سميزدين محمدينوفيتشسميزدين محمدينوفيتش شاعر بوسني معاصر ولد بالقرب من مدينة توزلا بالبوسنة في العام 1960، ويعيش حاليا بمدينة الإسكندرية بولاية فرجينيا بالقرب من عاصمة الإمبراطورية الأمريكية واشنطن.

هذه المختارات المترجمة هنا منتقاة من ديواني "أغاني سراييفو الحزينة" و"الإسكندريات التسع".تعكس القصائد في الديوانين جغرافيا انتقال الشاعر من قارة لأخرى، من مدينة علي وشك التلاشي بفعل عدوان خارجي، لمدينة تمثل مركز إمبراطورية توطد أركانها سواء عن طريق العدوان المباشر (العراق، أفغانستان الخ) أو بتكوين علاقات "خاصة" مع الطبقات الحاكمة (الأمثلة أكثر من أن يتسع لها المجال هنا). ومن ناحية أخري يقدم الديونان لحظتين تاريخيتين يجمعهما الكثير من التشابه. اللحظة الاولى هي لحظة الحصار التي يقدمها سميزدين في ديوان "أغاني سراييفو الحزينة". يقدم الديوان الحياة بمدينة تحت الحصار وثمة رغبة في التسجيل تسود الديوان وتحدد لحد كبير محتواه. هذه الرغبة في تقديم شهادة علي اليومي والمعاش تحت خطر مستمر تبدو واضحة فيما استخدمه الشاعر من خصائص أسلوبية. نجده يستخدم التقرير المباشر: فقرات أقرب للريبوتاج الصحفي، قطع نثرية، قصائد نثر، بالإضافة الى الشعر بشكله المعتاد. اللحظة الثانية هي لحظة ربما اشد ألما من لحظة الحصار. هي لحظة شاعر المدينة ومغني حزن حصارها في منفاه الاختياري. في "الاسكندريات التسع" يسجل الشاعر رحلة قام بها بالقطار عبر الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر مباشرة. في "الاسكندريات التسع" ثمة صمت يبدو مقصودا فيما يخص الأحداث السياسية التي كانت تتصاعد والتي ستؤدي في النهاية للغزو الأمريكي لأفغانستان. هذا الصمت تقطعه إشارات موجزة، ربما تبدو عفوية، لكن تكرارها ووضع الديوان في سياقه التاريخي يجعل من هذه الإشارات تعليقا من نوع ما علي الهجوم الرسمي الأمريكي علي ما تم تصويره كحضارة تتعارض تماما مع اسماه بوش "الأدنى" (العبارة للكاتبة الهندية أورندوت روي) "أسلوب الحياة الأمريكية". هذه الحدود الصارمة التي تم تخيلها (أو بشكل أدق استدعائها) هي علي حد تعبير سميزدين "حدود زائفة". هذه الصرامة المتخيلة تنهار تماما عند أي تحليل متزن، بل بأقل تذكير بحقائق الأمور، من قبيل ان يذكر سميزدين القارئ ان جلال الدين الرومي ذا الشعبية الكبيرة بين قراء الشعر الأمريكيين "هو شاعر مولود بأفغانستان" (قصيدة "صوفية"). الديوانان إذن يمثلان لحظتان تاريختان مختلفتان لكن يجمعهما مقاومة هوس النقاء الثقافي الملازم للفكر القومي (الصربي ثم الأمريكي). وهما _ قبل ذلك _شهادة حب لمدينة تحت الحصار وكتابة لعذابات هجرها الذي يبدو كما لو كان ارتحالا حتميا.

***

في حوار خاص ل'أخبار الأدب'

مغني حزن سراييفو من منفاه الاختياري:
جيلي خسر الحرب!

حوار: وائل عشري

ينحدر سيميزدين من عائلة من عمال المناجم: عمل أبوه في منجم للفحم بينما عمل جده في منجم للملح. درس الأدب المقارن وعلم المكتبات بجامعة سراييفو وتخرج عام 1983 في وقت كانت فيه الجمهورية اليوغسلافية قد بدأت تدخل فيه مرحلة الأزمات. تعرض سيميزدين لمشاكل عدة مع السلطات التي ضيقت عليه في العمل وفي فرص النشر لكنه تمكن من نشر ديوانه الأول في عام 1984 الذي تم اختياره كأفضل ديوان في البوسنة في عامي 19831984. بعد ذلك عمل كمحرر وكاتب بعدة مجلات وجرائد أدبية، من ضمنها "شبح الحرية" التي أسسها وأصدرها بالتعاون مع عدد من أصدقائه وهدفت المجلة لتشجيع الكتٌاب صغار السن الغير معروفين.

مع بداية حرب البوسنة عام 1992 نشر ديوانه الثاني "المهاجر" وبقي في سراييفو المحاصرة مع أسرته طيلة الحرب. في نفس العام نشر النسخة الأولي من ديوان "أغاني سراييفو الحزينة" وبالتعاون مع عدد من المثقفين أسس مجلة "داني" (الأيام) في محاولة لتشجيع روح التعددية وقبول الأخر في وقت غلبة روح الإبادة الجماعية المنظمة التي اعتمدتها القوات الصربية. استمر صدور "الأيام" في ظروف غاية في الصعوبة: مدينة تحت حصار شامل، بدون إمدادات كافية من الطعام أو الماء أو الكهرباء أو مستلزمات الطباعة، مدينة مكشوفة علي مدار الساعة لتهديد القوات الصربية. من منفاه الأمريكي لازال سيميزدين يساهم في تحرير "الأيام".

في عام 1993 كتب سيميزدين وساهم في إخراج فيلم "سأرتحل" بكاميرا واحدة وتحت ظروف عمل متقشفة وقاسية: تم عمل مونتاج الفيلم _ مثلا _ داخل غرفة بدون تدفئة في درجة حرارة تحت الصفر. حصل "سأرتحل" علي جائزة من مهرجان برلين السينمائي لعام 1994، وتم الاحتفاء به في مهرجان سينما البحر المتوسط بإيطاليا في عام 1995.

في أكتوبر 1995 انتقل لزغرب حيث نشر نسخة جديدة من "أغاني سراييفو الحزينة" ووصل للولايات المتحدة كلاجئ سياسي في عام 1996. وفي عام 1998 صدرت الترجمة الإنجليزية لأغاني سراييفو الحزينة عن دار نشر سيتي لايتس الشهيرة بسان فرانسسيسكو.
في عام 2001 نشر سيميزدين ديوانه الرابع "الإسكندريات التسع" في زغرب بكرواتيا. وصدرت الترجمة الإنجليزية في خريف 2003 عن نفس دار النشر الأمريكية.

هذا الحوار تم خصيصا لأخبار الأدب عبر عدة لقاءات مباشرة وتم استكماله عن طريق البريد الإلكتروني..... وكانت البداية عن ظروف نشأته... فأجاب:
ولدت لعائلة من عمال المناجم. كان أبي عاملا في منجم وكذلك كان جدي وكل ذكور العائلة. في المراحل المبكرة من طفولتي لم أفكر في أنني سأكون كاتبا. وعلي عكس ما يحدث عادة حين تسال طفلا في السابعة عن ما يريد أن يكونه حين يكبر فيكون الرد أنه يريد أن يصير طيارا أو طبيبا أو رئيسا للجمهورية أو نجما سينمائيا، كانت إجابتي علي ذلك السؤال الغبي الذي يسأله البالغون: "حين أكبر سأكون عاملا في منجم."

.وكيف بدأ اهتمامك بالكتابة إذن؟

عن طريق التلفزيون ففي نهاية الستينات دخل التليفزيون بيتنا. وكطفل في الثامنة فقد سحرتني تلك المسرحيات التي كان يعرضها. وكانت تلك هي تجربتي الأولي مع الحزن، تلك التجربة التي ستكون مصدر الهام لي فيما بعد.

