رواية : جمال عمر

تغريبة المصريين التي بدأت في سبعينيات القرن العشرين بدأت تثمر أدبها الخاص. كانت هناك إرهاصات مبكرة، لعل أولها قصص إدريس علي 'المبعدون' التي تناولت تجربة العمال المصريين في ليبيا، وعن ذات المكان أيضا جاءت بعض كتابات فتحي امبابي، بينما جاءت تجارب أخري لتروي عن الخليج العربي والسعودية: ابراهيم عبدالمجيد ومحمد عبدالسلام العمري.. وعلي مستوي الواقع زاد المصري المغترب من خطوته، وتحول الحلم من الهجرة الي بلاد الجوار العربي، ليقطع آفاقا أبعد، ووصل المصريون الي بلاد ما كان آباؤهم المرتبطون بالأرض يتصورون أن مصريا يمكن أن يبلغها.
وهذه الرواية 'مذكرات مهاجر غير شرعي' تصور قفزة الاغتراب المصري، الي الأمريكتين، ويبدأها كاتبها جمال عمر من لحظات المغادرة من قريته، حيث يشبه الرحيل في سريته والصمت المحيط به بفعل الاستشهاد..
الرواية طويلة من ثلاثة أجزاء هي: 'قريتنا اللاتينية'، 'فتيات جواتيمالا' و'المهرب' نبدأها في هذا البستان، ونتابع نشرها كاملة في ساحة الابداع.

قريتنا اللاتينية

رواية: جمال عمر

1

اذن المؤذن لصلاة المغرب، معلنأ اكتمال يوم آخر من صيام أيام شهر رمضان. الثالث من شهر فبراير، فتحلقت أسرتي، أبي: فلاح في الرابعة والخمسين من العمر، لكن ملامح وجهه توحي أنه أكبر من ذلك بعشرين عاما، قد حرقت حرارة الشمس جلده فأصبح كلون حبات الفول السوداني التي تحمصت أكثر مما ينبغي، وقد أخذ التدخين من خلايا رئتيه الكثير ففي كل مرة يسعل فيها كأنه يلفظ أحدي هذه الخلايا في منديله. وأمي التي تتفجر حيوية ونضارة كأنها نحلة تنتقل بين الزهور لتمتص الرحيق من أجل اطعامنا. وأربعة أبناء ولدين وابنتين، حيث تزوجت احدي اخوتي، وأنا أكبر الابناء سنا.
تحلقنا حول طبلية الطعام، نتناول طعام الافطار، كانت الكلمات قليلة، وكأننا نتحسس كلماتنا يترقب كل منا كلمات الآخر.
أنا في جهة والباقون كلهم في جهة أخري، شيئ ما يحدث كلنا نعرف ما هو ولكن نخاف من مواجهته، نترقب حدوثه، كأنه جنين في الرحم نعرف أنه قادم، بل نعرف أنه ذكر ونعرف أن موعده في هذا الشهر، ومع ذلك لا نعرف كيف ستكون ملامحه، ما هو لون عينيه، كيف هو صوت صراخه.
انتظرت حتي نكمل تناول الطعام الذي لا اذكر ماذا كان لأني لم أره، تناولته ومضغته ولكن كنت في عالم آخر، فبداخلي حمل ثقيل، حمل اخبار أسرتي. حملته داخلي خلال الثلاثة أشهر السابقة، وحان الوقت الليلة لأخبرهم بل الآن.
لا أعرف من أين أبدأ، كنت دائما اعتقد انني رقيق القلب، تحركني المشاعر والعواطف وخصوصا تجاه أسرتي، لكن فاجأتني نفسي، بشخص وقلب آخرين، صلادة وجمود، كأنني ممثل في مسرحية لا علاقة بين دوره في المسرحية وبين دوره في الحياة. نظرت الي اخوتي ولم استطع أن انظر الي عيني أمي، وفي ألفاظ واضحة لم أتلعثم في نطقها أو أتتردد، أخبرتهم اني مسافر الليلة، ولن يأتي معي أحد ليودعني. فلا أريد أن يعلم أحد من أبناء القرية، حتي الأقارب، لن يعرف الا عدد قليل من أسرتي وبعض الأصدقاء. لم انتظر لسماع رد أو اجابة علي ما قلت، كمذيع يقرأ نشرة الأخبار علي شاشة التليفزيون، وذهبت الي غرفتي.
أخي الذي يصغرني بعشر سنوات، كان لا يعرف كيف يعبر عن مشاعره، تتخاطفه نوازع كثيرة فجأة شعر أنه أصبح رجلا مسئولا عن أسرة وأن عبئا قد حل علي كاهله بين بداية وجبة طعام ونهايتها، كان سعيدا وحزينا يريد أن يسمع كلامي وينفذ طلباتي، وفي نفس الوقت لا يريد أن يفعل. طلبت منه أن يذهب ليخبر أربعة من أصدقائي أنني أريدهم في الحال لأمر عاجل الليلة. وذهبت أختي الصغري لتأتي بأختي المتزوجة من بيتها، كل ذلك في دقائق بعد تناول طعام افطار رمضان.
في غرفتي كنت اعد حقيبة صغيرة أحملها علي كتفي كأني مسافر لبضعة أيام، حتي لا ألفت الانظار والانتباه، وكذلك لأكون خفيفا في حركتي. أن عملية الرحيل والمغادرة للتسلل الي أمريكا أو الي البلاد الاوروبية، تتم في سرية كاملة وكأنها عملية غزو عسكرية، فكلما قل عدد من يعرفون كان أفضل، فقرب وتداخل الصلات والعلاقات الاسرية والجيرة، حيث يتداخل كل منا في حواشي الاخرين، هذا التقارب وذلك القرب يولدان نار الحسد والحقد والغيرة، ونحتفل بالشماتة والمعايرة في حالة الفشل. لذلك فحينما نخرج في هذا الطريق في قريتنا، كمن يعلن أنه يضحي بنفسه من أجل الوطن والأمة في عملية فدائية فبقدر الفرح والصخب لذكراك، وآه وألف آه لو تراجعت أو فشلت، انه طريق بلا عودة، الا فائزا.
وياويلك اذا خرجت من بيتك في وضح النهار تصحبك الزغاريد والسلامات مسافرا وبعد أيام تشاهد في شوارع القرية. فهذه الارض بالرغم مما تغرمنا به من حب و احتواء، فحينما تلفظنا تلفظنا بعنفوان لا يرحم، لذلك فنحن نرحل في خفية وصمت، قدر ما نستطيع، وكأننا نتسلل حتي لا تدري بأننا راحلون. وكأن لسان حالها يقول: افعلوها، ارحلوا، لكن في الخفاء، افعلوها ولا تخبرون، افعلوها ولا تذكروها أو تتحدثوا عنها.
مرت تلك الدقائق عصيبة منذ أن اخبرت أسرتي برحيلي وكنت في غرفتي اتظاهر بأنني أعد حقيبة اليد ولم يقترب أحد من الغرفة، كانت لحظات رهيبة، لم تمر علينا من قبل، لم يكسر هذا الصمت الا وصول أربعة من أصدقائي، وأخبرتهم بسفري الليلة وأن الوداع سيكون من هنا من هذه الغرفة، فلا أريد أن يشعر أحد من الجيران، بأي شيء، لكن أصدقائي أصروا علي الذهاب معي حتي المطار، وفشلت كل محاولاتي لاثنائهم، فشعرت بالندم لإخبارهم فأنت تحكم السر طالما لم تخرج الكلمات من فيك، اللحظة التي تخرج هذه الكلمات من بين الشفتين، تحيط الأيادي برقبتك، ويصبح مصيرك في أيدي الآخرين.
أخيرا طلبت منهم أن يخرجوا ويذهبوا الي الطريق المؤدي لخارج القرية ولنتقابل هناك.
