دراسة كتبها : لوكا باتريتسي

ترجمها :د. حسين محمود

دانتي والتصوفأصبحت أوجه التماثل بين أعمال الشاعر الإيطالي الكبير دان أليجييري والأدب الروحي الإسلامي مقبولة حتى في الأوساط الأكاديمية الرافضة لفكرة وجود تبادلات متعددة بين الثقافتين الأوروبية والإسلامية. وفي هذه الدراسة تم إيضاح نقاط التلاقي بين أعمال الشاعر وأعمال أئمة الصوفية، بأسلوب يمكن حتى لغير المتخصصين أن يستوعبوه. وفضلا عن أنها مساهمة للتأمل في جذور أوروبا وثقافتها إلا أنها أيضا تفتح الباب أمام رؤية جديدة لنا من جانب أهل الفكر الأوروبي. فهناك من يرانا أصحاب إسهام فكري في الحضارة الإنسانية إلي جوار أصحاب الصوت العالي والعقل الفقير ممن يصمون الإسلام والمسلمين بالتخلف والإرهاب.
وأود أن أشير في هذه الترجمة إلي أنني اعتمدت في ترجمة الأبيات الواردة عن الكوميديا الإلهية علي الترجمة الفذة لحسن عثمان طبعة دار المعارف (ط2، 2002)، رغم أنني في بعض الحالات عدت إلي النص لكي أعتمد علي الترجمة الحرفية له في الحالات التي استدعت هذا، وهي التي تصرف فيها المترجم بالتأويل، ولأهداف تخدم الدراسة الحالية لم يكن هناك بد من إعادة التفسير أو العودة إلي حرفية النص حسب مرامي كاتب هذه الدراسة. كذلك أجد من الواجب توجيه الشكر إلي الشاعر الفيلسوف الدكتور حسن طلب لمراجعته الترجمة وملاحظاته السديدة عليها، وخاصة ما يتعلق بالمصطلحات الصوفية الواردة في الدراسة.
أصبحت أوجه التماثل بين أعمال دانتي والأدب الروحي الإسلامي مقبولة حتى في الأوساط الأكاديمية الرافضة لفكرة وجود تبادل كبير بين الثقافتين الأوروبية والإسلامية، وما يهم هذه الدراسة ليس البحث مرة أخري فيما إذا كانت توجد أو لا توجد أدلة مادية علي قدرة الشاعر الفيورنتيني علي قراءة التراث الإسلامي أو الاتصال المباشر بممثليه، وبصفة عامة مع العالم العربي في عصره، وهي مشكلة من الصعب حلها بوسائل البحث التاريخي العادي، وإنما تهدف الدراسة إلي الكشف عن بعض هذه التماثلات والتي يمكن أن نصادفها بصفة خاصة في الكوميديا (الإلهية). ولكن لابد من مقدمات عديدة لهذا.
في المائة عام الأخيرة تشكلت فئة من الباحثين الأكاديميين وغير الأكاديميين التي بدأت تدرس العلوم الشرقية بإتباع منهج أقل تأثرا بالأفكار المسبقة، بما في ذلك الأفكار العقائدية، وعلي هذا النحو وجدت نفسها تعترف بوجود رابطة عميقة جدا بين التراث الروحي الإسلامي والغربي، ووصلت إلي نتيجة مؤداها أنها جميعا يمكن أن تكون ناشئة عن مصدر واحد مشترك، انفصلت عنه في عصر قديم جدا، وهو حدث تخلفت عنه آثار كثيرة وخاصة في الهندوسية، وأيضا في أنماط تراثية عديدة أخري منها ما يزال قيد الحياة ومنها ما اختفي. وعلاوة علي هذا فإن المسيحية الكاثوليكية، وهي الصورة التقليدية الأكثر انتشارا في الغرب، لا يمكن أن نقول إنها أصلية، علي اعتبار أنها اشتقت بعد سلسلة طويلة من التحولات جعلتها منبتة الصلة عن مصدرها، علي الأقل في مستوياتها الأكثر سطحية، عن تراث من نوعية سامية وبالتالي شرقية (1). أما التراث الذي تطور في أوروبا قبل ظهور المسيحية مثل ما يسمي الوثنية، والتراث الروماني أو السلتي،فقد تم النظر إليه أيضا علي أنه شيء غير متجانس معها، إلي أن جاء القرن الأخير عندما ظهر من دراسة أكثر تعمقا كيف يمكن أن يكون التقسيم الذي يميل إلي أن يضم المسيحية إلي ذلك التراث واضحا، وكيف كان الانتقال إليها أقرب إلي التمثل غير السلبي منه إلي الاستبدال التام، والكوميديا الإلهية نفسها هي مثال علي أن العالم الكلاسيكي والمسيحية يمكن أن يتصالحا بنظرة أكثر عمقا (2).
وتقتصر المقدمة الثانية علي الدراسات الدانتية، وخاصة في المائة سنة الأخيرة ، بالتوازي تقريبا مع الانفتاح الأكاديمي فيما يتعلق بالشرق، حيث بدأ النظر إلي عمل دانتي ليس فقط من ناحية أدبية وفقه لغوية محضة وإنما توجهت الدراسات أيضا إلي المذهب الروحي الذي اشتمل عليه العمل وعلاقاته مع المذاهب المسيحية الغريبة في عصره والتي اختفت حاليا (3)
وتهدف هذه الدراسة إلي الجمع يبن هذه الاتجاهات، وهي تركز فيها علي التماثل الذي يمكن أن نصادفه بين المذهب والطرق الروحية للمذاهب الإسلامية والمذهب الذي تشتمل عليه الكوميديا (والتي ربما كانت انعكاسا للمذاهب المسيحية المعاصرة لها) انطلاقا من اعتبارات الصلات المادية التي ربما نشأت بين العالمين في تلك اللحظة التاريخية المحددة (4).
الأدب الروحي الذي وصل إلينا والذي ما يزال يصل إلينا عن التصوف، والباطنية الإسلامية والذي قتل بحثا وبنتائج مختلفة في الغرب، والذي هو موجود دائما وفي كل مكان من العالم، لم يكن من الضروري دائما حجبه مثل شعر دانتي والمؤمنين في الحب (5)، وهو، حينما يحجب، فإنه ربما يفعل ذلك لكي يستطيع استخدام قوة التأثير الذي يمكن أن تكمن في الرمز علي العقل أكثر منه لأسباب حقيقية غير مستحيلة. وأرشدنا أسين بلاثيوس بوضوح إلي التشابهات الموجودة بين مذهب محيي الدين بن عربي والذي اعتبر المعلم الأكبر لمذهب الباطنية الإسلامي المتوفي عام 1240 والمذهب الوارد في كتاب دانتي (6)، وأظهر دارسون غيره كيف أن قصيدة مذهب الأسلوب الجديد (ستيلنووفو) استخدمت نفس الأدوات الأدبية للقصيدة العربية.
