عدة قراءات متصلة واطلاعات مختلفة جرب حظه في كتابة القصة القصيرة في نمط روائي تأثر فيها بمن قرأ لهم من أدباء وكتاب امثال يوسف السباعي ومحمد عبدالحليم عبدالله ودفع أمين بهذه القصة إلى جريدة الاضواء عام 68 وتسلمها الاديب الراحل محمد الماجد ونشرها.. فكانت الفرحة غامرة.. ولم تكن ولادته ككاتب قاص متعثرة وان سبقها مخاض عظيم من المعاناة والدأب والحيرة وتوالدت كتابات أمين صالح القصصية ذات المنحى الرومانسي.. لكنه مع نمو نضجه الادبي والاجتماعي ازداد وعيه بواقع الحياة وبما يمتزج فيها من تناقضات وبدأت اهتماماته تختلف مركزة في الواقع مودعة الرومانسية، وكلما قرأ وعاش أوغل في الكتابات الواقعية، أثر فيه كتاب الأدب الروسي والأمريكي دستوفسكي وكافكا وغيرهما. من الرومانسية إلى الواقعية عندما هزت نكسة أو هزيمة 67 الوجدان العربي نالت هذه الهزيمة من وجدانه الأولي فبدأ منذ حقبة الستينيات إعلان التمرد على الاشكال الادبية النمطية السائدة مستفيدا من الاشكال الاوروبية وتيارات الوعي واللاوعي والمعقول واللامعتدل وفي تلك الحقبة نفسها كان الوضع السياسي العربي متداعيا في الوقت الذي قويت فيه شوكة اليسار وصاحبت ذلك حقبة ثقافية خصبة كان ابطالها فرويد وماركس وانجلز ولينين، وقد أسهم ذلك في تكوين رؤى مختلفة انعكست على اساليب المعالجات الادبية من حيث الشكل والمضمون وادرك المثقفون انه من باب السذاجة الفكرية التصور انه بامكان الادب تغيير الواقع المعاش اقتصاديا وسياسيا. الادباء يعبرون لا يغيرون يقول أمين صالح ومع الوقت ترسخ في قناعتنا ان أي تغيير لا يتم من خلال الكتابة وان الكتابة والادب كلها عوامل مساعدة، وقد لوّن هذا كله أدوات الكاتب واسلوبه في المعالجة ورسم علاقته بالعالم ونبه إلى ان الصدق في التناول هو أساس الرؤية من زوايا غير نمطية أو الادعاء بامتلاك الكاتب المعرفة وحده. ويرى أمين صالح أن تلك الفترة شهدت حركة نقدية أدبية حميمة سداها ولحمتها مجموعة اصدقاء منهم الشاعر علي الشرقاوي والشاعر قاسم حداد وأنا معهم كنا نمارس النقد لأعمال بعضنا بعضا وكنا صارمين وقساة على أنفسنا. وفي المقابل كانت هناك حركة نقدية رافضة بعض الاتجاهات الجديدة منها الدكتور محمد جابر الأنصاري والاستاذ حسين الصباغ. كما برزت أسماء في عالم النقد واكبت الانتاج الأدبي، ومن الأسماء في تلك الحقبة أحمد المناعي، إبراهيم غلوم، علوي الهاشمي. تمرد على الشكل الأدبي والحقيقة ــ يقول أمين صالح ــ ان وعينا بعلاقة الأدب بالسياسة جعلنا نتمرد على التقاليد والأشكال النمطية لكتابة الشعر والقصة.. كان هناك انحياز إلى قصيدة النثر وتحطيم الأشكال السائدة الموجودة في اللغة والبحث عن علاقة جديدة بين مفرداتها فلا استسلام للسجع والمحسنات.. انما البحث عن شيء مختلف سواء في القصة أو القصيدة فبدأت القصة تقترب من الشعر وأصبحت القصة ومضة وقد