طلبت من أخي أن يحمل حقيبتي ويذهب بها وحده، حتي أقابله علي الطريق خارج القرية. فخرجوا جميعا بعد فترة قليلة واحدا بعد الآخر، وحانت اللحظة، لحظة الوداع، لوالدي وأخواتي البنات.
أبي فلاح بسيط حاول طوال حياته أن يرعي أبناءه قدر استطاعته، لا يشعرك بمعزتك عنده، فرغم طيبة قلبه، لا تخرج هذه المشاعر ألفاظا تعبر عنها، اندفاعه يظهره علي انه شديد وقاس، وتساعد في ذلك قسوة ملامحه التي عصرها الزمن، يرهبه الناس ليس لقوة جسمانية، لكن لنخوة وجرأة قد يفسرها البعض بالتهور والاندفاع، علو صوته وغلظته، تعبر عن قوة وشدة، كانت المرة الاولي التي اري فيها عينيه دامعتين، حينما كنت انزل درجات السلم وكأن كل درجة أنزلها طرقة تطرق حنايا قلبه، احتضنني في لهفة، طالما بحثت عنها في علاقتنا طوال السنين، لكنه كأرضنا تطرقها بالفأس لتخرج خيرها، أدركت مدي طيبة قلبه وغزارة مشاعره وتدفقها، طالما حجبها عنا، وفي اندفاعة قوية سحب نفسه من ذراعي، وغاب داخل غرفته.
الحنان اذا صفي وركز في انسان، فأمي هذا الانسان، بالرغم من حنانها ورقتها، وجدتها قوية صلدة، تحتضنني في قوة ولهفة، لكن عينيها لم تدمع، غمرتني بالدعوات، ونصائح الحذر والحيطة، فرأيتها أكثر عزما من أبي، في التعامل مع القضايا الحساسة، سلمت علي أخواتي اللائي اجتمع عندهن الشعور بالنشوة، لشيء جديد تأخر طويلا في أسرتنا، فالسفر ومغادرة البلاد جزء من حياة قريتنا، نشأنا عليه فلا يوجد شارع أو أسرة الا ولها شخص في الخارج، في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كانت دول الخليج لها نصيب الأسد، ولكن مع التسعينيات بدأ السفر الي الغرب يأخذ النصيب الأكبر، وخصوصا السفر غير القانوني عبر الحدود لكل من ايطاليا وأمريكا.
لم يترك أبي ولا عمي البلاد الي دول الخليج كما فعل الكثيرون، فكنا كأطفال نري ماذا يحضر هؤلاء من ملابس وأجهزة كهربائية، لم يكن نصيب فيها، وكم كنت اتمني أن يكون لي قريب مسافر، حتي أصبحت كدرجة في المجتمع، كأنك تقول أن قريبي فلان بك أو باشا، حينما أن تقول قريبي مسافر، وخصوصا اذا كان مسافرا الي دولة أوروبية، ويا سلام اذا كان مسافرا الي امريكا، فهذه أعلي درجة ومرتبة في المسافرين في قريتنا.
موجة السفر الي الغرب صار لها عدد من السنوات، وتفرز تغييرات عديدة في حياة قريتنا، وها نحن نلحق بالركب، وأنا الآن سأتسلل الي امريكا عبر الحدود، أمريكا التي يتردد اسمها كالطبل في بلادنا بالرغم من آلاف الاميال التي تفصلنا عنها، هكذا شعرت أخواتي وتحمسن لسفري الذي تأخر كثيرا بمقاييس قريتنا.
نظرت الي حوائط بيتنا الريفي، ووجه أمي وملامح إخوتي. لا نعرف هل أو متي سوف نلتقي مرة أخري؟
خرجت في هذه الليلة الرمضانية، الباردة متسللا، أحاول أن لا يشعر بي أحد من الجيران، أو تشعر قريتي انني افارقها، فتغضب علي وتنبذني.
قابلت أخي، حاملا حقيبة الكتف علي الطريق المؤدي الي خارج القرية، وداعي لأخي قوة دفع لي، حيث وجوده يمدني بعزم لمواجهة المجهول الذي ينتظرني، فاتقبل مخاطره، فأخي قد أصبح في ريعان الشباب، قوي البنية، حنون علي والديه، فهو العزم والسند لهم بعد رحيلي، احتضنته في لهفة وداع، أصررت أن يكون وداعنا علي الطريق المؤدي إلي خارج القرية، وليس من داع لذهابه معي الي المطار.
كنت أود أن آخذ مواصلات عادية من مدينة بنها الي مطار القاهرة، ربما لانني كنت افكر في توفير نقودي للمجهول الذي ينتظرني، الا أن أحد اصحابي اتفق مع سيارة أجرة من النوع 'السوزوكي' التي تشتهر بها بنها وكأنها بطة صغيرة تمرح في شوارع المدينة، أخذنا السيارة من علي ضفاف النيل، في طريقنا الي مطار القاهرة .
انخرط أصحابي في حديث كنت محجوبا عنه بالأفكار والهواجس التي تدور في رأسي ، ماذا لوذهبت الي المطار ،وكانت هناك مشكلة شهادة تأدية الخدمة العسكرية ،ليست واضحة بالقدر الكافي، أو شيء ما بجواز السفر. بل تذكرة الطائرة لدولة الاكوادور ، من يسافر من مصر الي الاكوادور ، بل أين هي الاكوادور علي خريطة الدنيا. دائما الدولة تطحننا من خلال بيروقراطيتها ، التي لا تشعر بالناس بقدر ماتهتم باستيفاء الأوراق واتباع القواعد واللوائح، وكاننا خلقنا من أجل النظام وليس النظام وضع من أجلنا. في ذهني تجربتي للحصول علي اجازة بدون مرتب من عملي كمدرس في مدينة شبرا، حيث كتبت الطلب عبارة عن سطرين علي ورقة طويلة ، فيمضي ناظر المدرسة ويختم ، وكذلك مدير المدرسة يمضي ويختم ويرفعها الي رئيس القطاع، فذهبت الي رئيس القطاع في مدرسة أخري، فيؤشر لا بالرفض أو بالقبول ، بل يرفعها الي الادارة التعليمية والادارة التعليمية ترفعها الي المنطقة التعليمية التي تمضي وتختم وترفعها الي مديرية التعليم في بنها . فتمتليء الصفحة الأولي بالامضاءات والتوقيعات ، فننتقل الي ظهر الورقة ، وداخل مديرية التعليم ثلاثة مكاتب وامضاءات وأختام حتي أصل ويصل الطلب الي مكتب وكيل مديرية التربية والتعليم ، الذي لا أستطيع الدخول عليه الا في أيام محددة ، ولما دخلت أشر برفض الطلب للعجز في مدرسي التخصص .
تكررت هذه الدورة تلك الرحلة ثلاث مرات، نفس التوقيعات والاختام ونفس النتيجة .
حتي أخبرني صديق لي :خلص الطلب من المنطقة التعليمية في شبرا ، وحينما تصل الي مرحلة المديرية في بنها وتحتاج الي امضاء المديرية وموافقتها. هناك شخص أعرفه من جهاز التنظيم والادارة في المحافظة يستطيع أن ينهي لك الطلب مقابل مبلغ من المال. وقد كان .
انتهي الطلب في دقائق، بقوة الجنيهات ، وحتي عقد العمل في الاكوادور، كان مزورا ولكن قوة الجنيهات العجيبة حركت البيرقراطية بسرعة البرق ، فحصلت علي اجازة عام بدون مرتب للعمل في دولة الاكوادور. في غمضة عين .و وصلني الطلب الي البيت ولم احتج حتي الذهاب الي مبني المديرية. ولا اقف علي أبوابها .

