دوريان لوكس
Dorianne Laux

دوريان لوكسمن أين يأتي الشعر؟ من الحياة، الحيوات المتعدّدة التي يحياها المرء (الشاعر)، أم من الشعر نفسه؟ من اللغة والصور والعدّة التعبيرية، بمستوياتها المختلفة، أم مما تقوله هذه اللغة وتفصح عنه؟ من ميراث الكتابة نفسه، والخبرات التعبيرية المتراكمة، أم من مطرح شخصي؟ بعض الشعراء يطرح شعره أمامك كل هذه الاحتمالات، إذ يبدو طالعاً منها جميعاً، إلى حدّ يكاد يكون متساوياً، ومن هؤلاء الشاعرة دوريان لوكس (يكتب الاسم Laux لكنه يلفظ Lox أو Locks) التي يقدّم هذا الكتاب مختارات من شعرها، وتعدّ من أبرز الأسماء التي ظهرت في التسعينات من القرن الفائت. فتجربة قراءة هذه الشاعرة تضعنا أمام الحرفة التعبيرية والأدوات الشعرية واللغوية، وبالتوازي مع ذلك، تفتح أمامنا عالماً حميماً وخاصاً ومتعدداً، هو عالم الشاعرة/ المرأة نفسه، حياتها، سيرتها، آلامها، إخفاقاتها، أفكارها، خبراتها...الخ. أي أننا أمام تجربة متماسكة وقوية لجهة أدواتها، وفي الوقت نفسه أمام سردية (شعرية) إنسانية تجعل القصيدة كل مرة تنبض بقوة الحياة التي تقولها، أو تسعى إلى التقاطها، لا بقوة التعبير والصور والمخيلة وحدها.
تقول لوكس، متحدّثة عن شعرها في حوار صحافي، إنها ترى هذا الشعر (شعبوياً) بمعنى أنه يستطيع النفاذ إلى شريحة واسعة من القراء، على الرغم من نخبويته التعبيرية، أي انتمائه إلى تقليد في الكتابة لا يعتمد المباشرة والبوح واستنفار المشاعر العامة، وإن بدا كذلك في بعض الأحيان، ناهيك عن الصعوبة النسبية للغة التي تكتب بها. لكن هذه اللغة توظّف باستمرار في كتابة هي أقرب إلى المادية الملموسة، منها إلى رمزية تدور في إطار اللغة وحدها. وهذا بالنسبة إلى لوكس لا يعني الواقعية، وإن كانت هذه الأخيرة شديدة الحضور في قصائدها، بقدر ما يعني الانطلاق من الواقع لتحويله دائماً إلى شيء آخر. الواقع ربما كذريعة تحاول لوكس أن تقول من خلالها الطبقات المتعددة للخيبة والألم، كما للمسرات وأشكال الاحتفاء بالحياة. كل قصيدة من قصائد لوكس، في دواوينها الثلاثة المنشورة حتى الآن، تكاد تكون نوعاً من البحث عن أسرار الحياة الكثيرة والتي لا تستقر على حال، ولا يمكن تلخيصها برأي أو نظرية أو حتى إحساس.
ما يجعل شعر لوكس (شعبوياً) بالنسبة إليها، وعلى حدّ قولها، هو أنها هي نفسها عاشت حيوات متعددة، عرفت في طفولتها قسوة الحياة العائلية وحنانها، عرفت التشرد، اختبرت الحب واللذة، اختبرت الزواج والأمومة والطلاق، تنقّلت بين وظائف كثيرة جعلتها تحتك بالطبقات السفلى والوسطى من المجتمع، أي أنها نمّت لديها إحساساً عميقاً بذاتها، كما بالآخرين، لا بمعنى التضامن العام إزاء قسوة شروط الحياة، بل بمعنى الفهم العميق للفرديات المتمزّقة والقلقة، للآلام الداخلية الخاصة، لأشكال العزلة، للمطالب البسيطة التي تبدو إزاء تعقيدات الحياة اليومية مستحيلة... كل ذلك يشكّل ذات لوكس الشعرية، التي تجعل القصيدة عندها قائمة على مستويين متراكبين، الأول العنصر السردي المنطلق من الواقع، أو السيرة، أو الذاكرة، أو الحياة اليومية، والعنصر الثاني رفع كل هذه الشؤون إلى مستوى السؤال الشعري، واعتماد أدوات تعبيرية (التصوير، التخييل، الاستعارات، التشبيهات...الخ) في غاية الدقة، بحيث لا يؤدي السرد لديها إلى عبارة فضفاضة أو فالتة، بل إنها باستمرار مضبوطة بإيقاع داخلي حازم ومتماسك.
