(نصوص طاوية)

ترجمها و قدّم لها: محمد الخالدي
(مصر)

خيل إليّ? ?أنني أري رمادا رطبانشأت التيارات الفكرية و الفلسفية و الدينية في الصين وتطوّرت على امتداد حقبة طويلة من الحروب أثّرت تأثيرا عميقا في التنمية السياسية و الاجتماعية للبلاد.و كانت الصين،حتي القرن الخامس قبل الميلاد منقسمة إلي عدد كبير من الإمارات الإقطاعية المتحاربة فيما بينها.و في الثلث الأوّل من القرن الثالث انتصرت إحدي هذه الإمارات على منافساتها وأصبح أميرها أوّل إمبراطور للصين الموحّدة.

وكان "كونغ - كيو أوكونفوشيوس"،كما اشتهر فيما بعد،قد أسس،في بداية القرن الخامس قبل الميلاد،أوّل مدرسة فلسفيّة شكّلت انعطافة حاسمة في تاريخ الصين و حضارتها.و إذا كانت هذه المدرسة هي الأولي تاريخيا،إلا أنّها لم تعدم مدارس مزاحمة لها،كانت من الكثرة حتي أطلق عليها "المدارس المائة" ومنها بالطبع المدرسة الطاوية لمؤسسها "لاو تسو" صاحب "الطاو- توكينغ" الشهير و معناه "كتاب الطريق".لكن هذه المدارس اندثرت كلّها و لم يصمد منها سوي "الكونفوشيوسية" و "الطاوية".

و إذا كانت الأولي قد تركت بصماتها على مختلف جوانب الحياة العامة و وسمت أسلوب الحكم بميسمها فكتب لها البقاء،فإنّ الطاوية ظلّت حيّة بفضل ما تميّزت به من عمق روحيّ.و لتقريب الصورة يمكن القول إن "الكونفوشيوسية" تمثّل الظاهر فيما تمثّل "الطاوية" الجانب الباطني أو الصوفي.
أما النصوص التي نقدّمها هنا و التي لم يسبق ترجمتها إلي العربية على حدّ علمنا،فهي لاثنين من كبار الطاويين عاشا في القرن الرابع قبل الميلاد هما "لي- تسو" و " تشوانغ- تسو".و يعتبر هذان الحكيمان من الأوائل الذين نشروا الطاوية على نطاق واسع،حتي عُدّا من أبائها المؤسسين.و لولاهما لما كان لها كلّ هذا التوهّج حتي يوم الناس هذا.

و هذه النصوص هي عبارة عن قصص و أمثال و حكم و نوادر صيغت بأسلوب رمزي يجمع بين البساطة العميقة و الشاعريّة الأخاذة.
كما أنّها لا تخلو من روح السخرية اللاذعة التي اشتهر بها المتصوّفة الطاويون و لا سيما عندما يعرّضون ب"كونفوشيوس" و أمثاله من السفسطائيين.
إنّها نصوص تتجاوز المكان و الزمان لتفاجئنا ب"حداثتها" رغم أنّها تعود إلي ألفين و أربعمائة عام.
أما المصدر الذي اعتمدناه فهو كتاب الدكتور "ليون فييجي"(L.Wieger) "مؤسسو المذهب الطاوي" (Les Peres du système Taoiste) ،الذي ضمّ ترجمة لهذه النصوص إلي جانب أصلها الصيني.أما العناوين فهي من وضعنا و ذلك حتي نسهّل على القارئ الولوج إلي عالم هذه النصوص النادرة و المتفرّدة.

درس في السّرقة

كان في بلاد "تسي" رجل يدعي "كوؤ" وكان غنيا جدا وكان في بلاد "سونغ" رجل يدعي "هيانغ" وكان فقيرا جدا.ذهب الرجل الفقير إلي الغني وسأله ماذا فعل ليصبح غنيا فقال له:"بممارستي السرقة.فعندما بدأت أسرق حصلت،خلال سنة،على ما يفي بحاجتي.وفي غضون عامين أصبحت في بحبوحة،وخلال ثلاث سنوات أصبحت موسرا ثم أصبحت من الأعيان،ولأنه أساء فهم ما قصده الغني بالسرقة،لم يطلب الفقير المزيد من الإيضاحات.فودّعه والأرض لا تكاد تسعه من الفرحة وشرع للتو في السرقة،يتسلق الجدران أو يثقبها،مستحوذا على كل ما يتفق ورغبته.لكن ما لبث أن ألقي عليه القبض.فأعاد ما استولي عليه إلي أصحابه وخسر،زيادة على ذلك،القليل الذي كان يملكه من قبل،شاكرا ربه على أنه لم يتعرض للمزيد من الويلات.ولاعتقاده بأن "كوؤ" قد خدعه،ذهب إليه ولامه لوما شديدا.فسأله "كوؤ"،وقد عقدت الدهشة لسانه:
- كيف تصرفت؟

وعندما روي له الفقير طريقته،صاح "كوؤ":لم أجمع ثروتي عن طريق هذا النوع من السرقة:فأنا سرقت،بحسب الوقت والظروف،ثروات السماء والأرض والمطر والجبال والسهول،فقد استحوذت على ما نَمَتْه وأنضجته،واستحوذت على الحيوانات البرية في البراري وعلى الأسماك والسلاحف في المياه... إن كل ما عندي سرقته من الطبيعة، ولكن قبل أن يؤول إلي شخص.أما أنت،فقد سرقت ما منحته السماء لأشخاص غيرك.
انصرف "هيانغ" غاضبا،مقتنعا أن "كوؤ" مازال يخدعه.في طريقه التقي حكيم الضاحية الشرقية وأخبره بقصته.
- نعم،قال له هذا الأخير،فكل تملّك سرقة.حتي الكائن والحياة سرقة لجزء من إيقاع الين واليانغ.والأحري أن يكون كل تملك لكائن مادي هو سرقة تتعرض لها الطبيعة. لكن لا بد من أن نميز بين سرقة وأخري.فسرقة الطبيعة سرقة عامة يرتكبها الجميع. ولا يعاقب عليها.أما سرقة الغير فسرقة خاصة ويعاقب عليها.إن كل الناس يعيشون من سرقتهم للسماء والأرض،دون أن يكونوا في هذا لصوصا.

سوء فهم

كان "يانغ-تشو" في طريقه إلي "باي"،وكان "لي تسو" قاصدا "تسيم" فالتقي الاثنان في "كينغ".عند رؤيته "ليانغ-تشو"،رفع "لي-تسو" عينيه إلي السماء وقال متنهدا:-كنت آمل لو علّمتك،ولكنني أري أن لا سبيل إلي ذلك.لم يقل "يانغ-تشو" شيئا.وعندما وصل المسافران إلي دار الضيافة حيث كان عليهما أن يمضيا الليل،أحضر "يانغ-تشو" بنفسه كل ما يلزم من لوازم الحمام أولا.وعندما استقر "لي تسو" بعد ذلك في غرفته،بعد أن ترك حذاءه عند الباب،دخل "يانغ-تشو" زحفا على ركبتيه وقال له:لم أفهم ما قلته بشأني عندما رفعت عينيك إلي السماء وتنهدت.ولم أشأ أن أطلب منك تفسيرا لذلك رغبة مني في عدم تأخيرك في سيرك. أما الآن،فقد فرغت من عملك، فالرجاء أن توضح لي معني كلامك._ إن لك،قال "لي-تسو" هيئة منفرة،في حين أن الحكيم يكون مرتبكا مهما كانت نزاهته ويري في نفسه النقص مهما كانت درجة كماله _ سأستفيد من درسك قال "يانغ-تشو" وهو منزعج جدا.
في تلك الليلة أهان "تشانغ-تشو" نفسه إلي درجة أن عمال دار الضيافة الذين خدموه عند وصوله باحترام،لم يولوه أي اعتبار عند مغادرته في صبيحة اليوم التالي (في الصين،يكون احترام الخدم متناسبا وغطرسة المسافر).