2

شقت بنا السيارة السوزوكي النونو الطريق الزراعي ، الواصل بين بنها والقاهرة ، في سرعة عجيبة ، طالما تصورت أن هذه السيارات تجري فقط داخل شوارع بنها الصغيرة ، ولكني فوجئت بقدرتها علي الجري علي الطرق السريعة أيضا ، في طريقها لمبني مطار القاهرة الجديد ، وهذه أول مرة أذهب فيها الي المطار قديما كان أو جديدا ، فلم أذهب لاستقبال أحد أو وداع أحد ، فهذه أول مرة في حياتي أقترب من المطار .
وصلنا الي المطار حوالي الحادية عشرة مساء ، حينما اقتربت من مدخل المبني كان هناك جهاز ، أشعة لكشف محتويات الحقائب ، فلم نعرف ان كان أصحابي يستطيعون الدخول أم لا، فآثرنا الوقوف في الخارج أمام المدخل، نتبادل بعض عبارات الوداع .
كانت الكلمات بيننا فقيرة في معانيها وان كانت جارفة في مشاعرها ، الأكثر معرفة بماذا يفعل كان وائل، ربما لأن له أصحابا غادروا من قبل وهو نفسه قد سافر الي الأردن في إحدي أجازات الصيف من قبل ، فربما هذه، ليست المرة الأولي التي يأتي فيها الي المطار كالآخرين ، وربما لأنه هو الآخر كان يفكر في السفر ويحاول، وبالفعل كنا نتحدث مرات ومرات حول الفكرة ، حتي أخبرني أنه ليس مستعدا الأن ماديا.
كنت قلقا .خوفا من شيء غير متوقع يحدث في المطار يمنعني من السفر، من اخطبوط الروتين المصري العتيد ، أو كرامات الحقد في قريتنا : كأن يبلغ أحد عني أني عضو في تنظيم ديني ، أو أني أتاجر في المخدرات التي تشتهر بها قريتي . أو أن هناك عهدة أميرية لم أسلمها أو أخلي طرفي منها، أو أن جواز السفر الذي استخرجته منذ عدة شهور موضوع في قائمة سوداء أو حمراء أو بنية ، لأي سبب. فسلمت علي أصحابي، فليس هناك داع لانتظارهم وسوف أدخل لأتمم الاجراءات،فذكر وائل: سوف ننتظر بالخارج هنا ثلث ساعة فإن لم تحتج شيئا سوف نغادر .

