الأدب الكردي، الرغبة في الحياة

الأدب الكردي، الرغبة في الحياةالأدب الكردي جزء لا يتجزأ من الثقافة العراقية.. في هذا البستان نقدم ملفا عنه، لإحساسنا بأنه مجهول، لا يعلم أحد عنه الكثير، ربما بسبب الظروف السياسية التي تحيط بالأكراد دائما وربما لقصور في الترجمة عن الكردية ولاشك أن الشهادات والنصوص التي نقدمها هنا تكشف عن أن هناك ملامح مشتركة لهذا الأدب، فالكتاب يتناولون قصص المحبة والعشاق، يصفون آلامهم في إطار الأمل، رغباتهم في التحرر من الظلم، ظلم الأباطرة والديكتاتوريين. يطرح مبدعو الأكراد أنفسهم في هذا البستان مؤكدين على أنهم يمتلكون ثقافة رفيعة ينبغي أخذها بعين الاعتبار، لأنها ثقافة تتحدث عن الحياة، والرغبة في الحياة ونبذ الآلام!
الأدب الكردي أيضا يعبر عن الأكراد اللذين يعيشون في مناطق مختلفة بعيدا عن العراق خاصة في سوريا وتركيا، لكن يمكن القول إن هناك سمات مشتركة في هذا الأدب يمكن ملاحظتها إذا تمت قراءته بشكل جيد.

***

شهادات ونصوص

سليم بركات الطفل الكردي المشاكس:
الشعر.. التعبير عن آلام الشمال!

إبراهيم اليوسف

للحقيقة إن أية دراسة للشعر العربي بعامة، والسوري منه بخاصة، فيما إذا أغفلت اسم سليم بركات هي قاصرة تعسفية، ذلك إن هذا الاسم بحق، قد أعطى القصيدة الجديدة آفاقا لا متناهية، حيث وشمها بأنفاسه الحرى ورائحة أصابعه، فهو صاحب تجربة معروفة على نطاق واسع جدا، بل صاحب تجربة 'منجزة'.. رغم انه لا يزال مستمرا في إبداعه، وان يديه لا تزالان بعد في الصلصال كما يقال.
ولكي لا نكون مبالغين كثيرا، فإن سليم بركات في الوقت نفسه¬ لا يمكن النظر إليه على انه تجربة قد نمت خارج مختبر الشعر.. فهو انفعل وتفاعل مع الإرث الذي اتكأ عليه (وباعترافه الشخصي) ولكنه بتوقه المعروف لم يبق في حدود دوائر احد، بل راح يجبل طينة قصيدته على طريقته الخاصة...
ستنام ، اعرف إن غصنك ذاهب لينام إن ثمار هذا الغصن والأوراق ذاهبة وجذعك ذاهب لينام ، إني ذاهب والريح ذاهبة، وأرضك مثلنا ستنام: فاملأ راحتيك بخردل وقطيفة وانثر زبيبك في ظلام اخضر تجتازه الأجساد مثل القافلة، واذهب فإنك ذاهب نحو التواريخ المعادة كالصدى والمهملة.

'للغبار، لشمدين
لادوار الفريسة وأدوار الممالك
ص 104 105 المجموعات الخمس

سليم بركات يجد نفسه سليل معاناة استثنائية، لذلك فهو يحاول إن تصرخ كل الأشياء لديه، معربة عن حجم مساحة الألم، وربما هذا الإحساس هو الذي يقوده من دمه إلى المبكي.. بكل الطرق التي يمكن إن توازن معادلة تعامله اليومي مع كل ما يحيط به.. باختصار شديد: سليم بركات صحافي لامع¬ وشاعر جد متميز في ميدان الشعر، وكاتب رواية من الطراز الرفيع في هذا الحفل، وكاتب سيرة مثير في مجال الأدب السيروي لدرجة انك تخاله يكتب سيرة شمال كامل خارق في حمأة النسيان ولجة التغييب.
إن مثل هذا الأمر ليس اعتباطيا لديه، بل إن له دلالات كثيرة¬ سنحاول الإشارة إليها ولو بسرعة، ذلك انه حوذي الأبعاد المهملة وسفير الشمال إلى الشمال والجهات الأخرى، يفك طلاسم الجهة الغامضة، ويتهجى مجازرها.. وضحكها كي يعكف على فك الامراس عن عنق أدركته عقد الانشوطة وأصابع الرعب.. قبل إن تشتهيه بلاغة الأمواس.
سليم... الطفل الكردي المشاكس الذي لا تهدأ روحه ولا تستكين أمام إنذار أو وعيد مسكون بالحكمة، بالعنف والرقة.. معا.. حيث لا توسط بين هذين القطبين المتنافرين.

كسر الجدار

وفي اعتقادي، إن لجوء سليم بركات إلى النثر وكتابة¬ أرواح هندسية¬ فقهاء الظلام¬ الريش¬ إلى جانب عملية السيرويين¬ هو دليل أكيد على حرصه والتصاقه بمتلقيه. فهو لا يترك بابا إلا ويطرقه، كي يتم¬ حضور كلمته.. وهو في كل مقابلة صحفية تجري معه¬ يؤكد أن علاقة المبدع بقارئه¬ إنما هي الأساس، ولكن هل يكسر شاعرنا الجدار الذي يحول بينه وبين جمهرة متلقيه بعامة (فيما إذا استثنينا النخبة قراءة الأثيرين).
بالتأكيد سيكون الجواب هنا بالنفي، ذلك إن نصه ألصدامي يراوح بين قارئين، احدهما عكس الأخر، يصر على ضرورة إن يمسه النص وان يتغلغل في عالمه (كونه هو المعني بهذا الخطاب الأدبي) وهذا من حقه.. لولا إن سليم بركات، لا يجهل هذه الخصوصية، وسواها.. بل إن نصه مسكون بلهفة هذا المتلقي عينه، وان أصابعه محتلة به الأمر الذي يشكل بالتالي قطيعة مع القارىء (الأخر)، ربما ستستغرق كثيرا من الوقت.... وهذا بالتحديد ما يحول دون انتشار نصه عموديا وأفقيا، كما هو مطلوب.

