n06281701.jpg

زهور كرام

(المغرب)

تحولت الوسائط التكنولوجية من وسائط تجريب الحياة في العالم الافتراضي، إلى وسائط تدبير الحياة في العالم الواقعي. تمر الوسائط بفترتي الاختبار والتجريب في سياقات التلقي. ذلك، لكون المفهوم الجديد لا يتحقق بالطريقة نفسها والوظيفة نفسها في سياقات الاستهلاك. 
قد يأخذ الأمر وقتا طويلا من التجريب، واختبار علاقة الذات المُستعملة بالمفهوم المُستعمَل، لكن المُنجز يأتي ـ في أغلب الأحيان ـ مختلفا عن مُنجز سياق التأسيس. لهذا، فإن دراسة المُنجز تستوجب استحضار طبيعة العلاقة بين الذات المًستعمِلة والوسيط المًستعمل. في غياب الوعي بهذه العلاقة، يتحول التفكير/قراءة في المُنجز إلى سلطة فوقية، تُطالب بمنطق ونظام مُنجز سياق التأسيس نفسه. تأخذ القراءة/ التفكير – في مثل هذه الوضعية- دور المراقب الذي يفرض على الذات إنتاج نظام مُنجز سياق التأسيس نفسه، دون اعتبار لأسئلة سياق التلقي، وخصوصية تجربته، وطبيعة حاجياته. لذا، فإن تاريخ أي مفهوم يتعثر عندما يرحل إلى سياقات غير قادرة على منحه الحياة بخصوصياته وأسئلته وحاجياته. 
 تتزايد نسبة الإقامة في الزمن الافتراضي عبر المواقع الاجتماعية ومختلف الخيارات التكنولوجية، وتشكل هذه الإقامة أنظمة جديدة في العلاقات والحياة والمشاعر، وباتت تشكل منطقا للتفكير والتأويل وإحداث المعنى. لذا، يتراجع منطق الواقع في تدبير تفكير الذات، ويتقدم منطق الافتراضي ليشكل عين الرؤية لدى الأفراد والمجتمعات. لكن العين إن بقيت خارج الوعي بمنطق ثقافة التكنولوجيا، فإنها قد تنزاح عن البعد الوظيفي لهذا المفهوم الجديد، فيأتي مُنجزها شبيها بلاوعيها. مع ذلك، نلاحظ تناقضا مستمرا بين نسبة انخراط الأفراد في الإقامة في الوسائط التكنولوجية، والتعبير من خلالها، واستقبال المعلومات عبرها، وبين نسبة المعارضين لتحويل التكنولوجيا تكوينا معرفيا وعلميا. كل تأخر معرفي وعلمي للتكنولوجية يُساهم في ضبابية عين الرؤية.
عندما نتحدث عن الأدب الرقمي باعتباره الشكل التعبيري الرمزي الذي يتشكل بالوسائط التكنولوجية، فإننا نفكر في شكل أدبي يتحقق وفق وسائط مختلفة، ويُنتج تصورات جديدة حول الحياة والإنسان والمستقبل، وقبل ذلك حول الأدب. إن تغيير فضاء/ نظام الكتابة ينتج عنه تغيير في لغة التعبير، وعلاقة هذه اللغة بمنطق التشخيص، لذلك، فإن الثقافة المعارضة لهذا الأدب بكل تجلياته، وطبيعة خطاباتها حول مفهوم الأدب، والتذوق والموهبة واللغة، تشكل مسار تاريخ الأدب الرقمي في التجربة العربية. ولعل المعارضة تأتي من غموض شكل هذا الأدب الذي يخترق المألوف، ليبني موقعا مختلفا ضمن نظرية الأدب. من أجل تفتيت مظهر الغموض، نقترح التفكير في الأدب الرقمي من مدخل «الانزياح المُضاعف». 
تعودت الذاكرة الاستقبالية للأدب، الحديث عن انزياح واحد عند التفكير في الأدب. وشكلت لغة الإبداع موضوع هذا الانزياح الذي تفرعت عنه أسئلة خاصة بطبيعة المفاهيم التي تُحدث الانزياح مثل الخيال والتخييل والواقع والإيحاء والتشخيص وغير ذلك من المفاهيم، التي شكل البحث في تحديدها الاصطلاحي خطوة ضرورية باتجاه الوعي بمفهوم الانزياح عبر لغة الإبداع. وتم تطوير فهم الانزياح، خاصة مع التجارب النقدية التي اعتمدت النص الأدبي، باعتباره لغة، فكان التركيز على هذه اللغة التي تأتي مُفارقة للغة اليومي. إذا كانت لغة اليومي تواصلية ذات المعنى المحدد، فإن لغة الأدب تنزاح عن هذا الفهم التواصلي، عبر مفهوم الإيحاء الذي يُحولها إلى رمز يحتمل التأويل وتعدده، حتى يستقيم هذا الفهم معرفيا ودلاليا، ويصبح خاصية أدبية، فقد احتاج الأمر إلى مفاهيم موازية تشتغل باتجاه إضاءة الانزياح، خاصة مع مفهوم التشخيص والتمثيل. 