أخذت حقيبتي ودخلت لأقف في طابور صغير يتحرك بسرعة، أضع الحقيبة علي السير ،لتمر عبر الجهاز الكاشف لمحتويات الحقائب، فمرت بسرعة دون صوت انذار، داخل الصالة توجهت الي شركة الطيران انها شركة ايبريا الاسبانية، حيث ليس هناك طيران مصري أو عربي الي دولة الاكوادور. شحنت شركة الطيران حقيبتي لأنها كبيرة قليلا عن حقيبة اليد
توجهت الي المكان المخصص لجوازات السفر وأختام الخروج ، حاملا جواز سفري الأول في حياتي بيدي. اقترب الطابور رويدا رويدا من النافذة، فامتدت يدي الي ضابط الجوازات ، الذي أخذ الجواز وفتحه ونظر الي صورة الجواز ونظر الي وجهي ، ورفع يده وهبط بها حاملا ختم التصريح بالخروج من مصر ولم تستغرق العملية كلها أكثر من خمس دقائق ، يا ربي خمس دقائق ، لو علمت ذلك من قبل لتسامرت مع أصحابي لوقت أطول قبل فراقنا ، فأمامي الآن ساعة ونصف علي موعد مغادرة الطائرة .فماذا أفعل طوال هذه المدة؟
صعدت الي الدور العلوي حيث مكان الانتظار ، حتي موعد رحلة الخروج ، في صالة الانتظار ، حيث المحلات النظيفة المنظمة البراقة من أجل الأجانب . ففي هذه الصالة تصل وتغادر العديد من شركات الطيران الاوروبية والغربية وربما يكون هذا هو النظام العام في المطار فأنا لم اسافر من قبل.
تخلل حنايا الصالة صوت أم كلثوم يشدو بقصيدة ابراهيم ناجي وألحان رياض السنباطي في آخر مقطع من أغنية الأطلال، وبإحساس القروي الذي يرحل ويغادر الوطن لأول مرة شعرت أن كل شيء حولي ربما لن اجده مرة أخري، رأيت الأشياء العادية التي لم اكن التفت اليها، تصبح أشياء مهمة وضرورية، وجدت قدمي تذهب بي الي موظف داخل أحد المحلات والمتحكم في جهاز التسجيل الذي خرج منه صوت أم كلثوم، لاقترب منه وأقول:
­ أنا مسافر الليلة عن مصر ومعرفش امتي هرجع تاني هل ممكن أن يكون صوت سوما هو آخر شيء أودع به مصر.
هكذا أخبرت الرجل، الذي نظر لي وابتسم وقال:

­ تحت أمرك.
فبدأ صوت أم كلثوم بعد المقدمة الموسيقية
يافؤادي لا تسل أين الهوي
كان صرحا من خيال فهوي
اسقني واشرب علي أطلاله
وارو عني طالما الدمع روي.

وبينما أنا جالس أسمع وأنتظر، رأيت هذا الشاب متوسط الطول عريض المنكبين ، داكن لون البشرة ، وضع كمية من الدهون علي شعره ، الذي يلمع حتي كأنه يقطر علي كتفيه، وهو تقريبا في نفس سني، دخل الي القاعة ، يحمل حقيبة كتف صغيرة هو الآخر، جلس علي المقعد القريب مني ، تبادنا النظرات ، وبعد التحية ، عرفني باسمه محمد وعرفته بنفسي وسألته
­ علي فين يامحمد؟
­ أنا مسافر علي الاكوادور
تجمدت الكلمة في حلقي، هل يمكن أن يكون محمد من قريتي وفي نفس سني ولا أعرفه، مستحيل، علي الأقل سوف أعرف ملامح وجهه ، ولا يمكن أن يكون الأمر كلة صدفة ، وهل هناك أفراد آخرون يعرفون طريق التهريب الي أمريكا خارج قريتنا.

­ انت منين يامحمد؟
­ من بنها
خف العجب حينما عرفت أن محمد من كفر مجاور لقريتنا ، وهو ذاهب في نفس طريقي.
وانخرطنا في الضحك عندما عرفنا أننا من قريتين متجاورتين ، لعلة الاحساس ، برفيق للطريق يظهر فجأة بلا ترتيب أو انتظار.
محمد من هذا الكفر المجاور لقريتنا وهناك علاقات نسب وصلة رحم بين الاثنين . وفي نفس الوقت علاقة تعالي من قريتنا علي الكفر، فقريتي اكثر اقترابا من المركز ونسبة التعليم أكبر ، الكفر سمي علي اسم عائلة من عائلات ملاك الأراضي قبل نظام يوليو، وكان يتمازح أبناء قريتي حينما أراد الكفر أن يغير اسمه الي كفر الأحرار . ويالها من صراعات بين القرية والكفر في مناسبات موالد الأولياء كل عام والمشاغبات بين الاثنين، وخصوصا تعلق الكفراوية بصوت الشيخ شرف الذي يحيي المولد عندهم كل عام ، وكانت قريتي تتندر بذلك.
ارتفع صوت أم كلثوم
هل رأي الحب سكاري مثلنا
دخل الي القاعة شابان وفي علامة من علامات المفاجأة لهما ولمحمد ولي، اتجها نحونا، أعرفهما عدنان يصغرني بسنة لم يكمل تعليمه وترك المدرسة في المرحلة الابتدائية وعمل فلاحا في أرض عائلته واهتم بتربية المواشي، وكان يتاجر فيها ، ربعة ليس بالبدين أو النحيف ، يظهر الخبث من عينيه . والآخر راشد ، شاب في السابعة عشرة من عمره طويل فارع الطول نحيف ،أعرفه انه من عائلتي وفي نفس الوقت هو ابن أخت عدنان .وهما في طريقهما الي الاكوادور أيضا .
الطريف أن محمد بعد المغرب، ذهب الي صديقه عدنان يسلم عليه ويخبره أنه مسافر الليلة الي أمريكا ، خصوصا أن عدنان له اخوين في أمريكا وله أبناء عم كذلك هناك . ولم يخبر عدنان محمد أنه هو أيضا مسافر . وها هما يلتقيان في المطار .
سأل محمد عدنان لماذا لم يخبره أنه مسافر هو أيضا ، ضحك عدنان بخبث وقال انه اعتقد أنه مسافر علي الايطالية _ يعني شركة الطيران الايطالية­ وأن باله كان مشغولا جدا فنسي.
هل هو الصراع الأبدي بين القرية والكفر ؟ أم أن محمد كان يريد أرقام تليفونات اخوة عدنان في أمريكا ، لربما يحتاج الي مساعدتهم بالمال أو العون في الطريق . فعدنان مطمئن لأن له اخوة وأبناء عمومة سوف يدفعون ويتابعون تكاليف رحلته هو وابن أخته راشد ، وليس حال محمد كذلك. فليس له اخوة في أمريكا، ولكنه بدأ يتباهي أن له أخا في السعودية مستعدا لكل التكاليف .
لم يكن لي علاقة بعدنان أو راشد، فأعرفهما بالشكل فقط ولم نكن في يوم أصحابا. لكن هاهي مجموعة وفريق سفر يتخلق في ساعة انتظار في مطار القاهرة ، بلا تخطيط أو ترتيب .
ارتفع صوت أم كلثوم شاديا بآخر مقطع من الاطلال ومضي كل الي غايته لا تقل شئنا فان الحظ شاء ، فان الحظ شاء وارتفع صوت تصفيق المستمعين . وجاءني الموظف ليسألني هل استمعت الي الأغنية فشكرته .
ارتفع صوت الميكرفون الداخلي في صالة الانتظار ينادي علي رحلتنا التي تأخر موعدها خمسه عشرة دقيقة، فاتجهنا الي بوابة الدخول وسرنا في ممر ممتد من الصالة الي باب الطائرة ، في طريقة مختلفة تماما عن الطريقة التي تظهرها الأفلام العربية فدائما هناك درجات سلم للصعود والهبوط الي الطائرة . ما أقبحها الأفلام العربية التي لا تلحق بركب التغيرات التي تحدث في واقع الحياة المعاشة ، لتعدنا لهذه الحياة وذلك الواقع الذي يواجهنا.فقد كان تصوري دائما ، أنني سأفعل ما أراه في الأفلام المصرية ، داخل المطار.
دخلت الي داخل الطائرة وكانت طائرة صغيرة ، جاء مكان جلوسي بجوار شاب مصري أسمه أسعد وهو مسافر الي الولايات المتحدة الأمريكية مباشر، وليس الي الاكوادور ، وهو يعمل في الولايات المتحدة وكان في زيارة لأهله في مصر . وقد غرت منه كثيرا .وكنت أتمني أن تكون رحلتي مباشرة مثله.
شعرت أني مقبل علي عالم آخر لم أعد له ، كما راسلني صديقي الصوفي الناسك ، فكري أندراوس، العاشق لتاريخ مصر بكل مراحله وهوية مصر بكل روافدها، راسلني تعليقا علي قراءة هذا الجزء، فقال: أن المصري لم يهاجر من مصر الا في العصر الحديث ، وكانت إحدي العقوبات ضد المصري القديم أن يحرم من العيش في مصر لفترة من الزمن، وهي عقوبة قوية ضد المصري.
بدأت الطائرة الحركة ، ففعلت كل مافعل أسعد ، فربط حزام الأمان . دقائق قليلة وبدأت الطائرة تجري علي أرض مطار القاهرة الجديد، ترتفع فأشعر باهتزاز وتنسحب روحي، مثل شعور مراجيح المولد أو العيد . بدأت ترتفع الطائرة عن سطح الأرض ، وبدأت تبعد أنوار طريق جريان الطائرة في المطار . وتظهر أنوار القاهرة الليلية تتلألأ.تنطلق الطائرة الاسبانية ، فتأخذنا بعيدا عن الأهل والوطن والاصدقاء ، الي طريق غامض . فيتردد صوت أم كلثوم الذي ودعت به أرض مصر لا تقل شئنا فان الحظ شاء.