لعل العنصر الذي يظهر في معظم قصائد لوكس أو الذي تنطلق منه قصيدتها باستمرار، هو الإحساس الدائم بالخسارة، كما الإحساس بفداحة الزمن. هناك شعور دائم بأن هناك شيئاً ما يضيع، حتى في اللحظة الحالية المعيشة، وبالتالي هناك بحث عن أثر هذه اللحظة، عمّا يجعل حضورها فيزيائياً، والأمر نفسه في ما يتعلّق بالماضي البعيد أو القريب: أيّ أثر يتركه هذا الماضي في (الآن) و(هنا)، كيف يمكننا تجميد لحظة فائتة وضائعة، لمعاودة تحريكها في الحاضر الذي هي أصلاً متحرّكة فيه، وإن في الخفاء. الموت بهذا المعنى يشكّّل عنصراً ملحّاً في قصائد لوكس، وهذا ما يمكن لمسه بقوة من خلال هذه الاختيارات (مثل قصيدة (الموت يأتي إليّ فتاة)، أو (سيمفونية الوداع) أو (صلاة) أو (الحبسة) أو (مقبرة في وادي هيرد)). ولا يبدو الموت هنا مجرّد قضية وجودية أو ميتافيزيقية، بمعنى التفكير في الماوراء (الذي تنفي الشاعرة في إحدى القصائد وجوده)، بل إنه قضية مرتبطة بالحياة نفسها، أي بعنصر الخسارة المذكور. وهو ما تكمل بناؤه قصائد أخرى (مثل (أوفيليا عند ضفة النهر) و(تكسّر) و(دخان)...)، تشتغل على مأسوية الخسارة التي تواجهنا باستمرار، والتي تبدو أحياناً قدراً محتوماً (كما في قصيدة (التخطيط للمستقبل)). وهنا تبرز (معالجة) الشاعرة للعلاقات (الإنسانية عموماً، وخصوصاً بين الرجل والمرأة) حيث الوحدة، وحدة كل كائن، تبدو باستمرار قدراً مؤجلاً. لكن هذه ليست الصورة النهائية. إذ على الرغم من شدّة السواد التي تنضح بها مثل هذه القصائد، فإنها تقود في آن معاً إلى تمجيد اللحظة، الراهن المعيش، تحديداً لأنها لحظة مفتقدة، وبالتالي إلى نوع من التصالح مع هذه اللحظة (كما في قصائد مثل (من أجل الغرباء) و(مشعل النيران) و(تكسّر) و(من أجل الغرباء) و(إذا كان هذا هو الفردوس)) انطلاقاً من الإدراك العميق لمأسويتها، ولفداحة الخسارة الدائمة (قصيدة (أشباح) بهذا المعنى نموذجية...).
ولدت دوريان لوكس في أوغوستا، ماين، الولايات المتحدة الأميركية في 1952. عانت في طفولتها عنفاً منزلياً تمثّل في معاملة الأب السيئة لها ولأمها وأختها، وبين سن 18 و30 تنقّلت في وظائف عدة منها عاملة في محطة بنزين، عاملة في مغسل، طباخة، مدبّرة منزل، خادمة، وموظفة في مخبز، بائعة اشتراكات في دليل تلفزيوني...الخ). في 1983 عادت لوكس إلى بيركلي، كاليفورنيا، حيث تلقّت منحة مكّنتها من الالتحاق بكلية (ميلز) وكانت قد أصبحت متزوجة وقتذاك ولديها ابنة في التاسعة. في الأثناء كانت لوكس تكتب الشعر وتنشره في بعض المجلات، بعد تخرجها من الكلية حاملة شهادة في الانكليزية، تلقّت منحة أخرى من (ناشيونال إندومنت فور ذي آرتس). أصدرت لوكس مجموعتها الشعرية الأولى (يقظة) في العام ،1990 أتبعتها عام 1994 بمجموعة (ما يثقلنا) التي رشحت لجائزة (ناشيونال بوك كريتيكس سيركل أووردز) التي تعد من أرفع الجوائز الأدبية الأميركية. وفي تلك السنة انضمّت إلى جامعة أوريغون ضمن برنامج الكتابة الإبداعية حيث مارست التدريس ثم إدارة هذا البرنامج. نشرت لوكس بعد ذلك مجموعة (دخان) (2000)، كما ساهمت مع كيم أدونيزيو (التي سبق وقدّمنا مختارات من شعرها) في كتاب (رفيق الشاعر: دليل إلى متع كتابة الشعر) (1997).
يجدر القول أخيراً أنني وقبيل الشروع بترجمة مختارات لدوريان لوكس اتصلت بها عبر البريد الالكتروني لأخبرها بالمشروع بصورة عامة وبرغبتي بترجمة بعض قصائدها إلى العربية، فرحّبت كثيراً بالفكرة، وأرسلت إليّ بعض القصائد التي لم تكن متوفرة لدي، والقصائد المنشورة في هذا الكتاب هي من مجموعات لوكس الثلاث المذكورة أعلاه.