إن رحلة دانتي، وخاصة في مقطع المطهر، إنما هي رحلة تطهير نفس تحاول أن ترتفع إلي مرحلة تأمل الله، ترافقها في مسيرتها الصعبة مجموعة من الشخصيات: في البداية فيرجيليو ثم ستاتسيو وماتيلدا وبياتريتشه وأخيرا سان برناردو، والعلاقة معهم كما يوضحها دانتي لها تماثلات قوية مع تلك العلاقة التي يمكن تلمسها في الوصف الذي يقدمه لنا التصوف للعلاقة بين التلميذ والأستاذ الروحي (الشيخ ومريديه؟)، وسوف تبدأ الدراسة بمعالجة هذا الجزء من المذهب الذي يتعلق بالأدب علم الملائمة الروحية. ونستطيع أن نجد للأدب آثارا في الأدب الصوفي كله فيما يتعلق بآداب معينة وخاصة في العلاقة بين الأستاذ والتلميذ (راجع حادث اللقاء بين موسي والخضر، القرآن: صورة 18 آيات 6082) ولها أهمية قصوى بالنسبة لمسيرة الروح نحو الله، وسوف نحاول أن نكشف التشابهات التي يمكن أن توجد بينها وبين الكوميديا (الإلهية). ولغرض التبسيط سوف نفحص الشخصيات المختلفة التي تدخل الأحداث مع الشاعر بصفتها كيانا روحيا واحدا، بوظيفة واحدة تتوزع علي طول المسيرة في العوالم الثلاثة (7).
يصل فيرجيليو في اللحظة التي توقفه فيها ثلاثة من الوحوش عقب خروجه من الغابة المظلمة، وكان لوصول هذا الشاعر الروماني ما سمح له بالالتفاف حول العقبة، مشيرا إليه بطريق أطول ولكنه أكثر عتمة إلا أنه الطريق الوحيد الذي يمكن قطعه للوصول إلي حيوان الكلب. وأثناء عبور الجحيم كان فيرجيليو هو الذي سمح لدانتي بتجاوز العقبات والتي كانت سوف تحرم عليه لو كان وحده، وقد أراحه علي سبيل المثال عندما هاجمه علي أعتاب مدينة ديته خوف مثل ذلك الذي أوقفه في بداية رحلته، وفي النشيد الرابع والعشرين، بعد ذلك، كان فيرجيليو هو الذي استحثه بالقوة عندما جلس بعد أن استولي عليه التعب، عندئذ اهتم بحمايته ومرافقته حتى المطهر، حيث سيبدأ في القيام بوظيفة شديدة الأهمية في عملية التطهير الروحي للشاعر.
إن صورة المعلم الروحي لها أهمية كبيرة في المذاهب الشرقية، وخاصة في التصوف. في أيها الولد لأبي حامد الغزالي، والذي عرفه دانتي أيضا وأثني عليه (وذكره في عمله الوليمة Convivio "، وهو معروف في العصور الوسطي باسم لاتيني التحريف هو الجازل Algazel وموصوف وصفا جيدا):
اعلم أنه ينبغي للسالك وجود شيخ مرشد مرب ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته ويجعل مكانها خلقا حسنا، ومعني التربية يشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك ويخرج النباتات الأجنبية من بين الزرع ليحسن نباته ويكمله ريعه، ولابد للسالك من شيخ يؤدبه ويرشده إلي سبيل الله تعالي، لأن الله أرسل للعباد رسولا للإرشاد إلي سبيله. فإذا ارتحل، صلي الله عليه وسلم، فقد خلف الخلفاء في مكانه حتى يرشدوا إلي الله تعالي (...) ومن ساعدته السعادة فوجد شيخا كما ذكرنا، وقبله الشيخ، ينبغي أن يحترمه احتراما ظاهرا وباطنا، أما الاحترام الظاهر فهو ألا يجادله ولا يشتغل بالاحتجاج معه في كل مسألة وإن علم خطأه. (...) ويعمل ما يأمره الشيخ من العمل بقدر وسعه وطاقته. أما احترام الباطن فهو أن كل ما يسمع ويقبل منه في الظاهر لا ينكره في الباطن، لا فعلا ولا قولا، لئلا يتسم بالنفاق. (8)
من هذه الكلمات نستطيع أن نفهم كيف أن الدوافع التي دفعت دانتي إلي أن يتخذ شخصا آخر مرشدا له في رحلته قريبة من تلك التي عبر عنها الغزالي، وكيف أنه كان بالنسبة له معلما وهو اللفظ الذي كان ينادي به دانتي أكثر من مرة مرشده فرجيليو (المعلم الجميل في المطهر 12/3) ليس فقط لأسباب أدبية (من ناحيته كان فرجيليو ينادي دانتي بالولد الجميل، تماما كما كان الغزالي ينادي تلميذه): بهذه الطريقة فقط، وحسب التصوف، من الممكن التخلي عن الإرادة الشخصية واتخاذ إرادة الله هاديا، وهي إمكانية نراها أيضا في الكوميديا:
وكما يضحي ملائكتك بإرادتهم وهم يسبحون بحمدك
فليضح البشر بإرادتهم أيضا (9)
والشيخ المعلم أيضا طبقا لرأي الغزالي يجب أن يكون مؤهلا لأن يقود السالك (المريد) في مسيرته، لأنه بدوره قطع تلك المسيرة تحت إشراف شيخ معلم آخر، وأصبح مخولا من قبله بقيادة الآخرين. ومن ثم فإن المريد تتم قيادته خلال الطريق، المليء بالصعوبات والإغراءات الروحية، والذي سوف يسمح له، لو كان يمتلك المؤهلات والزهد اللازمة للوصول إلي الله (البقاء وهي المرحلة التالية للفناء عند الصوفي)، وهنا أيضا بخلاف التشابه بين الباب الضيق في الأناجيل المشابهة للطريق الضيق عند الصوفية يمكن أن نلاحظ أنه في بعض أجزاء المطهر تتم الاستعانة بنفس الرموز:

وأخذنا نصعد داخل الصخر المشقوق
وأطبق الجدار علينا من كل جانب (10)
... ولكن الصخر العالي أحدق بكلا الجانبين (11)

وهناك تماثل آخر يمكن أن نصادفه ويتمثل في التواضع: ففي التصوف يدخل التواضع ضمن الأدب تجاه المخلوقات ومن ثم تجاه الله، ولكنه أيضا منهج حقيقي ملموس للتحقق الروحي، والمثال الخاص في هذا المعني تمثله الطريقة المسماة الملامتية (من اللوم)، والتي تصف القاعدة فيها سلوكا متواضعا أشد التواضع، يكاد يصل إلي الإلغاء حتى أمام المخلوقات الأعلى روحا (12)، ويشارك معها نوع من البحث الواعي عن التواضع تجاه الناس إلي درجة تفرغ النفس من نفسها وتعدها لتلقي الحضرة الإلهية. الآن نستطيع أن نلاحظ أنه في أجزاء عديدة من قصيدته يجتهد دانتي في ممارسة التواضع، وهو يعرف بعد كل شيء بصورة جيدة جدا ضعفه الخاص فيما يتعلق بزيادة التكبر: البوصة التي طوق به نفسه في المطهر النشيد الأول البيتان الرابع والتسعين والثالث والثلاثين بعد المائة، هو رمز واضح علي التواضع، وفي النشيد العاشر يأتي ذكر أمثلة واضحة مثل رقصة النبي داوود، ومرتل المزامير المتواضع، في سفر الملوك النشيد السادس البيتان الحادي والعشرون والثاني والعشرون:

في حضور الرب، الذي اصطفاني، أرقص...
.... واجعل نفسي غير ذات قيمة وأتواضع...