تجدد القصيدة

إن قصيدة الشاعر هي القصيدة المتجددة، شديدة العمق، التي لا تنتهي¬ دفعة واحدة¬ وهي تعكس من الواقعي ملمحا سريعا، خافتا قد لا تعلق به الحواس غير المتمرسة بذلك، بيد إن القصيدة تمنح مفاتيحها وأعنتها¬ تدريجيا¬ لمرتاد طقوسها في حال تكرار المغامرة والألفة والتواصل، عموما إن لقراءته متعة تغري المتلقي دائما وتجعله يقبل على دفع الضريبة حتى وان كانت جد باهظة في أكثر الأحيان¬ وكما هو معروف..
فجاءة كالقنب/ فجاءة كالقينة/ فجاءة ممراح/ فجاءة كبصل الفأر/ كالموقد كالبهرمان/ كالدهلية/ كخفير)

بالشباك ذاتها
ص 82 من المجموعات الخمس

ربما إن اللغة الحلمية هي التي تؤازر إشكالية الإيصال عند الشاعر، لان نصه يروم إلى الخلق الثاني للأشياء¬ تماما¬ وهذا ما يجعل قارئه خاسرا سلفا أول الأمر، مادام لا يمكنه التباهي باستظهار هذا النص¬ وبمثال اكبر تشخيصا إن حالة قارئه هذا أشبه تماما بحالة الجائع الذي لا يكفيه إن يشبع من تناول طعام قدم له في (الحلم) المنام..
عبر مساحة النص يبدو شاعرنا وكأنه بهلوان ماهر، ينصرف بمفرده إلى إضاءة مصابيح تتوزع أبهاء كرنفال كبير، عبر هندسة جد غريبة.
بيد إن هذه الأضواء المتدلية وعلى براعتها تكاد لا تسعف متلقيا في الاهتداء إلى ضالة مفقودة بحد ذاتها.

  1. سليم فانتازي من الطراز الأول، دواته الدهشة، وأدواته الإبهار.. يخلب متلقيه عبر المخيلة الغارقة في الخصوبة واستحضار التفاصيل وتخيرها بدقة.. في سياق رسم صورة تتقطر مفارقة ومرارة وحنانا واغترابا...!!!!
  2. إن الجرأة التي تجري في عروق الشاعر، مع دمه.. كانت تدعوه إلى عدم التعامل مع تابوهات¬ مسبقة من خلال رؤية مسبقة¬ أو تقديسية، بل انه لم يكن ليولي الشرانق والاسارات التي كانت تسد طريق الإبداع أية أهمية.. وهذا بالضبط¬ ما دعاه إلى إن يتمتع بهامش كاف، أمكنه من التنفس بحرية خلال محاولاته في صياغة قصيدة سليمبر كاتية لا تشبه قصيدة احد:
    الطيوف التي من سمسم ترفع الفجر كالستارة/ وأنا أيها الشهي المرتبك كجناح الزيز اشق طريقي أليك بشبكة المصارع وحربته/ لهاثي كرفس وعرقي صواعق من فراء ناعم.

بالشباك ذاتها
ص 38

  1. كذلك.. من المفيد إن نشير إلى إن للتعامل الجديد مع الإرث اللغوي جذورا تمتد إلى قبل مرحلة سليم بركات، حيث إن ادونيس كان من الأسماء الهامة التي لم تحفل بحواجز القداسة التي وضعت للغة.. ولكن سليم بركات انشأ لنفسه ضمن هذا الفهم¬ قاموسه اللغوي¬ ليس على صعيد الاشتقاقات والتوليدات الجديدة¬ فحسب وإنما بتوجهه إلى الحواشي، والمهمل والنابي من الكلام وشحنه بمزيد من الشاعرية التي جعلتنا نوقن المرة تلو الأخرى انه ليس ثمة كلمة مسبقة الشعرية، وأخرى محرمة على الشعر، فالكلمة، تستمد أهميتها ضمن البناءين:الخاص والعام، وان المفاهيم الأخرى، كانت جد قاصرة¬ يضاف إلى هذا إن سليم بركات اعتمد على جمهرة جنود أوفياء من الطيور والحيوانات وأسماء الأطيار والأمكنة التي استوقفته في محاولة لأنسنتها أو إخضاعها لجملة علاقات إنسانية¬ بدائية جدا¬ ربما كردة فعل منه.. ليحملها مهمة التصدي لمواجهة شرسة من خلال إتقان أبجدية خاصة تتلقاها على بدء:
    أنا صغيركم أنا الخزف المتناثر من فوهة الأغاني/ شقيق الهزائم كلها/ شقيقكم، أضع بيضي في أعشاش الرئات/ وأغطي الجسارات بالريش/ أنا.. آه/ كم ملك مر بي/ كم أساطير/ كم نهاية.
    غدي ضربة الراعي بعصاه على تيس الجهات.
    لا انهدام إلاي.. شققت مسافاتكم فتهدلتم من الشقوق سلالات ترفو الغمام والثلوج، وأمعنت فرارا بجناحي فتطايرت ساعاتكم في ظلي

كالريش
بالشباك ذاتها.. ص 17 18
(الغراب) المجموعات الخمس

طقس صوفي

  1. النهوض برموزه الأثيرة، وجعلها تمت إلى متذوق نصوصه الشعرية، فأسماء الأمكنة والشخوص، وتوظيف الأرقام¬ كلها تأتلف في وحدة آسرة توحي إلى القارىء بأنها معروفة لديه¬ هو الأخر¬ مادام داخلا في حرم القصيدة¬ حامل مفتاح الحالة الشعرية:
    بهيجا فلأكن حين أشعل الأرض بعد هذا بالجمرات/ طاعنا كالمحارب بنصالي الأرجوانية المرايا والأسماء/ ولي جهالة الصباح وأنقاضه/ صاعدا درج المذبحة لأجرف البقايا التي أغفلتها الحوافز والأسلحة

الجمهرات
المجموعات الخمس ص 109

  1. إن للطقس الصوفي الذي فتح عليه سليم بركات عينيه في صباه وفتوته المختصرين أثرا بارزا في نصها الاميل إلى الدائرية، والمشبع بالرهبة والغموض المكتنزين كمعادل ونتاج للغائب الاسمي، حيث التوق العارم لارتشاف ماء الكمال والهرولة عاليا إلى حيث لا سدود تقف أمام حشود الأساطير الناهضة متعمدة بإقدامه تدعمها أساطينه الهمجية بتوقها، وألفتها.
  2. كذلك إن نص الشاعر يجنح إلى الملحمية، وكأنما تنظيره الشعري يستوجب الحاجة إلى البطل¬ في زمن ندرة الأبطال اللاوهميين.. وبطله عادة¬ خارق¬ عنيف¬ كما لغته¬ الهادرة غير المروضة لولا رائحة أصابعه التي لا تشبه أصابع احد، انه يعرف ذلك السوبر ماني¬ بل إن كلا منهما يعيش الأخر ويلتبس به.
    إن البرهة الظليلة بأحزانها واحباطاتها تجعله يفكر بإشغال وظيفة شاغرة دائما، وهي قيادة كل ما حوله لإحساس بخذلان الأشباه وعدم جدارتهم بالمهمة التي يتنطعون لها، لذلك فإنه يؤسطر للرجل الانكيدوي المختلف كي يشفي غليله أمام هول الانكسارات
    يا ابن صليل وهتاف النعمى والثدي تقدم.
    ويا ابن القول الأكثر مما سيقال تقدم.
    ويا ابن الحبق المسفوح ورائحة الخردل والسماق تقدم
    يا ابن حياة تتجانس في ميزان الموت تقدم
    واري شمدين/ أرى خلف قوائم بغلته الشقراء متاريسا وبنادق تعلو.. وحلما يتدحرج من أبواب الثكنات وأراهن إن نشيدا كنشيدي يعلو خلف قوائم بغلة شمدين
    للغبار لشمدين، لادوار الفريسة
    وادوار الممالك¬ المجموعات الخمس ص 121 126