س. أ. هــ

****

بعد اثني عشر يوماً من المطر

لم أستطع تسميته: ذلك الحزن
اللذيذ المتدفّق فيّ منذ أسابيع.
لذا مسحت الغبار، ووجدتني واقفة
في غرفة، وفي يدي خرقة،
والطيور تشدو: (آن وقت الذهاب، آن وقت الذهاب).
وكامرأة عجوز عند نهاية حياتها
كان في وسعي استذكاره؛ صوت
رجل لم أُحببه عضعض مرةً
نهديّ وراح يهمس:
(حمامتيّ الصغيرتين، زنابقي، زنابقي البيض)
كدت أبكي حين تذكّرته.

لا أذكر متى بدأتُ بمناداة
الجميع (حبّوبي)
كما لو كانوا بناتي،
أعزائي، وعصافيري الصغيرة.
لطالما أحببت أكثر مما يلزم،
أو ليس بما يكفي. الليلة الفائتة
قرأتُ قصيدة عن الله وكدتُ
أصدّقها - الله يحتسي القهوة
ويدخّن التنباك المعسّل.
بلغت مرحلة في حياتي
حيث يمكنني أن أصدّق
كلّ شيء تقريباً.

اليوم، وأنا أملأ خزان سيارتي بالبنزين، وقفتُ
تحت المطر دون أي شعور بالكراهية وكل العالم
استحال صمتاً - السيارات تمرّ ساكنة على الإسفلت
المبلل، فم عامل المحطة
ينقفل وينفتح على هواء
وهو يتنقّل من مضخّة إلى أخرى، وخطواته
تمّحي تحت المطر - لا شيء
سوى الأرقام الصغيرة على نوافذهم المربّعة
تمرّ سريعاً بجوار كتفي، تنزلق الثواني
مهرولة وأنا واقفة هناك
متوازنة على قدمي، ممسكة خرطوم
البنزين بيدي، والمطر يتجمّع في شعري.

ورأيت أنه ما عاد مهماً
من أحبّني أو من أحببت. كنت وحيدة.
الإسفلت الأسود المزيّت، الوسامة الصقيلة
لعامل المحطّة الإيراني، الغيوم
المتكاثفة - لا شيء لي. أدركت أخيراً،
وبعد (فصل في الفلسفة)،
وألف كتاب من الشعر، وبعد الموت
والولادة وصرخات الرجال الحادّة
الذين هتفوا باسمي وهم يلجونني،
أدركت أني وحيدة، شعرت بذلك
في أعماق قلبي، وسمعت صداه يتردّد
كجرس رفيع. وعادت الأصوات، العجلات
والخطوات، وكل الحمولة الرقيقة
التي حملوها قائلين بلى وشكراً.
دفعتُ الرسم وصعدت إلى سيارتي
كأن شيئاً لم يكن -
كأن كل شيء يهم - ماذا يمكنني أن أفعل سوى ذلك؟

قدت سيارتي الى محل البقالة
واشتريت خبزاً أبيض وحليباً
ولوح شوكولا ملفوفاً بورقة ذهبية،
ابتسمت لموظّفة المحاسبة المراهقة
بوجهها المبثّر واسمها
البلاستيكي المعلّق فوق صدرها الصغير،
وعرفت سرّها، خوفها اللذيذ،
ذلك الطائر الصغير. العزيزة الصغيرة. أعطتني
بقية النقود، وكيسي البني، والوصل الممزق،
دفعَت دُرج النقود بوركها،
وبادلتني الابتسامة.

غبار

كلّمني ليلة أمس،
وأخبرني بالحقيقة، بضع كلمات فقط،
لكنني أدركتها.
كان ينبغي أن أجبر نفسي على النهوض،
لكي أدوّنها، لكن الوقت كان متأخراً،
وكنت مرهقة من نقل الأحجار
طوال اليوم في الحديقة.
أتذكّر الآن طعمها فحسب،
ليس كالطعام حاداً أو حلواً.
شيء أشبه بالبودرة الجيدة، بالغبار.
ولم أذعر أو أبتهج،
لكنني ببساطة كنت منتشية، واعية.
هذا ما يحدث أحياناً
يأتي الله إلى نافذتك،
ضوء ساطع وجناحان أسودان،
وأنت من شدّة تعبك
لا تقوى على فتح النافذة.

قصص عائلية

كان لي صاحب حكى لي
قصصاً عن عائلته، وكيف أن شجاراً
كان يمكن أن ينتهي بأن يحمل أبوه
كعكة عيد الميلاد المضاءة بكلتا يديه
ويرشقها من نافذة الطابق الثاني. فكّرت
أنه هكذا تكون العائلات الطبيعية: الغضب
مرسلاً عبر النافذة ليحطّ في الأسفل كهدية
تزيّن الرصيف.
في عائلتي كانت ثمة القبضات والضربات المباشرة
على المعدة، ولا أحد
يسامح أحداً على الإطلاق، لكن في قصصه
استطعت أن أصدّق أن الناس يحبّون بعضهم حقاً،
حتى حين يصرخون
ويركلون الأبواب بأرجلهم،
أو يحملون كرسياً كزجاجة شمبانيا
ويحطّمونه بالجدار،
متشظّياً.
قلت إنه غير مؤذ، ذلك الغضب
الشغوف - المعقّد والمأسوي.
قال إن هذه كانت لعنة
أن يكون المرء كاثوليكياً من أصل إيطالي،
وكان ذلك حين أطل وقتذاك من النافذة
وكل ما رآه كان شيئاً يتحطّم بقسوة.
أما ما رأيته فكان كعكة ميلاد رائعة
من ثلاث طبقات تسقط منفتحة كزهرة
على الرصيف، الشموع تتكسّر،
أو تغوص عميقاً في الكريما، لكن كل شمعة
ما تزال تضيء رافضة أن يطفئها
شيء.