إما أن يكون سلوك ترايانو مع الأرملة الصغيرة التي تسأله أن يقيم العدل، وإما في النشيد التالي الاستجداء من طاغية سيينا بروفنسانو سالفاني لجمع الأموال اللازمة لتحرير صديق عزيز من الأسر، هو الذي جعل دانتي يرتعش بكل حواسه، بالإضافة إلي أنه في النشيد الحادي عشر نري دانتي ينطوي علي نفسه وهو يحمل رمزيا الثقل الذي يحمله المتكبرون بالفعل لكي يخففوا من عقابهم، ثم يقارن في بداية النشيد التالي ثقله الروحي بحمولة ثور في الساقية.
إلي جانب هذا هناك بعض الأبيات التي يقارن فيها دانتي نفسه بطفل (13)، الصبي في المطهر النشيد السادس والعشرون البيت الخامس والأربعون والنشيد الحادي والثلاثون البيت الرابع والستون، والصبي الشاحب في الفردوس النشيد الثاني والثلاثون البيتان الثاني والخامس، أو يشبه نفسه بحيوان، فهو يكاد يشبه نفسه دائما بجرو صغير، أو طائر اللقلق الصغير في المطهر النشيد الخامس والعشرون البيت العاشر أو النعجة في المطهر النشيد الخامس والعشرون البيت السادس والثمانون، أو في الفردوس النشيد الثالث والعشرون الأبيات من الأول حتى الخامس عشر حيث يشبه العناية التي توليه بياتريتشه إياها برعاية طائر لفرخه، وأخيرا في استخدام تعبير النهر الصغير أرنو لتقديم نفسه في النشيد الرابع عشر من المطهر، نستطيع أن نري دانتي مأخوذا باجتهاده في التواضع الذي قد يصل إلي حد السذاجة، كأنه تواضع من لم يعتد علي التواضع، ويمارسه لأول مرة في حياته. وبمناسبة التواضع فإن النشيد الحادي عشر من الفردوس هام جدا لأنه يقدم شخصية القديس فرانشيسكو، والذي يشير إليه الشاعر، ومعه القديس دومينيكو، كأنه بركة أهدتها العناية الإلهية إلي الكنيسة، لكي يرشدها ويدعمها في لحظة شديدة الصعوبة. ويرجع دانتي في هذا إلي تفسير مشوق إلي زهد قديس اشيزي (في تماثل مثير مع الاسم القديم لأسيزي) غفي اللغة الإيطالية هناك تماثل في طريقة كتابة ونطق كلمة الزهد والتقشف واسم المدينة التي ينتمي إليها القديس فرانشيسكو ، يصل إلي حد التطابق في حالة اسم المدينة القديم المترجم والذي انتشر علي نطاق واسع في القرن الثالث عشر الميلادي في الأدب الفرانشيسكاني وخاصة في كتاب مجهول المؤلف بعنوان il Sacrum commercium beati Francisci cum domina Paupertate حيث العلاقة بين فرانشيسكو والفقر قد ارتفعت إلي مستوي الرمز للزواج الروحي، وهو نفس الزواج الذي عقده المسيح بشخصه أثناء إقامته علي الأرض. وبتصفح الكتاب ندرك أن الإشارة إلي الفقر بهذا المعني يبعد المعني الحرفي لكلمة الفقر المادي إلي مرتبة ثانوية من المسالة، مع الأخذ جوهريا بمعني آخر للفقر، وهو نفسه الذي يشير إليه الإنجيل عندما يقول: طوبي لفقراء الروح لأنه منهم تتألف مملكة السموات: ومن هذا أن المنتمين للتصوف والممارسين للطريقة يسمون الفقراء (14)، وهو الأمر الذي يذكرنا علي الفور بفقراء القديس فرانشيسكو، وهذا النوع من الفقر، تفريغ النفس الطوعي من جانب المخلوق لكي يحل فيها الله، طبقا للتصوف هو الذي يقود إلي التلاشي (15). ويمكن الإشارة إلي أن صفة الفقر التي أعطاها الشاعر للعذراء في المطهر النشيد العشرون البيت الثاني والعشرون يمكن أن يكون لها معنيان، فمن ذا الذي يمكن أن يكون أكثرا تفريغا لنفسه حتى يستطيع أن يتلقي كلمة الله علي الأرض؟

