(الخالدية)
مدينة ليست فاضلة يمتزج فيها الواقع بالخيال

د. محمد الشحات

1

الخالديةبعد أن فرغت من قراءة رواية محمد البساطي الأخيرة القصيرة (الخالديٌة)، حدَّثتني نفسي الأمٌارة بالسوء عصمك الله من حديثها الذي يضيق به المرء ذَرْعا ويمتلئ منه رعبا¬ بأن ثمٌة مغايرة في أساليب التلقٌي وآليات التأويل سوف تطال لا محالة قرٌاء الرواية العربية القدماء، أولئك الذين اعتادوا ¬ولا يزالون يمارسون الإستراتيجية ذاتها¬ أن يرسموا لكل مبدعي طريقا أو مسارا لا يظنٌونه سوف يجاوزه. وإذا ما وجدوه قد حرث هنا أو وطأ أرضا غريبة هناك تَرَاهم يصادرون عليه بقولهم: له عالمه الذي لا (ولن) يعرف سواه ، متناسين ¬عن قصد أو دون قصد.. ربما! أن الإبداع قرين التجريب .
أما نفسي اللوٌامة ¬أعزٌك الله وعصمك من الحيرة والزَّلَل¬ فقد أسرَّت إليٌ بأن ثمٌة روحا غريبة علي كتابة البساطي كانت تحوٌم في الخفاء في غفلة مني بينما أقرأ هذه الرواية القصيرة المثيرة: روحا أوْحَتْ بها إليٌ في (الخالدية) منذ عنوانها التوراتي الأول والوحيد وكان مساء .. وكان صباح شخصيات كانت تخايلني كالطٌيف من بين ثنايا مشاهد الرواية العشرة وصفحاتها المائة والعشرين، واعتدت معها بعد طول عناء ومشاكسة ألا أقاوم، فتركت لها العَنان رهبة ورغبة.

2

لقد تحوَّل راوي البساطي في هذه الرواية¬ بالنسبة إليٌ وأنا واحد من قرَّائه القدماء وبالنسبة إلي جمهور القرٌاء ممٌن يعرفون ملامح كتابته جيٌدا، وتوقَّعوا منه حفرا في الدرب القصصي نفسه¬ من راوي محايد أو راوي كان يدٌعي الحياد في أغلب رواياته وأعماله السابقة، منذ روايته الأولي (التاجر والنقٌاش)، إلي راوي هجَّاء ساخر لاذع السخرية، متورٌِط تماما في التهكٌم من¬ بل والسعي إلي تقويض¬ تراتبية زائفة ينهض عليها من قديمي مجتمعنا المفكَّك والمفتَّت والعبثي إلي أقصي حدٌ، فراح يسلب هذا ويعطي ذاك. وكانت أداته في ذلك أن يلقي بنا في فضاء مدينة مختَرَعة (الخالدية) لم يخلقها سوي وطأة هذا العالم علي مخيٌلة الإنسان وذاكرته: هي مدينة الخيال/ مدينة الفانتازيا ذات الحكايات التي لا تنفد: ¬حكاية يونس رفيق سالم ونوسة جارته التي كانت تسكن أمام شقٌته القديمة. ¬حكاية إبراهيم العمري الشيوعي القديم من أهالي البلدة (أو البرٌ القديم) الذي رآه البعض وسط الجموع أثناء مظاهرات الجوع في العاصمة، وسبق اعتقاله مرٌتين، واسمه في قوائم المطلوب ضبطهم وحبسهم لدي المأمور الذي تصعقه مفاجأة موته منذ عشر سنوات وهو لا يزال يبحث عنه بين المقابر كما غرٌر به أهل البلدة كأنهم كانوا ينتقمون من صلفه. ¬حكاية المأمور و المرأة ذات الأظافر الملوٌنة زوجة أحد المتردٌدين علي المركز من أهل البلدة (برٌ المصائب). حكاية الحاج فوزي عن اللوحة والبنت التي وهبت للولد الرسٌام عذريتها واغتصبته. ¬حكاية البنت وأبيها المعلٌم الذي كان ينام معها كل ليلة بعد أن يرجع من سهرته وهو شارب يتخبٌطه الشيطان من المسٌ .
¬حكايات الستٌ نجوى التي تتبنٌي مبدأ فتح الزجاجة يكلٌف غاليا : إذ كانت تجمع¬ أو تربٌي علي حدٌ لغة الراوي¬ الفتيات والنساء / الكتاكيت من البرٌ القديم ثم تؤهٌلهم وتطلقهم في فضاء البرٌ الثاني حيث نهم أهل البرٌ الثاني من ذوي السلطة والنفوذ والمال.
¬حكاية الولد الذي راح يبحث عن أخته المفقودة، ولمٌا بلغ المركز وجَنَّ عليه الليل أخبره النوبتجي بإمكان المبيت في الحجز، فلما دخل أغلق عليه الباب و أتاه المحتَجزون و النوبتجي شهوة من دون النساء. ¬أما عن حكايات الراوي والمأمور فحدٌِث ولا حرج. فقد كانا مثل قطٌ وفأر. لكنٌ ما يدعو إلي التأمٌل والتحليل موقف الراوي الذي يصرٌ علي فضح المأمور دائما ويدلف إليه في فضاء الحكايات ويراقبه دون أن يراه ويتلصٌص عليه حتى مع زوجته، إلي درجة أن المأمور يشعر به أكثر من مرة ويراه ويهدٌده بالقتل، وينجح في نهاية الأمر في واحدة من صراعاتهما المنامية، لكن بعد أن يكون الراوي (سالم) قد فضحه لنا وعرٌاه أمامنا وكشف جميع تناقضاته وتردٌده الدائم ما بين رغبات الأنا ورغبات السلطة . لكن تظل أغرب حكايات هذا الراوي قاطبة¬ ولعله يمثل نزوعه الأيديولوجي إلي التضامن مع أهالي البرٌ القديم وما يقومون به لمواجهة قسوة الحياة التي استأثر بها سكٌان البرٌ الثاني¬ موقفه حين اصطحب رفيقه سالم وراحا يبحثان عن أبأس عائلة ليساعداها فدلٌه يونس علي واحدة تلو الأخرى، فكان يضع المظروف أمام أحد البيوت بعد أن يدقٌوا بابه أو يسقطه من بين أسياخ الشباك، إلي دَلٌه يونس علي الست سهام التي كانت تعمل في ملهي ليلي ثم ضاقت بها السبل بعد أن بلغت من الكِبَر عِتيٌا، والتي لم تستطع تحمٌل وقع المفاجأة عليها وراحت ضحية فرحة كان الزمن قد ضنَّ عليها بها كثيرا.

