زكريا محمد

زكريا محمد لاعب غشاش، يمتص من حكمة الشرق والغرب، تتقاطع داخله أصوات جلجامش، النفري، حكمة البوذية، وملحمية شكسبير، لكنه يسرب القليل، القليل جدا من الشعر. ولهذا أرادت الحياة أن تطرده مرة بحيلة فظة مكشوفة اسمها السرطان، لكنه عاد من أمام باب الفناء، مواصلا التقتير في الكتابة. لا يعنيه امتلاك حديقة مليئة بالأعشاب الضارة، ويكتفي بأصص في شرفته، يسقيها كل صباح "منتظرا يوم الصرخة" هيييي، زهٌرت واحدة".
يصفي حسابه مع الموت في مجموعة شعرية جديدة "أشجار البهت" هي السادسة إلي جانب رواية وكتاب للأطفال ومحاولات في الرسم، وكأنه يبدد الطاقة الزائدة في أصابعه، ويشاغلها، كي يحميها من الإسهاب في الشعر.
لا يسمي زكريا الموت باسمه، وإنما يمكننا أن نهجسه، من شغف بالحياة يلف القصائد القصار. ولا تحضر عنده فلسطين باسمها، بل نشمها في عبير زهرة لا تنبت إلا في ترابها، ولن نقف يوما علي الحقيقة، لأنها عربة بائع جوال تصعد منحدرا، ولن نعرف أبدا ما الموت، لأنه "عير عابرة" تطلع أحيانا من المرآة، وأحيانا من مستوطنة تطل عليها شرفة الشاعر برام الله، ولا يفصله عن رشاشاتها إلا درع من زهرات المجنونة.
في هذا البستان زهرات اخترناها من أصص زكريا محمد.

كل صرخة في الكون تسميتي

المستقيم والدائرة
شجرة الخيزران تطلق ساقها وتصعد به
لا تهمها الورقة
ولا الجذر
ولا المطر المتساقط

فكرتها هي الاندفاع إلي الأعلي
روحها عمود يصعد في السماء

لو كنت شجرة
لكانت فكرتي هي الدائرة لا المستقيم
أطلق سيقانا تبدو كما لو أنها تخطط لذهاب لا عودة منه
لكنها تنحرف فجأة وتعود

من دون عودة تكون الحياة شجرة خيزران حمقاء
تنبت أنابيب فارغة
ويكون الموت بلاهة كاملة!

انتحار
ليس لأكياس البلاستيك الفارغة أجنحة كي تطير
لكنها تحاول الطيران بإصرار

الطيران حلم كل الكائنات الأرضية

غير أن اليأس لا الحلم هو ما يدفع هذه الأكياس البلاستيك إلي الأعلي
تنفخ صدورها باليأس
كما تنفخ ذكور ضفادع صدورها بالهواء
وتقفز كي تطير في السماء

لكن أغلبها يسقط ويعلق بنبتات الشوك اليابسة
تمسك عيدان الشوك بالكيس وتحجزه، فيصيح:
اتركوني
أريد ان أموت
أريد ان أرمي بنفسي من أعلي عمارة في رام الله!

والناس هنا ترمي بالأكياس
كما ترمي زهرة نرد
وتنظر بحذر إلي التي تنجح في الطيران منها
فهي تهوي في آخر الأمر مثل عقبان منتحرة علي رؤوسهم!

شموع
شمعة:
ليل العالم كله
لا يكفي كي يولد نور شمعة
لا بد أن نصرخ صرخاتِ امرأة تحت الطلق
كي تتهيأ لنا خيمة صغيرة واحدة من نور.

شمعة:

الليل المدلهم جميعه لا يقدر علي شمعة صغيرة واحدة
وحده فم يزفر بالحقد يقدر أن يخنقها.

شمعة:

لا تطفئ شمعة بنفخة من فمك
أمسك ذبالتها المشتعلة بالسبابة والإبهام
وغيٌب نارها
كي تدري هي أنك بالألم تطفئها
وبالأمل تشعلها.

بيت
طيور كثيرة مرت فوق رأسي
مسرعة كي تبني أعشاشها
كل طائر عوده في منقاره

بيتي أنا لم أبنه بعد
ما زلت أسكن في قيعان الشمس والمطر

تمضي الطيور بأعوادها فوق رأسي
وأنا، بعد، أتهجي مثل طفل صغير:
ب
ي
ت
ي!