متى يمكننا الذهاب؟

متى يمكننا الذهاب؟ الأغراض وضّبت في السيارة
البرّاد محشور بين أكياس النوم
وأطواق النجاة، والصحف والخرائط.

لو يتوقّفان فقط عن الجدال، لو تسحب
كلامها الذي أغضبه.
أيمكننا الذهاب الآن؟ الأشياء وضّبت في السيارة،

أخواتي الخمس يقفن على الشرفة الخلفية، متشابكات الأيدي،
كنباتات في قدر، وهو يقول الآن (هراء)
وهي تركل حذاءيها قائلة (إذا كان

هذا ما تريده فهذا ما ستحصل عليه)، زوجة سمينة
بنهدين مسطّحين وثمة دوماً من يرضع. هناك خفافيش
في برج كنيستي، أوردة متسعة، والأولاد نائمون على الحُصر.

متى يمكننا الذهاب؟ الأشياء موضّبة في السيارة،
والآن ذهبت الطفلة إلى الحمّام
بسروالها الداخلي، والكلب يلتقط القطة

من رقبتها ويعبر بها فتحة
في السياج المكسور. هو، نزع، غاضباً قبعة البايسبول،
شعره مجدول إلى الخلف.

يقول (إني راحل). أخرجوا الأغراض
من السيارة. نستلقي جميعاً ونأخذ قيلولة.

أشباح

منتصف الليل وينزل مطر خفيف.
أجلس على دَرَجات الشرفة الأمامية لأدخّن.
عبر الشارع نافذة مضاءة، يملؤها
سلّم يقف عليه شاب.
رأسه ينخفض باتجاه إطار النافذة كل مرة
يغمس فرشاته فيها بالطلاء.

إنه يطلي مطبخه بالأبيض، مغطّياً
بأناة الأصفر الباهت بضربات طويلة.
ينحني على عمله كعاشق، مخاطراً
بفقدان التوازن، عائداً برشاقة
إلى وسط الدَرَجة ليغمس فرشاته
ويبدأ ثانية.

تظهر امرأة أسفل السلم، تستعير
طلاء تغمّس به فرشاتها الرفيعة
كلسان. كنزتها بلون
الحامض. إنها بداية
حبّهما، عار وبسيط
كتلك الغرفة المبلّلة.

أشعر بوجع في وركي الجاثم على الإسمنت الرطب،
أمضي به إلى الداخل، وآتيه بوسادة
ليستريح. صرت عجوزاً
على الجلوس على الشرفة تحت المطر، ومشاهدة الصباح
يشرق على السطوح.

عجوز على الرقص
في دوائر في حانات قذرة، يد رجل
مشدودة على ظهري،
صندل زهري يتدلّى من أصابع متعبة. الحب،
كبرت كثيراً عليه، ألسنة الغرباء
الطليقة في فمي، أسنانهم التي قرعت
على نهديّ من الحلمتين كأجراس ناعمة.

أريد أن أستعيدها. الأقراط الحمراء والصدريّة
الزرقاء. الشفتان المشبعتان لعاباً. العضلات
التي تنفتل كحبال المراكب في رياح عاتية.
وحيث البطون تصير وسائد. لا هذا الوجع في وركي.

أريد الفتاة التي تخترق مكاتب المراهنة الزرقاء
من الدخان والبيرة الذهبية، ثم تخرج وحيدة
إلى ضباب صيفي لتقف تحت هالة
مصباح الشارع الكهرمانية، وراحتاها الزرقاوان
مكوّرتان على شعلة عود الثقاب.

كان يمكنها أن تحظى بحيوات كثيرة. أن تفرّ مع
فتى إلى أريزونا، أن تعيش في مزرعة
تحت تموّجات من الصخر المنحوت، ويداها
تصطبغان بلون الرمل الأحمر المسطّح. كان يمكن أن تقول
بلى لامرأة بأصابع مستدقة الأطراف كالشموع،
أو لرجل ينام في خيمة قماش، الذي طرحها
على فرشته العشبية حيث جعلت
نفسها فارغة كحلقة من النار.

أوكلاهوما.