ماذا تعني ؟

أغلب هذه المسرحيات كانت مدتها ساعة واحدة وتتناول حياة شخص معين، منذ الصغر، حياة مليئة بالاحتمالات الجيدة لكنها تنتهي بموت فعلي أو معنوي. هذا الضغط الزمني الرهيب لحياة كاملة، وتلك النهايات المأساوية أظهرت لي، بشكل حي، ما تعنيه الحياة وهذه المعرفة وأنا طفل في الثامنة جعلتني حزينا. الصلة بين محتوي المسرحية ورد فعلي العاطفي علي هذا المحتوي هو ما اسميه تجربة الحزن. لقد طرحت تلك التجربة علي أسئلة عن الحياة ومنذ ذلك الوقت بدأت اطرح هذه الأسئلة علي نفسي، وهذا هو ما حولني من عامل منجم مستقبلي لكاتب ...

.وماذا عن الخلفية اللغوية والثقافية التي نشأت فيها؟

نشأت في أحضان اللغة البوسنية، وهي لغة منفتحة تماما علي عدد كبير من اللغات، تستعير مفردات من اللاتينية والتركية والفارسية والألمانية والفرنسية، وفي شبابي، الإنجليزية. وبسبب هذا شغلني التفاعل بين الثقافات لمدة طويلة، وجذبتني فكرة جوته عن "الأدب العالمي" في فترة مبكرة جدا من شبابي، ربما في المرحلة الثانوية. ومن المؤكد أن العزلة التي سادت في حقبة الحكم الاشتراكي في يوغوسلافيا السابقة كانت سببا رئيسيا وراء هذا الانجذاب.

هل ثمة حركات أدبية معينة جذبت اهتمامك؟

أثناء سنوات الدراسة شعرت بميل كبير تجاه شعراء الجيل الضائع الأمريكيين، جزئيا بسبب شعرهم المتمرد، وجزئيا بسبب دعمهم لفكرة جوته، رغم انهم لم يعلنوا هذا صراحة أبدا، لكن كان ذلك متواجدا في ثنايا كتاباتهم، وفي احتفائهم بكل الثقافات، واعتبارهم أن الكوكب بأكمله هو وطنهم. ومع ذلك فلم ألاحظ إلا بعد مجيئي للولايات المتحدة أن اهتمامي بالأدب والأفلام والموسيقي الأمريكية جاء تأثرا بأعمال الفنانين وكتاب السبعينيات الألمان وخاصة المخرج فيم فيندرز وكتاب ما يسمي ب "السنتمنتالية الجديدة" الذين كانوا متأثرين بالكتاب الأمريكيين. تروقني هذا الطرق غير المباشرة التي تنتقل بها الأفكار والتي تشبه الأوعية المتجاورة حيث تنعكس التأثيرات عبر لغات مختلفة وتتواجد أفكار متشابهة في سياقات ثقافية مختلفة. يروقني ذلك لأنه يمثل، بالنسبة لي، نوعا هاما من الحرية.

علي ذكر الحرية، كيف كانت حياتك ككاتب في يوغوسلافيا السابقة؟

أتذكر أنه حين نشرت مجموعتي الشعرية الأولي أقترب مني أستاذي في الشارع وقال محذرا: "عمل جيد. لكن يجب أن تعرف أن كل كلمة في هذا الكتاب سوف تستخدم كدليل إدانة ضدك في يوم من الأيام." اعتقد أن ما قاله أستاذي يبين نوع العلاقة التي كانت سائدة بين الكاتب والدولة أثناء الحكم الشيوعي الذي عشت تحته ثلاثين عاما. في هذه العلاقة كانت أبواب السجن مفتوحة علي مصراعيها أمام الشاعر.ولكن لحسن حظي لم أمر عبر هذا الباب، لم يتم سجني أبدا غير أن هذه العلاقة مع الدولة جعلتني أنظر لفعل الكتابة كعمل يزعج السائد.

وكيف أثر ذلك على جماليات قصيدتك؟

ربما بسبب وجودي في مجتمع تتواجد فيه الأيديولوجية في كل شئ، انظر للقصيدة كطريقة للتعبير عن أفكار وليس مشاعر (علي عكس الطريقة التقليدية لاستقبال الشعر). فالأيديولوجية لا يمكن مقاومتها بالمشاعر، لا يمكن معارضتها سوي بالفكر فقط. وللتعبير عن فكرة معينة أحاول أن امزج في شعري بين كل ما يمكن من خلاله التعبير عن فكرة ما: استخدم الحوار، لغة التغطية الصحافية، مستندات من أي نوع، صور .. إلي آخره.
ومع ذلك فأنني اشعر أن التعبير الواضح عن الأفكار في الشعر يمثل تحديا من نوع ما لي، تحديا يؤدي بالضرورة إلي إزعاج السائد والمستقر.

أود أن أعود لموضوع المؤثرات المختلفة التي تأثرت بها، هل ثمة مصادر أخري؟

تعلمت من رمزية إزرا باوند، كما تعلمت أيضا من بعض الأشكال الشرقية، من الأدب الصوفي أكثر من الهايكو الياباني. وفي الأمثلة الثلاثة التي ذكرتها يمثل التصوف المحور. وعندما يقوم الشاعر بوصف الصور بدقة من منظور عالم خارجي، عبر لغة الشعر، فما يفعله هو، في الحقيقة، إيقاظ روح الشكل الذي يستخدمه.

هل هذا هو ما تحاول فعله في شعرك؟

نعم فأنا اعتبر كتاباتي محاولة لربط السياسي والميتافيزيقي بطريقة طبيعية علي نحو ما. أنا علي يقين أن هذا الربط ممكن. الدليل الماثل أمامي كدليل علي أن السياسي والصوفي يمكن أن يتعايشا على نحو متناغم في القصيدة هو محمود درويش.

منذ قليل قلت أن الشعر يمكن أن "يزعج" السائد، ماذا تقصد؟

حين انهزمت الشيوعية في يوغوسلافيا السابقة أتي القوميون للسلطة وهو ما انتهي علي نحو ما نعرف بسلسلة من الحروب. وتعتبر كلا من الشيوعية والقومية أيديولوجيتين مختلفتين تماما في الطريقة التي تنظران بها للزمن. فالشيوعية توجد في المستقبل، تبشر بأن كل ما هو جيد ينتظرنا هناك في المستقبل بينما الفكر القومي يرتكز علي الماضي، فيتم استخدام أحداث من الماضي لبيان الأهمية والمجد القوميين. بناء علي تجربتي مع كل من الأيديولوجيتين، اعرف أن كل الأيديولوجيات تحاول قدر إمكانها أن تبعد الجماهير عن اللحظة الراهنة، أي عن الواقع. اعتقد أن المجابهة الحقيقة تكمن في الكتابة من ثنايا اللحظة الراهنة، وفي التمركز في الواقع. وشخصيا، اعتقد أني انتمي لنوع من الكتاب يبدعون أفضل عبر انتمائهم للآني. اشعر أني أكون في أفضل حالاتي حين أصف شيئا حدث للتو أو حتى في أعقاب تطور حدث كان في طور التكوين.

بما انك ذكرت "اللحظة الراهنة"، كيف يمكن برأيك أن يواجه الشعراء الوضع السياسي الراهن الذي يجتاح العالم؟

أعرف يقينا أن الشعراء يواجهون الآن مهمة علي قدر كبير من الأهمية: تطوير شكل يمكن أن يمثل ردا جادا علي الواقع السياسي والأيديولوجي المستجد. ورغم انه ليس لدي إجابة جاهزة عن الكيفية التي من الممكن أن يحدث بها ذلك، أتوقع أن تأخذ القصائد شكلا فلسفيا أكثر منه شعريا بالمعني التقليدي للكلمة، وهو ما يعني بالأساس انه سيكون علي الشعراء أن يولوا التعبير عن أفكار نابعة من الحياة اليومية اهتماما اكبر.