وعودة للأدب رأينا كيف أن إحدى القواعد الرئيسية هي طاعة الشيخ، ونستطيع أن نلاحظ أن دانتي كان منتبها انتباها شديدا لهذه القاعدة:

إن ذلك الذي يعرف كيف اغتذت عيناي
من محياها المبارك
حينما انتقلت إلي شأن آخر
سوف يدرك كم كنت سعيدا
بطاعتي لمرشدتي السماوية
حينما وازنت بين أحد الجانبين والآخر (16)

وبالفعل فإنه حتى يطيع إرشادها فهو يتوقف عن تأمل وجهها السماوي، وهو التأمل الذي كان يوفر له إشباعا روحيا كبيرا، وهو بهذا يعطي لطاعتها أهمية أكبر من التأمل في الله منعكسا، رغم أنها مرآة ملائكية مثل بياتريتشه. بالإضافة إلي هذا فقد كان ينتظر منها الإذن دائما حتى يتكلم.

اتجهت إلي جانبي الأيمن
لكي أعرف واجبي من بياتريتشه
سواء كان ذلك بكلمة أم بإشارة منها (17)
ووقفت كمن يكتم في قلبه
حفز رغبته، فلا يجترئ
علي السؤال إذ يخشي أن يتجاوز حدوده (18)

وحيث يقدم دانتي شخصية القديس بنديتو، والذي يشير إليه في عجالة، تظهر مشابهات طريفة مع الشخصية الروحية للنبي محمد، من حيث أن القديس، مثل رسول رب الإسلام، يقضي في الغار لحظات طويلة في التأمل ويظهر كداعية متحمس ضد عبادة الأصنام:

وإنني من حمل هناك في أعلاه
اسم من أتي إلي الأرض
بالحقيقة التي تسمو بنا كثيرا
وقد أفاضت علي النعمة الإلهية بأنوارها
حتى اجتذبت القرى المحيطة بي
من العقائد الباطلة التي أفسدت الدنيا (19)

وفي الحكاية عن حياة جريجوريو مانيو (Gregorio Magno, Dial. Mirac., II,) يقول:

وصل اسم الرب ذلك وحطم الأصنام وهدم المذبح ودمر الغابات وفي معبد أبوللو نفسه بني كنسية تكريما للسيدة مريم العذراء، وهناك حيث معبد الرب بني كنسية للقديس جوفاني، وواصل دعوته حتى نجح في تحويل الناس الذين كانوا يسكنون حوله إلي الإيمان.
وهو مشهد يذكرنا بقصة المسيح الذي يطرد تجار المعبد، وأيضا وصول النبي محمد إلي الكعبة بعد فتح مكة وتحطيم الأصنام بداخلها باستثناء صورة للسيدة العذراء مع المسيح طفلا والتي تركت كما هي لم تمس ثم إقامة دين الله الواحد بعد ذلك.

وهناك خاصية أخري من خواص العلاقة العميقة بين المعلم وتلميذه طبقا للتصوف هي أن التلميذ، بفضل زهده، يصبح شفافا من الناحية الروحية بالنسبة للمعلم والذي يكون في مقدوره قراءة ما يدور بذهنه وتقديم ردود دون أن يحتاج التلميذ لأن يلقي عليه بأسئلته وشكوكه: ونستطيع أن نلمح مواقف شديدة الشبه بذلك في الكوميديا:

ولكنه أدرك ما أردت بصمتي أن أقوله
ولذلك لم ينتظر أن أتجه إليه بسؤالي
بل قال: تكلم وكن موجزا والزم موضوعك (20)

ولكن ذلك الأب الصدوق الذي أدرك
رغبتي الحائرة التي لم تفصح عن ذاتها
منحني بحديثه الشجاعة حتى أتكلم (21)

وفي النشيد الرابع عشر يصل الأمر إلي أن بياتريتشه ترد علي سؤال لم يكن دانتي قد وجهه بعد، وليس هذا وحسب وإنما لم يكن حتى قد تشكل السؤال تماما في صورته النهائية في ذهنه.