يمكن أن أكون هناك الآن، أستخرج الذرة من قشورها الجافة،
وأخزّن الطماطم السمينة في الجرار الزجاجية.
توقف المطر. على امتداد الحي تنقّط البيوت
كساعات تتكتك. أطفئ الأضواء
وأتحسّس طريقي إلى غرفة النوم، أدسّ أصابع رجلي
الباردة بين الشراشف الزهرية، ألقي بصدري
على ظهر رجل ينام بالبيجاما،
بذلته معلقة بثبات في الخزانة، حذاؤه
المرهق متجه إلى السقف.

هذا الرجل يحبني لذكائي، ولجرأتي،
وللطريقة التي تمتد فيها ساقي من التنانير المهدّبة.
حين يطوي جسده على جسدي أعرف
أنه يشعر بشخص آخر. لا ألومه.
أحبه حتى وأنا أتذكر رجلاً
بيدين خيزرانيتين، باطنهما زهري كبراعم
تتفتّح على صدري.

ويحضنني،
حتى مع كل تلك الأصابع الأخرى تتصارع
في داخلي،
حتى مع كل الأكتاف الأخرى
الملتصقة بكتفيه كالأجنحة.

وقود سريع الاشتعال

إلى ريتشارد

قبل عصر الخدمة الذاتية
حين لم تكن مضطراً إلى أن تضخّ بنفسك حاجتك من الوقود،
كنتُ الشخص الذي يقدّم لك هذه الخدمة،
الفتاة التي تخرج حين يُقرع الجرس
حاملة خرقة زرقاء، رافعة شعرها إلى الخلف
على هيئة ذيل حصان مستقيم وبشع.
كان هذا قبل القواطع الأوتوماتيكية
والأختام البخارية، ومرة فيما كنت أملأ خزّاناً،
ضربت فقاعة هواء محبوس وارتدّ الوقود
إلى أعلى، منبجساً من الفتحة على شكل قوس
في موجة ذهبية لامعة وغمرني السائل - وجهي،
نهدي، بطني، ورجلي. وكان عليّ أن أهرع
إلى الكُشك، إلى حمّام الموظّفين الصغير،
المكسور قفله، لكي أغيّر بذلتي،
أن أنزع عن جلدي الثوب المشبّع بالوقود
وأغسل نفسي في المغطس.
خفيفة الرأس، عارية، شعرت
بالذهول والصفاء - كيف صقل
الوقود الكهرماني جلدي، السّفع،
الألم الخفي الناتج منه،
الوجع واللمعان على جلدي الذي توهّج
كزيت قوسقزحي على الرصيف.
كنت في العشرين. وكنت، بعد بضعة أسابيع،
سأغرم للمرة الأولى بذلك الرجل الذي ينتظر
بصبر في مستقبلي كنبتة حمراء
على الرصيف؛ ذلك النوع من الجمال
الذي يتطلّب أن يُرى.
كيف كان لي أن أعرف
أن الأمر سيبدأ على هذا النحو:
كل خلية من جسدي
تشتعل بجمال خطير، الهواء حولي
هالة ضوئية ستحملني
عبر الأيام،
وكيف حين وجدني بعد أسابيع،
كان سيجدني على هذا النحو،
امرأة عادية يمكن أن تشتعل فيها
النيران، وليس عليه سوى
أن يقترب مني ويلمسني.


من أجل الغرباء

أياً يكن الحزن ووزنه
فنحن مجبرون على حمله.
ننهض ونحشد قوتنا الدافعة،
تلك القوة البليدة
التي تقودنا عبر الحشود.

ثم، وبحماسة شديدة، يدلّني فتى
على وجهة السير. وتبقي سيدة الباب
الزجاجي مفتوحاً وتنتظر بصبر
لأعبر بجسدي الفارغ.
يستمر هذا طوال اليوم، كل لطف
يقود إلى الآخر، غريبٌ
يغني للاأحد بينما أعبر
الممر، الأشجار
تتيح ثمارها، طفل
معوّق يرفع عينيه اللوزيتين ويبتسم.
على نحو ما يجدونني دائماً، ويبدو
حتى إنهم ينتظرونني، مصمّمين على
إبقائي بعيدة من نفسي، من الشيء الذي
يناديني
كما ناداهم مرة حتماً
تلك الغواية بأن أقفز عن الحافة
وأسقط بلا وزن، بعيداً
من العالم.

محاولة إنهاض الميت

انظرني. أنا الواقفة الآن على شرفة
وسط أوريغون. ثمة أصدقاء داخل المنزل. هذا

ليس منزلي، وأنت لا تعرفهم.
إنهم يحتسون الخمرة ويغنون
ويعزفون على الغيتارات. تحبُّ

هذه الأغنية، أتذكر، (أوفيليا)
ألواح خشب على النوافذ، بريد
عند الباب. أهمسُ الأغنية معهم

بحيث لا يحسبونني مجنونة.
فهم لا يعرفونني جيداً،
أين أنت الآن؟ أشعر بالحمق.