درس في الرماية

كان "لي-أوكيو" يمارس الرماية بالقوس بحضور "باي-هون-أو-جين" وقد شُدّ إلي مرفقه الأيسر إبريق ملآن ماء،كان يوتر القوس بيده اليمني إلي أقصاها ثم يرمي،ثم يضع سهما أخري ثم يرمي،وهكذا دواليك وهو ثابت كأنه صنم، دون أن يتحرك الماء في الإبريق.
قال له "باي-هون-أو-جين":إن رميك هو رمي رامٍ للسهام لا يفكر إلا في رميه (الرمي المصطنع) وليس رمي رام لا يهمه رميه (الرمي الطبيعي)؛ تعال معي إلي إحدي القمم العالية على شفة هاوية لنري ما إذا كنت ستحافظ على رباطة جأشك هذه. وهذا ما فعله الرجلان.اتخذ "باي-هون-أو-جين" موضعه على حافة الجرف وظهره إلي الهاوية وقد برز عقباه بحيث لامسا الفراغ (في حين أن الرامي يتراجع إلي الخلف لكي يوتر القوس).وقبل أن يبدأ رميه حيا "لي-أوكيو" كما تقتضي بذلك الطقوس. لكن هذا الأخير،وقد أخذه الدوار،كان مطروحا على الأرض وقد تصبب منه العرق حتي بلغ عقبيه.قال له "باي-هون-أو-جين":إن الإنسان الكامل يحدق ببصره في أعماق السماء وفي سحيق الأرض،وفي الأفق البعيد دون أن يضطرب تفكيره.يبدو لي أن عينيك زائغتان وإذا ما رميت فقد لاتصيب الهدف.

القوة والضعف

هناك في هذا العالم طريقان:طريق الطاعة والاحترام وطريق العصيان والغطرسة. عرف القدماء أنصار كل منهما كما يلي:فالمتغطرسون لا يكنون المودة إلا لمن هم أصغر منهم.والمحترمون يحبون من هم أرفع منهم.والغطرسة محفوفة بالمخاطر، لأنها تجلب الأعداء،والاحترام أكثر أمانا لأنه لا يجلب إلا الأصدقاء.ومن يحترم غيره ينجح في حياته الخاصة كما في حياته العامة.في حين أن المتغطرس لا يلقي إلا الفشل.ولذلك،قال "أو-تسو" إن القوة يجب الحد من طغيانها على الدوام عن طريق التسامح،وأن التسامح هو الذي يضمن للقوة ديمومتها.وأن هذه القاعدة هي التي تسمح بأن نتنبأ، وبشكل أكيد،ما إذا كان هذا الشخص أو تلك الدولة ستزدهر أم ستضمحل. إن القوة ليست صلبة.في حين أن لا شيء يضاهي صلابة الرقة.لذلك قال "لاو- تسو": إن قوة دولة ما تجلب لها الخراب كما أن عظمة الشجرة تعرضها للفأس.الضعف حياة.والقوة موت.

حكماء

التقي أحد وزراء سلالة "سونغ" كونفوشيوس فسأله:-هل أنت حكيم حقا؟-لو كنت كذلك،أجاب كونفوشيوس،ما كنت أجبتك بنعم.وعليه سأقول فقط بأنني درست وتعلمت كثيرا.
- وهل كان الأباطرة الثلاثة الأول حكماء؟سأل الوزير
- لقد أحسنوا الحكم، أجاب كونفوشيوس،وكانوا أصحاب حنكة وشهامة.ولا أدري ما إذا كانوا حكماء.
- والأباطرة الخمسة الذين أعقبوهم؟سأل الوزير.
- هؤلاء أيضا،رد كونفوشيوس،قد أحسنوا الحكم،وكانوا طيبين وعادلين.ولا أدري ما إذا كانوا حكماء.
- والأباطرة الثلاثة الذين أعقبوهم،سأل الوزير.
- هؤلاء،قال كونفوشيوس:قد أحسنوا الحكم أيضا وفقا لزمنهم وظروفهم،ولا أدري ما إذا كانوا حكماء.
- إذن،قال الوزير مستغربا،من تعتبرونه حكيما؟
اتخذ كونفوشيوس هيئة في منتهي الجدية،فكر لحظة ثم قال:هناك "من بين رجال الغرب من يقال عنهم بأنهم يحافظون على السلم دون أن يحكموا،ويوصون بالثقة من دون أن يتكلموا.ويتصرفون بحيث يسير كل شيء على ما يرام دون تدخل منهم وبشكل خفي وموضوعي حتي أن الشعب لا يعرف أسماءهم.وأعتقد أن هؤلاء حكماء إذا صحّ ما يقال عنهم.لم يطلب وزير إمبراطورية "سونغ" المزيد من الإيضاحات، وبعد أن فكر قال:- لقد لقنني كونغ كيو (كونفوشيوس) الدرس.

تاثر

نُقل أحد الأطفال ممّن ولدوا في إمارة "ين" في أقصي الشمال،وهو صغير السن إلي مملكة "تشو" في أقصي جنوب الإمبراطورية حيث قضي حياته كلها،وعندما شاخ عاد إلي مسقط رأسه.وفي منتصف الطريق،وفيما كان يقترب من عاصمة "تسين"،قال له رفاق سفره يسخرون منه:
--"هي ذي عاصمة"ين"،مسقط رأسك.صدقهم شيخنا فامتقع وجهه وغشيه الحزن.ثم أشاروا إلي تلة وقالوا له:"هذه التلة هي قريتك التي ولدت فيها.فتنهد الرجل تنهيدة تفيض ألما وحسرة.ثم أشاروا إلي أحد البيوت قائلين له:"هذا بيت آبائك وأجدادك. فانفجر الرجل باكيا.وأخيرا أشاروا إلي مقابر مجهولة وقالوا له:"هذه قبورهم" عند هذه الكلمات أخذ الرجل ينتحب.عندها كشف له رفاقه الخدعة وقالوا له:لقد كنا نمزح معك فنحن في "تسين"،ولم نصل بعد إلي "ين"،فاضطرب الرجل وكظم عواطفه،حتي أنه عندما وصل إلي "ين"،ورأي فعلا عاصمتها،و التلة التي عليها قريته وبيت آبائه وقبورهم تأثر الرجل بالكاد وربما لم يتأثر أصلا.

الصمت البليغ

بعد أن أصبح بدوره حكيما،ظل "لي-تسو"،تلميذا للمعلم "لين"،حكيم "هوكيو"، وصديق "باي-هون-أو-جون" في الضاحية الجنوبية حيث كان يقيم أيضا الطاوي الشهير الذي لا نعرف عنه سوي إسمه:"نان-كوو-تسو"،حكيم الضاحية الجنوبية.وكان "لي-تسو" يتناقش يوميا مع كل من يحضر دون أن يكلف نفسه عناء معرفة الشخص الذي يواجهه.أما بخصوص "نان-كوو-تسو"،فقد كان جاره مدة عشرين عاما دون أن يزوره،وكان يصادفه في أحيان كثيرة في الشارع فلا ينظر إليه.استنتج تلامذتهما بأن بين الحكيمين عداوة.فسأل طالب حديث العهد "لي-تسو" بسذاجة عن السبب.فقال له "لي-تسو":لا يوجد بين "نان-كوو-تسو" وبيني أي عداء.فهذا الرجل يخفي إتقان الفراغ وراء مظهره الجسدي.فأذناه كفّتا عن السماع، وعيناه ما عادتا تريان،وفمه على الاهتمام بأي شيء،وعليه فلا فائدة من محاولة الإتصال به.وإذا أردتم فسنجرب ذلك.قصد "لي-تسو"،يتبعه نحو أربعين من تلامذته،"نان-كوو-تسو".كان هذا الأخير من الاستغراق في التجرد بحيث يتعذر إجراء أية محادثة معه.ألقي علي "لي-تسو" نظرة مبهمة،دون أن يتوجه إليه بكلمة واحدة؛ثم توجه إلي التلاميذ الجدد وقال لهم:-"أشكركم على شجاعتكم في بحثكم عن الحقيقة".ولم يزد على ذلك حرفا واحدا.عاد المريدون أدراجهم وكلهم دهشة.فقال لهم "لي-تسو":-ممّا تندهشون؟ إن من حصّل ما كان ينشده يكف عن الكلام.وكذلك الحكيم الذي صمت بعد عثوره على الحقيقة.إن صمت "نان-كوو-تسو" هو أكثر بلاغة من أي كلام.فهيئته الخاملة تخفي امتلاكه الكامل للعلم.لقد كفّ هذا الرجل عن الكلام والتفكير لأنه يعرف كل شيء.فممّا تندهشون؟ كف عن الكلام، وعقله عن التفكير.وهو لم يعد قادرا

