أبيقور، فيلسوف اللذة والموت

تأليف : أبيقور (*)

ترجمة : جلال الدين سعيد


1

والموتليس للكائن الخالد المغتبط هموم، وهو لا يتسبب فيها للآخرين، فلا تبدو عليه علامات الغضب أو العطف، إذ تعبر هذه العلامات عن الضعف.

2

الموت لا شيء بالنسبة إلينا، إذ يفقد الشيء الذي ينحل القدرة على الإحساس، والشيء الفاقد للإحساس هو لا شيء عندنا.

3

لا يبقي الألم طويلا في الجسم. فالألم الحاد يدوم وقتا قصيرا، والألم الذي يمكن تحمله رغم أنه يتجاوز لذة الجسم فهو يدوم أياما معدودة. أما الأمراض المزمنة فهي تسمح للجسم بالشعور باللذة أكثر من الألم.

4

ينبغي أن نواجه الألم باستخفاف، إذ الألم الذي ينهكنا لا يدوم طويلا، في حين أن الألم الذي يتواصل في الجسم مدة من الزمن لا ينتج إلا عناء قليلا.

5

لا يمكن العيش في سعادة دون العيش بحكمة ونزاهة وعدل، ويتعذر العيش السعيد على من يفتقر إلي إحدى هذه الصفات.

6

يتعذر على من يرتكب خفية بعض الشيء ضد التعاقد على عدم التأذي أن يكون على يقين من أنه لن يقع اكتشافه، حتى إن كان قادرا في الحاضر على الإفلات آلاف المرات، إذ أنه لن يكون واثقا إلي آخر لحظة من حياته من كونه لن يقبض عليه.

7

إن كان من الصعوبة بمكان أن نتوارى بعد ارتكابنا للظلم، فالأصعب من ذلك أن نكون على يقين ثابت من أننا لن نكتشف أبدا.

8

إنما الثراء الموافق للطبيعة محدود وسهل المنال، أما الثراء الذي يقع تخيله وفق آراء باطلة فلا حدود له، وهو صعب المنال.

9

الضرورة شر، ولكن لاشيء يلزمنا على العيش تحت سيطرة الضرورة.

10

تذكر أنك من طبيعة فانية وأنك لن تعمر طويلا، وهو ما جعلك ترتقي، عن طريق تقصيك للطبيعة، إلي اللامتناهي والأزلي وتتأمل:
فيما يوجد، وفيما سيوجد، وفيما وجد.

11

الهدوء عند أغلب الناس فتور، والانفعال هيجان.

12

الحياة العادلة خالية تماما من الاضطراب، والحياة الجائرة يملؤها الاضطراب بدون هوادة.

13

من بين الخيرات التي توفرها لنا الحكمة من أجل تحقيق الحياة السعيدة، الصداقة أعظمها جميعا.

14

إننا نولد مرة واحدة، ولا ينبغي أن نأمل في ولادة أخرى، ويترتب على ذلك أن الخلود متعذر بأي وجه من الوجوه. فأنت إذن تر جيء التمتع، يا من لست سيد مصيرك! إننا نفني حياتنا من فرط الانتظار، وكل واحد منا يضني من فرط العمل.

15

كما أننا نحترم تقاليدنا الخاصة ونعتبرها حسنة وجديرة بالثناء من قبل الناس أو غير جديرة بذلك، فإنه يجب علينا أيضا أن نحترم تقاليد الآخرين إن كانت أخلاقهم سوية.

16

لا أحد يختار الشر عن قصد، ولكن يغرينا الشر بظهوره في شكل الخير فيغيب عنا الشر الأعظم الذي سيعقبه، وننخدع بذلك.

17

الإنسان الذي ينبغي أن نعتبره سعيدا حقا هو الشيخ الذي قضي حياة جميلة، لا الشاب، إذ لا يزال هذا الأخير معرضا في الغالب لتقلبات الدهر، بينما يكون الأول في شيخوخته كما لو كان في مرفأ يخزن فيه الخيرات التي كان لا يأمل في الماضي أن يفوز بها والتي أصبحت من نصيبه.