أحادث الأشجار، ووريقاتها
التي تتطاير في الهواء الأسود، أحادث النجوم
التي تلتمع وتختفي على الظلال

التي على هيئة قلوب، أحادث القمر
نصف المضاء والقاحل، العالق كفأس
بين الأغصان. أي شيء

أنت الآن؟ هواء؟ ضباب؟ غبار؟ ضوء؟
أي شيء؟ أعطني إشارة. عليّ أن أعرف
إلى أين أرسل صوتي.

اعطني اتجاهاً ما. هدفاً ما. حبي يحتاج
إلى مكان ليستريح. قل شيئاً. كلّي إصغاء.
إني جاهزة لأصدق حتّى الأكاذيب لا يهمّني.

قل (شجيرة تحترق). قل (حجراً). لقد توقفوا
عن الغناء وعليّ الذهاب حقاً.
لذا قل لي، بسرعة. إنه نيسان. أنا

في شارع سبرينغ. تلك سيارتي الرمادية
التي على جانب الطريق. إنهم يضحكون
ويرقصون. أحدهم سيأتي
قريباً. إنني ألوّح.

أعطني إشارة إذا كنت تستطيع رؤيتي.
إنني الوحيدة هنا الجاثية على ركبتين.

كيف ومتى

ها أنتِ، مرهقة من ليلة أمضيتها باكية، مكوّمة على الكنبة،
على الأرض، قرب السرير، وأي مكان تقعين عنده، تقعين باكية،
نصف مندهشة مما يمكن الجسد فعله، معتقدة أنك لن تستطيعي
البكاء أكثر. وها هي الأشياء، جورباه، قميصه، ملابسك التحتية
وقفازاك الشتويان، كلها في كومة فضفاضة قرب باب الحمام،
وتقعين ثانية. ذات يوم، بعد سنوات من الآن، ستكون الأشياء
مختلفة، سيكون البيت، لمرة، نظيفاً، وكل شيء في مكانه، النوافذ
تلمع، والشمس تدخل بسلاسة، منزلقة على لمعان الشمع
على الأرضية الخشب. ستكونين هناك تقشّرين ليمونة أو تتفرّجين على طائر
يطير من حافة سقف البيت المجاور، ملاحظة كيف
لبرهة يقف جسده في الهواء، ثانية واحدة قبل أن يستجمع
الإرادة ليرفع جناحيه إلى مستوى الطوق ثم يفعل ذلك:
الطيران. ستكونين هناك تقرئين، ولبرهة ستكون هناك كلمة
لا تفهمينها، كلمة بسيطة مثل (الآن) أو (ماذا) أو (هو)
وستتفكّرين فيها ملياً كطفل يكتشف اللغة.
ستقولين (هو) مراراً وتكراراً حتى يصبح لها معنى،
وعندها تحين اللحظة التي تقولين فيها، للمرة الأولى، وبصوت مرتفع: (هو) ميت.
(هو) لن يرجع. وستكون المرة الأولى التي تصدّقين فيها ذلك.

مقبرة في وادي (هيرد)

قبره مكسوّ بالفضلات ثانية،
محارم مجعّدة، ملعقة بلاستيك، كوب
نايلون أبيض مقلوب، أثر أحمر شفاه لامع
على هيئة هلال على الحافة.
أريد أن أوبّخها على الفوضى التي خلّفتها وراءها،
العشب الذي سوّي بالأرض والعنب المسحوق،
لكنني رأيتها تسير باتجاه الأشجار،
جسدها الفارغ يتقلّص، وظلّها
يتبعها. أنا الدخيلة هنا،
لم آت لأندب جسداً محدّداً
بل لأستريح تحت شجرة، أصابعي تتحسّس
صفوف الرخام المتوهّج،
ومنحدرات التلال التي تغطّيها الغيوم.
دائماً أنتحي الزاوية نفسها،
إلى جوار الشاهدة التي حفر عليها (أمي)،
تاريخا الولادة والموت محفوران تفصل بينهما شرْطَة،
شقّ وجيز وعميق كاستعارة للحياة.
هل تهمسُ شيئاً، أتساءلُ، للذي
تحبّه، أم ببساطة تأكل وتنام،
راضية لساعة فوق سرير عظامه؟
أظنّ أنها تأتي له بالبرتقال والأسرار،
وبرباط يومها الممزّق والمعقود.
ليس لدّي أحد على هذه التلال أتناول الغذاء معه.
أنا مباركة. كل الذين أحبهم ما زالوا أحياء.
أعرف أن الله غير موجود، لا حياة أخرى،
لكن ثمة هذه الدعة، ملاك (*) الغرانيت
بجناحيها المكسوين بالطحلب، والتي شيئاً فشيئاً
صرت أحبّ وجهها، ابتسامتها الحزينة
كذلك الحزن الذي نحسّه بعد الجنس،
تلك الساعات القليلة الهاذية حين لا نحتاج إلى شيء
سوى النَفس والجسد، بعد أن نحلّق عائدين
إلى أنفسنا، إلى أجسادنا الثقيلة الناقصة،
قبل أن يعاودنا ذلك الجوع الرهيب.