3

تؤكٌد هذه الرواية علي فكرة الخلق بأكثر من علامة نصيٌة دالٌة تراها هنا أو تتعثر بها هناك، فهي تبدأ بتلك الجملة التوراتية القديمة المتكرٌرة في سفر التكوين : وكان مساء وكان صباح ، وفي إشارة شديدة الحساسية والرهافة لمراحل خلق العالم كما يرسمها العهد القديم. فأول ما خلق الراوي/ الإنسان/ خليفة الله في الأرض ¬بعد أن مهٌد الأرض وبسطها علي لوح أبلكاش طوله متران وعرضه متر كان النهر الذي يقسم المدينة إلي شطرين (أو برٌين) مثل كل مدن الصعيد، ثم كان البشر، أهل الخالدية وسكٌانها، الذين صاغهم الراوي (سالم) من صلصال .

4

تقع مدينة الخالدية واسمها يتضمٌن معني الخلود ، والخلود يعني: القِدَم والبقاء علي ضفٌتي نهري كأنه النٌيل الذي يقسمها شطرين: الشطر الأول (أو البرٌ القديم) بضواحيه وبيوته المتواضعة، عليه غبار السنين الطويلة، هو منشأ المدينة الذي تطوٌرت معه فكرة المأوي من النوم في العراء إلي الكهوف ثم الأكواخ حتى وصلت إلي العمارات الشاهقة. والشطر الثاني (أو البرٌ الحديث) يسكنه رجال الأعمال وكبار التجٌار وأصحاب المناصب الكبيرة في السلطة ، ولا يخلو الأمر من بعض الشقق إياها ، فلا بأس من وجودها، و فيلا قديمة من دورين لونها أبيض هي مركز شرطة الخالدية من حيث هو تمثيل ل السلطة في وجهها العسكري الباطش، ومن حيث هو أيضا بؤرة أساسية لكثير من أحداث الرواية.

وبين شطري الخالدية القديم والحديث كوبري واسع ومضيئ يصل الضفٌتين ويمكن فتحه أيضا عند اللزوم، لا لمرور السفن الشراعية كما يقال او كما هو شائع: إذ يسمح ارتفاعه بمرور أي شراع، بل لعزل كل من الضفٌتين عن الأخرى وقت الاضطرابات أو الثٌورات حسبما يري ممثٌلو السلطة بمركز الشرطة وعلي رأسهم بالطبع المأمور الشخصية المركزية في الرواية، بوصفه الوجه الثاني بنزوعه الشرس القاسي قلبا وقالبا، الذي يقابل الراوي الوجه الأول، المركزي، بمعطفه الأثير الذي يشبه معطف جوجول بطريقة أو بأخرى، وبنزوعه الذي يرمي إلي إرساء العدالة علي أرض الخالدية، لكن مقاليد العالم تتسلٌل من بين أصابعه: قال إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا أتجعل فيها مَن يفسد فيها ويسفك الدماء.. . لقد انفلتت زمام الخالدية/ العالم من يده وخرجت عن إرادته إلي درجة أننا سوف نفاجأ في نهاية الرواية (ص: 120) أو: نهاية اللعبة بالمعني العبثي الذي صاغه بيكيت مرارا في كثير من نصوصه¬ بموت الراوي الأول (سالم) الذي ليس بسالمي أبدا من يد المأمور الباطشة وهو يصارعه في أحد مناماته الليلية اليومية، رغم محاولته مرارا قتل هذا المأمور أو التخلٌص منه بحيل شتٌي لا لشخصه الشرس القاسي سريع الغضب فحسب، بل لرمزيته أيضا وما يمثٌله من سلطة أيضا.