القوي- الضعيف

كان "كونغ-إي-باي" مشهورا بقوته.فامتدحه أحد السادة الكبار يُدعي "هونانغ-هي-كونغ" لدي الإمبراطور "سوان-وانغ"،إمبراطور "تشيو".فدعاه الإمبراطور إلي المجيء إلي بلاطه.فكان علي "كونغ-إي-باي" أن ينصاع للأمر.و كان مظهره هزيلا.قال له الإمبراطور مندهشا:إن الناس يشيدون بقوتك.فما الذي تستطيع فعله؟ فقال "كونغ-إي-باي":أستطيع كسر ساق جرادة،ونزعَ جناح صرصار.لم يعجب ذلك الإمبراطور الذي قال: إن القوي،في نظري رجل يستطيع تمزيق جلد جاموس أو يمسك بتسعة ثيران يجرها من ذيولها.فإذا كنت قادرا فقط على ما ذكرت من أفعال،فلماذا،يا تري،يلهج الناس بقوتك؟
- إنه سؤال حكيم،قال "كونغ-إي-باي" وهو يتنهد ويتراجع إلي الوراء بكل تواضع. ولذلك،فسأجيبك بكل صراحة.كنت من تلامذة "شانغ-كيو-تسو" (أحد الحكماء الطاويين) الذي لم يكن هناك من يضاهيه في قوته في الإمبراطورية،ولكن كان الناس يجهلون ذلك،بما فيهم أفراد أسرته نفسها لأنه لم يكن يظهرها أبدا.وقد حضرت وفاة معلمي الذي ترك لي هذه المآثرة:إن الباحثين عن الشهرة لا يحصلون عليها إلا بإتيانهم أعمالا خارقة.أما من يكتفي بالأعمال العادية فإنه لن يشتهر حتي في عائلته.ومع ذلك،فإن هذا الموقف هو الأفضل في رأيي وأنصحك أن تحذو حذوي... وإذا كان أحد كبار السادة قد امتدح قوتي أمام جلالتكم،فذلك لأنني قد أكون أظهرت شيئا منها،مُخلاًّ بذلك بوصايا معلمي السامية،وهو يودع الدنيا... إن فضحي لنفسي لدليل على أنني لا أملك أية قوة.لأن الأقوي هو من يعرف كيف يُخفي قوته لا من يظهرها.

تواصل

الموسيقي تواصل مطّرد بين الإنسان والطبيعة كلها.وعندما يداعب "باأو-با" قيثارته ترقص الطيور وتقفز الأسماك.ورغبة منه في اكتساب هذه الموهبة،غادر "سو-وين" (الذي أصبح في ما بعد قائد الموسيقي في مدينة تشنغ) عائلته ليلتحق بالموسيقي "سو-سيانغ". قضي،في بادئ الأمر،ثلاث سنوات كاملة يتدرب على تحريك الأصابع واللمس دون أن يعزف أي لحن.وظنا منه بأنه لا يملك من الموهبة إلا القليل،قال له "تشو-سيانغ"،في نهاية الأمر:بإمكانك العودة إلي بلدك.وضع "شو-وين" قيثارته وقال وهو يتنهد:-كلا!... لست عاجزا ولكن لي هدفا ومثلا أعلى أسمي من العزف التقليدي المتعارف عليه.فأنا لم أملك بعد ما يجب لأوصل إلي الكائنات الخارجية التأثير النابع من قلبي.لهذا السبب لا أستطيع أن أستنطق قيثارتي فهي لا تعطيني حتي الآن الأصوات التي أريد.ولأن على أن أغادر فهاأنذا أفعل.سيكون مجرد غياب.وسنري ذلك عما قريب.وبالفعل،عاد "شو-وين"،بعد مدة ليلتحق ب"شو-سيانغ" من جديد.فسأله هذا الأخير:- إلي أين وصلت في عزفك.فقال "شو-وين":لقد حققت مثلي الأعلى وستري ذلك بنفسك.
كان الربيع في أوجه.داعب "شو-وين" الوتر "شانغ" الذي يجاوب البوق "نان" وفصل الخريف.فهبت ريح منعشة ونضجت الغلال.وعندما لامس في الخريف الوتر "كيا" الذي يقابل الجرس "كياو" وموسم الربيع،هبت ريح حارة وأزهر النبات.وعندما لامس،في الصيف،الوتر "أو" الذي يقابل الجرس "هوانغ" وموسم الشتاء،بدأ الثلج يتساقط وتجمدت مجاري المياه.
وعندما لامس،في الشتاء،الوتر "تشانغ" الذي يوافق البوق "جوي-بين" وفصل الخريف، سطعت الأشعة وذاب الجليد.وأخيرا عندما لامس الأوتار الأربعة معا لتحدث الانسجام الكامل هبت نسمة عذبة واختالت سحب لطيفة في الفضاء.ونزل طل معسول من السماء وانفجرت ينابيع خمرية من الأرض.
قال "تشو-سيانغ"،وهو يضرب صدره ويقفز (كناية عن الأسف):يا لك من عازف ماهر!... إنه يضاهي أو يفوق،من حيث قوته عزف كل من "شو-كوانغ" و "تسيو-يان". ولو حضرا لكان عليهما أن يتخليا عن القيثارة ويتناولا المزمار ليصاحباك في العزف.
مثال آخر عن التواصل الصوفي:كان "تشوانغ-تسو-كي" يدرك ما يدور بذهن "باي-يا" وهو يداعب أوتار قيثارته.وذات مرة،وفيما كان "باي-يا"، يحاول التعبير بواسطة أنغامه عما يوحيه جبل مرتفع،قال "تشوانغ-تسو-كي": حسنا... حسنا،إنه يشمخ كجبل "تايشان". ومرة أخري،وفيما كان "باي-يا" يحاول التعبير عن تدفق المياه قال "تشوانغ-تسوَكي": حسنا... حسنا،إنها تجري مثل "كيانغ" أو النهر... وهكذا،كلما خطرت فكرة ل"باي-يا"، كان "تشوانغ-تسوَكي" يلتقطها من خلال عزفه على أوتار قيثارته.وذات يوم،وفيما كان الصديقان يمران بشمال جبل "تاي-شان"،فاجأهما المطر فاحتميا بإحدي الصخور.ولكي يخفف من ضجر الانتظار،داعب "باي-يا" أوتار قيثاره وحاول أن يعبر،في بادئ الأمر عن تأثير المطر،ثم عن تأثير انهيار الصخرة.فأدرك "تشوانغ-تسوكي" على الفور،ما جال بخاطر "باي-يا" على التوالي،عندها،وضع "باي-يا" قيثاره جانبا،تنهد وقال:إن سمعك مدهش.فكل ما يخطر ببالي يترجم إلي صور في ذهنك،فأين أمضي إذا أردت الاحتفاظ بسر من أسراري.