18

عندما تزول فرص اللقاء مع المحبوب وعندما ينتهي الوصال، تضعف عاطفة الحب.

19

الشيخ الذي نسي ما تمتع به من خيرات شبيه بطفل ولد الساعة.

20

تنقسم الرغبات إلي رغبات طبيعية وضرورية، وأخرى طبيعية وغير ضرورية، وأخرى غير طبيعية وغير ضرورية وإنما ناتجة عن رأي باطل.

21

لا يجب إكراه الطبيعة وإنما إقناعها. فلتتوخ إذن هذه الطريقة لإشباع الرغبات الضرورية، وأيضا لإشباع الرغبات الطبيعية إن كانت غير ضارة، ولكبت الرغبات المهلكة كبتا شديدا.

22

يتضمن الزمن اللامحدود نفس اللذة التي يتضمنها الزمن المحدود، شريطة أن نقيس حدوده بالعقل.


23

يجب أن تكون الرغبة في الصداقة لذات الصداقة، بيد أن المنفعة هي أصل الصداقة.

24

ليس للأحلام أي طابع إلهي وأية قدرة على التنبؤ، بل الأحلام تنتج عن طغيان الأشباه.

25

الفقر الذي يقاس على حاجات طبيعتنا ثراء عظيم، وعلى العكس، الثراء بالنسبة إلي من لا يعرف حدودا فقر مدقع.

26

من البديهي أن الخطاب المسهب والخطاب المختصر يفضيان إلي نفس النتيجة.

27

في جميع المشاغل الأخرى تأتي المتعة بعد ما يقع إنجازه من أعمال جاهدة، بينما تكون المتعة في الفلسفة مزامنة للمعرفة. وفعلا، نحن لا نشعر بالابتهاج بعد البحث وإنما أثناء البحث ذاته.

28

لا ينبغي تأييد أولئك الذين يتسرعون في ربط علاقات صداقة، ولا أولئك الذين يترددون قبل ذلك كثيرا، ولكن لابد من المجازفة ببعض الشيء من أجلها.

29

إني أفضل، بعدما زودتني به دراسة الطبيعة، أن أعلن بصراحة عما هو مفيد لجميع الناس، حتى إن لم يرغب أحد في فهمي، على أن أرضي بآراء باطلة من أجل أن يمتدحني الجمهور.

30

يستعد بعض الناس طيلة حياتهم ليوم الآخرة دونما انتباه إلي السم القاتل المسكوب في نبع حياتنا.

31

يمكننا وضع أنفسنا في مأمن من جميع الأشياء، ماعدا من الموت، إذ نسكن كلنا، مادمنا نحن على قيد الحياة، مدينة غير مصونة.

32

إن من يجل الحكيم ينعم بمبرة عظيمة.

33

رغبة الجسم الملحة هي ألا يشعر بألم الجوع والعطش والبرد. إن من يعيش في مأمن من كل ذلك وله بعض الأمل في أن تتواصل حالته هذه في المستقبل ليقدر على منافسة 'زوس' في الغبطة.

34

نحن لسنا في حاجة إلي مساعدة أصدقائنا بقدر ما أننا في حاجة إلى التأكد من مساعدتهم وقت الحاجة.

35

لا ينبغي أن نفسد الحاضر بالرغبة في أشياء تفتقر إليها، بل لابد من الانتباه إلي أن الأشياء التي هي الآن في حوزتنا قد كانت في الماضي من جملة الأشياء التي كنا نرغب فيها.

36

تبدو لنا حياة أبيقور، بالمقارنة مع حياة بقية الآدميين، ونظرا لما تمتاز به من لطف واعتدال، كما لو كانت أسطورة.

37

الطبيعة ضعيفة إزاء الشر، لا إزاء الخير، لأن اللذات تساهم في المحافظة عليها، والآلام في تلفها.