مهاباد تدابير عائلية

إن النقد الأدبي¬ عندنا¬ مدين لهذا الاسم غير العادي سواء اختلفنا معه أم اتفقنا، و بديهيا انه لا يمكن الخوف على تجربته مادام أنها قدر رسخت ملامحها بقوة.. وانه قد بدأ ينظر إليها كواقع.. في وقت تتشابه فيه أصوات الجميع¬ بل إن ثمة كثيرين¬ يقلدونه حتى في طريقة كتابته.. وسعاله.. وأسلوب تدوين رسائله.. ولكن انعدام الموهبة.. عند اغلبهم.. واللاصدق الذي يعانيه بعضهم الأخر يجعلان نصوصهم تندحر إلى الهاوية حتى ولو انه تشبث بالجبل وسواه كرموز كردية ولأنهم أفاقون ومهوبرون وعلى سبيل المثال: ثمة من جاء بعد سليم متناولا بعض رموزه الأثيرة: الحجل¬ الجبل¬ السفح¬ الذرى.. الخ دون إن يضيف إليها، معتمدا عليها من خلال شعرية مسبقة الصنع¬ لترقيع نصوصه الباهتة.. ولكن هيهات.. مادامت عروش المرض والوهم زائلة هي الأخرى.. وهذا إن دل على شيء¬ فانه ليدل على علو قامة هذا الشاعر المهم.. أولا وأخيرا.
(مجتٌزأ من دراسة طويلة)

كرهوا صورة المحارب الجبلي وقدسوا العشاق:
أنبياء الحب الأكراد

شهبور حميي

في وثائق أقدم ديانة كونية متوافرة لدينا وأقصد ديانة امنحوتب الرابع المعروف باخناتون، 'ديانة آتون' نقرأ: العلاقة بين آتون ومخلوقاته تقوم على الحب المتبادل، وكل المخلوقات الحية تكن الحب للأب الواحد، الذي أظهرها إلى الوجود ويسر لها رزقها. إن ما يوحد الموجودات هنا هو اشتراكها في حياة 'آتون'، البشر، النباتات، الطيور، الأزهار، البراعم... الخ. وبهذا المعني تحمس الشاعر الإيطالي 'دانتي' للحب بقوله: الحب قوة كونية كبري لأنه هو الذي يحرك الشمس وباقي الأجرام السماوية.
وبوسعنا كذلك أن نؤول عبارة 'الإنجيل' (الله محبة) لنخلص إلى القول بأن 'الوجود محبة'. حقا إن الواقعة الأكثر جوهرية في الكينونة الإنسانية هي 'الحب'.
في تعبير آخر، إذا ما شئنا أن نتحدث عن ماهية ما مفترضة تؤلف الحضور الإنساني لقلنا أنها الحب. وقد استطاع البشر في كل زمان ومكان أن يدركوا هذا السر الغامض والمألوف جدا بالنسبة أليهم، بوصفه أعمق إشارات ومعاني وجودهم ودون أن يتمكنوا من تحديد كنه هذا السر أو ضبطه في حدود عبارة جامعة مانعة.
لهذا كله، نجدهم على الدوام، وقد تمركزوا حول هذه الواقعة التي تبدت لشعورهم معبرين في انفعالاتهم وآلامهم عن هذا السيلان الغامض والعميق الذي يجتاح وجودهم.
لكن طالما أن الحب هو الجوهر الأكثر حضورا في الكينونة الإنسانية، إذا، كيف لنا أن نسوغ هذا الميل السائد للشر لدي البشر، وهذا الرعب المتفشي، والأنانية التي تنضد طبيعة العلاقات فيما بينهم..؟ لعل مثل هذه الأسئلة تقودنا إلى الشك في جدوى الحب في الثقافة الإنسانية، ويعني كذلك انه في المحصلة وهم وجوهر زائف. بيد أني لا أزعم كذلك حتى لا أثير ثقة الذين يلتمسون الخير والسعادة في العلاقات بين البشر، وإيمانهم بقيمة الحب وجدواه.
نعم نحن يمكننا أن نتصور درجة اتساع هذا المفهوم وامتداده، وحتى بمقدورنا أن نتحدث عن مستويات الحب وأنماطه وأشباهه، كالتعاطف وحب ألذات، والأمومة والإخوة والصداقة... الخ لكن الذي يبدو هاما في هذا السياق يأتي تحت ما يمكن إن نسميه العشق 'الايروس' من هنا سأقتصر على وصف مظاهره في الثقافة الكردية ووعيه. وأعني به (الحب)، هذه العلاقة النوعية المتميزة بين نوعين إنسانيين، تفترض المشاركة الجنسية المنظمة والامتزاج الروحي والشعوري بينهما، وفي قول آخر وحدة النوعين، وطبيعة العلاقة بين الجنسين طالما أننا نؤكد على الدوام بأن الواحد منهما هو نصف ناقص لواحد كامل هو الإنسان. أو هو هذا النزوع المتبادل إلى امتلاك الآخر، روحيا وجسديا، وبه يتحقق دوام النوع واستمراره
للحب هامش كبير في الثقافة الكردية، بل ويمكن القول عنها أنها ثقافة الحب والمكان. وعصر أنبياء الحب لدي الأكراد لم يزل من زمن 'آناهيتا' وحتى أمس القائل: (VIYANATE minne geriya عشقك لم يبارحني بعد) فالكردي أنيٌ وجدته لايني يرتل للحب، وللحب وحده يقدم المجد والولاء والمديح. قد يبدو هذا الأمر مثيرا وغريبا عن الذين اعتادوا صورة المحارب الجبلي الذي ما فتىء يختلق الحروب والكوارث منذ عصر 'كزينفون' وحتى الآن.

وثنية الحب!