حكمة

بعد خمسين عاما من الحكم،أراد "ياو" أن يعرف ما إذا كان لقيادته تأثيرات سعيدة وما إذا كان الشعب راضيا عنها.فسأل مستشاريه العاديين، أولئك الموجودين في العاصمة وخارجها.لكن ما من أحد استطاع أن يعطيه جوابا إيجابيا.عندها تنكر "ياو" وخرج يتجول في الطرقات.وهناك سمع طفلا يدندن بهذه الأغنية:"لقد اختفي الأشرار من جموع الشعب وكل شيء على ما يرام.وبدون أن يقال لهم ذلك،وبدون أن ينتبهوا إليه،يمتثل الجميع لقوانين الإمبراطور".سأل "ياو"،والفرحة تملأ قلبه الصبي عمّن علمه هذه الأغنية فردّ: المعلم.فسأل "ياو" المعلم:من ألف هذه الأغنية؟فأجاب بأنها من تأليف القدماء.
ولسعادته بأن حكمه قد حافظ على الوضع الراهن القديم.وبأن حكومته كانت قليلة النشاط حتي أن أفراد الشعب لم ينتبهوا إلي ذلك،سارع "ياو" بالتخلي عن العرش خشية أن يشوه مجده قبل وفاته

الحظ وسوء الحظ

كان لرجل يدعي "شو" ولدان.تميز الأول منهما بالعلم والثاني بالشجاعة والإقدام.قدم العالم نفسه إلي حاكم إمارة "تسي" الذي وافق عليه وعينه مربيا لأولاده.وعرض المقدام نفسه على ملك "تشو"،فأعجبه وعينه قائدا على جيشه ورفعه إلي مصاف الأغنياء والنبلاء. وكان ل"شو" جار يدعي "مونغ"،له،هو أيضا،ولدان اشتهر أحدهما بالعلم والثاني بالشجاعة.ولأنه كان في غاية الفقر فقد أثار فيه ما صادفه آل "شو" من حظ الغيرة. فاستفسر منهم عن كيفية تحقيق ذلك،فأخبروه دون لفّ أو دوران.ودون أن ينتظر،عرض ابنُ "مونغ" العالم خدماته على ملك "تسي".فقال هذا الأخير في نفسه:في زمن الحروب هذه لا أحتاج إلي جنود.وهذا المثقف الذي يعلّم الصلاح والعمل سيسيء إلي مملكتي ثم أمر بخصيه وطرده.وقدّم الابن الشجاع نفسه لأمير "وي".فقال هذا الأخير بينه وبين نفسه:إن لدولتي الصغيرة والضعيفة جيرانا أقوياء يُخشي بأسهم،على ألا أسيء التصرف معهم. وأن ألتزم جانب السلم.إن أي مظهر من مظاهر الحرب،مهما كان بسيطا،سيكلفني إمارتي. وعليه لا يمكنني أن أستخدم هذا الرجل المقدام دون التعرض إلي المخاطر.من جهة أخري،إذا تركته يمضي في سبيله دون أن أجعل منه إنسانا معاقا قد يذهب لخدمة أمير آخر ويتسبب في دماري.فأمر بقطع رجله وطرده.وعندما رأي الرجل العجوز ابنيه يعودان إليه مشوهين ضرب صدره من شدة الألم وذهب إلي جاره ليلومه.فقال له هذا الأخير:ينجح المرء عندما يكون الحظ مواتيا،أما عندما يكون الحظ عاثرا،فإن المرء لا يجني سوي المصائب.فولداك و ولداي قاموا بالمساعي نفسها.لكن النتيجة كانت مختلفة تماما.وهذا راجع إلي القدر وحده وليس إلي الوسائل المتّبعة... إن الحظ وسوء الحظ لا يخضعان إلي القواعد الرياضية.فالذي نجح بالأمس قد يفشل اليوم ومن يفشل اليوم ربما نجح غدا.إن النجاح لا يتحقق إلا في اللحظة المناسبة.ولكن ليس هناك قواعد تسمح بتحديد هذه اللحظة وحتي أكثر الناس حكمة قد يخطئ أحيانا في اختيار هذه اللحظة.بعد سماعهم لهذا الشرح استعاد "مونغ" وولداه هدوءهم وقالوا لجارهم:شكرا،لا تزد على ما قلت.لقد فهمنا.

تشوانغ - تسو المثل الأعلي

أراد الإمبراطور "ياو"، فيما مضي، أن يتنازل عن الإمبراطورية لوزيره "هويو"، فخاطبه قائلا:عندما تسطع الشمس أو القمر نطفئ المصباح،عندما يهطل المطر نطرح المرشة جانبا... إن الإمبراطورية تزدهر بفضلك أنت.فلماذا أظل جالسا على العرش؟... تفضل اجلس أنت عليه.
- شكرا، قال "هويو"،أرجوك البقاء حيث أنت.فالإمبراطورية قد ازدهرت أثناء حكمك. فماذا يعني ذيوع صيتي الشخصي.إن غصنا واحدا في غابة يكفي لإيواء طائر.وقليل من ماء النهر يكفي لإرواء الفأر.ولا تزيد حاجتي عن حاجة هذين الكائنين الصغيرين.فليبْقَ كل منا في مكانه. لقد بلغ هذان الرجلان مستوي "جونغ" حكيم "سونغ" والمثل الأعلي "للتاو" أسمي من ذلك.
قال "كيان-أو" ذات مرة "للين-شو":سمعت "تسي-أو" يتفوّه بأشياء مبالَغ فيها وغريبة.
-فماذا قال، تساءل "لين-شو"؟

سوء استعمال

حصل الحكيم "هووي"،من حديقته،على يقطينات ضِخام.فقطعها نصفين ليصنع منها أحواضا.ولأن الأحواض كانت واسعة أكثر من اللازم،فقد قطعها،بدورها،نصفين ليحصل على ربعين من كل منها.لكن هذه الأرباع ما كانت لتثبت واقفة،كما لم تعد صالحة لاحتواء أي شيء،فما كان منه إلا أن هشمها.
- لست سوي غبي،قال له "تشوانغ-تسو"،إنك لم تستطع الاستفادة من هذه اليقطينات النادرة.كان عليك أن تصنع منها طوافات تعبر بواسطتها الأنهار والبحيرات.وعندما أردت تصغيرها جعلتها غير صالحة للاستعمال.(هناك رجال كالأشياء. يتوقف كل شيء على الكيفية التي يُستخدمون بها).

حظوظ

كانت إحدي العوائل المربية لدودة القز في عهد "آل سونغ" تملك وصفة لمرهم،بفضله لا تتشقق أيدي الذين يفرغون الشرانق في الماء إلي الأبد.فباع أفرادها الوصفة لأحد الأجانب مقابل مائة تايل،معتقدين بأنهم قد حققوا ربحا وفيرا.وعندما أصبح هذا الأجنبي اميرالا في جيش الملك "أو"،قاد حملة بحرية ضد مملكة "أويو".كان الفصل شتاء.ولأنه استطاع، بفضل ذلك المرهم،أن يحفظ أيدي بحارته من كل تشقق،فقد أحرز انتصارا عظيما.حصل بسببه على ضياع شاسعة.وهكذا،فإن استخدامين لمرهم واحد قد وفر مبلغا ضئيلا وثروة ضخمة( من يعرف كيف يستخدم الإنسان الكامل يستفيد منه كثيرا ومن لا يعرف لا ينتفع منه بشيء)