إن هذا الرجل في حاجة
إلي أن يبلغ أصل حقيقة أخري
ولو أنه لا يذكر لك ذلك بصوته أو حتى بفكره (22)

وفي النشيد التاسع عشر من المطهر يحدث العكس فدانتي يحلم بالأنثى المتلعثمة، وهي امرأة مشوهة أساسا ولكنها تزداد إثارة للعيون حتى تصبح عروس بحر جميلة تسحره (23)، ولكن امرأة أخري تصل لمساعدته، وهو يقول أيا فيرجيليو، من هذه يا فيرجيليو؟، وينزع الرداء الذي يغطي البطن الفاسد لعروس البحر، فتوقظ الرائحة غير المتحملة الشاعر الذي يجد أمامه فيرجيليو يقول له _ بقسوة ملحوظة _ إنه قد ناداه علي الأقل ثلاث مرات قبل أن ينجح في إيقاظه. في هذا الموقف، بغض النظر عن هوية المرأة الثانية، والتي اختلفت الآراء في تفسيرها، قد يكون فيرجيليو هو الذي أنقذ الشاعر، لأنه، كما يحدث أحيانا في حالات مكثفة من الحلم، لا يكون النداء الواحد كافيا لإخراج الحالم من حلمه، ولكن الأصوات الخارجية لها القدرة علي التداخل مع الحلم نفسه، والنداءات الثلاثة تتجسد تدريجيا في فعل المرأة الثانية التي تنقذ الشاعر، وفي تأكيده، الذي يظهر فيه رمز الغيرة (24)، يعين اسم فيرجيليو، كما لو أنه يؤنبه علي أنه لم يؤد واجب الحماية كاملا تجاه دانتي، ولكن في الحلم يأخذ كل شيء قالبا مشوها للقالب الحقيقي، وفي كثير من الأحيان بالمقلوب.

والعدو الذي يشير إليه دانتي في هذه الرؤية _ الحلم هو النزوع إلي الخيرات الأرضية علي حساب الخيرات الروحية (25)، وذلك الذي يخلق الكذب في الحياة ويحافظ عليه موقعا بالأرواح في فخ التكاثر هو عدونا في المطهر النشيد الثامن البيت الخامس والتسعون، العدو القديم للمطهر في النشيد الرابع عشر البيت السادس والأربعون بعد المائة، الشيطان بنفسه، وهو نفسه العدو الذي يتخذه المتصوفون، والشيطان يعني بالعربية العدو.
والتمثيل الرائع لما يجب أن تكون عليه وظيفة المرشد الروحي، يقدمه لنا دانتي بعد ذلك في الفردوس في النشيد الثاني من البيت العاشر حتى الخامس عشر، وفي هذه الأبيات كان هو نفسه الذي يعرض علينا أن يقوم بهذه الوظيفة تجاه البعض من قرائه.

أيها القلائل الآخرون، يا من بادرتم إلي رفع رؤوسكم
إلي خبز الملائكة،
الذي يغتذي به هنا دون أن يشبع أبدا
إنه من الميسور لكم أن تدفعوا سفينتكم
مقتفين مخر سفينتي من قبل
أن تمحو المياه آثاره.

حيث صورة الماء الذي ينغلق علي نفسه خلف المركب تمثل بدقة حالة الامتياز الذي تحظي به مسيرة التلميذ والذي يستطيع أن يحافظ على إتباع المعلم الروحي.

بالإضافة إلي هذا فإن دانتي يكمل رحلته بالجسد، ومن ثم يعترف بأن الممكن أن يحدث له تطهير روحي حتى قبل الموت، وهو التطهير الذي يحدث بطريقة طبيعية بالنسبة لأرواح المطهر، والذين انجذبوا نحو دانتي في الهجر التام لإراداتهم الخاصة، وهي الحالة التي يتقاسمونها مع أرواح الفردوس:
وفي مشيئته سلام نفوسنا:

وهذا هو البحر الذي تيممه كل الكائنات
كل ما هو إياه خالق, وكل ما الطبيعة له صانعة. (26)

ولكن الذي يستلزم علي العكس جهودا ضخمة إذا تم القيام به في الحياة الأرضية بواسطة الصيام والقيام والذي يتحدث عن في المطهر النشيد التاسع و الثلاثون البيت الثامن والثلاثون، بطريقة تتضمن الصعود الحقيقي ضد التيار، فإن جهاد النفس الذي يحاول المتصوف أن يتمه في كل لحظة من لحظات وجوده، وهو يساعد نفسه هو أيضا بالصيام والقيام، وبالذكر الذي لا يتوقف لاسم الله تعالي، والذكر هو الممارسة الروحية الأولي عند المتصوفين: ويشير دانتي إلي تقنية مشابهة لها تماما في الفردوس النشيد الخامس والعشرون الأبيات من الثالث والسبعين وحتى الخامس والسبعين عندما أورد بيتا من المزمور التاسع (البيت الحادي عشر):

إنه يقول في مزموره فليؤمل
فيك العارفون اسمك:

ومن ذا الذي لا يعرفه إذا توفر له إيماني.
حتى نصل كما رأينا سابقا إلي التلاشي التام للأنا الفردية وإلي الحلول في الله، هذا الاتحاد الذي يتحدث عنه دانتي في الوليمة III,II 3:

"الحب... ليس إلا اتحادا روحيا بين الروح والشيء المحبوب، وفي هذا الاتحاد الذي له طابعه الخاص تجري الروح بسرعة أو ببطء حسبما إذا كانت حرة أو معطلة.