38

إن من تكون لديه أسباب كثيرة ومقنعة لمغادرة الحياة يستحق كل شفقتنا.

39

ذلك الذي يبحث عن المنفعة فحسب لا يمكنه أن يكون صديقا، ولا ذلك الذي يستبعد كليا المنفعة عن الصداقة، إذ الأول يتاجر بمشاعره والثاني يحرمنا من كل أمل في المستقبل.

40

ذلك الذي يؤكد أن كل شيء يحدث عن طريق الضرورة لا يجوز له أن يؤاخذ من يقول بأنه لاشيء يحدث بالضرورة إذ إن تصريحه الأول يجعل هذا الإثبات الأخير نتاجا للضرورة أيضا.

41

ينبغي أن نضحك وأن نتفلسف معا، وأن ندير شئون منزلنا، وأن نستعمل كل الخبرات التي اكتسبناها دونما ملل من ترداد الحكم التي تنص عليها الفلسفة الحق.

42

الخير الأعظم والفرح ينشآن في زمن واحد.

43

حب المال الذي يؤول إلي خرق القانون جريمة، وحب المال دون خرق للقانون مخز، لأنه من الحقارة أن يتقشف المرء لدرجة القذارة، حتى إن كان لا يخالف القانون.

44

عندما يجد الحكيم نفسه مقتصرا على الضروري، فهو يجد مع ذلك فرصة للعطاء لا للقبول، إذ إنه يملك كنزا يتمثل في الاكتفاء بالذات.

45

لا يكون علم الطبيعة أناسا متبجحين وبارعين في الكلام، ولا أناسا يتباهون بما لديهم من معارف يحسدهم عليها الجمهور بل يكون أناسا متواضعين ومكتفين بذاتهم، أناسا يفتخرون بالخبرات التي يحملونها في ذاتهم لا بالخبرات الحاصلة عندهم بمحض الصدف.

46

لنقصي عنا العادات القبيحة التي صاحبتنا بسوئها وتسببت لنا طويلا في أضرار فادحة.

47

لقد توقعت ضرباتك، يا دهر، ولقد وضعت لك حواجز حتى لا تصيبني.
لن ننهزم أمامك ولا أمام أي ظرف نحس آخر. وعندما نضطر إلي مفارقة الحياة فإننا سنبصق عليها وعلى كل الذين يتعلقون بها دون جدوى، وسننشد لحنا جميلا يقول: آه! كم كان عيشنا شهيا ونبيلا!

48

طالما نحن نعير سبيلنا، لابد أن نسعى إلي الاستفادة من الغد أكثر من استفادتنا من الأمس، وعندما نبلغ مبتغانا يجب أن نتمتع بدون إفراط.

49

إن من لا يستقصي طبيعة الكون ويرضي بتخمينات خرافية لن يستطيع التجرد من الخوف الذي تحدثه فيه الأشياء الأكثر أهمية، وعليه فإنه لا يمكن الفوز بلذات خالصة دون دراسة الطبيعة.

50

ليست أية لذة شرا في ذاتها. ولكن بعض الأشياء القادرة على توليد اللذة تحمل معها آلاما أكثر من اللذات.

51

يبدو لي أن هوي شديدا يدفعك نحو ملذات الحب. يجوز لك أن تستسلم لاندفاعك هذا، على شرط ألا يكون مسعاك قلب القوانين ولا التشكيك فيما أقامه العرف بنزاهة، ولا الإساءة إلي غيرك، ولا إنهاك جسمك، ولا إسراف ما لديك من وسائل ضرورية للعيش. ولكن من المستحيل ألا ترتكب على الأقل احدي هذه الأشياء، لأن ملذات الحب لا تخدم أبدا صالحنا.
ولعله يكون من حسن الحظ ألا يلحقنا منها ضرر.

52

تطوف الصداقة حول العالم وتدعونا جميعا إلي أن نستيقظ للحياة السعيدة.

53

لا يجب أن نحسد أحدا، لأن الإنسان الخير لا يستحق الحسد، أما الإنسان الشرير فهو كلما ازدهرت أحواله إلا وعجل نهايته.