5

يحكي الرواية راويان: أحدهما هو الراوي الرئيسي الذي يحكي لنا بضمير الغائب عن شخصيته المحورية (سالم) مراجع الحسابات بمديرية الأمن الذي سعي سعيا حثيثا إلي المضيٌ مع اللعبة حتى النهاية. وكان من عادته في بيته أن يسحب مقعدا إلي السطح، ويجلس بركن السور. وفي كل مرة يتعكٌر مزاجه ينظر قليلا من مكانه المرتفع، لا يصفو تماما، ولكنه يكون قادرا علي التامٌل في هدوء (ص:94). ويختار سالم رجلا اسمه يونس : له اسم أحد الأنبياء وليس له سمتهم (ص: 11)، موظف صغير بأرشيف وزارة الإسكان، مرتٌبه لا يكفي وجبتين في اليوم من العيش والفول المدمس هو وأسرته اختاره ليشاركه رحلة تحقيق هذا الحلم المجنون أو اللعبة الجهنمية بخلق مدينة متخيَّلة لتحقيق حلم الثراء السريع، اختار سالم يونسَ (أو: اختار إله نبيٌا ليؤنسه من وحشة وليستكثر به من قلٌة ). اصطفاه ليكون مندوب الصرف الخاص بمركز شرطة الخالدية. ولسوف يأخذ يونس الشيك الذي يحرٌره له سالم بعد تداوله في مكاتب عدٌة يعرفها جيدا بحكم خبرته العريضة حتى يتمٌ استخراجه بقيمة خمسة وعشرين ألفا ومائتين وأربعة وثلاثين جنيها كل شهر ليصرفه بعد ذلك من البنك ويحصل علي راتب قدره خمسمائة جنيه.

أما الراوي الثاني فهو سالم نفسه الذي يتحدٌث بضمير المخاطب دائما موجٌها كلامه إلي المأمور منذ المشهد الخامس (ص: 29 ) حتى نهاية الرواية (ص:120). نحن بصدد لعبة نمضي¬ أو نتوٌحد، أو نتماهى¬ فيها في كل فصل مع سالم وهو راقد علي فراشه بعد أن يكون قد أطفأ نور غرفته المنعزلة التي هي غرفة تخصٌ المرء وحده بالكاد. يضيئ سالم الماكيت/ العالم (أو: يكوٌِر شمس الغرفة، ويشعل أجواز السماء ذات البروج )، ويروح يسرح بمخيلته وبنا، فيتداخل زمان/مكان الراوي الآن وهنا وزمان/ مكان عالم الخالدية: أي أننا ندلف من متخيٌل إلي متخيٌل أعمق، مثلما يتوالد السرد في ألف ليلة وليلة . ولا يقطع هذا السرد إلا لحظات ما بين المشاهد التي يتأمٌل فيها سالم الماكيت (الدٌنيا) قبل اندماجه أو لقاءاته مع يونس بالمقهى أو استيقاظه من منامه مع تباشير كل صباح حين يجد نفسه في الحمٌام مبتلا عن آخره أو وهو ينزف بعد أن تكون أنفه قد ارتطمت بالحائط، أو استيقاظنا نحن أيضا من غفوتنا (أو: موتتنا الصغرى) علي صراخه الذي يوقظ أهل الحيٌ الذي يسكن فيه بعد أن يكون قد اندمج مع شخصياته وأصبح واحدا من بينهم وراحوا يتصارعون (ص: 93(

6

لا تخلو الرواية من بعض الإشارات إلي زمن مرجع يحيل بعضه إلي حقبة ما، لا تتجاوز السبعينيات بطريقة أو بأخرى، كالحديث عن مظاهرات الجوع في العاصمة ، ومحاولات التخلٌص من المتظاهرين بفتح الكوبري أثناء عبورهم فوقه، أو قول المأمور لمعاون المباحث ذلك القول المشهور علي لسان أحد المسئولين السابقين بعد أن ضاقت به السبل مع أهل البرٌ القديم الذين كانوا يتوارثون الغضب جيلا بعد جيل: ولِمَ لا تشعل فيها النار، ويمكن تدبير ذلك ، وغير ذلك من إشارات لا تخفي. لكنها الطريقة ذاتها التي كان البساطي يتعامل بها من قبل في رواياته السابقة مع زمن المرجع حين يلمٌح ولا يصرٌح. هكذا، جمعت الخالدية الفاضلة/ اللافاضلة بين متناقضات: المأوي/ الطٌرد، الثورة/الخيانة، الحداثة/ التخلٌف، المعقول/ اللامعقول (أو العبث). أما حكاية الخالدية فهي حكاية نهض بها راوي متورٌط (كما قلت في البداية)، ساخر، هجٌاء إلي أقصي درجات الهجاء والسخرية، دفع حياته ثمنا لمحض لعبة لم يتوقٌع نهايتها. وأنٌي له أن يعرف؟

أخبار الأدب- البستان