3

داخل صالة الانتظار في مطار مدريد ، تجدد الجدل بين محمد الكفراوي وعدنان ،فلم تتح لهم رحلة الطيران من القاهرة لمدريدالكلام ،فقد كانت مقاعدهم تبعد عن بعضها الآخر، فها هو محمد يتبع عدنان في كل مكان داخل الصالة يعاتبه ، ومحمد لحوح، إلحاح ممل الطبيعة الشخص الذي اذا وجد موقفا ولا يعرف كيف يتحرك من هذا الموقف ولا كيف يتطور مع الموقف، فيظل يكرر نفس الشيء ، مرات ومرات بلا ملل.من جانب آخر عدنان هذا الشخص الذي لا يهتم بما يقول الآخرون فكل شيء عنده بالجزمة ، فسوف يدوس علي هذا الشخص بالجزمة وسيضرب ذلك بالجزمه ، وهذا الموضوع في جزمته، وحينما تنظر الي جزمته تجد أنها هي الأخري تصرخ من رائحة قدميه.بالرغم من هذا كانت علاقتهم مستمرة فكل منهم في احتياج ، ويكمل الاخر .
هناك حاجز ما، بيني وبينهم فهم يعرفون بعضهم البعض ، من قبل وكانوا علي علاقة ما أما أنا فهذه أول مرة أري محمد ، وهي الأولي التي أتعامل فيها مع عدنان وراشد . لكن كان هناك حاجزا آخر، نحن من نسمي أنفسنا المثقفين ، الذين نقرأ الكتب الفلسفية التي لا يعرفها العامة، ونستمتع بالفنون الراقية، ننظر دائما الي العامة والدهماء نظرة احتقار وإلي الفنون التي يستمتع بها العامة نظرة تضع من قدرها، شعرت بهذا الحاجز بيني وبينهم .لكن نحن الآن في نفس الطريق لابد أن نسكن معا فسوف نواجه ما يخفيه الغيب معا.
بعد ساعات الانتظار في صالة مطار مدريد ، حان موعد أن نستقل طائرتنا في الطريق الي الاكوادور ، حان موعد مغادرة أراضي قارة أوروبا كلها . كنا حوالي الظهيرة بتوقيت مدريد ، مازال هناك ساعتان علي موعد انهاء صومي حسب توقيت القاهرة، توجهنا الي بوابة الخروج ،فاذا بنا ندخل الي ممر من الصالة الي داخل الطائرة ، بنفس طريقة مطار القاهرة الجديد، فاذا كانت عندهم هذه الخدمة فلماذا لم تقدم الي طائرتنا القادمة من القاهرة، فهذه الأرض كانت تحت حكم أجداد لنا لثمانية قرون، وها نحن نعامل علي أننا ارهابيون، عجيبة هي أوروبا في تعاملها معنا، والأعجب هو تعاملنا معها فنجعل كل جديد في خدمتهم حتي ننال اعجابهم ورضاهم ، ومازالوا ينظرون الينا من أطراف أنوفهم.
دخلت الطائرة ، واذا بها طائرة ضخمة ، حجمها ثلاث مرات حجم الطائرة التي حملتنا من القاهرة ، عريضة وبها شاشات تلفزيون، وكذلك خريطة عريضة للمحيط الأطلنطي. جاء مقعدي بجوار سيدة ، تبادلنا بعض التحيات بالانجليزية ، وكانت انجليزيتها أكثر تواضعا من انجليزيتي،، فلغتها الأولي هي الاسبانية ، فدار في ذهني هل تشعر هي بنفس الشعور الذي نعيشه في بلادنا ، أننا علينا أن نتحدث لغة أجنبية أخري بجوار لغتنا الأم، حتي يقال علينا مثقفون، أم هي لا تهتم البته بتعلم لغة أخري ، وتستمتع بلغتها الأم وتتفاخر بها دون احساس بالنقص.علي كل حال انقطعت سبل التواصل بيني وبينها.
دقائق بعد اقلاع الطائرة، أتي محمد الي حيث أجلس وطلب مني أن أجلس بجواره ان أمكن ، وأن أطلب من السيدة التي تجلس بجواره ان كانت توافق علي الانتقال الي مكان جلوسي ، فكلمتها وكانت تتحدث الانجليزية بطلاقة، ورحبت السيدة علي الفور ، فانتقلت بجوار الكفراوي، في وسط الطائرة، وكان عدنان وابن اخته راشد يجلسان في مكان ما بمؤخرة الطائرة .ها نحن نعبر المحيط الأطلنطي. هكذا تشير الخريطة الكهربائية التي تصور الطائرة عابرة للمحيط علي الخريطة ، فيكون عندنا تصور أين نحن ، والشاشة تشير بالأرقام علي أي ارتفاع نحن من سطح الماء، وكان عدد كبير من الأرقام، وكذلك بأي سرعة تطير الطائرة ، وكانت أرقاما تجعل القلب يرتجف.
الجلوس في هذا الأنبوب الطائر يذكرني بطائرتنا التي كنا نستقلها ونحن صبية في القرية، كان هناك مشروع لا أعرف ماهو، وان كنت أتصور أنه مشروع عمل زوارق لصرف مياه الري، في حقول القرية في حالة غمر الأرض بالمياه ، وكانت اسطوانات الخط ، اسطوانات ضخمة من البناء الأسمنتي الخرساني ، فتم المشروع وتركت بعض من هذه الاسطوانات الخرسانية الكبيرة في القرية فكنا ندخل بهاونحن صبية نلعب ، ونمثل، ونتصورها سيارات نقودها أو طائرات نحلق بها في السماء ، وان كانت لا تتحرك قيد أنملة ،ولكن بخيالنا كنا نجعل الصخر يطير، فها نحن داخل انبوب معدني آخر يطير بنا، لا أعرف لماذا تذكرت وشعرت بنفس الشعور، ولكن الفارق أن الواقع الذي نعيشه أصبح أكثر خيالا من خيالنا الذي كنا نعتبره جامحا ونحن صبية ، لقد تداخل الواقع مع الخيال فأصبحنا لا نعرف ما هو خيال وما هو واقع.
بدأت شاشات العرض داخل الطائرة التي تنتشر في أماكن مختلفة من الطائرة، تعرض فيلما أمريكيا مغامرات مجموعة من الضباط والجنود الأمريكيين في حرب اخراج جيش صدام حسين من الكويت، يصحب الفيلم ترجمة اسبانية ، وفي الفيلم مشاهد العرب السذج ، وتصرفاتهم الرعناء، وبالرغم من أنني لا أفهم لغة الفيلم ، الا أنني أشعر أنني أفهم كل لقطة من لقطاته وكل همسة من همسات ممثليه. لأنني أعيش وأعرف الواقع الذي يمثله الفيلم .ولم يكن أي من هؤلاء الركاب يعيش هذه الوقائع ولا عنده الخلفية التاريخية لأحداث الفيلم .
ان معظم ركاب الطائرة من أسبانيا أو من دول أمريكا الاتينية ، وهناك شعور بالضغينة من كثير من سكان أمريكا اللاتينية ضد الهيمنة الأمريكية علي أحوال دولهم ، لكن في نفس الوقت هذه الشعوب تأخذ الكثير من تصوراتها عن الشعوب الأخري من الاعلام وصحافة وأفلام أمريكية، فالاكوادوري أو الكولومبي يأخذ تصوره عن من هو الصيني أو الياباني أو العربي من الافلام الأمريكية، فما يعرفونه عن العربي يأخذونه من هذه المشاهد في هذا الفيلم وغيره ماهو الا انسان يلبس عمامه، ثري ثراء فاحشا ، وكل ما يجري وراءه هو الاشباع الجنسي، وعلينا نحن المتحضرين أن نحمي العالم من عبط هذا الشخص، بل نحميه هو الآخر من جيرانه ومن القبائل الأخري التي تعيش خارج التاريخ .
قطع حبل أفكاري هذه وتسلسلها المقيد، المضيفين والمضيفات الذين بدأوا المرور لسؤال الركاب عن اختياراتهم من وجبات الطعام علي الطائرة، وحسب ساعة يدي علي توقيت القاهرة ، مازال بعض الوقت علي موعد افطار شهر رمضان، فحسب الامساكية التي أحملها ، والتي تعود حقوق طبعها ونشرها محفوظة بموجب القانون 132 لسنة 1949 لدار ايزيس . فطلبت من المضيف ان كان ممكنا أن يؤجل وجبتي لبعض الوقت ،لاني صائم ولا أستطيع أن آكل الأن .
لا أعرف ان كان الكفراوي صائما أم هو فقط يجاريني ، حرجا وتقربا ، حيث مازال يحمل ضغينة داخله من اخفاء عدنان عنه أنه هو أيضا مسافر ، وقد كان جدالهما داخل صالة الانتظار في مطار مدريد ، ومن هنا بدأت تتكون مجموعتان، عدنان وابن أخته، وأنا والكفراوي .مجموعة المحظوظين حيث هناك من يتابع رحلتهما وجاهز لنجدتهما في أي وقت ، والدولارات جاهزه لحركتهما ، وبدل الأخ أربعة في نيويورك وبدل ابن العم هناك أورطة منهم، والمجموعة الأخري مجموعة القلق والترقب والتوكل علي الله أولا وعلي الحظ ثانيا، أنا والكفراوي.
لم يكن هناك ما يمكن أن نتكلم فيه أنا والكفراوي ، فقد كنت طوال حياتي منطويا علي نفسي، لم أكن اجتماعيا، ولا أجيد الثرثرة ، ولا الحديث في كل شيء واللاشيء، أقرأ الجرائد منذ سن الحادية عشرة ، ولم أجلس مرة في حياتي ، لأحل الكلمات المتقاطعة ، لم ألعب الورق أو الطاولة ، كان الناس في قريتنا وخصوصا في أفراد عائلة أمي يعشقون كرة القدم ، وكانت مباريات فريقي الأهلي والزمالك معارك ومناسبات يتجمعون عليها في بيت جدي ويكون الصياح والنقد والتعليق علي هذا اللاعب أو تلك اللعبة متعتهم .وكان التعصب شديدا لكرة القدم ، ولكنني لم أتعصب يوم لفريق ، بل كنت أشاهد فقط بعض مباريات الفريق القومي المهمة فقط ، ولم أشعر في يوم ما أني أعرف في كرة القدم كما كان يفعل بعض أبناء خالي فيتحدثون عن خطط هذا المدرب وخطط ذلك الفريق .
لم أهتم بأخبار الفنانين والفنانات، وفضائحهم التي تمتليء بها الصحف والمجلات ، كنت أذهب الي المناسبات العائلية بصعوبة ، وحينما أذهب أسكن في مكاني لا أبرحه. كنت أتصبب عرقا اذاتحدثت الي فتاه . لم أكن كأبناء سني أعاكس الفتيات، كنت أري هذا تقليلا من قيمتي، وارضاء لشهوات الفتيات أنهن مرغوبات ، فلم أكن أفعل ذلك .
علي العكس مني كان محمد الكفراوي، فهو متزوج وزوجته حامل في ابنه الأول ، وهي علي اهبة الوضع خلال أسابيع ، بعدما أنهي شهادة الدبلوم،سافر الي بعض الدول العربية فقد سافر الي الأردن وعمل في لبنان. وكان ينطق بعض الألفاظ بلهجات أهلها.يتظاهر دائما أنه زير النساء ، يحاول أن يظهر أنه أنيق ولا تهمه النقود ويشتري الأشياء مهما كانت غالية ، أحيانا بدون حساب .تبادلنا الحديث في بعض الأمور الشخصية وكان هو المتحدث أكثر مني وكنت أنا المستمع.جلسنا ولم نبرح أماكنا.
علي العكس منا كان عدنان ، فكان أكثر تحررا ، وأقل تكلفا، فلا يعبأ، بتصور الناس عن تصرفاته، الأجانب الذين لا نريد أن نحرج أمامهم.وماذا سيتصورون عنه وعنا. وأنا أهتم بأن نعطي صورة جيدة عن بلادنا وخصوصا بعد هذا الفيلم الذي عرض علي ركاب الطائرة ، والصورة التي صورها عن العرب، وكيف يتصرفون، ولكن الي متي سيظل هذا القيد الذي أقيد به نفسي ، فنحاول أن نقلد الغرب لأنه مثال التقدم والحضارة، فنلبس كما يلبسون ونأكل كما يأكلون ونتحدث كما يتحدثون.
علي العكس منا كان عدنان ، بل كان متحررا من كل ذلك وحتي لا يعبأ بحكم الصوم ، فهو يشعر بالجوع يأكل ، ويشرب اذا عطش. بداخل الطائرة بدأ يتبع فتاه من راكبات الطائرة في حوالي السابعة عشرة من عمرها ، تتجول حاملة كأس الخمر في يديها ، وقد أطلق عليها الراقصة ، ربما لأن الزي الذي تلبسه مفتوح يظهر من جسمها أكثر مما يستر.انتقل خلفها حيث ذهبت الي المقاعد الخلفية، المخصصة للمدخنين لتدخن سيجارتها.وربما لأنه يريد أن يدخن هو الآخر ، علي البعد أراها تضحك ، لا أعرف لماذا؟ وكيف لعدنان الذي لا يعرف كلمة بالأسباني أو بالانجليزي أن يتفاهم معها ، سبحانه جعل المصريين ينطقون الأحجار.