وأيضا في الكوميديا:
... لكي أنظر إلي ذلك الجوهر
الذي يري فيه كيف اتحدت طبيعتنا بالله. (27)
... وإذ لا يمكننا أن نتصور وجود كائن
قائم بذاته منفصل عن الموجود الأول (28)

وفي الفردوس النشيد الثالث والثلاثون الأبيات من 124132، المحملة بالإشارات الميتافيزيقية وبالتشابهات العديدة مع الميتافيزيقيا الإسلامية (29)، فإن الإشارة إلي إمكانية اتحاد الإنسان مع الله من الوضوح بحيث ربما مرت دون ملاحظة، وأولها المعلقون علي أنها خاصية تخص المسيح وحده:

أيها النور الأبدي الساكن إلي ذاتك وحدها
والذي تدرك ذاتك بذاتك وبكونك مدركا من ذاتك
ومدركا إياها فإنك تحب ذاتك وتبتسم!
وتلك الدائرة التي ارتسمت علي هذا النحو
وتبدو فيك كأنها نور منعكس
حينما تأملتها بعيني قليلا،
ظهرت لي في باطنها وبذات لونها
أنها علي مثال صورتنا البشرية المرسومة
وبذلك امتد بصري بكليته إليها.

عن هذه الحالة التي تلي ذروة التحقق الروحي يتحدث المعلم (الشيخ) ايكارت Eckhardt، وهو الميتافيزيقي الألماني العظيم الذي مات عام 1328، يتحدث بطريقة مشابهة جدا في مواعظه:
تصبح الروح واحدة مع الرب وليست متحدة. خذوا هذا التشبيه: لو ملأنا برميلا بالماء، فإن الماء يكون في البرميل المتحد معه، ولكنه ليس واحدا معه، حيث أن الخشب ليس ماء، والماء ليس خشبا. ولو ألقيتم بخشبة وسط الماء يتحد الخشب مع الماء ولكن لا يصبح واحدا معه. وهذا ليس مع الروح: فهي تصبح واحدة مع الرب، وليست متحدة معه، حيث أنه عندما يوجد الرب توجد الروح وحيث توجد الروح يوجد الرب.

بينما يصف دانتي التحول الذي تتعرض له الروح في عملية التحقق الروحي، في نهاية رحلته في الأنشودة الثالثة والثلاثين من الفردوس، بالصورة الرائعة للجليد الذي يذوب في الشمس ويحول حالته إلي سائل (وهي صورة سبق استخدامها في الفردوس الأنشودة الثانية البيت السادس بعد المائة)، في صورة ماء يضيع في البحر يتحرك فيه كله (30)، ونفس الصورة مستخدمة في القصيدة الرائعة للشيخ الجزائري أحمد العلوي، وهو شيخ إحدى الطرق الأكثر تطورا في العالم وهي الطريقة الشاذلية العلوية، والمتوفي في عام 1934 (31):

أيها الرجال الذين اختفوا في حضرة الله!
كأنها حبات ثلج ذابت لله لله (32)

عند هذه النقطة، إذا شئنا أن نبحث _ مع الجزء الأغلب من النقد الغربي _ بكل السبل عن تأثير مادي في التشابهات جميعها التي يمكن أن نصادفها في مختلف جوانب التراث الروحي، لابد أن نصل إلي نتيجة مؤداها أن هذا الشيخ الجزائري ربما عرف الكوميديا، وهو المستحيل بعينه (33)، إلي هذا يمكننا أن نقتبس عن تيتوس بورخارت Titus Burckhardt والذي يهتم فيما يهتم بالطريقة الروحية لذكر الرب المذكورة سابقا:
التماثل بين الذكر الإسلامي ويابا يوجا الهندية، و أيضا الطرق الساحرة للمسيحية الإيزيكاستية وأحد مذاهب البوذية يسمي الأميدية، ظاهر جدا، ولكن سوف يكون من الخطأ الشديد أن نعيد الذكر الإسلامي إلي أصل غير إسلامي، وذلك لأنه قبل كل شيء فإن هذه الفرضية لا ضرورة لها، ثم لأن الحقائق تكذبها، وأخيرا لأن الواقع الروحي الأساسي بمختلف أشكاله لا يمكن ألا يظهر داخل كل حضارة تراثية (34)
ومن ثم يكون معها أيضا الرموز المستخدمة من أبرز ممثليها.
وهناك جانب طريف أيضا نود الكشف عنه لخدمة أغراض هذا العرض، وهو أن المشاهد كثيرة، في الفردوس، والتي يتأمل فيها دانتي بعض الأرواح الطوباوية والتي تبدأ في الدوران حول نفسها علي شكل دوامة حتى تعرض حالتها الروحية المكثفة.