لم يظهر في الثقافة الكردية هذا الميل القاسي إلى معارضة الحب بمبادىء الأسرة والحياة أو السخط الأخلاقي أو التحريم الديني، بل على العكس من ذلك نظر إليه على الدوام على أنه الشيء الحقيقي الصحيح، وبالمقابل لم يكن يعني مجرد توتربيولوجي أو فسيولوجي، بقدر ما كان يدلك على مغزى عميق لتجربة تحلل الفرد في صميم الوجود الإنساني الآخر، أو أنه اندغام الفردي الخاص في عموم النوع، وتعبير عن هوية نوعية ما.
وما يميز هذه العلاقة الخاصة الطرفية هي أنها تنطوي على طاقة هائلة من الغيرة ونكران ألذات والنديٌة في ذات الوقت، مليئة بالقوة والحميمة والرغبة في امتلاك الآخر بوضوح. تقول (الأغنية الملحمية):
أنا كردي، لا أتقن الفارسية
أقولها بلغتي الكردية، فدتك روحي
وفي مقطع مشابه: 'لا المال أريد ولا خزائن العالم
أهوي قامتك وحدها، وحدها'
للجمال الحسي الخارجي (للأنوثة الطبيعية الأبدية) تمجيد مثير في سجلات الثقافة والوعي الكرديين. وهذا هو الوجه الآخر لوثنية الحب، أو صورة من صوره، وكذلك لا يعرف فكاكا من الجمال الطبيعي. (حسبنا أن نقرأ المقدمة الوصفية الشعرية للجمال الطبيعي في عيد نوروز، الذي يحيط بلقاء مم وزين). وهو تعبير عن اندراج تجربة الحب الإنساني الفردي المحدود في العالم الطبيعي اللانهائي، الذي يكون في العادة بطقوسه الرمزية نوعا من التطويب والمباركة للتجربة الإنسانية الناشئة. وهكذا فانه يغلب على الوعي الكردي اعتقادا بأن الحب الحقيقي الوحيد، الذي يستحيل إلى واقع لابدٌ من أن يصادف نشوءه أوائل فصل الربيع، إن هذا الحب يجد إذا امتدادا له في العالم الخارجي، ولعل هذا ما يفسر لنا ميل الأنوثة الكردية إلى محاكاة المظاهر البصرية للطبيعة الخارجية، وهي ظاهرة أشد ما تكون بروزا في طراز الزي الكردي وفنون الرقص وأنماط السلوك الفلكلوري، لتقرأ هذا المقطع من ملحمة مم وزين.
أخذا الشهد من الشفاه
والورد الأحمر من خديهما
على أية حال، فإن فكرة الجمال الطبيعي والخصوبة، وهي رموز كونية، عامة وشاملة، تجد دلالاتها العميقة ومعانيها في اللغة الكردية، وبصفتها كذلك فأنها تعبر باختصار عن وحدة الحال في المشاركة الكونية بين الشخصية الإنسانية والطبيعة في الجمال واللذة، ففي اللغة الكردية تستخدم كلمة واحدة للتعبير عن المكان الطبيعي والمهد والأم (Ci جي) كذلك الحال في الأسطورة اليونانية (جيا) الآلهة الأم الأرض.
ويبدو لي هذا الأثر كذلك في الديانة 'الميثرائية' وهي ديانة إيرانية أساسا. فالآلهة (ديميتر De -me - thra) تعني على التوالي في اللغة الكردية (الأم الأنثى الأرض) وربما منها الكلمة العربية (ثري). ولنلاحظ إن كلمتي Deو Ci من مصدر لغوي واحد في اللغة الكردية.
إذا فالحب مقدر له أن يتضايف مع مفهومي الأرض والمكان في الثقافة الكردية، حتى أن مجرد تصور الانفصال يبدو مستحيلا، ولهذا السبب فإن الألم الأشد إيلاما يرتبط عادة بتصور الفراق الأبدي، الذي يبدو في الوعي الكردي كنوع من السقوط والتمزق.

أمور عادية

ومن هنا لما يقوم الوعي الكردي باستعادة قصة حب معينة، فإنما يقوم بسردها ضمن شبكة علاقات المكان الفيزيقي والاجتماعي. ويلعب الحب هنا دورا وظيفيا في منظومة المعايير الأخلاقية والجمالية للمكان، انه عقدة السيطرة والتحكم، ويتحول إلى قيمة عليا تحتذي.
إن الحب في تضايفه مع مكان الأسرة والقرابة والعهد يتحول إلى رمز مكثف للوعي الجماعي، انه من لوازم الثقافة الجمعية التي تسوغ التماسك الروحي والانسجام الاجتماعي ولذلك كان الحب المتبادل بين الأقارب وأبناء العمومة، أمرا غير مثير ولا يستحق التذمر والتنديد كما الحال في الثقافات الأخرى وإنما كان محبذا ومرغوبا به إلى حد ما.
بيد أن الحب بالمقابل يحمل في طياته عنصر تناهيه وانفصاله عن المكان الطبيعي والثقافي، وهذا يعني السقوط واليأس والنبذ. انه في حالة الانفصال عن المكان والرهط يمثل التفكك وتدمير الهوية ولهذا يستحق الألم والعقاب، ويمكن القول بأن الغناء الملحمي في الثقافة الكردية يمثل صدعا مقدسا، ترتيلا دءوبا ضد غواية الانفصال عن المكان والاغتراب. ولأجل كل ذلك ألحت الثقافة الشفاهية الكردية في مفهومها عن الحب على ضرورة تنضيده في المكان الأم. لأن خلاف ذلك يعني تدميرا للنظام الطبيعي والموت والمحدودية.