أقدار

أمر رئيس الحطابين "شو"،وهو في طريقه إلي مدينة "تسي" بالسنديانة الضخمة التي تظلل مسكنَ جنيّ الأرض في "كيويوان".كان جذع هذه الشجرة المشهورة من الضخامة بحيث يمكنه أن يخفي ثورا.كانت تسمق شامخة على ارتفاع ثمانين قدما ثم تمد عشرة أغصان رئيسية يكفي كل منها لصنع زورق.كان الناس يفدون بأعداد كبيرة لمشاهدتها.مرّ رئيس الحطابين بالقرب منها دون أن يلقي عليها ولو نظرة واحدة.فقال له مساعده:أنظر،فمنذ تعلمت استخدام الفأس لم أر قطعة بشرية بهذا الجمال.ومع ذلك لا تكلف نفسك عناء النظر إليها.
7 لقد رأيتها،ردّ الحطاب.فهي لا تصلح لا لصنع مركب ولا لصنع تابوت أو أثاث أو باب أو عمود.إنه خشب لا يستفاد منه.وسوف يعمّر طويلا.
وعندما عاد رئيس الحطابين "شو" من "تسي"،أمضي الليل في "كيويوان" فظهرت له الشجرة في الحلم وقالت:أجل لأن الأشجار ذات الخشب الجيد تقطع وهي صغيرة.أما الأشجار المثمرة،فإن غصونها تكسر في حمّي سلبها ثمارها.وفائدة هذه الأشجار جميعها هي سبب تلفها.ولذلك،فأنا سعيدة لكوني بلا فائدة،وما ينطبق علينا ينطبق على الناس.فإذا كنت إنسانا مفيدا فلن تعمر حتي تبلغ سن الشيخوخة.
في صباح اليوم التالي،سأل المعاون معلمه:إذا كانت هذه الشجرة الضخمة سعيدة لكونها بلا فائدة،فلماذا قبلت بأن تكون الجنيَّ الذي يحرس المكان؟فأجابه الحطاب:- لقد زرعوها هناك دون أن يسألوها رأيها،وهي لا تعبأ بذلك.فليس تقديس الناس لها هو الذي يحفظ وجودها،وإنما عدم صلاحيتها للاستعمال العام.إن عملها كحارسة يقتصر على ألا تفعل شيئا (مَثَل الشجرة هنا كمثل الحكيم الطاوي الذي يوضع في مكان مّا رغما عنه،فيتجنب الفعل).
تنمو الأشجار في "كينغ-شو" بكثافة كبيرة.الصغير منها يقطع لصنع أقفاص للقردة. وتقطع المتوسطة منها لصنع بيوت للناس.أما الكبيرة فتقطع لصنع توابيت للموتي.فيتم القضاء عليها بواسطة الفأس قبل الأوان لأنها ذات فائدة.ولو كانت عديمة الفائدة لشاخت وهي سعيدة.وتعلن المعاهدة المتعلقة بالأضاحي بأن الثيران ذات الرأس الأبيض والخنازير ذات الخطم المقلوب والناس المصابين بالقرح لا يجوز تقديمهم كقرابين لجنيّ النهر،لأن هذه الكائنات،يقول العرافون،هي كائنات مشؤومة،أما الحكماء فيعتقدون بأنها صاحبة حظ سعيد ما دام ذلك يحفظ لها حياتها.

الخاصية الكاملة

قال "ناي"،دوق "لو" لكونفوشيوس: كان يعيش في بلاد "وي" رجل يدعي "تووو" الدميم. وفعلا فقد كان الدمامة ذاتَها،كان فزّاعة حقيقية.ومع ذلك كانت نساؤه ومواطنوه وكل من يعرفه مولَعين به ولعا شديدا.لم ذلك؟ ليس لعبقريته لأنه يري دائما ما يراه الآخرون.وليس لمحتدّه لأنه كان من عامة الناس،وليس لغناه لأنه كان فقيرا.وليس لعلمه إذ لم يكن يعرف من العالم سوي قريته... أردت رؤيته _ أجل،لقد كان دميما إلي درجة تبعث على الفزع.ورغم ذلك فقد سحرني لأنه كان يسحر كل الناس.بعد أشهر من لقائنا،أصبحت صديقه.وقبل انقضاء العام أصبحت أثق فيه ثقة كاملة. فاقترحت عليه أن يصبح وزيري،فقبل على مضض،لكنه ما لبث أن تركني.وما برح فراقه يحزّ في نفسي.فإلي أي شيء تعزو جاذبية هذا الرجل؟ قال كونفوشيوس: شاهدت في ما مضي ببلاد "تشو" الحادثة التالية:ماتت إحدي إناث الخنزير،وكان صغارها ما يزالون يرضعونها.وفجأة تفرقوا وقد استولي عليهم الفزع.فقد لاحظوا أن أمهم لم تعد تنظر إليهم،وأنها لم تعد أمهم.فما أحبوه فيها لم يكن جسدها وإنما ما كان يحرك جسدها والذي اختفي بموتها،لأن خاصية الأمومة كانت تكمن فيها... وفي جسد "تووو" القبيح كانت تكمن خاصية رائعة.وهذه الخاصية هي التي كانت وراء جاذبيته الممتازة،رغم شكل جسده الممتازة.

- وماهي هذه الخاصية الممتازة،سأل الدوق "ناي"؟

- إنه الهدوء المرح،ردّ كونفوشيوس. فالموت والحياة والازدهار و الانحطاط،النجاح والفشل، الفقر والغني،الدونية والرفعة،الذم والمدح،الجوع والعطش،البرد والحر... هذه هي صروف الدهر المتعاقبة.وهي تتتابع بصورة غير متوقعة ودون سبب معروف.يجب إهمال هذه الأشياء ومنعها من السيطرة على عقولنا ممّا قد يبلبل سكينتها.يجب المحافظة على هذه السكينة بشكل راسخ.وعدم تكديرها ولو بالفرح... أن تستقبل كل شيء بوجه مرح وأن تتصالح مع كل شيء،هذه هي الخاصية الكاملة،قال كونفوشيوس،
- ولماذا تصفها بالكاملة،سأل الدوق "ناي" ؟
- لأنها،ردّ كونفوشيوس،غير محسوسة شأنها شأن الهدوء الجذاب لمياه الغدران. وهكذا،فإن السكينة الهادئة للطبع والتي لا يمكن تعريفها بطريقة أخري،تجذب إليها كل شيء. بعد ذلك بأيام كشف الدوق "ناي"،وقد اهتدي إلي الطاوية،بفضل كونفوشيوس للمعلم "مين" عن الانطباع الذي تركه فيه هذا التحول قائلا:"كنت أظن،حتي ذلك اليوم،بأن الحكم ومراقبة الاحصائيات والحفاظ على حياة رعاياي هي الواجبات التي تمليها عليّ الدولة.ولكنني،منذ استمعت إلي حديث رجل كامل (كونفوشيوس) تيقنت من أنني كنت مخطئا.لقد أسأت إلي نفسي بانشغالاتي المفرطة.وأسأت إلي إمارتي باهتمامي بها أكثر من اللازم.ومن الآن فلاحقا لن يكون "كونغ-كيو" (الاسم الآخر لكونفوشيوس) واحدا من راعياي وإنما صديقا لي،تقديرا للخدمة التي أسداها لي عندما فتح عيني.

الصوفي والساحر

كان يعيش في "تشانغ" ساحر عظيم يُدعي "كي-هين". وكان هذا الرجل يعرف كل ما يتعلق بموت وحياة الأشخاص وثرائهم وبؤسهم حتي أنه كان يتنبأ بوفاة الشخص باليوم والساعة كما لو كان جنيا.وهكذا،فإن أهالي "تشانغ" الذين لم يكونوا يرغبون في معرفة تاريخ وفاتهم،كانوا يفرون ما أن يروه من بعيد،وعندما ذهب الحكيم "لي-تسو" لرؤيته انبهر به.وعند عودته قال لأستاذه "هو-تسو":كنت أعتبر،حتي الآن تعاليمك هي الأكثر كمالا.ولكن ها أنا أعثر على ما هو أفضل _وهل أنت متأكد من ذلك،قال له "هوتسو"،لقد تلقيت مني علم الظاهر فقط ولم تتلقَّ بعدُ علم الباطن الذي هو المنبع الخصب ومبدأ الحياة.إن علمك لأشبه بالبيض العقيم الذي باضته دجاجات محرومات من وجود ديك.فهو ينقصه أمر جوهريّ.أما بالنسبة إلي قدرة هذا الساحر على معرفة الغيب فلربما تركته يقرأ ما في باطنك.ائتِ به إلي وسأريك بأنه لا يري إلا ما نسمح نحن برؤيته.في اليوم التالي جاء "لي-تسو" بالساحر الذي نظر إلي "هو تسو" كما ينظر الطبيب إلي المريض.وبعد الفحص قال الساحر للي-تسو: إن معلمك رجل ميت،ولن يعيش أكثر من عشرة أيام. فعندما رأيته خيل إليّ أنني أري رمادا رطبا.

عاد "لي-تسو" وهو يبكي ونقل إلي "هوتسو" ما قاله الساحر.ذلك،قال "هوتسو"،لأنني ظهرت له بمظهر أرض شتوية بعد أن جمَدتُ كل طاقاتي.وهذه الظاهرة لا تحدثُ عند الإنسان العادي إلا إذا اقترب من الموت.لذلك ظن أنني سأموت قريبا... ائت به مرة أخري وستري بقية التجربة.