لا يخرج الأدب الرقمي عن هذا الانزياح، الذي يجعله استمرارا للأدب عبر الورقي، غير أنه يشهد انزياحا ثانيا، يخص فضاء الكتابة الذي يؤثر في نظام الكتابة. إنه انزياحٌ مزدوج: يتم في/بـ لغة الأدب، وفي/بـ نظام الكتابة. لا نقصد هنا بنظام الكتابة، الترتيب الجديد الذي تعرفه الكتابة الأدبية عندما يتغير شكلها، مثل ما حدث في القصيدة الشعرية وهي تنتقل من نظام القصيدة العمودية إلى قصيدة التفعيلة، أو ما عرفه نظام الرواية مع ما اصطلح عليه بالنظام التجريبي، ما يحدث في هذه النماذج أن تحولا يحدث في ترتيب عناصر العملية الأدبية، ويؤثر هذا التحول في نظام الكتابة. ما يعرفه الأدب الرقمي مُختلفا – إلى حد ما- عن هذا التحول، لأنه أدب يتحقق وفق فضاء مختلف (الوسيط الرقمي)، لا يؤثر فقط في ترتيب عناصر الكتابة، إنما في وظائف اشتغال العناصر، ويكفي أن نُشير هنا إلى اللغة التي كانت تشكل العنصر الرئيس في الأدب المألوف، في حين لم تعد كذلك مع الرقمي، لأن لغات جديدة أصبحت تُجاورها في عملية التشخيص الأدبي. إذن، ننتقل من مفهوم إعادة ترتيب عناصر العملية الأدبية، إلى انتقال في وظائف عناصر الأدب. إنه انزياح للانزياح.
تأسيسا على ذلك، فإن الأدب الرقمي يشكل حالة استمرارية لمسارات الأدب، وتطويرا له. وبالتالي، يصعب إدراكه في غياب تجديد الوعي بنظرية الأدب من جهة، وبتاريخ انتقال أنظمة الأدب من جهة ثانية. وهنا، لا بد من الإشارة إلى شرط معرفي ساهم في مراحل معينة في دعم الفكر الأدبي، وجعله علميا من أجل الوعي بسؤال الأدب، ونعني بذلك الجامعة باعتبارها فضاء تطوير التفكير في الأدب ونقده. 
عندما نستحضر مجالات تطور التفكير في الأدب ومسارات تحول نظرياته ومفاهيمه، سنجد فضاء الجامعة قد لعب دورا جوهريا في إغناء التفكير. ولعل أهم المدارس النقدية الأدبية واللسانية قد انطلقت من فضاء الجامعة. نذكر في هذا الصدد تجربتين: تجربة الشكلانيين الروس، من خلال حلقة جامعة موسكو (ياكوبسون) وحلقة براغ. ثم تجربة النقد الفرنسي الحديث من خلال المحاضرات التي شكلت أرضية خصبة في النظرية الأدبية والنقدية الحديثة، والمجلات والسلسلات العلمية حول النقد، التي اهتمت بالنظريات الأدبية الجديدة، وبالخطاب النقدي خاصة الروائي. وتعود أهمية هذا الفضاء إلى كونه يُمكَن الدرس الأدبي بأدوات منهجية، ورؤية علمية تُحصن التفكير في الأدب. لا يخرج الأدب الرقمي عن هذا الوضع، لأن الوعي به وبكتابته تم بفضاء الجامعة والبحث العلمي في أمريكا وأوروبا. وفي هذا دلالة تخص علاقة العلم بتحصين مستجدات المعرفة الأدبية.
عندما نتحدث اليوم عن الأدب الرقمي والانزياح المُضاعف، فإن الأمر لا نقصد به الأدب وحده، وهو يتحقق عبر فضاء مختلف، إنما القصد أيضا أن يتم تحصين المجيء إلى هذا التعبير تأليفا واستقبالا وتفاعلا بالوعي الثقافي والمعرفي والعلمي بمنطق الثقافة الرقمية. كما أن انفتاح الجامعة والبحث العلمي على الأدب الرقمي لا يعني فقط، الانخراط في شكل أدبي جديد، والسعي إلى تفكيك خطابه، وتحديد شعريته باعتباره درسا أكاديميا، إنما الهدف الذي يمكن تحقيقه من هذا الفعل العلمي، أن التفكير في الأدب الرقمي يسمح بإنتاج معرفة جديدة بالأشكال الأدبية المألوفة، كما يؤدي إلى تغيير في منظور دارس الأدب. ذلك، لأن كل موضوع يبدأ محور التفكير، غير أنه يتحول إلى وسيط للتفكير في موضوع آخر، سواء كان هذا الموضوع قديما أو جديدا. 
ولعل من بين الأسئلة الجديدة التي يقترحها الأدب الرقمي وهو يطرح موضوعه للتفكير المعرفي والأدبي هو سؤال الأدب الذي يعد اليوم أكبر تحد أمام الجامعة والبحث العلمي والفكر النقدي. كلما تأخر الدرس الجامعي في إعادة طرح سؤال الأدب وفق المستجدات التي يعرفها التعبير الأدبي في شكله المألوف، بموازاة مع الفكر النقدي فإن العلاقة مع الأدب ستظل راكدة.

-----------------------------------

القدس العربي- Jun 01, 2017