وكيف يمكن أن يحدث ذلك؟

يتعين علي الشعر أن يستعير أدوات من أشكال فنية وأدبية أخري، واعتقد انه سيضطر لاستخدام بعض عناصر المقال وهو في رأيي، شكل أدبي ينطوي علي إمكانيات لا حدود لها. هذه هي قناعاتي، التي ربما تكون غير صحيحة غير أني أجدني ملزما أن أعترف انه ليس لدي سوي قناعاتي كي ارتكز عليها.

اشعر أن لديك قدر كبير من الثقة في الدور الذي يمكن أن يلعبه الشعر في العالم؟

لا أستطيع أن أقول هذا فأنا اشك كثيرا في تأثير الشعر علي العالم اليوم. لكن رغم ذلك اعتقد أنه يمكن للشعر والأدب عموما أن يكونا مزعجين للوضع الراهن ذلك لأن الشعراء أنفسهم يمكن أن يكونوا مزعجين. مؤخرا رفض الشاعر بنيامين زيفانيا لقبا من ملكة بريطانيا لأنه يعارض السياسة الإمبريالية لبريطانيا العظمي التي تمثلها الملكة. أنا اعتبر هذا عملا أخلاقيا. وما يقرر الفرد أن يكتب عنه والطريقة التي يفعل بها ذلك هي بالنسبة لي عمل أخلاقي. وما ألاحظه أنه في كل الثقافات ثمة ميل أيديولوجي (تختلف طبيعته باختلاف السلطة) نحو تهميش ما يسمي "الشعر السياسي"، كما لو أن السياسية لا تصلح موضوعا للشعر والأدب، أو كما لو كانت حكرا علي الطبقة الحاكمة، وكأنها لا تمس حياتنا. رأيت نفس الشيء هنا في الولايات المتحدة تجاه من يسمون "الشعراء السياسيين" حيث يوجد افتراض بأن الشاعر الذي يتناول مواضيع سياسية أقل شاعرية من غيره . في النهاية، إذن، تبقي حقيقة أنه إذا كانت كل الحكومات تخشي ارتباط الشعر بالسياسة فلابد من سبب وجيه لذلك!
متى انتقلت لسراييفو؟

في العام 1979 كي أدرس بجامعتها. هناك درست الأدب المقارن وعلم المكتبات. اذكر أنني قضيت ليلتي الأولي بسراييفو في عليفاكوفيتش، وهو حي يقع بشرق سراييفو ...

حيث المقابر التي ذكرتها في بعض قصائدك؟

نعم. هناك توجد مقابر الأدباء والمفكرين. كان لدي صاحب البيت الذي سكنت فيه مجموعة كبيرة من الحمام وكان يريني إياها. كان بيته علي قمة تل ومنه تبدو المدينة جميلة. وبينما كان يريني طيوره كنت أراقب جسرا يتم بنائه علي بعد كبير. كان الحمام يرف حولنا وفجأة انهار الجسر. رأيت ذلك الدمار الصامت: عمال يهون، كنمل صغير بسبب بعد المسافة. ظلت تلك الصورة، صورة أناس يموتون في صمت، تلح علي كثيرا بعد ذلك كوصف دقيق لما سيحدث أثناء الحرب. كنت أفكر أن قاتلينا لابد بإمكانهم أن يروا نفس الصورة من مواقعهم فوق التلال.

هل شاركت في أي نشاط سياسي أو أدبي قبل الحرب؟

قبل الحرب، بآرائي السياسية والجمالية والأدبية، كنت خارج سياق مؤسسات الدولة الرسمية. كان ذلك يعني أن السلطات الشيوعية ما كانت تسمح لي أن أجد عملا أعول من خلاله أسرتي. استمر ذلك تسع سنوات قبل أن تبدأ الحرب. ومع ذلك فقد حاولت أن أقوم مع أصدقائي بنشاط خارج إطار تلك المؤسسات: تحرير مجلات ( عادة ما كان يتم التضييق عليها من قبل الرقابة)، الكتابة، تنظيم عروض. لم يكن ذلك تيارا أدبيا بقدر ما كان محاولة للتعبير عن القدرات الإبداعية لجيلي الذي رفض تمثل النماذج التي كانت المؤسسات الرسمية تقدمها. في بداية التسعينات بدأت في إصدار مجلتي الثقافية التي أسميتها "شبح الحرية". ثم توقفت بعد الحرب. لكنني عاودت إصدارها هذا الصيف مع مجموعة من الأصدقاء، وحررت ملفا عن أمريكا والعراق نشرت ضمنه، علي سبيل المثال، قصيدة (أمريكا، أمريكا) لسعدي يوسف التي قامت زوجتي بترجمتها من الانجليزية.

أعود لسراييفو، كيف تصف المدينة وعلاقتك بها قبل وأثناء الحصار؟

في الثمانينات، قبل الحرب، كانت سراييفو مركزا ثقافيا علي قدر كبير من الحيوية. أنا اعتبر تلك السنوات العشر علاقة غرام أقمتها مع المدينة. كان النظام قد بدأ يصيبه الوهن، ومؤسسات الدولة الجامدة كان قد تم تهميشها عبر أنشطة تمت في سياق ثقافة بديلة. وكان قد ظهر فجأة جيل جديد بدأ يخرج أفلاما ويكتب ويرسم وينظم العروض المسرحية. لكل هذا كانت سراييفو مكانا مثيرا تماما بالنسبة لي. ولهذا كثيرا ما كنت اسمع، أثناء الأزمة، أشخاصا يقولون : لقد هاجمتنا بلجراد كي توقف الانفجار الثقافي الحاصل بسراييفو. وبالطبع هذا ليس صحيحا _ فقد بدأ العدوان _ كأي حرب أخري، بما فيها الحرب الأخيرة علي العراق _ لأن جماعة بشرية معينة تبغي سلب حقوق جماعة أخري . ورغم ذلك فمازلت مستعدا أن أقبل وجود ظل من الحقيقة في هذه المقولة. المهم، لقد تعمق حبي لسراييفو أثناء الحصار، كان الأمر مشابها لشخص يري آخر جريحا فيستشعر بالحاجة لأن يواسيه أو يحتضنه، هذا هو ما شعرت به نحو المدينة وقت الحصار.

وبعد الحرب؟

بعد انتهاء الحرب ساد نوع من الفتور، ربما إرهاق طبيعي تخلف عن الحرب.

وماذا عن سؤال العودة؟

تسألني هل سأعود! في الحقيقة لا أعرف. نحن نعتقد أننا نتخذ القرارات التي تحدد مسارات حياتنا لكن الحقيقة هي أن الحياة تسير وما من تأثير كبير لنا عليها. حين أتيت هنا، سالت نفسي: كيف انتهيت هنا؟ ما الذي أفعله هنا؟

كما تري ليس لدي إجابة علي سؤالك: ربما أعود غدا وربما لا أعود أبدا ...
ماذا عن ظروف كتابة "أغاني سراييفو الحزينة" ؟

كانت سراييفو، كما تعرف، تحت الحصار من 1992 حتى 1995 حين كتبت قصائد ذلك الديوان. كان مقاتلو الصرب ينتهكون ويهينون ويقتلون المدنيين بشكل منهجي وبأي طريقة ممكنة. لم تكن هذه حربا، وبالأخص لم تكن حربا أهلية كما يريد البعض أن يصورها. لقد كان موقفا أقرب ما يكون لما نراه في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: جيش مدجج تماما بالسلاح يصب جبروته علي المدنيين الذي لا يسعهم إلا أن يدافعوا عن أنفسهم بأي طريقة يعرفونها. وقتها بدأت أشعر برغبة داخلية شديدة في أن أتحول إلي "شاهد" علي ما يحدث.