***********

حينما تجهل لغة وطنك

فواز عبدي

رغم تأخرها تأتي هذه الخطوة التي تخطوها صحيفة أخبار الأدب نحو فتح ملف عن الأدب الكردي إيجابية قيمة، ونافذة على هذا الأدب الذي بقي أسيرا بين جدران سجن أبنائه، هذا السجن التاريخي الذي يقبع فيه الكرد وأدبهم لظروف خارجة عن إرادتهم ولطبيعة واقع هذا الشعب المجزأ وما يعانيه، ولأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا.. وكواحد من أبناء هذا الشعب الكردي كنت أتمني لو جاءت مثل هذه الخطوة قبل الآن، في ذلك الوقت الذي كان الكردي يبحث بنهم عن مقالة تتناول أي موضوع وفي أي جانب من جوانب الحياة الكردية في الإعلام العربي الذي نعيش بين ظهرانيه ويشعرنا بأن ما يفصل بيننا واد سحيق أو جبل شاهق. وحين كان يعثر على اسم الكرد في أية مطبوعة عربية كان يحتفظ بها كهدية مقدسة من إنسان عزيز ولو كان تهجما على الكرد.
رغم تأخرها ورغم انتشار اسم الكرد وقضية الكرد في العالم فقد أسعدتني هذه الخطوة وأنا 'المتشائم' و (أن تصل متأخرا خير من أن لاتصل أبدا). فقد تكون هذه الخطوة بمثابة تعارف بين الثقافتين العربية والكردية، أو بعبارة أدق تعرف على الثقافة الكردية.. أسعدتني لأنها جاءت من مصر، مصر التي رعت أول صحيفة كردية قبل مائة عام، وأقصد بها صحيفة 'كردستان' التي أصدر مقداد مدحت بدرخان العدد الأول منها بتاريخ 22/4/1898م في القاهرة. مصر التي قام مثقفوها بالدعوة إلى الحوار العربي الكردي قبل أشهر وفي مئوية الصحافة الكردية لذا ليس غريبا أن تحظي مصر بحب الكرد المتصفين بالوفاء.
ترددت كثيرا في الكتابة عن تجربتي الكتابية باللغتين العربية والكردية، ترددت لأنني أشعر بصعوبة كبيرة في الكتابة عن ألذات من جهة ولأن تجربتي جد متواضعة، فالكتابة عن ألذات تحتاج إلى كاتب قضي بعدد سني عمري في الكتابة. ولكن للأسباب التي ذكرتها عن دور مصر، ضغطت على نفسي وأمسكت القلم، وها أنا أحاول، لعلني أوفق..
لأن المرء لا يخلق كاتبا فإني أود العودة إلى طفولتي قليلا، إلى قول المرحوم والدي، حين خاطبني أكثر من مرة وباللغة الكردية طبعا: (لو لم يطعمك قلمك ستموت جوعا). وكان يقصد بالقلم وظيفة ما أعيش منها، لأنه كان أميا ولا يعرف معني الكاتب أو الأديب.. فكل ما يعنيه القلم هو الوظيفة فقطة أعود إلى طفولتي في قريتي الهادئة الصغيرة المرمية في سهول الجزيرة 'السورية' التي لم تعرف المدرسة إلا عام 1968 العام الذي دخلت فيه المدرسة، حيث كان أبناؤها قبل ذلك يقطعون مسافة خمسة كيلو مترات يوميا للذهاب إلى مدرسة القرية المجاورة.. قريتي التي لم تعرف الكهرباء إلا في أواخر الثمانينات من هذا القرن، والتي كنت أري قمة تلتها أعلى نقطة في العالم. فمدرستها علمتني أول حروف الأبجدية العربية، وملكت من خلالها مفاتيح العربية، في الوقت الذي كنت أتحدث بلغتي الكردية خارج أوقات الدوام، لغتي التي لم أتعرف إلى أبجديتها إلا في المرحلة الجامعية وفي الوقت الذي كنت أختص باللغة العربية في جامعة دمشق.
فليس غريبا أن أبدأ الكتابة باللغة العربية، وهي التي فتحت لي أبواب قصور الثقافة العالمية، فإطلاعي عليها كان من خلال الترجمات العربية. كما كان للقرآن دور في تقوية ملكات اللغة لدي، فقد 'ختمت' القرآن وأنا تلميذ في الصف السادس، وكم أسعد ذلك أهلي ووالدي بشكل خاص لأن ذلك أصبح مفخرة لديه بين أقرانه.
ولأني كنت أهوي الأدب فقد كنت أستعير من مكتبة المدرسة في المرحلتين الإعدادية والثانوية ما يقع تحت يدي وأقرأ وأقرأ.. وهذا ما أتاح لي التعرف على التراث العربي والأدبي منه بشكل خاص والتوسع فيه والتمتع بقراءته. علما بأني لم أشتر سوي كتابين في هذه المرحلة لضيق ذات اليد، والكتابان كانا مجموعتين قصصيتين اقتطعت ثمنهما من لقمة خبزي، فمصروفي الشخصي كان محدودا جدا، ومع ذلك كان هذا المصروف القليل جدا يثقل كاهل والدي الذي أرسلني إلى مدينة القامشلي للدراسة واستأجر لي غرفة بالمشاركة مع صديق.
أما المرحلة الخصبة فكانت المرحلة الجامعية التي شكلت منعطفا حاسما في حياتي الأدبية، فقد صار لي دخل شهري مقطوع من خلال مهنة التعليم التي كنت أمارسها شتاء وأقدم امتحاناتي الجامعية صيفا، هذه المهنة التي فتحت لي بابا آخر وهو التعرف على المجتمع، فقد تنقلت خلالها من أقصي الغرب في محافظة الحسكة (بلدة رأس العين) إلى أقصي الشرق (منطقة ديريك 'المالكية')، لأني لم أعلم في مدرسة واحدة عامين متتاليين، رغبة مني في سبر أغوار المجتمع، التعرف على عادات وتقاليد الناس، أدق تفاصيل الحياة لديهم، معاناة الكبار والصغار. واستطعت خلال هذه الفترة أيضا تشكيل مكتبة منزلية صغيرة، معظم محتوياتها كتب أدبية، وبشكل خاص الرواية التي كنت ومازلت أجد في قراءتها متعة لا تعادلها أية متعة أخري.
إذا من هنا كانت بداية الكتابة: المطالعة وقراءة الواقع إضافة إلى تلك القصص التي خزنتها ذاكرتي منذ أيام الطفولة، القصص الخيالية الأسطورية التي كان يرويها لنا خالي في أمسيات الشتاء القروية. كنت أخلو بنفسي بعدها، أعيش أجواءها، أطير مع أبطالها، أقاتل إلى جانبهم أو بدلا عنهم، أتألم لمآسيهم وأفرح لسعادتهم وبلوغهم الأرب في نهاياتها.
وفي هذه المرحلة أيضا وقعت عيني على كتاب في يد صديق، وكان مكتوبا بأحرف لاتينية، ظننته بداية كتابا باللغة الإنكليزية أو الفرنسية، وحين تناولته من يده رأيته ديوان شعر باللغة الكردية للشاعر الكردي الشهير 'جكر خوين'، وقتها انتابني شعور غريب، شعور بالفرح لأني وجدت كتابا بلغتي وشعور بالأسى لأني لا أتقن قراءته. استعرت منه الديوان وبدأت أقلب صفحاته طويلا أحاول قراءته اعتمادا على الحروف الإنكليزية، وأحضرت شريط كاسيت للفنان الكردي الكبير شفان حين وجدت في الديوان قصيدة طويلة (Kime ez) غناها هذا الفنان وأعطت صدي واسعا، وصرت أدون الحروف التي يختلف لفظها أو لا توجد في الأبجدية الإنكليزية. وهكذا قررت تعلم الكردية قراءة وكتابة بحيث لا تبقي لغة المحادثة في البيت فقط. وفتح ذلك لي بابا آخر دخلت من خلاله إلى عالم الموروثات والأساطير الكردية، تلك الأساطير التي تعكس دائما الصراع بين قوي الخير وقوي الشر، بين أهورامزدا وأهريمن: إلهي الخير والشر في الديانة الزرادشتية التي كان الكرد يعتنقونها قديما، كما اطلعت على الملاحم الكردية التي انتقلت من جيل إلى جيل شفاها وإن كانت هناك نسخ معدودات منها ومعظمها إن لم نقل كلها محفوظة لدي بعض رجال الدين الغيورين على ثقافتهم وقوميتهم.
بداية كتبت الشعر والخطابي بشكل خاص لأن فرقة فولكلورية كردية كانت تقدمه في مناسبة النوروز 'العيد القومي للكرد' ثم عملت في المسرح الكردي، حيث كنت أقوم بإعداد النصوص وترجمتها وأقدمها للفرقة وأحيانا أمثل أيضا، فقد ترجمت ثلاث مسرحيات للكاتب العراقي يوسف العاني وأعددت بالمشاركة مع الصديق آلان أحمد قصة الكاتب المصري عبدالله الطوخي 'الخروج من المربعات الضوئية' وقدمتها فرقة (خه لات XELAT) في عروض جوالة. إضافة إلى كتابة القصة التي وجدت نفسي فيها أكثر فهي الأقرب إلى تداعيات روحي الظمأى. ولا أفرض ذاتي على اللغة في عملية الكتابة إنما أنصاع للفكرة وللغة التي تريدها الفكرة، عربية أو كردية... أعيش مع الفكرة أو تعيش هي معي لفترة تطول أو تقصر، أدرسها في داخلي وأدرس اللغة المناسبة ثم أبدأ عملية الكتابة.