في اليوم التالي جاء لي-تسو بالساحر.وبعد المعاينة قال هذا الأخير،من حسن الحظ أن أستاذك قد استنجد بي.إن حالته تتحسن.فلم أر فيه هذا اليوم سوي علامات الحياة.وما رأيته بالأمس كان حادثا عرضيا ولم يكن النهاية.وعند ما نقل "لي-تسو" كلام الساحر إلي "هو تسو"،قال له هذا الأخير:- ذلك أنني ظهرت له بمظهر أرض مشمسة وقد تحركت قوي طاقاتي كلها.ائت لي به مرة أخري.في اليوم التالي جاء "لي-تسو" بالساحر.وبعد الفحص قال:"إنها حالة غامضة جدا.ولا أستطيع إعطاء أي تشخيص.وبعد تحديد الحالة، سوف أعلن عن التشخيص.
وعندما نقل "لي-تسو" هذا الكلام إلي"هوتسو"،قال هذا الأخير: ذلك أنني ظهرت له بمظهر السّديم الأعظم بعد أن علقت جميع طاقاتي فلم يستطع تمييز أي شيء.إن اضطراب المياه يمكن أن يتسبب فيه وحش بحري أو صخرة أو تيار أو أشياء أخري كثيرة.إنه أمر غير محدد.إئت به مرة أخري.
في اليوم التالي جاء "لي-تسو" بالعرّاف.وما إن وقعت عيناه علي "هوتسو" حتي ولي هاربا كالمجنون.فركض "لي-تسو" في أثره لكنه لم يستطع اللحاق به.لن يعود أبدا،قال "هوتسو"،لقد ظهرت له بمظهر انبثاقي من المبدأ.فقد رأي ضوءا وتدفقا كأنه ثعبان يزحف في فراغ هائل.وهذا المشهد الغامض بالنسبة إليه قد بعث فيه الرعب وجعله يولّي هاربا. وعندما تيقّن "لي-تسو" بأنه مازال جاهلا حبس نفسه في منزله ثلاث سنوات متتالية كان خلالها يقوم بأعمال البيت لزوجته،ويخدم الخنازير بكل احترام للقضاء على كبريائه التي كادت أن تبعده عن أستاذه.وتخلص من كل منفعة،وتحرر من كل ثقافة مصطنعة ونزع، بكل قواه،إلي البساطة الأصلية.وأخيرا أصبح خشنا ككتلة من الطين ومنغلقا لا يأبه بما كان يدور حوله.وظل على هذه الحال حتي النهاية.

قدر

كان "تسو-أو" و"تسو-سانغ" صديقين.وذات مرة هطل المطر مدرارا طيلة عشرة أيام متتالية.وخشية منه أن تمنع الأمطار صديقه الذي كان يعاني من فقر مدقع من الخروج، فلا يجد ما يقتات به،ملأ تسو-أو صرة بالطعام وحملها إليه.ولما اقترب من الباب سمعه يضرب على فيثارة وهو يردد بصوت بين الغناء والبكاء:"أيها الأب،أيتها الأم،أيتها السماء،أيتها الإنسانية".كان الصوت منهكا والغناء متقطعا.فلما دخل تسو-أو وجد "تسو سانغ" وهو في النزع الأخير من الجوع،فسأله:- ماذا كنت تغني؟
- كنت أفكر في الأسباب الممكنة لبؤسي الشديد فهو بالتأكيد لم يكن بإرادة أبي وأمي ولا بمشيئة السماء والأرض اللتين تحميان جميع الكائنات وتوفران لها القوت.ليس لبؤسنا سبب منطقي. وعليه، فذلك هو قدري.

الإمبراطور والحكيم

فيما كان "تيان-كن" يقوم بسياحة جنوبي جبل "ين"،باتجاه نهر "لاو"،صادف "أو-مينغ-جن" وسأله على حين غرة:ما السبيل لقيادة الإمبراطورية؟ فأجابه "أومينغ-جن":- إنك لقليل الأدب.كيف تطرح سؤالا كهذا بطريقة كهذه؟ ثم لماذا أهتم بحكم الإمبراطورية أنا الذي أعيش،وقد كرهت العالم،أتأمل المبدأ،أتجول في الفضاء كالطيور وأرتفع حتي الفراغ،إلي ما وراء الفضاء؟
لكن الإمبراطور ألح في سؤاله،عندها قال له "أومينغ-جن":أثبت في البساطة وأقِمْ في الفراغ،أترك الأشياء تسير سيرها الطبيعي.لا تشتهِ شيئا لنفسك.وستُساس الإمبراطوريةُ بشكل جيد لأن كل شيء سوف يتخذ مجراه الطبيعي.

الطبع والتطبّيع

يقال إن السمك لا يغادر أعماق البحار حيث يعيش مجهولا ولكن في أمان.وإنّ الدولة لا تستعرض ثرواتها خشية سلبها إياها،ويعتبر الحكماء أهل السياسة من ثروات الدولة؛ وعليه وجب إخفاؤهم وإبقاؤهم في الظلمة وعدم استخدامهم.وبذلك يختفي جنس الحكماء ومعهم يختفي قطاع الطرق.اسحقوا اليشب واللؤلؤ يختف اللصوص.أحرقوا العقود وكسروا الأختام يستعدْ الناس نزاهتهم.ألغوا القياسات والموازين.تختفِ الخصومات.دمّروا مؤسسات الحكماء المصطنعة يستعدْ الشعب تفكيره السليم والطبيعي.ألغوا سلّم الأغاني وحطموا الآلات الموسيقية،سدوا آذان الموسيقيين،يستعدْ الناس سمعهم الطبيعي.ألغوا سلم الألوان وقوانين التصوير،اسملوا عيون الرسامين،يستعدْ الناس نظرهم الطبيعي.امنعوا المساطر والخيوط،الفرجار والكوس؛اكسروا أصابع النجارين يستعدْ الناس الأساليب الطبيعية التي يقال عنها:"إنها مهارة بمظهر رعونة".
افضحوا "تسنغ-شن" و "شو-تسيو" (فقيهان)،أسكتوا "يانغ-تشو" و"مي-تي" (سفسطائيان)، تخلوا عن صيغة الصلاح والعدل (التي يقول بها أتباع كونفوشيوس) يصبحْ بمقدور الميول الطبيعية أن تمارس فضيلتها الخفية الموحدة.أجل.لنَعدْ إلي البصر والسمع والذوق السليم والغرائز الطبيعية لنقضي على الانبهار والصمم والهذيان والتكشيرات المصطنعة.إن الفلاسفة والموسيقيين والمصورين والفنانين،على اختلافهم،قد خدعوا الناس وأفسدوهم بمظاهرهم الخداعة.ولم يُسدوا للإنسانية أية خدمة مفيدة.
لكن الأمر كان يختلف تماما زمن الطبيعة الكاملة،زمن الملوك القدامي قبل ظهور "فوهت-شن-نونغ" و"هوانغ-تي".فالناس كانوا لا يعرفون من علوم الحساب سوي الحبال ذات العقد.كانوا يستلذون طعامهم الخشن ويستحسنون لباسهم البسيط،... كانوا سعداء بعاداتهم البدائية ويعيشون في هدوء داخل مساكنهم الفقيرة.لم تكن حاجتهم إلي إقامة علاقات مع الآخرين لتعذبهم.يموتون من الشيخوخة قبل زيارتهم الإمارة المجاورة التي كانوا يرونها عن بعد ويسمعون كل يوم صياح ديكتها ونباح كلابها.
في تلك الأزمنة،وبسبب هذه العادات،كان السلم والنظام يسودان بشكل مطلق.فلماذا اختلف الأمر تماما في أيامنا هذه؟ - لأن الحكام قد فتنوا بالحكماء واختراعاتهم.ويمد الناس أعناقهم ويقفون على رؤوس أقدامهم لينظروا باتجاه الحكيم القادم إليهم،فيتخلون عن آبائهم ويتركون صحبة أساتذتهم ويهرعون نحو هذا الرجل.فيشكل المشاة طوابير طويلة،وتحفر طوابير العربات لكثرتها أخاديد عميقة في الطرق المؤدية إلي بيته.كل ذلك لأن عامة القوم قد فتنوا،هم أيضا علي غرار الأمراء بالعلم.وليس هناك ما هو أكثر ضررا من هذا الافتتان البائس.