لكن من كان القارئ الذي تخيلته بينما كنت تكتب "شهادتك"؟

في البداية كنت أتوجه بكتابتي لقارئ"خارجي" ربما نبع ذلك من رغبة في أن أجعل صوت الواقع الذي كنا نعيشه وسط الحصار يصل لضمير ذلك القارئ النائم. لكنني سريعا، وبسبب ما شعرت به من خيبة أمل، تخليت عن ذلك وبدأت أتوجه للمحاصرين داخل المدينة المحاصرة. كانت تلك تجربة في غاية الإغراء بالنسبة لأي كاتب، فلم يحدث أن شهدت من قبل ذلك أو بعده كل تلك الحاجة الجماعية للقراءة : كان الناس يقرءون بحماس شديد، ربما بسبب

ما شعروا به من احتياج لتفسير ذلك الواقع "الغرائبي" الذي كانوا يعيشونه.
كيف يمكن أن تصف بعيدا كما أنت الآن في المكان والزمان ذلك "الواقع الغرائبي" في مدينة تحت الحصار؟

كانت صورة مفزعة جدا لهذا العالم الذي نعيش فيه. يمكنني الآن من البعد الزمني أن أري كل ذلك الرعب بوضوح. خلال الحرب، بعد الحياة ثلاث سنوات ونصف تحت تلك الظروف، أصبحت معتادا علي الوضع لدرجة أني لم اعد استشعر غرابته. سأصف لك كيف كان الحصار بإيجاز: سراييفو مدينة صغيرة تقع بين الجبال وحين تم حصار المدينة أصبحت مكشوفة تماما أمام المعتدين الذين تمركزوا فوق التلال والجبال التي تحيط بالمدينة. لم يكن هناك مياه للشرب وكانت مصادر المياه المتوفرة للمدينة بأكملها شحيحة جدا. كان الصرب يقتلون الناس بينما يحاولون الحصول علي القليل الذي يمكن أن يجدوه من مياه الشرب. أحيانا كانوا يصوبوه قذائفهم علي خزانات المياه، فقط كي يستمتعوا بوقتهم، ربما! وكان يحدث أحيانا انه بينما الناس في الشارع منتظرين قدوم شاحنات الماء في فصل الشتاء يعذبهم الجوع والبرد، كان يحدث أن يقذف مقاتلو الصرب من فوق التلال صاروخا (إن خطر لهم أن يفعلوا ذلك أو إن لم يجدوا شيئا آخر يفعلونه) فيقتلون العديد من الأشخاص في التو. من المعروف أن نصف مليون صاروخ سقط علي المدينة خلال الحصار الذي دام ثلاث سنوات ونصف. دعني أذكرك هنا أننا نتكلم عن مساحة من الأرض هي تقريبا 12 كيلو متر كيلو متر واحد.
حين أعيد التفكير في الأمر من علي بعدي، يملئني الرعب من كم الخطر والمهانة التي كنت أعيش فيها. منذ فترة قصيرة تم إدانة الرجل الذي قاد حصار سراييفو وحجكم عليه بالسجن عشرين عاما. عشرون عاما فقط جزاء قتله 12000 وإصابة واحد من بين كل أربعة من سكان المدينة!

في حوار سابق قرأته قلت أن جيلك خسر الحرب. ماذا عنيت بذلك؟

هذا في الحقيقة جزء من سؤالك عن العودة! نعم لقد خسر جيلي الحرب. بداية لم يكن جيلي مسئولا عنها، وإن تم استشارتنا ما كانت لتندلع. حاربنا خلال الحرب من أجل البقاء علي قيد الحياة ومن اجل الحفاظ علي كرامتنا الشخصية والجمعية. وعندما انتهت الحرب شغل مناصب الدولة نفس الأشخاص الذين حاولوا بشكل منهجي خلال ثلاث أعوام ونصف تدمير البوسنة والهرسك. علي سبيل المثال أصبح مومشيلو كراجنسيك، وهو أحد أبرز منظري ومنفذي العدوان علي البوسنة، عضوا في مجلس الرئاسة الثلاثية. ولحسن الحظ هو مقبوض عليه الآن من قبل محكمة العدل الدولية وسيتم محاكمته علي جرائمه. أحد الأشخاص المسئولين عن ذبح العديد من المسلمين بمدينة فوكا بشرق البوسنة تم تعينه عضوا في اللجنة الحكومية لحقوق الإنسان. شخص آخر قال علي الهواء في نشرة الأخبار بتلفزيون البوسنة انه سيمطر المدينة بالقنابل حالا أصبح سفير البوسنة في جنيف. أما من فتح معسكرات اعتقال للبوسنياك (البوسنياك هو اسم مجموعتنا العرقية، أما "مسلمو البوسنة" فكلمة من اختراع الأجانب) فقد أصبح وزير الخارجية. لكل هذا مازلت اعتقد أننا خسرنا الحرب.

هل تعني أن هذا هو السبب الذي جعلك تغادر المدينة؟

إلي حد بعيد. فما حدث هو أنه تم فرض وقبول نظام سياسي هجين. لم يكن بإمكاني أن أراقب الوضع من حولي حيث أناس يشاركون في سقوطهم ودمارهم. لكن بالإضافة لذلك السبب السياسي كان هناك ذلك الشعور بالإنهاك من العيش تحت جو معسكرات الحرب. لم يعد لدي أي قدرة علي الإنتاج، ربما لأن الأمور انتهت إلي الانغلاق في دائرة صغيرة من المثقفين لم يعد من الممكن الإفلات منها. بدأ الناس يتجنبون العمل المشترك، حتى هؤلاء الذين كانوا يتعاونون زمن الحصار. اعتقد أن السبب في ذلك يعود للإنهاك الذي أصاب الناس جراء الصراع المشترك من اجل البقاء علي قيد الحياة. كانت ثمة حاجة ملحة لاستعادة بعض الاستقلالية.

وماذا عن ظروف كتابة "الإسكندريات التسع"؟

كتبتها بعد 11 سبتمبر 2001. كنت مسافرا بالقطار من الساحل الشرقي للولايات المتحدة للساحل الغربي (من 18 إلي 28 سبتمبر 2001) وكنت أكتب ملاحظاتي عما يحدث طوال الطريق بنية أن أنشرها كقطع نثرية صغيرة. لكن بينما بدأت اشعر أن الرحلة كانت مرهقة تماما تحول ما كتبت إلي قصيدة طويلة.

هل هناك ما يجمع بين الديوانين؟

بالطبع الظروف التي كتبت فيها الديوانين مختلفة لكن الكتابة تمت في أثناء أحداث تاريخية تميزها محورية التمييز ضد أفراد بعينهم بسبب اختلافهم. إنه نوع من إشكالية الهوية التي أعيشها باستمرار، وهي نفس الإشكالية التي عاشها أبي، ثم أنا من بعده وها أنا أورثها لابني. في نهاية الحرب رأيته يتصفح أطلس الخرائط مركزا اهتمامه علي المناطق القاحلة بشمال أوروبا. قال أنه يود أن يعيش هناك، وعندما سألته عن السبب قال "لأنه لا يوجد بشر هناك."