54

يجب أن نتفلسف حقا، لا أن نتظاهر بالتفلسف، إذ لسنا في حاجة إلي شفاء ظاهري فحسب وإنما إلي شفاء حقيقي.

55

يمكن التخفيف من الأحزان الشديدة بالتفكير في الأشخاص الذين وافاهم الأجل وبالاعتراف لهم بالجميل، مقتنعين في ذلك بأنه لا يمكن لما حدث أن لا يحدث.

56

يتألم الحكيم الذي يقع تعذيبه أقل مما لو كان التعذيب يسلط على صديقه.

57

يبقي الإنسان المحترس طيلة حياته حائرا ومضطربا.

58

يجب الانعتاق من أسر مشاغل البيت والمشاغل العامة.

59

ليس البطن الذي لا يشبع، كما تعتقد العامة، وإنما الرأي الباطل الذي لدينا عن قدرته اللامحدودة.

60

يغادر كل واحد منا الحياة وهو يشعر أنه قد ولد الساعة.

61

ما أجمل رؤية الأقارب عندما تجمع المودة بين أفراد العائلة، أو عندما يبذل هؤلاء الأفراد قصارى جهدهم من أجل التآلف.

62

إن كان يوجد مبرر لغضب الآباء على أبنائهم، فعلى الأبناء ألا يقاوموا آباءهم بوقاحة وأن يسألوهم المغفرة، أما إذا كان غضبهم يقوم على الظلم، فلا داعي لمزيد تأجيجه بالمواجهة العنيفة، بل الأفضل محاولة تهدئتهم باللين.

63

يوجد قياس حتى في دقة التفكير. والإنسان الذي يغالي في ذلك بلا ترو يجد نفسه في وضع لا يقل إجحافا عن وضع الإنسان الذي يتصف تفكيره بالغموض.

64

يجب أن يكون مدح الآخرين لنا من تلقاء ذاتهم، أما نحن فينبغي أن نسهر على معالجة أنفسنا.

65

لا يجدي نفعا أن نطلب من الآلهة ما يمكننا الحصول عليه بأنفسنا.

66

يجب أن تتجلي حسرتنا على أصدقائنا الذين فقدناهم، لا بالدموع، وإنما بممارسة التأمل.

67

لا يمكن لمن يعيش عيشة مستقلة أن يكتسب ثروات طائلة، إذ يتعذر عليه ذلك إن كان لا يرغب في خدمة الجمهور والملك، ولكن الخيرات الحقيقية متوافرة لديه جدا. وفي صورة ما إذا أكتسب ثروة عظيمة فهو يوزعها على الآخرين عن طيب خاطر كي يفوز بمودتهم.

68

لاشيء يكفي من يعتبر الكافي قليلا.

69

فظاظة النفس تجعل الكائن الحي يرغب في تغيير نمط عيشه بصورة لا محدودة.

70

لا ترتكب في حياتك شيئا يجعلك تخشي أن يعلم جارك به.

71

ينبغي أن أطرح على نفسي، فيما يتعلق بكل رغبة، السؤال التالي: ما عساني أغنمه إذا ما أشبعت هذه الرغبة، وماذا يحصل لي أن لم أشبعها؟

72

لا جدوى للعيش في مأمن من الغير إن كانت الأشياء التي تحدث من فوقنا تأمل إذن في جميع هذه الأشياء وفي تلك التي من نفس القبيل. تأمل فيها ليلا نهارا بينك وبين نفسك وأيضا مع أمثالك. وإذاك لن نشعر أبدا بأي اضطراب سواء أكنت في حالة يقظة أم حلم، وسوف تعيش كالإله بين الآدميين. إذ لا وجه للشبه بين ذلك الذي يعيش وسط الخيرات الأزلية وبين الكائنات الفانية.

****

الحكم الأساسية

1

ليس للكائن الخالد المغتبط هموم، وهو لا يتسبب فيها للآخرين، فلا تبدو عليه علامات الغضب أو العطف، إذ تعبر هذه العلامات عن الضعف.