إذا كان هذا هو الفردوس


(المرئي هو لغز العالم المرئي...)
(أوسكار وايلد)

إذا كان هذا هو الفردوس: أشجار، قفير نحل،
صخور. وهذا: قمر أجرد، شهب،
شمس صغيرة. إذا في يديك
كان هذا فردوساً: لحم حسّي،
عظام خفية، عيناك
تنفتحان، فلمَ علينا أن نتكلّم إذاً؟
لم لا نصعد إلى كل يوم كالحيوانات
التي هي نحن في الواقع ونمضي صامتين
إلى أشغالنا الحقيقية: صيد
الماء، والثمار، ولحم الفطر
القليل، نتعثّر عابرين الأعشاب التي ترتفع إلى خصورنا
بلا سبب، نجد ظلاً ونرتاح فيه،
وأطرافنا ممدودة تحت السماء البلامعنى،
نجد عطر العاشق
ونتزاوج بوحشية. إذا كان هذا الفردوس
وكل ما علينا فعله أن نولد ونحيا
ونموت، فلمَ نلتقط العود أصلاً؟
لمَ نرى العجلة في الصخرة؟
لمَ نجلب معنا من الحقول المشتعلة
وعاء مليئاً بالنار ونزعم أنه سحر؟

Homecoming

في مباراة كرة القدم في الثانوية، تحسّس
الصبيان عضلاتهم الناشئة، ورطّبت البنات شفاههن
بألسنة تفوح منها العلكة، أو الكراميل،
أو القرفة. في تنانير المشجّعات التي يطوينها لتقصر
يعدن إلى بيوتهن معاً، متمرّنات على الهتافات،
وتبرز سيقانهن الطويلة العارية في العتمة.
تحت أضواء الملعب المقبّب تقف فتاة
في رداء الحفل المخملي إلى جوار السياج المعدني،
وطوق من الزهور يتدلّى بين نهديها.
أبوها الهزيل في بذلته القطن يتكئ على السياج. بينما
تتحدّث والفتى تروح تخرج قدمها وتدخلها
في خفّها الأبيض الجديد، وتمرّر أصابعها
على خصلتها الفرنسية، وعلى قرطيها اللمّاعين.
يمكن أن يكونا صاحبين في موعدهما الأول، هي
حييّة بعض الشيء، هو محاولاً التأثير عليها
بوقفته غير المبالية. هذه هي اللحظة
التي ستتعلّم فيها ما ستحبّه: ليلة دافئة،
إحساس النايلون بين فخذيها، الشعرات الناعمة
على ذراعيها تنتصب حين تمر
نسمة هواء عبر المدرّج، السيارات أُشعلت محرّكاتها
استعداداً للانطلاق، رجل ينحني عليها،
مشتماً الزهور التي حول عنقها.

مشعل النيران

إلى رايموند، ابن أختي

منذ الصباح وهو يشعل صندوقاً
كاملاً من أعواد ثقاب (سايفواي)، تلك
التي رسمت عليها وجوه الرؤساء
بالأحمر والأزرق والأبيض.
لا يرضيه عود واحد كل مرة.
يحبّ أن يشكّ الرزمة كلها في المنفضة
ويشعلها كلها دفعة واحدة، الشعلة على بعد
أقل من إنش من أصابعه
بينما يحترق آباء الأمة.
لا تعنيه الديموقراطية،
أو حتى الفوضوية، أو الرسالة التي
داخل كل رزمة التي تعده بالالتحاق بمدرسة فنون
بنصف الرسوم إذا ما أكمل رسم وجه امرأة
وقام بإرسال الرسم. يحترق عنوان الشارع،
والرمز البريدي ورقم الهاتف، وتواريخ ميلاد
ووفاة الرؤساء،
ووجه المرأة غير المكتمل. أخشى
أن يفعل ذلك حين لا أكون متواجدة لأمنعه
من إشعال الستائر والكنبة.
يشعل عوداً بعد الآخر، محرقة صغيرة
على طاولة المطبخ. أظن ينبغي أن أخبره
حكاية بروميثيوس والنسر، وعن النيران
الضارية التي تشتعل الآن في تلال أوريغون.
أريد أن أقوم بما يفترض بي
القيام به وأن أبث الخوف فيه، لكن وجهه
يلمع، متوهجاً بالقوة،
ولا أستطيع إبعاد ناظريّ عن الضوء.