كيف يتشابه الموقف الآن مع سراييفو أثناء الحصار؟

بعد 11 سبتمبر، يكرر الموقف الذي خبرته بسراييفو نفسه، وأجد نفسي علي وشك اليأس. لقد كتبت "أغاني سراييفو الحزينة" تدفعني رغبة داخلية وإيمان ساذج بأنه لو كتب الواحد مفسرا ما يحدث، سيساعد ذلك علي تقليل إمكانية تكرار نفس الموقف. أما "الإسكندريات التسع" فقد كتبته بتسليم مبعثه ما أدركته من أن كل الإشكاليات التي فتحتها قضية البوسنة (رسم حدود قاطعة _ وبالتالي زائفة _ بين الثقافات والديانات المختلفة)، تكتسب أرضيات جديدة، وتصبح ذات بعد عالمي وتفرض وجودها علي نطاق واسع بشكل مخيف.

****

مختارات

جثة

تمهلنا عند الجسر
كي نري الكلاب تمزق
جثة أشلاء بجوار النهر
ثم مضينا

لم يتغير شئ فيٌ

سمعت قرقشة الثلج تحت الإطارات
كأسنان تنغرس في تفاحة
وشعرت برغبة جامحة في أن اضحك
منك
لأنك تسمي هذا المكان الجحيم
وتفر من هنا مقتنعا
أن الموت خارج سراييفو لا وجود له

أغسطس 1989

الكنيس أثناء الليل.
المطر بالخارج.
أصنع قهوة للمرة الثالثة.
شاعر عجوز يغفو علي الأرض
متغطيا بعلم.

آه أيها الشاعر العجوز المسكين
تلتف حول نفسك كجنين
ملفوفا بعلم الدولة
نائما.

التليفون يرن

يستمر التليفون في الرنين
اذهب كي أنظر من النافذة
يسقط رمش في عيني
يبدو كل شي كسولا وغائما
وما من أحد يعرف ما يفعل
وهو أمر عادي تماما في
جنة الواقعية الاشتراكية هذه.

ربما الجميع فيما عدا السور
علي الجسر ذي الساعة الذهبية
الذي يتهيأ كي يأخذ
بعضا من عطر فتاته التي
تركب موتوسيكلا طول الطريق إلي اسطنبول.

في الشقة الصغيرة

نجلس علي ألواح خشب في الشقة الصغيرة
ما من نساء هنا سوي في صور الجرائد
نتف من حشيش أفغاني
علقت بالأطراف الحادة لمقص صغير
رجل في شرفة بالمنزل المقابل
يفك آلة لحام في الظلام.
نجلس علي ألواح خشب في الشقة الصغيرة
وكل شئ يبدو مسالما.
كل هذا سيتغير
بمجرد أن ارتدي منامتي.
الجو بارد في الخارج.
تحيطنا جبال
يملئها عواء حزين لمناشير ضخمة.

غريب

ذات يوم سأرحل أنا أيضا، وحدي
إلي ظلام القبر
في عليفاكوفيتش
أو في تل آخر، في المدينة
التي كنت أعرف كل من فيها
ولم يبق منهم سوي اثنان
أو ثلاث _
والليل فقط، وحده
أنظر من الماضي
علي ظلام المدينة
من بيت شخص
آخر، أنا الغريب
أنا غريب

مقال

هذا المشي المسائي يستحق قصيدة.
طائرة تبرق فوق الضواحي
تسقط في الغسق الأزرق.
الأسلاك تلمع فوق عربات الترام.
امرأة فقدت قرطها
تعود لناصية الشارع باحثة عنه.
فليغمر الحزن قلبك من اجلها، فجأة.
من أجل الصبي الذي ينظر إلي نفسه
في جرس المرآة.
من اجل العجوز علي الجسر، يلٌوح لي:
"كيف يمكن أن يجف نهرج
في هذا العالم الأفضل من أي عالم آخر؟"
أخيرا
من أجل تكوين من النمش
علي وجه أمي
بينما تطمئنني ونحن نسير
أن اللهَ موجود حيثما أفكر فيه.

الهاجر

وقتها فقط _
ليس قبل أن تشرب القهوة
في محطة القطار:
ناظر المحطة يدق علي عجلات
القطار بشاكوشه.
الجريدة مطوية تحت ذراعك _
مغادرا المدينة سالما _
لن تكون متوائما مع نفسك في أي مكان آخر،
إلا إذا كانت حياتك نفسها هي الحقيقة الوحيدة
إلا إذا كان الهواء الفارغ يسمي نفسه الحرية _
إلا إذا كنت هاجرا
بضمير مثقل
إلا إذا كنت شريدا.

مستقر الشهيد

جسد على وشك أن يقبر. أري جنديا راكعا علي ركبتيه: طفلا مازال. بندقيته ترتاح في حجره. يمكنك أن تسمع أصوات العربية الحلقية. الحزن يتجمع دوائر تحت عينيه : الرجال يمررون راحاتهم المفتوحة علي وجوههم. بينما تستمر الطقوس، اشعر بوجود الله في كل شئ : وعندما ينتهي هذا، سأمسك بالقلم وأكتب قائمة بخطاياي. الآن كل ما في يقاوم الموت: بينما يمر لساني علي أسناني اشعر بطعم احمر شفاه امرأة. ما من أحد يبكي. أظل علي هدوئي. قطة تقفز عبر ظل مئذنة.

روحانية

في المساء ننتظر
اللحظة التي تنكشف فيها المجردات
السماء _ بعدها _ غارقة في الظلام
من إشعاع الأشياء الأرضية _
ثم تأخذ المباني هيئة مجسمات
سودها ظل أسطحها
وتبدو السماء المكفهرة
بينما يبدأ القمر في اللمعان أثناء الحرب.

في تلك اللحظة كل شئ _
وابني ينظر من النافذة _
يمنح بسمة إلهية
لعناصر الطبيعة التي تم استئناسها.

رجل

بذراعي واحدة
يدخل محل زهور ويسأل:
أي الزهور تعكس مرور الأيام؟

ويقول بائع الزهور:
أزهار الليلك الأبيض.
(لوري أندرسون)

علي طرف المدينة

علي طرف المدينة يمكنك رؤية
شاحنة تخلفت عن الحرب الماضية
تتضاءل بين أشجار البلوط
سجين بكسرات خبز علي لحيته
يتم سحبه من شاحنة عسكرية
يلقى به في مخزن، مع سجناء آخرين
متراصين في انتظام قصيدة.

في أقصي أطراف المدينة يمكنك رؤية
سائق يقود دراجته بأقصى سرعة، يمد يده كي يلامس سطح
كشك كبير عليه كلمة إطارات " VULCANIZER "
وصور أخري كثيرة غنية في جنونها
لأي نظرة سماوية محايدة.
كأسطح البيوت بالقرب من المطار
مطلية بمربعات شطرنجية حمراء وبيضاء.

مقابر عليفاكوفيتش

في أقصي الطرف الشرقي من سراييفو
صبي مثقل تماما بملء يد من الزهور
إنه العيد وهو، التاجر الصغير،
سيذهب للمقابر مثقلا بالزهور

مثقل بمائة نوع من الزهور العادية
كقبر يوم حفره
كقبر يوم حفره
يصعد الصبي نحو مقابر عليفاكوفيتش
الحرب

الحرب
وما من شئ يحدث _
اذهب للمدينة كي استجدي السجائر

عرفت دوما عطرك
لكنك لم تكوني يوما أقرب _
أحيانا حين يكون الجو باردا في الصباح
ترتدين ملابسي الداخلية علي سبيل الخطأ
في عشر سنوات لم نكن معا
كما نحن في هذه الأشهر الخمس _
الآن ترتدين سترتي طيلة النهار

سعادتك

بصندوق المساعدات الإنسانية
يدخل السرور علي قلبي ويحزنني في نفس الوقت

أسائل نفسي: من أين
بحق السماء
تجدين قهوة لنا كل مساء

لم يبق لوح من زجاج في نوافذنا
وما من طريقة نتخلص بها
من الذباب الشارد

تواريخ

مات في السابع عشر من يناير 1994
وكل يوم منذ ذلك اليوم
هو ميت

هو ميت اليوم أيضا
اليوم الجمعة
24 فبراير 1995
كل يوم أمر بتجربة روحية
عندما أذهب للحمام ليلا
الحظ ظلا يبين في المرآة
خلف كتفي الأيسر

ليس ظلي

التفت
وما الذي أراه؟

عيناي مفتوحتان
في النوم _
غراب حط علي طاولتي
يقول في صوت بشري :
سوف يطيب الكرز في سراييفو في 17 مايو
سمعت
ومازلت أنتظر.