2

الموت لا شيء بالنسبة إلينا، إذ يفقد الشيء الذي ينحل القدرة على الإحساس، والشيء الفاقد للإحساس هو لا شيء عندنا.

3

إن ما يحد حجم اللذات هو القضاء على كل ما يتسبب في الألم. وفعلا، حيثما توجد اللذة وطالما تكون حيث هي موجودة ينعدم الألم أو الحزن أو كلاهما معا.

4

لا يبقي الألم طويلا في الجسم. فالألم الشديد يدوم وقتا قصيرا، والألم الذي يتجاوز قليلا لذة الجسم لا يدوم طويلا. أما الأمراض المزمنة فهي تسمح للجسم بالشعور باللذة أكثر من الألم.

5

لا يمكن العيش في سعادة دون العيش بحكمة ونزاهة وعدل ولا العيش بحكمة ونزاهة وعدل دون العيش في سعادة. إن من يكون فاقدا لأحدى هذه الأشياء، كأن لا يكون حكيما مثلا، لا يمكن له العيش في سعادة، حتى لو كان نزيها وعادلا.

6

يقتضي العيش في مأمن من الناس أن نعتبر خيرا كل ما من شأنه أن يحقق لنا هذه الحالة.

7

يرغب بعض الناس في الشهرة وفي اكتساب سمعة كبيرة، اعتقادا منهم أن ذلك سيضعهم في مأمن من الغير. فلو كانت حياتهم بهذه الصورة في مأمن من كل خطر، لكانوا يملكون حقا خيرا مطابقا للطبيعة، أما إذا كانت حياتهم لا تخلو من الاضطراب فمعني ذلك أنهم لم يحصلوا على ما كانوا يرغبون فيه منذ البداية بإتباعهم لميلهم الطبيعي.

8

ليست أية لذة شرا في ذاتها، ولكن بعض الأشياء القادرة على توليد اللذة تحمل معها آلاما أكثر من اللذات.

9

لو كانت كل لذة قابلة للازدياد ولو كانت تتواصل في الزمان وترتبط بكامل مركبنا الذري، أو بأهم أجزائه، لما اختلفت اللذات عن بعضها البعض.

10

لو كانت مصادر اللذة تسمح بتخليص الفكر من القلق الذي تحدثه فيه الظواهر السماوية والموت والعذاب، ولو كانت هذه المصادر تعلمنا، فضلا عن ذلك، الحدود التي تقف عندها الرغبات، لما وجهنا التوبيخ إلي الفساق، إذ اللذة ستغمرهم من كل جانب دون أن يختلط بها الألم ولا الحسرة اللذين يمتلأن الشر الحقيقي.

11

لولا الاضطراب الذي يحدثه فينا الخوف من الظواهر السماوية ومن الموت، ولولا قلقنا الناتج عن التفكير فيما قد يكون للموت من تأثير على كياننا، ولولا جهلنا للحدود المرسومة للآلام والرغبات، لما احتجنا إلي دراسة الطبيعة.

12

أن من لا يستقصي طبيعة الكون ويرضي بتخمينات خرافية لن يستطيع التجرد من الخوف الذي تحدثه فيه الأشياء الأكثر أهمية، وعليه فإنه لا يمكن الفوز بلذات خالصة بدون دراسة الطبيعة.

13

لا جدوى للعيش في مأمن من الغير إن كانت الأشياء التي تحدث من فوقنا والأشياء الموجودة تحت الأرض والأشياء المنتشرة في الكون اللامحدود تبعث فينا الرعب.

14

رغم أنه يمكننا، بما لدينا من قوة وأموال، أن نضع أنفسنا نسبيا في مأمن من الغير، فإن حياتنا تكون أكثر أمنا لو آثرنا العيش الهادئ بعيدا عن الجمهور.

15

إنما الثراء الموافق للطبيعة محدود وسهل المنال، أما الثراء الذي يقع تخيله وفق آراء باطلة فلا حدود له.