نور
كوٌرتج كتلة من نوري
ورميتها في فمي

النور علكة تحت ضرسي
لساني يلهج بالنور
ويلعب به

كل كلمة من كلماتي عجينة نور.

فحم ونار
أيامي علبة كبريت بعيدان مطفأة
آخذ كل يوم عودا
لأكتب برأسه المتفحم حرفا علي الحجر
ثم أرمي به

أغبطهم من تمتلئ علبهم بالعيدان الحية:
أيديهم التي تقبض علي النار
تهدد العالم بالحريق.

موت في رام الله
الليلة
عاريا أقف قدام المرآة
في ضوء البدر الذي يحبو علي شرفة بيتي

الليلة تجطلق عليٌ النار
من المرآة
أو من بندقية في مستوطنة بسغوت
التي تطل علي سريري

وسوف أموت
سوف أموت
غير أن الضوء سيحبو ويحبو
حتي يرضع من ثديي.

* بسغوت مستوطنة علي تلة فوق رام الله، وهي تطل علي شرفتي وغرفة نومي.

مولد قصيدة
لا تقربني
أنا لا أجلمس
مثل طبقة القذرين الهندية
واسمي إبريق شاي محترق

لا أغني
ولا أرقص بالغصن

ألعب بعلب الكولا فقط:
أسكبج عصيرها قربانا للأرض
ثم ألعب بالعلب الفارغة

هذه خطتي:
علبة فارغة فوق علبة فارغة فوق علبة فارغة
حتي تجيء القصيدة!

كاهن
وما معني حياتي؟
ما معني ما عملت؟

لم تشقٌّ نعلي طريقا في أرض مجضِلٌة
لم تجزح مسحاتي الرمال عن كنوز مخبوءة
ولم تكن لي يد قابلة تتلقف الحياة وهي تسقط من أرحامها

كنت كاهنا عجوزا
أجلس منتظرا صرخة الوليد الأولي كي أسميها

لست إلا مانح أسماء
أعطي أسماء للصرخات
أطبعها علي ظهورها كما تطبع علامة الشركات

كل صرخة في الكون تسميتي!

شجرة
في الوعر
شجرة تفكر بالمطر

أنا أيضا وقفت في الوعر، مرةّ، مثلها
وفكرت ببرق تشرين ورعوده

كان
هذا
قبل
أن
يمحي المعني
وتضيع الحروف

الآن:
قبعتي علي رأسي
مطرتي علي جنبي
أمر عن الشجرة مسرٌا لنفسي:
شجرة حمقاء أخري تفكر بالمطر.

مدينة الغرباء
النوم
مدينة الغرباء
يسكرون في حاناتها
يعربدون في أزقتها
ثم يقتلون بالرصاص قبيل الفجر.
قطط
نشعل النار
كي تنفصل عنا ظلالنا
فندوس عليها
ونقول لأنفسنا واثقين:
نحن هنا
نحن هنا بإرادتنا لا بظلالنا
بالتأكيد نحن هنا

غير أن النعاس يفجئنا
فتطفئ قطة نارنا!

يا ويلنا
يا ويلنا
القطة بالت علي نارنا
وخلطتنا بظلالنا.

العار
ارحموا الموتي
دعوهم لحالهم

هم، لو تدرون، لا يطلبون قرابين لأرواحهم
فليست لهم أرواح
ولا يريدون كلمات علي شواهد قبورهم
فهم لا يقرأون

ما يعذبهم أنهم غارقون
في عار يدعي الموت

إنه يسيل منهم
كما يسيل المخاط من أنوف الصغار

إن كنتم تريدون عونهم حقا
اتركوا لهم لفة من ورق المراحيض وراء الباب
سوف يأتون بعد منتصف الليل
كي يمسحوا بها العار الذي يقطر من جباههم ومناخرهم.

أزهار
أجمع ما استخدمت من مناديل ورقية لرشح أنفي
في كيس بلاستيك
وأرمي بها في الحاوية

غدا سأرمي كيسا آخر
وبعد غد أيضا
فبعد مناديل الرشح
ستأتي مناديل الدموع البيض
ثم ستأتي أكوام أزهار القرنفل الأبيض الذابلة

ثم سيكنس البّرّدج نوٌار اللوز عن الأغصان.

أغنية
لو كان لي شجرة توت
تنزف ثمارا كالدم
لكنت خضٌبت بالدم جناحي
وبالسجكٌر منقاري

ولو كان لي بيت
تدخل من خروق بابه الشمس
لألقيت في الهّبّآت روحي
ولوٌثت بالنور جبيني.