الإسكندريات التسع

ربما هذه ليست كل المدن لكن ما أعتقده
هو انه يوجد بأمريكا تسع علي الأقل تسمي الإسكندرية
رسم خرائط للجديد يجب أن يرتكز علي
مبدأ تقفي أثر العالم القديم
عبر بحري من الأزرق الداكن ...

الشيء الوحيد الذي يجعل
رحلتي عبر أمريكا مقبولة هو :
مرتحلا من إسكندرية إلي أخري
لا يسعني إلا أن أحط بنفس المدينة.

وفقط بيقين
أن العالم مازال قطعة واحدة:
يمكنني أن أتخيل ترحالي
من إسكندرية أمريكية لأخرى
راسيا بنفس المرفأ المصري.

صوفية

في الطريق أقرأ جمال الدين الرومي
وهو شاعر مولود بأفغانستان
وأجد وصفا دقيقا للسفر
في وقت لم توجد فيه قطارات.

مرتحلا من ساحل أمريكي لآخر
احمل الرومي (بترجمة كولمان باركس)
كهمسة، بلكنة سلافية حنطية،
وما أعرفه يزداد وضوحا :

فيما يخص اللغة
يعلو الجمال شاهقا يابانيا
كثلوج فوق دنفر
ويدعي الغلاف أن الترجمة
تضاهي الأصل وأنه، طبقا لذلك،
هاهي الصوفية متاحة بنبري جنوبي.

باوند

لا أعرف اسم المكان
حيث الإذاعة المحلية علي الجرف
حيث اليافطة المضاءة بالنيون تعلن عن موجات التردد
التي ترتفع مساءا، حتى السماء تقريبا.

من المؤكد أن ذلك يعني أن الداخل الأمريكي مازال يحتفظ بتلك
الفكرة القديمة ببناء معبد للحاكم كأعلى
ما يكون _ خداع بصري عمودي يلعب علي
عيون البشر ومنظور السماء

في واشنطن أعطيت هذه الفكرة
أفضل الأماكن في مواجهة مستشفي القديسة اليزابيث.
هناك، ككهلي
(بعد أن تم إيداعه المصحة لعمله مذيعا
بالإذاعة الإيطالية)

مسح عيزرا باوند المدينة من الوادي بين الهوتين
بينما لبدته تطيرها الريح.

حشد السجن

الليل جن لا يستكين
حليق الوجه تماما
لا يستطيع أن يكف عن التنقل بين العربات
القارة يجدها صغيرة جدا عليه
والقطار في ضيق زنزانة _
أصف الليل كي
أصل لاستنتاج عن ذاتي
وأيضا، لأنني كنت أعرف شخصا مثله :

كان يحرر الجريدة من سجن زينتشا.
غالبا ما كان ينشر مواضيع عن سجناء
أقتبس كلامه الآن، هنا، وكأنه تعليقي أنا
علي هذه الرحلة:

"حرصت على أن أجمع الجريدة بنفسي كي انشر من الشعر
أكثر ما يمكن." وزاد:
"ذلك انه ما من طائر سجين لم يكتب _ علي الأقل _
سطرا أو أثنين."

الشرق والغرب

من اللافت للانتباه كيف أنه، من حين لآخر،
تعادل كلمات بسيطة دوائر المعني
كما تمتلئ عربة
بمسافرين تماما قبل أن يغادر القطار:

الآن، علي سبيل المثال، الشرق والغرب
مخترعتان كي يستطيع جسد أن يكيٌف نفسه
علي نهج النجوم في الفضاء الموحش
كي يعني ما هو أكثر من خرائطه
حيث مكة في الجاني الشرقي بينما
لوس أنجلوس إلي الغرب.

هذان هما طرفا العالم
وكل شئ يبدو بريئا تماما:
أسافر صوب الغرب غير انه ثمة سلسة لا نهاية لها
من أبراج تقع جهة الشرق، أعمدة إنارة تشبه برج إيفل، تواجه باريس.

وظائف القلب

في جولته الأمريكية يشرح
أخصائي القلب الباسم من نيوزيلندا كشفه
عن أن القلب البشري يفرز نوعا من الهرمونات
نجهله حتى الآن.

بينما يشرح نتائج كشفه
يرد تحية العمال فوق القضبان
يلوحون للقطار من تحت خوذاتهم الصفراء
ولامرأة، أيضا، تلوح بيدها من حديقتها الخلفية.

فقط في صحبته ألاحظ هذه
الطقوس الغريبة، الفريدة تقريبا :
من يبقون بلا حراك يلوحون للقطار.
يعرف أخصائي القلب الباسم أن هذه التحيات
مرسلة له وأن تلك العزلة القارية
من المؤكد أن لها أصل في وظائف هجرها القلب.

جبل جليد

في شيكاغو توقف القطار أربع ساعات.
انتظرني اليكسندر في المحطة
والآن يقود سيارته بجوار البحيرة : "الثلج في يناير"
يقول بينما يترك عجلة القيادة مستخدما
راحتيه لوصف جبال الجليد الضخمة
التي تحملها الريح إلي الطريق، تقريبا.
أنظر كيف تكوٌن يداه الثلوج،
بما أن المسافر المتعب يخبر العالم
غالبا بعينيه وقدميه.
وعندما يداخلني خوف من أن يفوتني القطار
يقول : "لا تقلق. أنت بين يدي."
إذا أردتم الحقيقة، فهذا وصف
مناسب تماما لي : جبل جليد يتكون علي نحو لطيف
بإسكندرية فرجينيا.

أسلوب قراءة

يظل القطار في المحطة أطول مما توقعنا،
يتقدم للأمام قليلا، ثم يتقهقر.
لا أدري لماذا
غير أنه في الليلة الثالثة من الرحلة
مسحت بعيني محطة مدينة كانساس بدقة متناهية.

يمكنك القول أن هذا هو الأسلوب الذي أطبقه
في القراءة : أبدا لا أبدأ بالصفحة الأولي
بل من المنتصف، متنقلا إلي الأمام والخلف
حتى يأخذ كل شئ مكانه.

نظرت مليا للمحطة بأكملها
لكنني لم استطع العثور علي أي أثر لمذبحة 1933
حين أخذ زعيم المافيا الشهير فرانك ناش
هنالك _ في ساحة انتظار السيارات
جولة مع القانون.

الأسطورة والنص

في هذه اللحظة بالضبط أري راعي بقر حقيقي
هذه هي المرة الأولي التي يتاح لي فيها أن أحملق مباشرة في راعي بقر،
في كامل بهائه.
بالطبع رأيت أمثاله كثيرا في إعلانات مارلوبورو :

من أجلي فقط، تفكر أحدهم ذات مرة في ذلك الأمر،
في تلك الأسطورة التي ربما تساوي "الأساطير اليونانية"
وهو موجز في كتابين من تأليف روبرت جرفيز.