عبرت عن هذا في مجموعتي الأولى هنا الوردة، هنا نرقص. خرجت من حالة إلى حالة من دون الاهتمام بالسرد التقليدي الزمني (بداية ونهاية للقصة) وسرت على هذا النمط في المجموعة الثانية (الفراشات) وتطور الأداء القصصي في ندماء المرفا، ندماء الريح وتداخلت الحدود بين القصة والقصيدة والخاطرة والمسرحية فيما سمي النص المفتوح. والواقع ان هذا التداخل موجود ونجده في قصة ألف ليلة وليلة ونجده في كتابات جبران خليل جبران بل نجده حتى لدى الصوفيين، فمن خلال هذا التداخل نحقق رغبة ذاتية وموضوعية في ذات الوقت، فالكتابة مغامرة لإثارة القارئ. من إدريس إلى كافكا ويعترف أمين صالح بأن بداياته كانت اهتماما بالقصة القصيرة والآن هو يتجه إلى كتابة الروايات ويشير إلى أن كتابة القصة القصيرة هي الأصعب فهي في حاجة إلى تكثيف وتركيز أما الرواية فأمام الكاتب أرض براح للتحرك فيها برؤاه ومن هنا - يقول أمين - إنه تأثر في القصة القصيرة من البدايات بنجيب محفوظ ويوسف إدريس وزكريا ناصر وكافكا وانطون تشيكوف. أما في الرواية فتأثر من الروايات الأجنبية بمؤلفات فوكر وكافكا. وجوه واعدة ويرى أمين صالح أن البحرين واعدة بكتاب قصة وشعراء مبدعين وإن كانت الأصوات في الشعر أكثر. ففي الرواية حسين المحروس وهو كاتب لافت للنظر ويشكل صوتا متميزا. وفي الشعر حسين فخر، سوسن دهنيم، فاطمة محسن، أحمد الستراوي، أحمد راضي، مهدي سلمان. ويتوقف أمين صالح عند الحركة النقدية الأدبية في البحرين باعتبارها تؤثر ايجابا وسلبا في الحركة الأدبية الإبداعية بشكل عام، ويرى أن الحركة النقدية الآن ليست من القوة بمكان، فالنقد الموجود لم يعد يهتم بالنص نفسه فهو مفرغ من النقد الثقافي. ويقول هناك أسماء نقدية مهمة لكنها لا تشكل حركة قوية، ففي القصة القصيرة والرواية جعفر حسن وإبراهيم غلوم وعبدالله جناحي وفي الشعر نادر كاظم وعلي ديري. التعبير عن مجتمع جديد ويرى أمين صالح أن البحرين تعيش مرحلة تاريخية ثقافية سياسية جديدة بما تشكله من علاقات اجتماعية وثقافية ومطلوب من الوجوه الجديدة في الأدب والشعر طرح أشكال جديدة وأسئلة مختلفة تعبر عن هذه المرحلة ورؤيتها لهموم المجتمع وكيفية تخطيها. فعلى أيامنا كانت همومنا واضحة ورغبتنا في التغيير أيضا. والآن لا وضوح ولا رؤية، فالكاتب عليه أن يسأل باستمرار ولا تستقر قناعاته عند وضع معين فالحياة متطورة. مجتمع البحرين.. عود على بدء ومع ذلك فإن لأمين صالح أمنيات غاليات، تتلخص في أن يعود مجتمع البحرين إلى حقبة الستينيات والسبعينيات ببساطة الإنسان وتسامحه بعيدا عن النظرة الضيقة والاعتراف بالآخر حتى لا يتحول الشارع البحريني إلى حلبة صراع. يجب علينا ألا نسيء فهم الديمقراطية وأسلوب ممارستها فنأخذ منها الشكل فقط من دون الروح والجوهر، ونجعل الحوار هو الأساس في الاعتراف بالآخر والتفاهم معه.
اخبار الخليج
9- 8- 2008