... رأيت نورا آخر ينطلق وهو يدور
وكانت البهجة له كالسوط للدوامة. (35)
.... حتى جعل ذلك النور من وسطه لنفسه محورا
ودار حول نفسه كحجر الرحي السريع. (36)
.... وتجمع الرفاق ثم اتجهوا صاعدين في حركة دوارة. (37)
... واتخذت هذه الأرواح السعيدة هيئة دوائر تدور علي أقطاب ثبتة. (38)
ونستطيع أن نلاحظ بالفعل في هذا الوصف تماثلا قويا مع تقنية روحية خاصة يستخدمها من يسمون المولوية أو الدراويش الدوارة وهي طريقة تأسست في كونيا بالأناضول في القرن الثالث عشر بواسطة جلال الدين الرومي وهو من أكبر مشايخ الطرق الصوفية في تاريخها ومعروف بشكل خاص بقصائده وبقصيدته النثرية الضخمة المثنوي (39) : وبالفعل فإن أعضاء الطريقة المولوية يؤدون رقصة مقدسة يدور كل مشارك فيها حول نفسه بطريقة الدوامة حسب طرق معينة وتحت رقابة ومتابعة أحد الشيوخ فيخلقون معا حركة تشبه حركة الكواكب، وهذه تدخل ضمن التفاصيل المثيرة التي يمكن أن نستنتجها من الفردوس أيضا في الأنشودة الرابعة والعشرين بعد أن نقرأ الوصف التالي:

وكما يدور ترسان في الساعة،
حتى أن من يتأملهما
يري أحدهما ساكنا علي حين يبدو الآخر طائرا
هكذا جعلتني هذه الحلقات
أقدر مستوي ما لها من غني
بتفاوت رقصها بين البطء والسرعة.

حيث المقارنة بين الأرواح التي تدور حول نفسها وتروس الساعة، فالأول وهو الأكبر يأخذ حركته مباشرة من محرك الساعة يبدو كأنه واقف بالنسبة للتروس الأخرى التي ينقل إليها الحركة والتي تزيد باطراد كلما خرجت إلي الخارج (40)، يمكن أن تجعلنا نفكر في حقيقة أن المنتمين للطريقة المولوية يقللون سرعة دورانهم شيئا فشيئا كلما تقدموا في درجات التحقق الروحي حتى _ من يصبح شيخ طريقة عندما يصل إلي ذروة هذا التحقق _ أي يتحول إلي الشخص الذي تنتقل الحركة من خلاله إلي الآخرين _ يصبح محركا ساكنا حقيقيا ملموسا، في وظيفته المرتبطة بالقطب الذي يدور حوله جميع المريدين علي المستوي الروحي.
وختاما من الهام أن نورد مقطعا من مواعظ القديس برناردو الذي يبدو كأنه يلخص من زاوية معينة بعض الموضوعات التي عرضنا لها في هذه الدراسة:

لقد تأكد علي هذا أنه بسبب الخطيئة الأولي، قبل ظهور المسيح كان الجميع قد هبط إلي الجحيم. ولكن بنفس الطريقة، وبصدق مماثل، يمكن أن نقول أنه سواء قبل ظهوره أو بعد فليس هناك إنسان لم يهبط إلي الجحيم قبل أن يصعد إلي السماء. والحقيقة أن هناك ثلاث صور من الجحيم. الأول هو جحيم الهلاك حيث توجد دودة لا تموت أبدا ونار لا تطفأ أبدا: في هذا الجحيم لا يوجد أي خلاص. والثاني هو جحيم الاستغفار المخصص للأرواح التي يجب أن تتطهر بعد الموت.
والثالث هو جحيم الابتلاء، أي الفقر الاختياري، والذي تتخلي فيه عن الدنيا فنصيب أرواحنا بالابتلاء حتى تستطيع أن تشفي، وهكذا لا تنتقل من الموت إلي الحساب ولكن من الموت إلي الحياة.. أما من لا يهتم أن يهبط هذا الجحيم وهو في هذه الحياة، فسوف ينزل بالتأكيد في أحد النوعين الآخرين فإما أن يجد خلاصا منه أو لا يجد أي خلاص علي الإطلاق. .

بستان أخبار الأدب