4

داخل الطائرة العابرة للمحيط الاطلنطي ،من جنوب غرب أوروبا الي أمريكا اللاتينية، فحيث يشير نموذج الطائرة العابر فوق الشاشة الموجودة في منتصف الطائرة ،أننا لم نعبر الا النزر اليسير من المسافة، حسب توقيت ساعة يدي التي مازالت بتوقيت القاهرة ، وحسب الامساكية التي معي ،حان الآن موعد الافطار . بالرغم أن نور النهار واضح والشمس في كبد السماء ولكن هو موعد افطاري ، ذهبت الي مؤخرة الطائرة حيث يوجد المضيفون والمضيفات لأخبرهم أنني والكفراوي نريد طعامنا الآن، بالفعل أتي لنا بالطعام، سألت أكثر من مرة هل يحتوي علي أي لحم خنزير. فأخبرتني المضيفة نافية، فأكلنا الوجبه كاملة ، وغمرني شعور بالوصول الي الهدف ، لقد استكملت الصوم رغم اختلاف التوقيت رغم صعوبة السفر، رغم كل المغريات ، ورغم أن كل الناس حولي يأكلون ويشربون، ورغم جمال الأجسام وفنون الأزياء التي خبرناها في مطار مدريد وهنا علي هذه الطائرة.
بدأ محمد بعد تناول الطعام يشعر أنه يتحرر من قيد، بل بدأ يتحرر من قيد صحبتي ، التي أتصور أنها مملة، فبعد تناول الطعام ، قام للعودة الي مؤخرة الطائرة بحجة أنه يريد أن يدخن سيجارة ، أشعر أنها الغيرة من عدنان وحركته التي لا تهدأ ، الكفراوي يريد أن يقترب من ذلك ولم يجد ما يرٌغبه في الجلوس معي.
دار المضيفون والمضيفات في المرور علي الركاب ، بعد انتهاء الفيلم الأمريكي ، وبعد تناولهم الطعام وبعد فترة من التدخين والحركة وتناول المشروبات الكحولية، بدأ توزيع أغطية وبعض الأحذية من القماش لتحافظ علي حرارة القدمين ويشيرون الي مواضع المخدات لكل من أراد أن يخلد الي النوم. بعد تناول طعام الافطار ، حيث الجوع الشديد شعرت بخمول عجيب ، فكل الدم الدائر في جسدي يذهب مباشرة الي المعدة ، فبدأت أغص في غفوة عميقة من كثرة التعب فلم أنم طوال الأربعين ساعة الماضية .
لا أعرف طول المدة التي غفوت فيها فلقد فشلت وأنا مدرس الرياضيات أن أحسبها ، فساعة يدي حسب توقيت القاهرة ، ولقد غادرنا بعد الظهيرة بتوقيت مدريد ، الا أن نموذج عبور المحيط داخل الطائرة يشير الي أننا في الثلث الأخير من الرحلة .
استمرت الرحلة بعد ذلك حوالي ثلاث ساعات ، بدأت فيها الحركة تدب مرة أخري في الطائرة التي كانت استكانت وسكنت وخلدت الي النوم الا عدد ما من الذين يستمتعون بأوقاتهم ومنهم الكفراوي الذي لم يعد الي مقعده مرة اخري. وكأن مقعده الان في منطقة المدخنين الذي تجلس فيه الراقصة، حسب تسمية عدنان.

جاء صوت طاقم قيادة الطائرة ، يشير الي الاستعداد للهبوط ودار المضيفون والمضيفات ينبهون الي الجلوس وربط الأحزمة ، معظم الرحلات كانت تتوقف في ولاية فلوريدا الجنوبية في أمريكا ،لكن السلطات الأمريكية تشترط الآن، علي كل من يمر علي فلوريدا ولوحتي لعدة دقائق انتظار في مطارها ،أن يحصل علي تأشيرة دخول ، وهم لا يعطون تأشيرات الدخول. لكن طائرتنا العملاقة ، ستهبط في دوله من دول الكاريبي ، وهي الدول الموجودة في غرب المحيط الأطلنطي عبارة عن جزر مواجهة لجنوب شرق الولايات المتحده ، كوبا وهايتي، وجمهورية الدومنيكان التي سوف تهبط الطائرة في مطارها .
هبطت الطائرة في حوالي الثالثة بعد الظهر بتوقيت العاصمة سانتا ديمنجو بعد حوالي اثني عشرة ساعة طيران. حوالي اثنتين وعشرين ساعة منذ مغادرتنا القاهرة . علينا أن ننتظر ساعة في هذا المطار داخل صالة صغيرة جدا ، حيث تستطيع أن تري الغابات من نوافذ المطار.
لاحظت أن هناك أناسا كثيرين يتحدثون الأنجليزية في هذا المطار ، ربما لقربهم من الولايات المتحدة وكثرة السفر من هذه البلاد اليها.
بعد ساعة دخلنا الي طائرة أخري في رحلة أخري من جزر الكاريبي في الغرب المحيط الأطلنطي ، الي غرب أمريكا اللاتينية علي المحيط الهادي. داخل الطائرة كان كل من يخدمون في الضيافة ، كلهم رجال.تشعر باحتكاك بل ارتطام عجلات الطائرة بأرض المطار، وكأن الطائرة تجري في أحد الشوارع في بلادنا، كانت الطائرة أصغر كثيرا من الطائرة التي عبرت بنا المحيط.رجال الخدمة يتحدثون الاسبانية فقط ومن الصعب فهم أي شيء منهم .بالرغم من عدم معرفتنا بأي من ألفاظ الاسبانية الا أنك تشعر باختلاف بين الذين تحدثوا الاسبانية في أسبانيا حيث كانوا علي الطائرة التي أقلتنا عبر المحيط ، وبين اسبانية هؤلاء الذين يعبرون بنا من المحيط الأطلنطي للهادي.علي جانب آخر تشعر بمدي التقارب بين أهل أمريكا اللاتينية وطريقة تفكيرهم وردود فعلهم وبين طرق وردود أفعالنا .
بدأ المضيفون يمرون علي الركاب بوجبة الطعام، شككت أن بها لحم خنزير، فأنا لم يسبق لي رؤية لحم الخنزير، ولكن غالبني الشك، فآثرت أن أسأل المضيف، وبالفعل ذكر أو هكذا فهمت وربما كان هناك سوء فهم، لفقر لغة حوارنا، وسألته ان كان هناك نوع آخر من الطعام. فجاءتني الاجابة بالنفي.فامتنعت عن الأكل . وذهبت علي الفور الي حيث يجلس عدنان والكفراوي وراشد لأخبرهم أن الأكل به لحم خنزير، فتوقف الكفراوي وراشد عن الأكل، واستمر عدنان ولم يتوقف عن الأكل، وأشار الي ذاكرا خنزير خنزير، كبر دماغك.
بعد رحلة طيران حوالي ثلاث ساعات أخري، ها نحن نهبط في مطار عاصمة الاكوادور كيتو وكان الضباب يلف المدينة وبعض من قطرات المطر الخفيفة تتساقط، ها نحن نصل الي أول محطة في طريقنا الي الولايات المتحدة الأمريكية، بعد خمس وعشرين ساعة طيران ، من مطار القاهرة الي مطار برشلونة فمطار مدريد،ومن مدريد عبر المحيط الأطلنطي الي جزر الكاريبي في دولة دومنيكان ومنها الي غرب أمريكا اللاتينية علي المحيط الهادي دولة الاكوادور.بدأنا الرحلة الساعات الأولي من صباح يوم الاثنين الثالث من فبراير الثاني والعشرين من شهر رمضان وها نحن نصل الي كيتو ومازال في يوم الاثنين تسع ساعات أخري، فقد ازدادت أعمارنا تسع ساعات أخري لقد خطفنها من الحياة.
حسب توقيت القاهرة علينا أن نبدأ الامساك عن الطعام خلال ساعة ولكن نحن الأن قبل المغرب بتوقيت كيتو، ما علينا الا أن نساير أهل البلاد في توقيتهم، ونتخلص من توقيت القاهرة وساعتها.