*******

في العدم

صالح بوزان

1

ماض ينزف جراحه
وحاضر
ينفي المستقبل إلى التيه

2

كل ما في النفس فان
ولا يبقي سوي كلمات
على شواهد القبور..
وحسرة..
تسبح في هذا الكون اللامحدود.

3

كان يصرخ:
أنقذيني.. يا عابرة السبيل
تخنقني العزلة من الخارج
والعزلة من الداخل
فيضيع الصوت في نهر الأبدية
تزدهر أشجان..
هي تاريخ الإنسان..

4

قال: الموعد في الزمن المنسي
ستعبر بابا..
لا يشبه الأبواب
سيقول البوٌاب.
لا تناقش قوانين هذا العالم
ارم آمالك هاهنا.
من عبر هذا الباب..
لا يعود

5

قال:
في غابات اورال
سجدت لك ركعتين.
قطفت لك وردتين
وعندما لم تأت..

6

قالت:
انتظرني في الزمن اللامحدود
في مكان..
لا في الأرض
ولا في السماء.
في محطات هذا العالم،
في كل مكان..
وفي اللامكان..
فسآتي.. في يوم من الأيام.

7

كل القطارات جاءت
وكل الأحباء تعانقوا
وآخر قطار..
تثاءب في المحطة الأخيرة
ووحدي..
بقيت انظر في كل الاتجاهات
أذوب حتى الدمعة الأخيرة
في محفل الانتظار..
لكن كناس المحطة
يرميني خارج الأبواب..

8

مخدوعا.. أحمل ميراث القديسين
أعبر الزمن.. مدنا وراء مدن
أحمل ذكريات كل مزارات الشرق
لاستسلم أخيرا.
لخيط الأقدار

9

مظلوما أبكي..
أنتظر الشفق وراء الشفق
أرشف كل كاسات الخمر
استمع لكل حكايات العشاق
أسكر معهم..
أبكي معهم.
وعندما أفيق من آخر سكره
اصرخ باسمك..
فيضيع الصوت في الكاسات

10

أقول لقوافل الغجر..
خذوني عازف ناي
للحب الذي ينتحر في الشرق
لإله ينسي معبوديه
لقمر يغيب في دورته الأبدية
للأم الكبرى..
'سيبيل'

11

من جرج إلى جرج..
قيثارة غجري.. أنا
انزف دموعه..
دمه...
حبه اللامنتهي
للإنسان .. للأشياء..

12

استنجد بعابرة السبيل
بامرأة تعدني فوق النبع.
ولا تأتي
أقول لها:
أنت في كفن الآخرين
ثورة مكنونة
تدفنين الحب في الكلمات

13

أفيق من التاريخ
اخرج من تابوته
أقول لعابرة السبيل:
قولي أهواك
فسأقوم من بين الأموات
قولي تعال معي إلى الشمال
فسأتخذك إلها..
معبدا
بالوجد افني فيه.
ذاتي

14

ياسجان الزمن.
لا تمهلني طويلا
خذني قبل الشفق.
تحت ضوء القمر الأسباني
محكوما بالإعدام

15

لا صوت..
لا صدي..
وحتى الصمت اقفل بابه
ولم يبق سوي العدم.. العدم..

16

هذا طينك يا الله!..
نفخت فيه الحزن.. الألم
أعده صافيا إلى مثواه
حيث الراحة الأبدية
بدون إرادتك
ہ سيبيل: الأم الكبرى في أسيا القديمة
ہ طلب لوركا من الطغاة إلا يقتل تحت أنظار القمر. ولكن هيهات إن يلين قلب الطغاة حتى للجمل الأخيرة لضحاياه.

