بحثا عن حكمة الفراعنة المفقودة:
متون هيرميس الغائبة

نبوءات هيرميسآخر كلمات مثلث العظمة هيرميس
'كلمات حكيمة كتبتها يدي الفانية، استمرت باقية على طول العصور، مضمخة ببلسم الأدبية الذي أبدعه المعلم الأكبر.
لم تكشفها عيون العامة الرائحين الغادين الجائلين في خضم الحياة القفر.
وظلت خافية حتى خلق الرب قيم الإحسان، الكائن الإنساني الجدير بفهم حكمته'.
وبعد أن قال هيرميس مقالته تلك عن الكلمات التي خطتها يده، استقبلته رحاب الأبدية في مكانه ألعلي '1 '.

حكمة منسية

تعرف مجموعة المتون التي تضمنها هذا الكتاب في الأدب والتصوف الإسلامي باسم الهيرميسيات، وتعزي إلى الحكيم المصري تحوت، والذي قيل عنه انه تحول بحكمته إلى كائن رباني، وقد قدس تحوت في مصر القديمة منذ ما قبل عام 3000 قبل الميلاد على أقل تقدير، كما يعزي إليه اختراع الكتابة الهيروغليفية ' 2 ' المقدسة. وتصوره حائطيات المعابد المصرية والمقابر على شكل طائر تحوت. وقد كان رسول الآلهة، وكاتب أعمال الإنسان، وهو الذي سوف يقرر في الحياة الأخرى، في قاعة المحكمة العظمي لأوزير، ما إذا كان المتوفى قد اجتاز معرفة روحية وطهارة بحيث يستحق مكانا في السماء. ويقال أيضا في النصوص المصرية القديمة أن تحوت قد كشف للمصريين علوم الفلك، والعمارة، والهندسة، والطب، والإلهيات، وقد كان اليونانيون يبجلون المعرفة الروحانية المصرية، ويعتقدون أن تحوت هو باني الهرم، وعرفوا تحوت باسم إلههم هيرميس: رسول الآلهة، ومرشد الأرواح في مملكة الموت. وقد أضفوا عليه لقبا لتمييزه عن إلههم هو 'مثلث العظمة' Trismagistus لتكريم معرفته المتسامية. وتسمي المتون التي تعزي إليه باسم Hermetica.
وبالرغم من الجهل الفاشي حاليا عن تحوت، فقد كان بالغ الأثر على تاريخ الفكر الغربي بدءا من اليونانيين، وحتى الاكتشافات التي أطلقت النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر. وقائمة المفكرين الذين اعترفوا بفضل تحوت تكاد أن تشكل موسوعة كاملة من أكبر مفكري العالم الغربي وعلمائه وفنانيه، ومن بينهم ليوناردو دافنشي، ودورر، وبوتيتشللي، وروجر بيكون، وباراكيلسوس، وتوماس مور، وويليام بليك، وكوبيترتيكوس، ونيوتن، وولتر رالي، وميلتون، وبن جونسون، ودانييل ديفو، وشيللي وزوجته ماري، وفيكتور هوجو، وكارل يونج. كما كان أثره عميقا على شكسبير، وجون دون، وكل الشعراء الفلاسفة الذين أحاطوا ببلاط الملكة إليزابيث الأولي، والأعضاء المؤسسين للجمعية الملكية في لندن، وبلغ نفوذه حتى قادة الإصلاح البروتستانتي في أوروبا. القائمة لا تنتهي، حيث أثرت تعاليم هيرميس على الحكمة والتصوف الإسلاميين، كما حفظها التراث التنسكي اليهودي موحدا بين هيرميس ونبيهم إينوك (إدريس).
وتعتبر الهيرميسيات حجر الزاوية للفكر الغربي، وتوازي من حيث المادة والأهمية نصوصا شرقية مثل الأوبانيشاد والضاماباد والتاو تي تشنيج، إلا أن تلك الأسفار أصبحت منشورة ومتاحة، في حين دفنت الهيرميسيات تحت ثقل الترجمات الأكاديمية، والتحيزات المسيحية، وغموض الأسراريين. ولم يحدث حتى تاريخ نشر هذا الكتاب أن أتيحت نسخة مبسطة للقارىء العام، وقد كانت كل الترجمات الإنجليزية التي نشرت حتى الآن كثيفة المادة، صعبة التناول، محملة بالحواشي بصورة يستحيل تذوقها. وقد كان الهدف من هذه الترجمة البسيطة هو نشر الحكمة القديمة بشكل أسهل، وهي تقدم تلك النصوص المختارة من الهيرميسيات بعناية، وبلغة مبسطة.

تاريخ الهيرميسيات

يغلف الغموض الأصول المبكرة للهيرميسيات، والدلائل تشير إلى أنها انحدرت مباشرة من الحكمة المصرية القديمة، ولكن النصوص القليلة الباقية من تعاليم هيرميس وجدت باليونانية، واللاتينية، والقبطية، وجمعت في مدينة الإسكندرية بمصر أثناء القرنين الثاني والثالث الميلاديين، حيث ألهمت الهيرميسيات بعضا من أعظم الإنجازات الفكرية في العالم القديم. وكانت الإسكندرية في ذلك الحين مركزا عظيما للدراسة تفوق حتى على أثينا. ولقد هزم لاسكندر الأكبر اليونان، ومصر، وفارس، والهند، ووحدهم في إمبراطورية عظيمة، وقد تجاوزت وتلاقحت الثقافات التي نمت مستقلة عن بعضها البعض ولم يكن هناك بوتقة غير الإسكندرية لاستيعاب هذا التلاقح. وصبت في تلك 'المدينة العالمية' (GK Cosmoplis)) أفواج من الرجال والنساء من كافة الأمم والطوائف، من اليونانيين واليهود والمصريين والبابليين والفينيقيين، حتى البوذيين من الهند، ليتعايشوا معا.
وقد عرف السكندريون بنهمهم للمعرفة في ظل الحاكم اليوناني المستنير بطليموس الأول، والذي أنشا مكتبة ومتحفا شاسعين، حيث جمعت حكمة الإنسان بنظام، لأول مرة في تاريخه. وقد ضمت مكتبة الإسكندرية إبان ازدهارها حوالي نصف مليون مخطوطة، وكان من بينها أعمال إقليدس وأرشميدس والفلكي بطلميوس الذي كان سيد علوم الهندسة والرياضة والجغرافيا حتى القرون الوسطي، كما كان بها أيضا أعمال أريستارخوس الساموي الذي أثبت أن الأرض كوكب يدور حول الشمس، وايراتوسثينز الذي حسب محيط الأرض بما لا يتجاوز خطئا طفيفا، وقد كان علماء المكتبة يعرفون التغير البطيء في اتجاه محور دوران الأرض في الاعتدالين، وأن القمر يحكم إيقاع المد والجزر. وقد كانت الإسكندرية ثرية أيضا بالعرفان الصوفي، والفيثاغورثية، والعرافة الخالدية، والأساطير اليونانية، والفلسف%D