مطار كيتو مطار صغير نزلنا من الطائرة لنسير علي الأقدام للدخول الي صالة الوصول ، التي تشبه صالات الوصول في الافلام المصرية القديمة. لم يكن معنا تأشيرات دخول للاكوادور ومن المفروض أن نحصل عليها في المطار. وقد وزعت علي ركاب الطائرة استمارات تملأ بالاسبانية ، وكانت هناك بعض الترجمة الانجليزية.تحلق حولي كل من الكفراوي وعدنان وراشد، حاولنا قدر الامكان أن نملأ بعض الفقرات وتركنا الباقي، طلبت منهم ألا نقف كلنا في طابور واحد حتي لا نلفت الأنظار، وعلينا أن نتوزع، كل علي شباك.وبالفعل وقف كل من عدنان والكفراوي في طابور، ووقف راشد الصغير خلفي في الطابور.
وصلت الي موظف الجوازات الذي حدثني بالاسبانية، فهززت رأسي، فبدأ يتحدث اليٌ بالانجليزية
­ لماذا أنت قادم الي الاكوادور
­ سياحة
نظر الي جواز السفر وختم بتأشيرة دخول، نظرت اليها فيما بعد وجدتها تأشيرة دخول بشهرين. ولم تستغرق البقية وقتا، لا أعرف ماذا دار بين عدنان وموظفة الجوازات، المهم أننا حصلنا علي تأشيرات الدخول الي البلاد بسرعة وسهولة. فحصل كل منهم علي تأشيرة بشهر وهذا أكثر بكثير مما نحتاج ، فما نحتاج اليه هو بضعة أيام نحصل فيها علي تأشيرة دولة كوستاريكا وسوف نرحل مباشرة خلال اسبوع لا أكثر.
ها نحن أربعة قرويين، في بلاد تبعد آلاف الأميال عن قرانا، في أول مرة يفارق فيها معظمنا بلاده، ولبعضنا المرة الأولي التي يفارق فيها محافظته والمركز الذي عاش فيه طوال عمره. والي بلاد لانعرف من لغة أهلها كلمة، وعلينا أن نتصرف ونتحرك.
انتظرنا حقائبنا المشحونة ببطن الطائرة، فلقد غيرنا ثلاث طائرات، وصلت حقائبنا أنا والكفراوي سالمة، ولم يكن لعدنان وراشد الا حقيبة كتف واحده يحملانها معهم داخل الطائرة.الأن علينا أن نغير بعض الدولارات ونحصل علي عملة معدنية كي نحاول أن نستخدم التليفون، سألت أحد العاملين في المطار، الذي من الصعب جدا وجود أحد يتحدث الانجليزية ، استطعنا معرفة مكان تغيير الدولارات. وكان عدنان والكفراوي وراشد يصدراني لخوض التجارب، فعلي أن أغير الدولارات وأن أدفع وسوف يحاسبونني بعد ذلك. علي كل حال غيرت عشرين دولارا الي عملة الاكوادور، التي تسمي السوكروس كما سمعناهم ينطقونها. وكل دولار يحول بحوالي ثلاثة ألاف وستمائة سوكروس، العشرون دولار ثلاثة وسبعون ألف سوكروس.
حصلت علي بعض العملة الفضية، وكانت عملية تقييم الأعداد عملية صعبة حيث كنت أحول الأرقام بين الجنيه والدولار والسوكروس . بحثت عن تليفون عمومي في المطار.حيث كان معي رقم تليفون مسعود، شخص مصري مقيم في الاكوادور .
كنت قد حصلت علي رقمه من صديق لي في نيويورك حينما كنت أكلمه عبر التليفون من ثلاثة أشهر ، فطلبت منه أن يخبرني عن قصة رحلته ،فقص علي قصة وذكر لي الأسماء وأرقام التليفون ، وبينما هو يكلمني عبر التليفون في مكالمة استمرت بالساعات ­ لا أعرف كيف يدفعون فواتير هذه المكالمات­
وبينما هو يكلمني ويخبرني أنه يتحدث من الشارع ، في نيويورك فبين مدة وأخري أجده يردد بصوت عال وكأنه يكلم شخص اخر مارا أمامه قائلا، وعليكم السلام ، ويخبرني أن فلانا من أبناء قريتنا كان فائتا من أمامه ، وألقي عليه السلام.
مما جعلني لا أشعر بالغربة ،فان كان هو حالهم في نيويورك، فلا احساس بالغربة هناك،مما دفع داخلي الرغبة بالسفر التي كنت أقاومها ولاأفكر فيها لسنوات.
ولكن مع التغيرات التي حدثت في قريتي ، التغيرات التي قلبت كل الموازين في القرية ، فلم يعد هناك أهمية لشهادة تعليمية أو حسب أونسب ولاحتي أخلاق ، كل ماأصبح له قيمة هل معك كرت أخضر يصرح لك الاقامة والعمل في أمريكا ، هل لك اخوة في أمريكا أوايطاليا ، وعلي أقل تقدير أن لم تسافر بعد هل تجهز نفسك للسفر، فحينما تتقدم للزواج تسأل عن كل ذلك .سبحان مغير الأحوال. والفضل للدولار.
حصلت علي بعض أرقام التليفونات والأسماء من صديقي هذا،خلال هذه المكالمة الطويلة. وهذا هو وقت استخدام هذه الأرقام ومنها رقم مسعود في كيتو ، ذلك الرقم وجدته مع كل المجموعة التي التقت مصادفة في مطار القاهرة ساعة قبل مغادرة الطائرة، وكأن كل فرد من قريتي والكفر المجاور لنا يخرج في طريقه الي أمريكا معه قائمة بهذه الأرقام والأسماء التي تحوي اسماء عرب وأجانب.

5

في مطار كيتو في دولة الاكوادور أمسكت بالتليفون العمومي ، يحيط بي كل من الكفراوي وعدنان وراشدا ووضعت كمية من العملة المعدنية لا أعرف كم وضعت، وبدأت ضرب رقم مسعود الذي نحمله معنا، جاءني صوت من الطرف الأخر،
­ الو
­ ألو ،ممكن أكلم مسعود لوسمحت.
­ مين معايا
­ احنا لسة وصلين من مصر
­ لحظة أديلك واحد من بلدكم يكلمك
هكذاأجابني الصوت، واذا بصوت شاب يأتيني عبر أسلاك التليفون.قائلا
ازايك كويس ، مين معايا
­ انتو فين
­ احنا في المطار
­ اخرجوا أمام المطار ، فيه موقف اتوبيس انتظروني هناك

وانتهت المحادثة ، غمرنا احساس بالاطمئنان ، فلن نحتاج الي الحديث مع أحد للسؤال عن معلومات أو اتجاهات، فمن الصعب الحديث مع أي أحد ، وكانت أهمية معرفة لغة أخري وربما لقربنا من أوروبا كانت الحاجة دائما لمعرفة لغة أوروبية بعكس هذه البلاد التي تبعد كثيرا عن أوروبا فلا تحتاج الي تعلم لغة أوروبية أخري.
خرجنا خارج المطار نبحث عن موقف الاتوبيس ، فوجدنا مكانا اعتبرناه موقف الاتوبيس وانتظرنا حوالي خمس وعشرين دقيقة ، واذا بسيارة أجرة تتوقف أمامنا ويخرج منها ، حسن، شاب في الثامنة عشرة من العمر من سن أخي الصغير ، أعرف ملامحه انه من قريتنا ، طويل القامة كستنائي الشعر يميل لون شعره الي الصفرة الخفيفة ، نحيف ، دائما يتحرك في حيوية وسرعة كأنه يجري من شيء. سلم علينا بحرارة وبدأ يصدر النكات وخصوصا الي راشد الذي هو من سنه ويعرفون بعضهم البعض ، لكن شتان بين راشد الساكن الخامل وحسن كما يسميها أبناء قريتنا مدردح وبيت حسن في قريتنا قريب من بيت عدنان فيعرفون بعضهم البعض.
صار لحسن الآن سنة في طريقه الي أمريكا، وقد أنفق خلال هذه السنة اثني عشر ألفا من الدولارات ومازال في الاكوادور ربما سوء توفيق ، أو طيش ولعب من جانبه. وهو في هذه البلاد مازال يدبر حاله لاستكمال الرحلة . فحسن ابن الثامنة عشر مر بتجارب جعلته يعيش سنا أكبر كثيرا من سنه ، ولكن بداخله مازال الصبي الذي يمرح ويلعب ويلهو.
ركبنا السيارة الأجرة التي قطعت بنا شوارع كيتو حيث لا يبعد المطار عن المدينة ، وكانت أهداب ظلام الليل تتمدد علي المدينة ، سألت حسن:

­ علي فين احنا ريحين
­ علي الفندق الي هتنزلوا فيه
­ مش هنقابل مسعود
­ بكره

وصلنا الي الفندق، ترجمة الأسم الي العربية ، فندق 'الفخامة' فرق شاسع بين فنادق القاهرة وفنادق كيتو ، حيث فنادقها متواضعة وليست بفخامة وأبهة الفنادق عندنا . حاسبت التاكسي وكانت الأجرة عشرين ألف سوكروس حوالي ستة دولارات.
داخل الفندق أمام مكان الاستقبال ، سأل حسن ان كنا غيرنا دولارات ، أجبته مبلغ صغير . طلب مائة دولار ليحجز لنا في الفندق .
حجزنا غرفة واحدة لنا نحن الأربعة ، بها أربعة أسرة، الفندق عبارة عن مبني من خمسة طوابق والخدمة فيه غالية ، أقول ذلك بالرغم أننا لم نألف بعد نظام العملة في البلاد وقيمتها ومقارنتها بقيمة العملة في بلادنا . فكانت قيمة الدولار هي دائما الوسيط .
صعدنا الي الغرفة، بها حمام وتليفزيون وتليفون ، حجرة مناسبة ، بدأنا تغيير ملابسنا ،وأخذت حماما دافئا كان جميلا لأنه أتي علي شدة احتياج ، لكننا الأن جوعي وحسن كان قد رحل ، ونحن نريد أن نمسك علي المصاريف فلا نعلم ماذا تخفي لنا الأيام.فتحت حقيبتي التي شحنت في باطن الطائرة ، حيث السيدة الوالدة بالرغم من مفاجأة خبر سفري ثلاث ساعات قبل السفر كانت قد جهزت بعض اللحوم التي نشفتها جدا حتي تستمر الي فترة أطول دون الحاجة الي وضعها داخل ثلاجة ، وكيس من كعك العيد الذي كانت تجهزه من يومين قبل سفري ، وحلويات من حلويات رمضان. فكان ذلك هو عشاؤنا الأول في كيتو وشاهدنا التليفزيون الاكوادوري وان كنا لا نفهم شيئا الا اننا كنا في غمرة السعادة بنجاح المرحلة الأولي من رحلتنا الي بلاد العم سام.بالرغم من تغيير مكان نومي ، الا أنني من فرط التعب وطول ساعات السفر ، استسلمت للنوم.
صباح يوم الثلاثاء ، الرابع من فبراير ، الثالث والعشرين من شهر رمضان، استيقظت بعد نوم عميق ، بعد يوم الاثنين الذي طال الي ثلاث وثلاثين ساعة .في غرفتنا بفندق الفخامة ، التي ايجارها في اليوم تسعون ألف سوكروس. وعبر مشاهدة جهاز التليفزيون الموجود في الغرفة، أشاهد برامج الصباح في التليفزيون الاكوادوري ، برامج راقصة، والرقص في هذه البلاد كالاكل والشراب بل كتنفس الهواء، العجيب أن كل خمس دقائق يقطع البرنامج وتقدم فقرة أعلانية.
يالها من مسابقة عجيبة جذبت أنظارنا الي التليفزيون بالرغم من حاجز اللغة ، الا أن البرنامج يتحدث لغة انسانية فصيحة، لغة الاثارة والشهوة، فهذه فتاه شابة جميلة في المسابقة، كلما تخطيء في اجابة أحد أسئلة مقدم البرنامج، عقوبتها أن تخلع جزء من ملابسها، واستمرت الاسئلة واجاباتها، حتي لم يبق الا ملابسها الداخلية الحميمة . فلم تتوقف المسابقة بل استمرت خلف حاجز زجاجي ، يجعل المشاهدين مشاهدة ما يحدث خلفه بوضوح مذبذب، تجيب علي الأسئلة حتي خلعت كل ملابسها حتي الحميم منها ، ويظهر جسدها العاري . وكذلك فعل الشاب الآخر ، الشاب البليد ، الذي لم يستطع اجابة أي من الأسئلة التي وجهت اليه، لا أعرف أهذه عقوبة ، للجهل ، أم جائزة فكلما ازددت غباء وجهلا، تنال من متع الحياة. اللهم اني صائم.
لا تشرب من ماء الحنفية ، هكذا أرشدنا حسن، وعلينا أن نشتري الماء، فماء الحنفية غير صحي ، يستخدم فقط في الاستحمام، كذلك تناول الطعام في الفندق غالي الثمن ، وخصوصا نحتاج الي التوفير، وبالأخص أنا، علي كل حال أنا نويت الصوم اليوم ، وسيكون افطاري كعك العيد الذي حملتني والدتي عند خروجي من البيت.
في حوالي الحادية عشرة، جاءنا حسن في الفندق، أخبرته اننا نريد أن نرحل من 'الاكوادور' في أسرع وقت، فما هي الخطوة التالية.

­ تروحوا 'كوستاريكا'
­ ماشي عايزين نقابل مسعود
­ مسعود مشغول وطلب مني أن اخلص أموركم
­ والمطلوب
­ تأشيرة 'كوستاريكا' تتكلف مائة وخمسين دولارا للفرد، وراشد سنه صغير ممكن يرجع من المطار، فلازم يكون حد كبير معاه.

تشاورنا في الموضوع داخل غرفتنا في الفندق، واستقرينا علي أن أذهب أنا مع راشد، ويذهب كل من الكفراوي وعدنان معا، ودفعنا 225 دولارا لحسن تحت الحساب، لتخليص تأشيرات 'كوستاريكا' لنا وقد وصله بالأمس 75 دولار، قال انه سوف يغيرها لعملة البلاد.
لم نبرح غرفتنا حتي اتصل موظف الاستقبال، أن عاملات التنظيف يحتجن الدخول الي الغرفة لعملية التنظيف اليومية، وتغيير أغطية السرائر، قررت أن أنزل الي الاستقبال وظل الباقون في الغرفة، بالرغم من اخباري لهم عن عملية التنظيف.
في مدخل الفندق، تعرفت بموظف الاستقبال في الفترة الصباحية 'لويس' فهو يتحدث الانجليزية، أول شيء لمح له 'لويس' ان كنت احتاج إلي مرافقة، لا اعرف لماذا فاجأني ذلك، فمازلت لم اخذ علي التصور انني في نظر 'لويس' وغيره سائح معي دولارات، أتي من بلاد بعيدة للاستمتاع ببلادهم، ولكني في احساس المتسلل الذي يحتاج ان يوفر كل مليم لما تخفيه الايام. سألت 'لويس' عن تغيير بعض الدولارات فذكر أنه يمكن أن يغيرها لي بسعر أفضل من سعر البنك، واعطاني كرت باسم وعنوان الفندق، وعلي ظهره خريطة بموقعه والشوارع المحيطة بالفندق.
نظرت حولي في الدور الارضي من الفندق، هناك مطعم وبار الفندق، وكذلك منطقة انتظار بها بعض الكراسي، يجلس رجل في حوالي العقد الخامس من العمر طويل بائن الطول، تدرك طوله بالرغم من جلوسه، أبيض ممتليء الوجه خفيف الشعر، الذي بدأ موضع للصلع يدق في فروة رأسه، ذو شارب ولحية مهذبتين، معتني بهما مصبوغتين بمزيج خفيف بين الشعيرات البيضاء وخصلات لون الحنة في مزيج يضفي وقارا وهيبة، يجلس في غرفة الانتظار، تتدلي نظارته علي أرنبة أنفه يقرأ في جريدة. لاحظت انها بالانجليزية، جلست بالقرب منه، وبعد لحظات بدأنا في تبادل عبارات التحية والتعارف. اسمه 'توم' وهو أمريكي يقيم في مدينة 'أوكلاهوما' في ولاية 'كلورادو'. انها المدينة التي حدث انفجار مركزها التجاري، علي أيدي بعض الارهابيين الامريكيين، المنتمين لجماعات النازيين الجدد الامريكية بواسطة الارهابي 'تيم مكفاي' الحادث الذي قتل فيه أكثر من مائة وخمسين شخصا.
'توم' في رحلة سياحة 'للاكوادور' يعود بعدها الي امريكا، لم اذكر 'لتوم' انني اقصد امريكا عبر اسلاك الحدود، ولكن ذكرت له انني اتمني أن ادرس في الولايات المتحدة، لكن تكاليف الدراسة غالية، فأجاب أن هناك برامج للتبادل الثقافي والتعليمي، ومنحا داخل الولايات المتحدة، حيث ان زوجته تعمل في مجال التعليم، قلت في نفسي، 'ياريت ياعم توم' ما كنا سافرنا هذه الاميال وعبرنا تلك القارات والبلاد وتلك التي سوف نعبرها لو فقنا، والاموال التي لا نعرف قدرها، سوف تحتاج اليها، هكذا حدثتني نفسي.
تبادلنا المعلومات الشخصية، فأخذ عنواني في مصر، واعطاني معلومات الاتصال به، لو توفر أمامه فرصة لي للدراسة في الولايات المتحدة. توم هو أول امريكي اقابله واتبادله مع الحديث، لم يكن متغطرسا أو متعاليا في حديثه، بل لين الجانب واخبرته انني هنا لاكتشاف ودراسة اسواق 'الاكوادور' ومدي استجابتها للمنتجات المصرية، وسوف اكتب تقريرا عن عادات وتقاليد وثقافة البلاد. لا اعرف من أين اتت الفاظ اللغة الانجليزية علي لساني، فقد استفضت في التعبير عن المهمة الاقتصادية والاستكشافية وعن أهمية ذلك لقوة مصر الاقتصادية الصاعدة، وأن هناك العديد من الشباب مثلي يجوبون الكثير من بلاد العالم في نفس المهمة.
بل لقد استفضت في الحديث عن التغييرات المأمولة في طبيعة الدولة المصرية، ومثال ذلك وزير الخارجية النشيط الذي يجدد وزارة الخارجية المصرية في عملية كبيرة لم تحدث منذ أيام نظارة نوبار باشا في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، والوزير محمود فوزي في القرن العشرين.
لا أعرف لماذا قلت ذلك وكأن شيطانا قد تلبس روحي وسيطر علي صوتي، ولا اعرف ان كان العم 'توم' فهم أي شيء مما قلت

أخبار الأدب
اكتوبر 2007