****

نهايات في نفق 'النيرفانا
إقبال عبدالفتاح

حاول الوصول إلى تلك النقطة التي تنتصف الصليب. ركز جيدا، حاول أن تخترق الضباب الذي يغشيها. لا تيأس أبدا، واصل، واصل، سوف تصل إلى السر مباشرة، قال الراهب لي، ومضي يتابع حديثه: هناك يا 'أنت' حيث كنا مجموعة من الأصحاب وكنا متفقين على البحث عن الضلال، الضلال الذي يتيح لنا العيش على سجيتنا، أحرارا في الإثم والهرطقة. كنا نجتاز الجبال الوعرة ونبحث داخل الكهوف المظلمة، الحالكة. وجدنا، يا 'أنت' في أحد الكهوف، كتابا أصفر اللون، مكتوبا عليه 'طريقتك في الوصول إلى العوالم الأخرى'. كانت الحروف الهندية المذهبة ذات بريق سحري تغري أيا كان بالغوص فيه.
الكتاب يا 'أنت' هو الوصول إلى العوالم الأخرى، هذه العوالم التي فيها أنا، عوالم سحرية، عوالم خالية من التناقضات البائسة. إنها النقطة التي تنتصف الصليب، حيث العيش حياد نوراني والجسد والروح في تناغم أزلي والحرية مطلقة والمعرفة مطلقة. ادخلها يا 'أنت' فالرؤية إشراق الحال على استجلاء الديمومة. اتبعها تتغلب على الضدية. يا 'أنت' ... لو دخلتها، فقلت للماء اقبل وللهواء أدبر لامتثل لأمرك الماء والهواء..! كانت الدماء تضخ بقوة هائلة في شراييني. كان العرق يتصبب من مسامات جلدي. كانت الإرادة تتفجر في كياني وتحوله إلى إرادة إلهية فياضة.
ابتسم الراهب وقال: داوم يا 'أنت' فأنت إلى وفي حضرتي ماثل. داوم إلى الحياد والأضداد الزائلة.
'أنت' قادر، تابع تتوصل إلي . كان الراهب يخترق جدران غرفتي وصوته يتناثر إلى أسماعي: داوم يا 'أنت' تتوصل إليٌّ.... تابع حيث الراحة الأبدية. كانت إشعاعات شتي تنبعث من جسدي، إشعاع أحمر، وآخر أصفر وإشعاعات خضراء تندمج جميعها فتشكل شيئا ما شبيها بقوس قزح، منعكسا في واحة ماء واسعة. وجدت نفسي مخترقا أعمدة الصليب إلى تلك النقطة التي تسمي في الفلسفات القديمة، نقطة الحياد، حيث توصل إلى نيرفانا أبدية يعيشها مخترقها.
زالت الأعمدة، انهارت، أخذت النقطة بالتضخم حتى وجدتها محتلة الغرفة، غرفتي أنا. تحولت الغرفة نفقا طويلا. وأنا داخله كحيوان في قفص مظلم. تقدمت بضع خطوات داخله. ظلام دامس، داكن، لا نهائي يلف كل النفق. تقدمت أكثر، لا شيء سوي فراغ حالك الظلمة، أخذت بالركض متقدما. يتحول النفق مع السرعة إلى بهو كبير، رطب رطوبة لزجة تلتصق بجلدي أيما التصاق. يلف البهو ضباب من كل الجهات، فكانت هذه القائمة الغريبة الفضية اللون، من امتزاج الضباب بظلام البهو ماعدا ذلك الامتداد الليلي للنفق، حيث الظلام قلم فحم كبير يخترق كتلة فضة. اطل الراهب من ذلك السواد وأشار بالاقتراب منه.
اقتربت منه، ضحك ضحكة شيطانية مديدة ومد يده ليصافحني. مددت يدي فشد عليها بقوة، أحسست بتيار كهربائي يتسرب إلى بدني. صرخت بكل طاقتي، عبثا. فالتيار يتسرب إلى داخل جسدي ويزداد قوة.
كان يضحك بشراسة، يقفز فرحا وانتشاء. آه.. الجحيم الذي يتسرب إلى داخلي لا خلاص منه ولا مفر.
اقترب راهبان آخران من أصحاب الراهب الموحي إلي. قال أحدهم: يا 'أنت' أنت الآن منا، دخلت إلينا طامعا كما جري لنا، لدي قراءتنا ذلك الكتاب الجهنمي. والمطلوب منك الآن العيش في هذه الفسحة القاتمة. تحرسها وتهتم بها إلى الأبد. والشيء الآخر أن تفعل بالطريقة نفسها التي عمل بها صاحبنا، أشار بيده إلى مضللي، أي أن تجلب آخرين لملء النفق بالحراس الجدد من أمثالك وأمثالنا المضٌّللين والمضلٌِلين. وإذا رفضت هذا فأمامك خيار آخر، هنا أشار بيده مجموعة من النصال القاطعة والشفرات الماضية. بما فيه الكفاية لتقطع جسدك مزقا صغيرة، ثم تمضغها دون ملح طبعا.
ضحكوا ضحكة خبيثة تتمزق لها النفس والجسد. نعم، تقطع جسدك إربا إربا وتمضغه فور تقطيعه.
فكرت مليا وقلت في نفسي: لن أستطيع جلب آخرين إلى هذا الجحيم، من الأفضل أن أمزق جسدي عوضا عن جلب أبرياء آخرين إلى هذا النفق المظلم، ظلام جهنم، فلأمزق جسدي التعس، فهذا، أفضل لي من جلب آخرين..
قلت لهم: سوف أمزق جسدي وأقطعه وأمضغه أيضا، أخذت الدموع تنسل من عيني.
ابتسم الراهبان وقال مضللي حسنا، أنت يا 'أنت' حر باختيارك.
جلست وأخذت اقطع جسدي مزقا صغيرة، ثم امضغها. الدماء تتسرب من جروحي وجسدي. حفر تضخ الدماء ويسيل اللعاب الممتزج بالماء من فمي. بينما آلامي لا وصف ولا مثيل لها. لم أكن وحيدا، كان آلاف من البشر، لا بل أكثر بكثير، معي يمزقون أجسادهم إربا إربا ويمضغون لحومهم. لم أكن انتبه لهم ولم يكونوا ينتبهون لا لي ولا للآخرين. كل منهم منهمك بتقطيع جسده.