معراج

في عهد الإمبراطور "مو"،إمبراطور "تشيو" حل ببلاط هذا الأخير ساحر جاء من بلد يقع في أقصي الغرب.كان الرجل يخوض غمار المياه والنيران دون أن يصاب بسوء،.. يخترق المعدن والحجارة ويعيد الأنهار إلي منابعها وينقل أسوار المدن من مواقعها ويمكث معلقا في الهواء دون أن يسقط،ويلج الأشياء الصلبة دون أن يواجه أية مقاومة، ويتخذ، عند الطلب، جميع الأشكال ويحتفظ بقدراته الذهنية وقد تحول إلي جماد إلخ... أجلّه الإمبراطور "مو" كما يجلّ أي عبقري،وخدمه كما لو كان سيده. ومنحه أفضل ما لديه من سكن ومأكل ونساء.ومع ذلك،كان الساحر يري أن قصر الإمبراطور لا يصلح للسكني، وأن طعامه لا يؤكل ونساءه غير جديرات بمحبته.عندها ابتني له الإمبراطور قصرا خاصا به،جنّد له أمهر العمال ووفر له أجود الأدوات.مما أنهك خزينة الإمبراطورية.بلغ علو القصر،عند الانتهاء منه،ثمانية آلاف قدم.وعندما أهداه الإمبراطور إلي الساحر سمّاه "البرج الذي يلامس السماء" ثم أسكن فيه أفضل الشبان والشابات ممن تم جلبهم من إمارتي"تشينغ" و"وي".وجهزه بحمام وحريم،وكدس فيه كل ما هو ثمين من أقمشة ناعمة وخضاب وعطور وتحف.وأقام فيه حفلات لأجمل الأعمال الموسيقية.وكان يقدم،كل شهر، مؤونة من الثياب الفاخرة،كما كان يقدم كل يوم أشهر المأكولات.ولكن دون طائل. فالساحر لم يعجبه شيء من كل هذا واستقر في مسكنه الجديد دون أن يبدي أدني انشراح. وتكرر غيابه،وفي يوم من الأيام، وأثناء مأدبة ضخمة أبدي الإمبراطور دهشته من تصرفات الساحر.فقال له هذا الأخير:

- تعال معي ...
أمسك الإمبراطور بكم الساحر الذي رفعه فجأة في الفضاء لينتهي به إلي حيث قصر أهل السمو والرفعة الواقع في وسط السماء.كان هذا القصر مصنوعا من الذهب والفضة ومزدانا باللؤلؤ واليشب،يقع في منطقة أعلى من منطقة الدجنة الممطرة،لا أسس له ظاهرةً،يسبح في الفضاء كأنه غيمة.في هذا العالم العلوي تختلف المناظر والإيقاعات والعطور والمذاقات عمّا هي عليه في عالم البشر.أدرك الإمبراطور أنّه في مدينة ملك السماء.وعند رؤيته لقصره من عل بدا له هذا الأخير كما لو كان كومة صغيرة من الطين والقش.كان سيبقي هنا طيلة سنوات دون أن يتذكر مملكته.لكن الساحر دعاه ليتبعه إلي أعلي.وفي هذه المرة حمله إلي ما وراء الشمس والقمر،خارج مرأي الأرض والبحار،في نور باهر وإيقاع يصمّ الآذان.فلما استولي عليه الذعر وأحس بالدوار طلب العودة إلي الأرض بسرعة نيزك يسقط في الفراغ.وعندما استعاد وعيه،وجد الإمبراطور نفسه جالسا على كرسيه،تحيط به حاشيته وكأسه نصف ملآن،وطبق أكله إلي النصف.

- ما الذي حدث لي،سأل أفراد حاشيته؟
- لقد بدا وكأنك ذهبت في تأمل عميق للحظة،أجابه جلساؤه
لكن الإمبراطور قدّر أنه قد تغيب مدة ثلاثة أشهر على الأقل.
- ما هذا؟قال للساحر.
- أوه... ليس في الأمر ما يدعو إلي الحيرة،رد هذا الأخير،لقد خطفت روحك فقط، أما جسدك فلم يتحرك،أو بالأحري أنا لم أنقل حتي روحك.فكل تمييز للزمان والمكان مجرد وهم.إن التمثل الذهني لكل الممكنات يتم بدون حركة وبتجرد من الزمن.على إثر هذه الحادثة بدأ الإمبراطور "مو" يشعر بالقرف من حكم إمبراطوريته ومن ملذات قصره. وبدأ يميل إلي السياحة. وهكذا بدأ جولته الشهيرة في ما وراء الحدود الغريبة في عربته التي كان يجرها أحصنته الثمانية الشهيرة والتي كان شعر كل منها يختلف عن شعر الآخر.وبعد أن قطع ألف غلوة، حل بقبيلة "كيو سيو" فسقاه أفرادها دم طائر التمّ وغسلوا له قدميه باللبن المخمّر (الدم واللبن مادتان مقويتان).قضي الليلة التالية على ضفة السيل الأحمر وأثناء النهار،تسلق الإمبراطور جبل "كوم لون" وزار قصر "هوانغ-تي" القديم وأقام تلة تخليدا لمروره من هناك.
بعد ذلك زار "سي-وانغ-مو-" الذي أقام له احتفالا أمام البحيرة الخضراء.وأثناء تبادلهما الأنخاب أسر الإمبراطور بأن من الصعب عليه العودة إلي وطنه،وبعد أن تأمل الأفق حيث تغيب الشمس بعد رحلتها النهارية التي تستغرق عشرة آلاف غلوة،عاد أدراجه إلي الأمبراطورية.وهكذا،عاد الإمبراطور وقد خاب أمله لأنه لم يعثر على ما يماثل رؤيته.-وا أسفاه،قال متنهدا،إن الأجيال القادمة ستقول عني بأنني ضحيت بالواجب من أجل الملذات،ولأنه لم يبحث إلا عن سعادة الحاضر.فإنه لم يكن إمبراطورا صالحا.كما لم يصبح جنيا ماهرا.لكنه استطاع فقط أن يعمر طويلا إذ مات وله من العمر مائة عام.

قناعة

أثناء زيارته لجبل "تاي-شان"،التقي كونفوشيوس في سهل "تشانغ" شخصا يدعي "جونغ-كي"،يرتدي جلد أيل ويتزنر بحبل وهو يعزف على القيثارة ويغني.سأله كونفوشيوس:

- ما الذي يفرحك أيها الحكيم؟
- لدي أكثر من موضوع للفرح،قال "جوان-كي".فمن بين كل الكائنات،فإن الإنسان هو الأكثر نبلا.وكان نصيبي أن يكون لي جسم إنسان.وهذا موضوع فرحي الأول. والذكر أنبل من الأنثي.وكان نصيبي جسم ذكر.وهذا موضوع فرحي الثاني.وكم من بشر ماتوا بعد حمل أمهاتهم بهم قبل أن يروا النور أو ماتوا وهم في القماط قبل نموّ عقولهم.ولم يحصل لي شيء من هذا القبيل.وعشت تسعين سنة.وهذا موضوع فرحي الثالث.فمم أغتم؟من فقري؟إن هذا هو نصيب الحكماء الطبيعي. من الموت الذي يقترب؟إنه نهاية كل حياة. التفت كونفوشيوس إلي تلامذته وقال لهم:

هذا الرجل يعرف كيف يتأسّي

مجاهدة

تعلم "لي تسو" من أستاذه "لاو-شانغ-شو" وصديقه "بي-كاو-تسو" فن امتطاء الريح (السياحة الشطحية).فلما علم "ين-شانغ" بذلك ذهب إليه ومكث عنده بهدف تعلم هذا الفن منه وشهد مواجيده التي تفقده إحساسه لفترة معتبرة.طلب منه عدة مرات أن يكشف له عن الطريقة، لكنه،في كل مرة،كان يرفض طلبه.فغضب واستأذن منه للانصراف.لم يجبه "لي-تسو".ومضي "ين-شانغ" في سبيله.
ولأن رغبته في امتطاء الريح ظلت تلح عليه،عاد بعد ثلاثة أشهر إلي "لي-تسو".سأله هذا الأخير:لم ذهبت ثم عدت؟
أجابه "ين-شانغ":لقد رفضتَ جميع طلباتي فكرهتك وذهبت في حالي.والآن،وقد هدأ غضبي ها إنني أعود.قال "لي-تسو":كنت أتصور روحك أنبل من هذا.أيمكن أن تكون خسيسة إلي هذا الحد،سأروي لك كيف تكونتُ على يد أستاذي:ذهبت إليه في منزله صحبة أحد الأصدقاء.وقضيت في جواره ثلاث سنوات كاملة دون أن أحظي منه ولو بنظرة واحدة.ولأنني كنت أحرز تقدما،ابتسم لي لأول مرة بعد خمس على حصيرة.بعد تسع سنوات من المجاهدة، فقدت،أخيرا،كل معني ل"نعم" و"لا" وللتفوق والخسارة ولرفعة أستاذي وصداقة زميلي.عندها استعضتُ عن الاستخدام الخاص لحواسي المختلفة.بحاسة عامة.وفيما كان فكري يزداد كثافة،كان جسمي يفقد كثافته.وأصبحت عظامي ولحمي أثيرَيْين. وفقدت إحساسي بأنني أجلس على كرسيي أو أنني أقف على قدميّ،وأخيرا ذهبت مع الريح شرقا وغربا وفي كل الاتجاهات كأنني ورقة ميتة لا أدري ما إذا كانت الريح هي التي تحملني أم أنا من يمتطي الريح.كان لابد من هذه المجاهدة الطويلة ومن العودة إلي الطبيعة لكي أصل إلي حالة الوجد.وها أنت الذي لم يمض على مصاحبتك لأستاذك سوي وقت قصير،ورغم ما فيك من نقائص حتي الآن لا تطيق صبرا ويعصف بك الغضب.أترغب في أن تحملك الريح في الفراغ،أنت ذو الهيئة المنفّرة، والتي مازال على الأرض أن تتحمل جسدك الفظ والثقيل؟
انسحب "ين-شانغ" وهو مرتبك دون أن يجرؤ على الإجابة. سنوات.وعندما تقدمت أكثر أجلسني،بعد سبع سنوات

عندما كان "ياو" على رأس الإمبراطورية أقطع الحكيم "كاو" المعروف باسم "باي-تشانغ"،ضيعة.ثم نقل "ياو" الحكم إلي "شون" الذي نقله بدوره إلي "أو".فما كان من الحكيم "ياو" إلاّ أن تخلي عن ضيعته وعاد إلي زراعة الأرض.فزاره "أو" فوجده يحرث الأرض في السهل.فاقترب منه باحترام وقال:لقد أقطعك الإمبراطور "ياو" ضيعة احتفظت بها حتي هذا اليوم.فلماذا تريد التخلي عنها الآن؟ - لأن العالم،قال الحكيم "كاو" لم يكن كما كان عليه في عهد "ياو".لقد كان الشعب،إبان حكمه،يتصرف بحكمة دون مقابل.وكان مطيعا دون الحاجة إلي إرغامه على ذلك بتعريضه إلي العقاب.أما الآن فأنتم تكافئون وتعذبون بشكل منظم مما أفقد الشعب مزاياه الطبيعية لقد اختفت الطبيعة لتعوضها القوانين.وهذا هو سبب كل هذه الفوضي.فلماذا تضيع وقتي؟ ولماذا تعطل عملي؟ ثم واصل الحكيم "كاو" خط الثلم الذي بدأه منحنيا على محراثه ولم يلتفت بعدها إلي "أو".

الحكيم المتنكّر

فيما كان "ياو" يقوم بجولة تفقدية في منطقة "هو"،قال له الضابط المكلّف بإدارة هذه المنطقة:أتمنّي لك أيّها الحكيم النّجاح وطول العمر،فقال له "ياو":اِخرس.لكن الضابط واصل يقول:أتمنّي لك الثروة.فقال له "ياو":اخرس.- والعديدَ من الأطفال الذكور،فقال له "ياو":اخرس للمرّة الثالثة.لكن الضابط واصل حديثه قائلا:إنّ طول العمر والنجاح والخلف من الذكور أشياء يرغب فيها كل النّاس فلماذا أنت وحدك لا تريدها؟ فردّ عليه "ياو":- لأنّ من له الكثير من الأطفال يكثر قلقه ومن يملك الثروات الطائلة يزداد غمّه ومن يعيش طويلا يتعرّض للكثير من التناقضات،وهذه العقبات الثلاث تمنع اكتساب الفضيلة الأخلاقية.لهذه الأسباب رفضت تمنياتك لي.-إذن لن أعتبرك،منذ الآن،حكيما بل سأعتبرك رجلا عاديّا.فالسماء تمنح كل من تنجبه الحسّ الكافي لتصريف أموره.وأطفالك كانوا سيتدبرون أمورهم بأنفسهم.ولكي تتخلص من الثروات المزعجة كان يمكن أن توزعها... إن همومك لا تليق بحكيم مثلك فالحكيم الحقيقي يعيش في هذا العالم كما يعيش السماني في الحقول،دون رابط يربطه بمسكن ودون تفكير في المال.في زمن السلم يأخذ نصيبه من الثروة العامة.وفي زمن الاضطرابات يهتمّ بنفسه ويهمل القضايا الأخري.وبعد أن يعيش ألف سنة ويسأم من هذا العالم،يغادره ويصعد نحو الخالدين حتي يصل منطقة الرب،ممتطيا غمامة بيضاء،وهناك سوف يكون بمنجي من المآسي الثلاث التي ذكرتها.يعيش جسده طويلا دون ألم ولن يكون ضحية للتناقضات.
وبعد أن فرغ الضابط من حديثه تركه ومضي في سبيله،فلما أدرك "ياو" أن الضابط، هو في الواقع،حكيم متنكر لحق به وهو يقول:لديّ أسئلة أودّ طرحها عليك،فأشار عليه الضابط:دعني وشأني.

اتّحاد

سأل كونفوشيوس "لاو-تان":يحاول البعض جاهدا التعرف على كل شيء ويزعم بأن الحلال والحرام و"لا" و"نعم" هي شيء واحد.ويحاول آخرون جاهدين تمييز كل شيء. ويعلنون بأن انعدام هوية الجوهر والعرض أمر بديهي.فهل هؤلاء حكماء؟ فأجابه "لاو-تان":- إنهم أناس يجهدون أنفسهم دون فائدة يرجونها كتابعي الموظفين وكلاب الصيادين وقردة البهلوانيين.اسمع يا "كيو" (*) سأطلعك على حقيقة لن تقدر على فهمها ولا على إعادتها بشكل تام.الحكماء لم يعد لهم وجود.ومن الناس اليوم من له رأس وقدمان وليس له عقل ولا أذنان.وعبثا تحاول العثور على أولئك الذين نصيبهم من المبدأ الأصلي.وهؤلاء (الحكماء إن وجدوا) لا يفعلون شيئا ولا يسكنون ولا يعيشون ولا يموتون ولا يرتفعون ولا يقعون بفعل أي جهد إيجابي.لكنهم يسلمون قيادهم لمشيئة التطور الكوني.أن تفعل هذا (وبالتالي تصبح حكيما طاويا حقيقيا) أمرٌ في متناول الجميع.ولكي يصبح الإنسان حكيما ما عليه سوي أن ينسي الكائنات (الأفراد) والسماء (الأسباب) وأن ينسي نفسه (مصالحه).وبهذا النسيان الشمولي يصبح الإنسان والسماء واحدا ويذوب في الكون الأكبر.

اخبار الأدب
28/08/2010