16

ليس لربة الحظ تأثير على الحكيم، بل عقله هو الذي ينظم الأشياء الرئيسية والأكثر أهمية، طالما هو على قيد الحياة.

17

يتمتع العادل بقرارة نفس كاملة، أما الظالم فيساوره قلق شديد.

18

يتعذر على لذة الجسم أن تزداد حالما ينتفي الألم الذي ولدته الحاجة، ولكن يمكنها أن تتوزع. وتتولد بهجة الفكر عن استقصاء تلك الأشياء وبحث الأشياء المماثلة التي ولدت فيه أشد القلق.

19

يتضمن الزمن اللامحدود نفس النسبة من اللذات التي يتضمنها الزمن المحدود، شريطة أن نقيس حدوده بالعقل.

20

اللذات بالنسبة إلي شهوة الجسم غير محدودة، ويتطلب إشباعها زمنا لا محدودا. ولكن الذهن الذي عين حدود الشهوة وغايتها وخلصنا من الخوف من الأزل قد منحنا حياة لا ينقصها شيء، فلم نعد في حاجة إلي وقت لا محدود. إلا أن الذهن لا ينفر من اللذة، وحينما تضطرنا الظروف إلي مغادرة الحياة فهو لا يشعر بأنه قد حرم من أفضل ما تقدمه هذه الحياة.

21

إن من يجيد معرفة الحدود التي ترسمها لنا الحياة يدرك كم من السهل على المرء أن يتزود بما يقضي على الألم الناتج عن الحاجة وبما يجعل الحياة كلها كاملة، فلا يحتاج إلي الأشياء التي يقتضي الحصول عليها بذلا للمجهود.

22

لا يجب أن يغيب عنا الهدف الذي رسمناه لأنفسنا، ولا البداهة الحسية التي نرد إليها آراءنا، وألا عم الاضطراب والبلبلة.

23

إن أنت حاربت جميع الإحساسات فإنه لن يبقي لك مرجع يسمح بتمييز الإحساسات الخاطئة عن الأخرى.

24

إن أنت رفضت إحساسا ما دونما تمييز بين الظن الذي ينبغي إثباته والمعطي الحقيقي للإحساس، أو بين المشاعر والتمثلات الحدسية للفكر، فإن رأيك الباطل هذا سينسحب على الإحساسات الأخرى، وستهدم بالتالي المعيار ذاته. وإن أنت اعتبرت من جهة أخرى أن ما يحتاج من بين تخميناتك إلي إثبات لا يقل يقينا عما ليس في حاجة إلي برهان، فإنك لن تتخلص من الخطأ وستجعل كل استدلال وكل حكم متعلق بالحق وضده أمرا ممتنعا.

25

إن كنت لا تربط في جميع الظروف بين كل فعل من أفعالك وغاية الطبيعة، وان كنت تغض الطرف عن هذه الغاية تجنبا لشيء ما أو سعيا وراءه، فإن أفعالك ليست مطابقة لمذهبك.

26

كل الرغبات التي تبقي غير مشبعة دون أن ينتج عنها ألم إنما هي رغبات غير ضرورية ويمكن كبتها بسهولة إذا ما بدا تحقيقها عسيرا أو إذا تبينا أنها قد تلحق بنا ضررا.

27

من بين الخبرات التي توفرها لنا الحكمة من أجل تحقيق الحياة السعيدة. الصداقة أعظمها جميعا.

28

المعرفة التي تجعلنا نصمد بشجاعة أمام المخاطر وتعلمنا أنها مخاطر زائلة ولا تدوم طويلا، هي ذاتها التي تعلمنا أيضا أن الصداقة أفضل ضمان للأمن في أوضاعنا هذه العابرة.

29

تنقسم الرغبات إلي رغبات طبيعية وضرورية، وأخرى طبيعية وغير ضرورية، وأخرى غير طبيعية وغير ضرورية وإنما ناتجة عن رأي باطل.