***

العاصفة
حسن جاف

عندما غادرت الدار صباح هذا اليوم، سرت في جسمك رعشة بفعل الهواء الدافىء، كانت شعاعات الشمس الأولي تحاول إن تطل من خلف الروابي المحيطة بالمدينة وتداعب النيران المرتفعة فيما أخذت قافلة الليل تجمع أحمالها وهي تودع المدينة، كانت السماء وكأنها مسحت في الليلة الفائتة.
أخذت تطوي الطريق بهدوء وبطء وقد حشرت يديك في جيبك مترنما بصوت خافت بأغنية. إما الشمس فأنها أخذت ترتفع من فوق التلال مجارية خطواتك البطيئة وتنشر ضياءها محتلة شوارع المدينة وأزقتها داعية الناس إلى الخروج من بيوتهم، أحيانا وبدون إن تشعر كنت ترفع صوتك فتنتفض وتنظر ما حولك يمنة ويسرة.
كانت أسراب البنات بملابسهن الزرق ينطلقن زرافات ووحدانا نحو مدارسهن، والشبان مجتمعون على جانبي الشارع، بينما كان البعض منهم يلاحقهن، تبتسم وتتذكر أيامك الخوالي 'عشرون عاما! (ياه) .. وكأنها حدثت بالأمس عندما كنت ألاحقها من بعيد حتى تصل المدرسة، وعندها كانت تلتفت إلي وتمسح شعرها بيدها وتدلف إلى الداخل.. إيه! دنيا أين هي يا ترى الآن، ربما تزوجت وأصبحت إما'.
كانت مشاعرك تسبح في بحر الخيال ونسيت نفسك والطريق، منبه سيارة اجفلتك ونقلت خطواتك إلى الرصيف، ذكرياتك تسحبك إلى الماضي وتشغل أفكارك وتتوه عن نفسك، نسمة هواء باردة تسري رعشة في جسدك فتمد يدك لتزرر أزرار سترتك 'سامية، كم كانت جميلة، معظم شباب الحي وقعوا اسري هواها، وعندما علموا بأنها اختارتك من دونهم أشبعوك ضربا.. ولكن حبكما استمر قويا، فأوصلوا الأمر لوالدتها .. آه من ذلك اليوم وما فعلته بكم أم سامية وما فعله بك خالك، وهكذا لم يبق لكما سوي صباحات المدرسة وطريقها'.
قوة الريح جعلتك ترفع راسك، أنها 'العاصفة' كان الشباب يعودون فرادي من رحلة إيصال البنات إلى المدارس والريح تدفع سيقانهم بسرعة، بينما كنت تسبح مع ملاك الخيال حتى وصلت سوق الحصران، والريح تشتد تدريجيا منظفة الشارع من التراب وقطع الأوراق ليدفع بها إلى وجوه المارة.
جعلت من أجفانك مظلة تقي بها عينيك اللتين لم تبق فيهما سوي فتحتين صغيرتين، مددت احدي يديك إلى أزرار سترتك فيما كانت يدك الأخرى مشغولة بدفع شعيرات رأسك عن وجهك وعينيك.
قطعت الرياح شريط ذكرياتك من منتصفها وإعادتك إلى واقعك، كانت الأشجار تتمايل وكأنما تبحث عن أغصانها المتكسرة وأوراقها الساقطة فيما أسرع الناس بخطواتهم. عندما وصلت الجسر المقام على نهر 'خاصة'كان التعب قد اخذ منك كل مأخذ حتى إن خطواتك لم تعد تطيعك بل أخذت تدفعك إلى الوراء، أمسكت سور الجسر، بدا نهر خاصة الضيق وكأنه بحر بلا ضفاف لا تستطيع إن تبلغ نهايته، كنت تخطو خطوة واحدة ليدفعك الريح خطوتان إلى الوراء، أجلت النظر فيما حولك فلم تلمح أحدا غيرك لم تكن تعلم أو تميز هل إن الأمر ناجم من تضبب رؤياك أم إن الناس لم يستطيعوا مقاومة الرياح فهرعوا إلى الاحتماء بمنازلهم، حاولت كثيرا إن تلمح أحدا أو تفتح عينيك جيدا ولكن دون جدوى، تعطي ظهرك للريح فترة ثم تواجهه فتلمح المقهى الكائن في الطرف الأخر من الجسر، تجمع كل ما لديك من قوة في ساقيك، عندما ولجت المقهى، رفعت الشعر عن وجهك وفركت عينيك وتنفست مرتين أو ثلاثا بعمق، نظرت في داخل المقهى كان الدخان وأنفاس الرواد يملأه ويضبب الأشياء أمام عينيك، تبحث عن مكان تريح بها جسدك المنهك كانت أصوات الرواد المختلطة بزئير الرياح تسبب لك صداعا شديدا، رشفت فنجانا من الشاي وأنت واقف فيما كنت لازلت ترنو إلى الخارج، كنت تجيل بصرك داخل المقهى أحيانا، كان الناس مشغولون بلعب الدومينو والورق وقسم آخر يزجي الوقت بالنظر إلى اللعب فيما كان عدد قليل منهم واقفا يحاول إن يراقب.
هل لك إن تخبرني ماذا ستستفيد لو خسرت أنا؟
لا شيء ! ولكني أحب إن تكون خاسرا مثلي.
كنت تعجب لهؤلاء، مهما حدث فإنهم لن يتركوا ما هم منشغلون به. نظرت إلى الخارج، كانت السماء مكفهرة وقد تحولت إلى سوداء داكنة.
ستسقط الأمطار.
ياريت.. فنتخلص من هذه العاصفة القذرة.
حتى لو سقطت الأمطار فأنني لا أتصور توقف الرياح.
عندما التفت لمحت شابا مخيفا يقضم أظافره وشاربه ويجيل رأسه يمنة ويسرة كبندول الساعة ينظر مرة إلى الخارج وأخرى إلى الداخل وقد شحب لونه من الخوف.
بدت الأمطار وكأنها تمكنت من كبح جماح الريح وخفضت من اندفاعه.. انطلقت خارجا، بللتك الأمطار الغزيرة فأردت العودة 'كأنهم قلبوا البحار رأسا على عقب' طردت الفكرة من راسك، اندفع الأطفال راقصين مغنين إلى الأزقة، فتحت شوارع المدينة أحضانها، كعاشق متيم لتحتضن الناس.
لم تشهد هذه المدينة عاصفة قوية كهذه أبدا.
دع الماضي وتكلم عن الحاضر.
التفت خلفك كان اثنان متلازمان.
ينحدران جنوبا 'النسيان من أكبر نعم الطبيعة على الإنسان' عندما تذكرت هذه المقولة اهتزت أعماقك واكفهر وجهك لأنك تعلم جيدا بان النسيان، في بعض أحيان، إن لم يكن جريمة فانه غباء مطلق، حاولت كثيرا إن ترسم على شفتيك ابتسامة دون جدوى، أحسست بغربة عميقة، كنت فارسا وحيدا منهكا على درب شاق وصعب لا يغيثك احد ولا يلتفت أليك إنسان.
وضعت يديك في جيبك وطويت الطريق بسرعة ولكنك اتجهت هذه المرة صعودا.

***

قصيدتان
حسن سليفاني

صباح الخير يا قلبي
فراشات تحمل عيون الموتى
تحوم حول بساتين عبٌاد الشمس الشاسعة.
والايزديات الزاهيات بفساتينهن الطويلة،
يغازلن الشمس المسافرة في فضاء الصباح.
صبية يتّفّنّنون
في تشكيل دوائر هندسية للبطيخ
عبر جانبي الطريق.
أشواك صفراء تسخر من النسيم المداعب
لخصلات شعري القصير،
عبر زجاج الحافلة الصغيرة.
أنياب كهرباء، ترتفع عن الأرض رماحا.
تلفونات بلون العشب عاطلات.
صباح الخير،
لم نقلها لبعضي،
لا أنا، ولا الجالسة جنبي،
الغارقة في وهم النوم، بهتانا،
إذن
صباح الخير يا قلب،
يا قلبي!!
قمر من نرجس
أتصدق إن قاع القمر من نرجس؟
وأن جدرانه من ندي الجبل،
ومفروش بأرائك من بيبوني.
وعلى بابه حارس بفأس من نحاسي،
يمنع دخول من لا يتقن لغة الحب
بين الناس.
وفي إيوانه الشاسع،
نساء من عسل،
يغازلن أصوانا،
لا ناس تأتي من خلفِ جدران الندي
أتصدقْ؟؟؟

أخبار الأدب
الأحد 27 من ابريل 2003