هجران
يجلس الواحد منا قرب حبيبه
اليد في اليد، والعين في العين
كي تجنسي السوسة التي تضرب الجذر والجذع والغصن: الزمن
الحب دواء ضد السوسة
الماء دواء ضد العطش
لكن، أتدرون أن ثم أناسا لا ينفع الماء في إروائهم؟
أتدرون أن الماء يضاعف عطشهم؟
لقد جربوا الماء وضد الماء
وظلوا، مع ذلك، يلهثون كالكلاب
فمن يستطيع أن يلومهم إن هجروا الماء؟!
(لم نهجر الماء إلا بعد تجربةي
لقد شربنا فلم تذهب بنا الحجرر).

* البيت لأبي العلاء المعري في لزومياته.

نملة في درب التبانة
لا تضرب علي كتفي بيدك الصديقة
دعني منشغلا أرقب النملة بحملها الثقيل في الدرب الطويل
الدرب يبدو لي، أنا من يرقبه من أعلي،
نهر مجرة سجفلي

إن استدرت بوجهي
لأري البسمة الطيبة علي فمك
فقدتج أثر النملة

أريد أن أعرف
كيف تمسك نملة بفكٌيها مذنبا جبارا
وتعبر به الممرات المهلكة لدرب التبانة العظيم.

أيها الولد
هذه الكلمات نهب من رسالة (أيها الولد)
لأبي حامد الغزالي، ونهب من غيرها، أيضا.
أيها الولد:

قدٌم رجلا وأخٌر أخري
فاليقين لا يدلع ثمرته قدامك كالبطيخ.
أيها الولد:

لا ينفع أن يكون (اللسان مطلقا والقلب مغلقا).
أيها الولد:

لا تجعل اسمك فوقك. ولا تعبر من الاسم إلي الجسم.
أيها الولد:

الكلمة عار، فأخفها بالصمت.

أيها الولد:

الصمت داية الكلمات:
تسحبها من أرجلها وترميها في المهود.

أيها الولد:

قف عاريا قدام النار
من لم تلفحه النار لن يكشف الأسرار.

أيها الولد:

أغلق فمك،
واحقن دمك.

أيها الولد:
الحكمة كلب يرفع رجله ويبول علي شوكة.

أيها الولد:

شيخك نفسك
ونفسك وذحك
فامش وخذ حذرك.

أيها الولد:

(الكيٌس من دان نفسه).

أيها الولد:

العين تدري وتخرس
والفم لا يدري وينطق.

أيها الولد:

أنصحك بأشياء اقبلها كي يكون علمك لك عليك:
- اكتب (للخلاء لا للملأ)
- واجعل الحق ينكشف علي لسان غيرك لا علي لسانك.

أيها الولد:

(طاحت العبارات، وفنيت الإشارات)
وكل يخبط في حندسه خبط عشواء.

أيها الولد:

عشرة أسياف هندية علي العاتق لا تكفي!

أيها الولد:

كن أحدب تحت قوس النصر.

أيها الولد:

الريح قّرح
والرمل ذّريرة.

أيها الولد:

لتكن الحارث لا الوارث
الرائح لا الراجع.

أيها الولد:

الذهب كذبة
والفضة حقيقة.

أيها الولد:

لثامك لثامك حتي لا تسقط أسنانك،
حتي لا يتسقط أحد كلماتك.

أيها الولد:

العتمة قبل النور
لكن الله شاء أن يعمينا بالنور!
(ولو شاء الله لجعل للناس قِدحة ظلمة كما جعل لهم قِدحة نور).

أيها الولد:

القاتل كلمة
القتيل طباقها.

أيها الولد:
المحبة تذلل جناحيها
والغضب يجرش بهما كطاحون من حجر.

أيها الولد:

آه من حروف الحلق
تدمي الشفة وتجرح اللغة.

أيها الولد:

نجمة في السماء
ونجمة في الماء
وما تدري أتجحلٌق أنت أم تغرق!

أيها الولد:

بتاج من غار يصير الإنسان قاتلا
بتاج من شوك يصير إلها.

أيها الولد:

الليل قبضة مغلقة
والنهار بأصابعه العشرة عنوة يفتحها!

أيها الولد:

نائم، حذاءك تحت رأسك
والحياة عير عابرة؟!

أيها الولد:

ما من أحد إلف أحد
ما من أحد نصف أحد حين يحل الموت.

اخبار الأدب
نوفمبر من 9 الأحد 2008