30

كل الرغبات الطبيعية التي تكون مؤلمة عندما لا يقع إشباعها، والتي تقتضي رغم ذلك مجهودا متواصلا، إنما هي ناتجة عن رأي باطل، وإن ما يجعل كبتها مستحيلا هو فكرة الإنسان الوهمية، لا طبيعتها الخاصة.

31

الحق الطبيعي تعاقد نفعي، الغاية منه ألا يسيء الناس إلي بعضهم البعض.

32

لا معني للعدل والظلم بالنسبة إلي الكائنات التي لم تتعاقد على عدم الإساءة إلي بعضها البعض. ولا معني لهما أيضا عند الشعوب التي لم تقدر على  أو لم ترغب في  إبرام تعاقد الغاية منه ألا يضر أحد بالآخر وألا يلحقه منه ضرر.

33

ليس الظلم شرا في ذاته، وإنما يكمن الشر في الخوف الشديد من عدم الإفلات من أولئك الذين تتمثل وظيفتهم في معاقبة المذنبين.

34

يتعذر على من يرتكب خفية بعض الشيء ضد التعاقد على عدم التأذي أن يكون على يقين من أنه لن يقع اكتشافه، حتى إن كان قادرا في الحاضر على الإفلات آلاف المرات، إذ إنه لن يكون واثقا إلي آخر من حياته من كونه لن يقبض عليه.

35

العدل بصورة عامة هو عينه بالنسبة إلى الجميع، ولاسيما بما هو مفيد للعلاقات الاجتماعية، ولكن بالنسبة إلي بلد ما وبالنظر إلي ظروف محددة لا يكون الشيء ذاته عادلا بالنسبة إلي الجميع.

36

من بين التعليمات التي تنص عليها القوانين وتقر بعدلها، إن تلك التي يشهد الجميع بأنها مفيدة للروابط الاجتماعية هي العادلة، سواء أكانت هي ذاتها بالنسبة إلي جميع أم لم تكن. ولكن إذا ما وضع بعضهم قانونا لا يخدم مصالح الجميع فإن هذا القانون لا يملك قط صفة العدل. وحتى في صورة انتفاء المنفعة الملازمة للعدل، بعد أن كانت موافقة له مدة من الزمن، فإن هذه المنفعة لم تكن أقل عدلا في تلك الفترة بالنسبة إلي كل الذين لا تغرهم الجمل الجوفاء ويركزون انتباههم على الوقائع ذاتها.

37

عندما يصبح جليا، رغم أن الظروف لم تتغير، أن القوانين التي تعتبر عادلة لم تعد في الواقع موافقة لمفهوم العدل، فهي تفقد صفتها تلك.

ولد الفيلسوف اليوناني أبيقور سنة 341 قبل ميلاد السيد المسيح قرب أثينا، بدأ شغفه بالفلسفة وعمره أربعة عشر عاما، بدأ بدراسة علم الكون الذي كان مؤسسا على أن الكون جاء من العماء، فلما سأل أبيقور عن أصل العماء نفسه لم يلق إجابة، هكذا بدأ التفلسف والتفكير بمفرده، وأسس مذهب (اللذة) الذي تعرض في القرون التالية لتشويه كبير، ما وصلنا من تراث أبيقور وصل عبر مخطوط نادر، يضم ثلاث رسائل ومجموعة كبيرة من الحكم والأقوال الصغيرة، هذا المخطوط اكتشفه أحد الباحثين عام 1888 في مكتبة الفاتيكان ولذلك سمي بالحكم الفاتيكانية، وعندما نقرأ هذه النصوص سنكتشف حقيقة هذه الفلسفة التي طرحت أفكارا خاصة بالزمن والموت تعد فريدة حتى الآن وكان لها تأثير على الفلسفة الغربية، وعلى الفلسفة الإسلامية أيضا، النصوص ترجمها جلال الدين سعيد ونشرها بمقدمة وافية، وصدرت عن الدار العربية للكتاب بتونس وليبيا، ومنها نختار الحكم.