بدا كما لو أن القارة بأكملها
كشفت عن نفسها لي، ولم يعد هناك شئ آخر
كي أجده.
يقولون انه، محاطا بالكتب،
ردا علي سؤال : "هل ذهبت من قبل إلي اليونان؟"
قال هيدجر:"لا لم أفعل."
وبعد صمت قصير، كرر:"لم أفعل.
لكن ابني ذهب."

رحلة في ثنايا الكون

من المحتمل جدا أن الشعراء المستقبليين لن
يعرفوا أبدا كيف
أن العالم متواضع تماما :
أنزل من القطار كي أفرد رجلي
وأستنشق ملء رئتي هواء

عطر زهور الخزامى النجوم في السماء
هذا هو أقصي ما سأصل إليه في
رحلتي عبر ثنايا الكون:
تحت سماء تملئها النجوم
أملأ رئتي بالهواء.

لا ريح تهب ولا شئ يتحرك.
سوي أطراف البراري التي تصعد نحو السماء،
أنوار الشاحنات البعيدة تنحل تماما
في النجوم علي الطريق رقم 66

ندي

كآبة هذا الصباح
تسخر من العالم هنالك :
أري حقلا من عباد الشمس عبر النافذة
وغابات أكتو برية، والعلامات الأولي للخريف :
حقول وأشجار في ندي الصباح.

من سوق للأشياء المستعملة اقتنيت هذا الصيف
لوحة رخيصة بدون توقيع
لا شئ فيها ذو قيمة سوي الندي يجلل شوارع باريس.
لم أشتري اللوحة، بل اشتريت الندي

لأنني أحب مقاومة الشكل الخام،
الحدة عند الأطراف،
حس الجنس يولد حيث غابات خريفية،
سلف أجده في نفسي
خارج المنطقة المطيرة

بعد أن يخرج من القطار إلي المطر، اسكتلندي
يرتدي زي شعبه
يختفي تدريجيا في الفضاء المديني
بينما يرسل أنغامه أمامه،
اسكتلندي هو الذاكرة الموسيقية الجمعية لقارة أخري.

بدونه

بدون أتباع أنغامه الخاصة
في مواجهتها مع غيمة ماطرة
فلتتأكد أن المدينة ستموت قبل منتصف الليل.

يظل الناس بالناحية الجنوبية من الشارع
لأن المطر لم يصل هناك بعد
جميعهم بلا مأوي
يقتفون أثر حس خاص للصمت
بينما يهاجرون هنا من النطاق المطير.

باب منتصب
في مهب الريح

الإسكندرية في نهاية الطريق
حيث انتقلت الصيف الماضي وفي نيتي
كتابة الشعر.
يقول هذا القليل عن علاقتي بالشعر
والكثير عن خبرتي مع الوطن:

في مصب النهر رأيت بابا،
لم يكن مدخلا لبيت
فقط بابا منتصبا في مهب الريح
لو فتحته، يمكنك المرور رأسا إلي النهر، بسهولة،
وتعلن :"باب بلا مأوي!"
وخلفه
الوطن اللا محدود ذاته وبه
جندولات إيطالية ضخمة
وأسماك ملونة في محيط يشبه حوضا للسمك.
هذا الباب
ليس بمخَرج

لا بابَ للبابِ لكنني أستطيع الدخول
إلي خارجي عاشقا ما أراه وما لا أراه
أفي الأرض هذا الدلال وهذا الجمال ولا
بابَ للبابِ؟"

محمود درويش

سأتكلم عن ذاتي، عن حياتي، وعن معني وجود
جسدي في العالم، عن صورة

قادتنا للحرب. كان العام 1991
بحديقة بيت الكتٌاب التي يسيٌجها الزجاج

قفز طاووس إلي صورته في المرايا،
البقعة
الدامية امتدت حتى غطت الصورة تماما،
تقريبا،

حتى فصل شخص حزين بما يكفي الطائر
عن هياج
الطاووس بعناق بسيط _

وإلا كان الطاووس قد قتل نفسه، كما كنت أنا _ بكل تأكيد _ سأفعل.

* * *

مرت خمس سنوات بالفعل منذ بدأت مراقبة
تلك الشجرة أمام مبني صوت أمريكا

لا تحط طيور علي أغصانها
وتسقط أوراقها مع أول

ريح خريفي. مصحوبا بالأغصان وأكاليل الزهور
رسوت عند استنتاجات ملموسة عن ذاتي

في العالم. غير أن العالم
لم يصبح
لا أجمل ولا أسوأ، ولا يمكنني أن أتعلم
مما تسقطه الأشجار

* * *

في إحدى ساحات انتظار السيارات في ماكلين
أنتظرها حتى تنتهي من التسوق

تأتي عبر الساحة ممسكة
بكيس ورقي
بينما طيور تطير لأعلي الأشجار
أمامها

الآن، تستقر ببطء علي المقعد
واضعة المظلة في حجرها
ككنز ثمين.

من دون رغبة في أن تحرر نفسها من عبئها
أنظر إليها والي الطريقة التي تتحرك بها

متكئة علي العلامات الأولي لإنهاك البدن
وللحظة أشعر أن المظلة
وكل المطر الذي بللها

يحمل ذنب كل أحلام الشباب المجهضة

* * *

في حديقة مطعم تحملق قطة
حمراء في كائن صغير بين الأوراق

كل شئ عادي تماما، أعني، مألوف
نجلس حول المنضدة الحديدية
كأسرة حقيقة في نزهة، وأفكر
في أبي، كان عاملا
في منجم للفحم، وأفكر في
أبيه الذي كان عاملا في
منجم للملح، أفكر في صورة عائلية
بالأبيض والأسود التقطت في زمن
يجعلني أشعر بشئ مثل الأسى واللا¬أسي،
بشئ من بريق عينيه
شئ يمكن للخزانات الشمسية الضخمة أن تجعله
يهاجر للغة الشعر

* * *

صباح موحش في فبراير، أتعثر
بنفسي في الغرفة التليفون لا

يرن، وما من شئ لدي كي أخرج به للعالم
أنظر في رسم علي الحائط، صورتي،
رسمها لي رسام من سراييفو
أصبح له عنوان جديد ومواطنة
كندية
خرجت إلي العالم كي أريح
بدنا أزعجه الخوف من التلاشي
غير أن الشجاعة تركتني عند
الغيم الأول
أنا الآن في منتصف أو نهاية
ما من فرق _

حياة لم يكن يمكن _ حتى _ الاستغناء عنها

* * *

أتوقف عن الاستغراق في التفكير بمجرد
أن أجد صورة سارة تسليني

العادة أن أجد نفسي تنسي . أحن
للجمال حين تصبح الحياة

غير محتملة تماما. كل معارفي
مثلي. فقط حين يأخذنا تعب

يبدو أننا قطعنا شوطا طويلا
وحدنا في حزننا ووقتها يغدو قبر كل منا
في فلسطين

* * *

لم يكن لي أبدا بيت يخصني.
ولم أتوقف أبدا عن تخيل أن لي بيت يخصني

"لو أن لي حق الاختيار"، أشير،
"هذا هو ما سيكون عليه بيتي"
تقول: "لكن هذه قاعة للعزاء"
وهذا حقيقي، الأطفال يستخدمون ألوانا زاهية
في رسم موتيفات الدفن والموت علي
الواجهة الشمالية للمبني
نقود السيارة ولا نتوقف
تملأ الريح أكياسا من البلاستيك
أعلي الأشجار الموحشة علي امتداد
شارع رود ايلاند بأكمله

* * *

اضطررنا للتوقف والعودة من حيث أتينا عند
بوابة مصنع هارلي ديفيدسون

خائبي الأمل. لم يكن اليوم، كما يقال،
يوما من أيام العمل. في تلك اللحظة بالضبط مجموعة من
سائقي الدراجات
أخذوا نفس الطريق، يصفرون
وعلي شفاههم ابتسامة
هم، علي ما يبدو، عائدون لأوطانهم، لمكان
ميلادهم، أو موتهم _ ما من فرق
أما بالنسبة لي، فبالنظر لكل شئ، لم أكن سوي شخصا ضل الطريق.

* * *

نطوي الشراشف أنا ورامونا في
حجرة الغسيل بالفندق إلي أرباعي صغيرة
وأفر من لمسة أصابعها
كي أتجنب رعشة صدمة كهربية
رامونا توٌصل الكهرباء كما
الأرض وثمة خاتم في كلي من أصابعها
غير أن كهرباء التلامس ليست سوي فراشة فسفورية
فراشة فسفورية زائفة بني
وارهال على أساسها أيديولوجيته المشئومة
التي تتجسد
في مجاز يظهر فيه العالم
ككرسي كهربائي

* * *

هذه المدينة سياسية تماما، وما من مكان يمكن العثور علينا فيه
رغم أن الكتابة، حتى إذا اعتبرتها

شأنا ميتفايزيقيا، هي عمل سياسي أيضا
ذلك أنني عدت توا
وكان ثمة امرأة تجلس في المقعد المجاور لي
وتقرأ "رسائل حب من الله"

لم يعتبر الكاتب الله إسما هرطقيا
مستعارا
فقط كائن يمكن باسمه تقديم القليل من النصائح
قائمة تسوق حقيقة، مانفستو ملحد
يتم بيعه علي أنه خلاف حقيقته

كانت المرأة تضع سترة علي كتفيها
وبيدها الأخرى، في الحركة الوحيدة التي توحي بالتواصل،
لفتها
حول رقبتها في عناق

* * *

لن أنسي أبدا تلك المرأة
التي رأيتها في محطة كلارندون

في سترة رمادية عادية، تعبير علي
وجهها لا يوحي بأي حزن أو

بأدنى مسحة من سعادة، والآن بعد ذهابها
في تيار
الأجساد الأخرى في المصعد

لا يمكنني حتى أن أتذكر كيف كانت يدها بينما
تسير، كانت عادية جدا لدرجة

أن ظهورها هنالك بدا معجزة
لن أنساها أبدا : لا أقصد تلك المرأة
بل الطريقة التي تقدم نفسها للعالم.

* * *

يدعي خبير في نداءات الطيور
يعيش في شمالي كاليفورنيا

أن كل نوع من الطيور
تختلف أغانيه باختلاف المكان
وهو ما يخالف تماما قوانين
اللهجات.
في الشتاء يذهب إلي

كوستاريكا كي يتكلم مع
طيور كاليفورنيا، كي يطيٌب
ذلك الحزن الذي تشعر به بعيدا عن الوطن.
لا يمكنني القول أنني سعيد تماما بتلك الموهبة
إذ أظن أن أقصي ما يمكن أن تصبو إليه هو الصمت
لأنني أعرف أنه ما من شئ يمكن أن يطيٌب
حزن المنفي أو أسي
تفريق لهجات
السلافيين الجنوبيين عن بعضها البعض.

* * *

رأيت الشمبانزي الأمريكي الصغير مرة واحدة
بسراييفو في
غسق 92
كنت امشي وحدي بالشارع
الرئيسي، وكانت أسلاك الترام التي تداعت
بفعل الريح تسحق الإسفلت عندما
لاحظت حيوانا في نافذة فوقي
يضرب الزجاج بجسده المهتاج
لم استطع أن أصدق ما تراه عيناي
تيقنت أني مت فعلا
من دون أن أعرف

وأنني قد عبرت إلي الجانب الآخر
حيث الحدود بين القارات
لا وجود لها

* * *

نعم، كنت قد اعتدت أن أقضي وقتي في تلك الأيام
مع مجرم ميت القلب تماما

كان العالم من حولي يتظاهر بكونه
تهديدا مميتا
وبدأ كل شئ يلتزم الصمت

لم أكن ملزما أن أتكلم _
دائما ما كان العالم المرتٌب يدعوني

لكن فقط كي أقول ما
يود سماعه
وعلي أي حالي لم تكن الأفكار التي تسكنني ملكي

لهذا لزمت الصمت، ويمكن أن أقول الآن، بثقة تامة
أن الشيء الوحيد المؤكد، هنالك، كان الموت

* * *

بينما أقرأ شعري عن الحرب
يغلق جيرار مالانا عينيه لا شعوريا
وهو يجلس في الصف الأمامي، لأنه عمل
مع وارهال
في المصنع . كان يجمع بيانات عن الجرائم

التي ارتكبت بحق البوسنيين بدقة
قاضي لا راد لحكمه

جيرارد مالانجا. في أحد مقاعد الصف الأمامي . مغلق العينين .
أعمي مثل دائرة معارف عن الجريمة.

* * *

لا أحمل أسي شعبي داخلي
لكنني أعرفه

ولا يمكنني تغيير أي شئ في هذا العالم
لأنني خائف
حتى من الأصوات التي لا أستطيع فهمها، الآتية من الممرات الفارغة
في مبني صوت أمريكا : عشرات من الشباشب اليابانية تدق الأرض

فيما يظهر فجاءة من نهاية الممر الدالاي لاما
المبتسم دوما ومعه مئات من التيبتيين.

* * *

دائما ما أرد بإجابة مختلفة كلما ورد سؤال
العودة
لا أشتكي من أي شيء هنا، الآن _ غير أنني
لا يمكنني أن أحمل ذاتي علي التعود علي ازدياد عمري وعلي
صورتي التي ابحث فيها عن نصيحة في
موقع القلب الأمريكي دوت كوم
حيث مجموعة الصور التي أزورها بانتظام
من مكاتب التحرير بمجلة "ذا ناشيونال جيوجرافيك"
كلما زاد عمري كلما قل ما تعنيه لي الصور
عن عوالم أخري، هذا المساء
غفت بينما التليفزيون مفتوح
ممسكة بمشط، التقطت صورة لها
ومازال يأسرني حماس رجل
تنتظم حياته بأسرها بالارتكان
علي امرأة واحدة

أحيا، في الواقع، حيث توجدين، كي أجعل
تعبك موحيا بالمعني.

* * *

في سوق السمك علي ضفاف البوتماك أفكر في
أصدقائي الأمريكيين، وآبائهم وأجدادهم

الذين هجروا وسط أوروبا إلي الأبد، ذاهبين لمكسيكو سيتي
وبوينيس أيرس ونيويورك، أفكر في

أصدقائي الأمريكيين الشبان، كنت قد وصلت ليقين أن
العالم الذي أعرفه تكوٌن مع سقوط

الإمبراطورية النمساوية¬المجرية، وبذلك الاكتشاف
رأيت السوق بلا سمك، بلا قطط _

ثم رأيت النهر، واليخوت راسية علي ضفافه.

* * *

هذه سطور من قصيدة لمحمود درويش "ولكنني أنا المنفيٌ خلف السور والباب / ... / خذيني لعبة .. حجرا من البيت / ليذكر جيلنا الآتي / مساربه إلي البيت!" لأيام عديدة طوٌف ابني ببيوت الإسكندرية، ملتقطا صورا لأبوابها. لم نمتلك أبدا بيتا، وهو ما يعني أنه كان منفيا منذ يوم ميلاده : مهاجرا بالفعل منذ عشرين عاما.
أتفهم لماذا اكتسب عادة تجميع الأبواب، لكن لا يسعدني أن أواجه الأمر _ في الحقيقة، لم أنجذب تماما لهوايته سوي عندما أراني من بين كل الأبواب التي صورها هذه الصورة:
هارون: هذا الباب ليس مخرجا، أغسطس 2001

أخبار الأدب
20-3-20056