التخطيط للمستقبل

لم أحلم أبداً بأن ابنتي ستبلغ السادسة عشرة
إلى أن عادت إلى البيت ذات يوم بسيارة مليئة بالفتية
والبالونات والطعام المكسيكي الجاهز
وكعكة آيس كريم (باسكن روبنز) (*).
بعد أشهر قليلة صار لها صاحب
في قبعة بايسبول وسروال فضفاض وقرطين ذهبيين
دائريين ورأس حليق. إنهما سعيدان.
بعد دوام المدرسة ينجزان فروضهما معاً،
ممدّدين على سريرها، والباب مفتوح
إلى الحد المشروع.
كل سؤال تاريخ ينجز يستحق
قبلة. إنهما محرجان من الاسمين اللذين
اخترعاهما لبعضيهما،
من عذوبتيهما. أول المساء
يشاهدان (أم. تي. في)، يخفضان الصوت ويخطّطان للمستقبل:
الجامعة، ثم الزواج، ثم الأطفال،
ما سيأخذانه معهما - كلبه،
فأرها. أنا سعيدة من أجلهما، حتى مع أني أعرف
ما سيحدث -ـ الهدية الأخيرة، القبلة
الأخيرة، هي جاثمة على سريرها، يعميها
وجعها الشخصي الواضح. ويمكنني أن أرى بوضوح
اليوم الذي سترحل فيه، مفاتيح في علاقة،
حقيبة ترتطم برجليها.
وعندها يبدأ عمل الأمومة الحقيقي،
مهمة الانتقال إلى كل صباح، برجاء.

فتاة عند المدخل

هي في الثانية عشرة الآن، باب غرفتها
مقفل، شريط الهاتف يمتدّ على الرواق
في ثنيات مشدودة. أقف عند المجفّف
مصغية عبر الجدار الرفيع الفاصل بيننا،
صوتها يعلو ويخفت فيما تصفُ حياتها الجديدة.
صباحاً يحلّق، من جوربيها، ومن فرشاة شعرها،
هسيس على هيئة نجوم زرقاء وجيزة
يلمع المقوّم الفضي
داخل شفتيها الرقيقتين.
علاماتها المدرسية ترتفع وتهبط، أصدقاؤها يخابرونها
أو لا يخابرونها، كلبها يمضغ حذاءها الجديد
وصولاً إلى حشاشته. في بعض الأيام تفتح الباب
ويفوح المسك من تجعيدة سريرها الطويلة
ويملأ الردهة المعتمة. تسحب غطاء قطنياً
وتكسو به الأرض. يدوّم الغبار في دوائر ذهبية
خلفها. تسير، كإلهة، في المنزل،
كل نافذة تنبض بالصيف. في الخارج
ينتظر الصبيان، بصبر قليل،
تَقوّم أسنانها.
وحين تخرج إلى الشرفة الأمامية، تتأرجح الشمس
على خصلات شعرها، ويبرز مفترق فخذيها
كجناحين تحت ذراعيها
بينما ترفعهما وتلوّح: وداعاً، وداعاً.
ثم تستدير لتمضي،
الضوء كله تطويه، كوسادة، بين ذراعيها،
وتأخذه معها.

كتب

تقفين على أدراج الثانوية
الباب الدوار ينغلق وراءك
للمرة الأخيرة. لن تكون آخر مرة

تمتدحك فيها زميلاتك أو تذمّك، أو يُهمس
حولك، لكنها المرة الأخيرة التي ستقفلين فيها خزانتك،
وحقيبتك الرياضية، وترتدين سترتك قديمة الطرز،

وحذاءك الضيق. أنت على وشك
الانتهاء من هذا كله. العلكة، النميمة، عبادة
فتى في الصف الخلفي، تواريخ القطن والحروب،

قصاصات الغش، التأخّر عن المدرسة، علم المياه،
الأرقام المفردة والكسور المركّبة.
لا تعرفين هذا بعد لكن أكثر ما ستفتقدينه

هو الكتب، ثقيلة وفوّاحة وبالية،
الصفحات مشحّمة، شفيفة، ثخينة
عند الأطراف بفعل آلاف الأصابع الملعوقة.

ما ستتذكرينه هو الفرح الأبكم
للتلعثم في فقرة كاملة إلى درجة
أنها تحدث قرعاً في رأسك تغمر

صوت الأستاذ وجرس الفرصة. لقد سرقت
(شجرة تنبت في بروكلين) (*) من المكتبة.
تضعين يدك في الحقيبة

لتلمسي حرارته: غرض مسروق، مأخوذ إرادياً،
مع إدراك تام للخطأ والصواب.
تسمّين نفسك سارقة. لكن ثمة أشياء أسوأ،

تفكّرين، وأنت تتلمّسين الغلاف بأصابعك، متتبعة كأعمى
الحروف النافرة.
هذا كل ما تحتاجين إليه فيما تخطين خطوتك الأولى

إلى الشارع منضمة إلى شخصيات قد تنكشف
حيواتها عند لمستك. تتبعينها إلى
ضباب العالم، إلى المرأة التي ستكونينها، أياً تكن.

الثانية ظهراً

حين بلغت الذروة معك تلك المرة الأولى
على أرضيّة مكتبك، على السجادة الوسخة
وكعب إحدى رجلي ملقى
على كتفك، صرختُ من كلّ قلبي
وبكل ما يحتاج إليه جسدي من عزم،
لأنه في مكان ما من عقلي، في الأعصاب
الأدقّ التي لا تزال قادرة على التفكير
تذكّرت أننا الآن
في منطقة المخازن التي
تبعد أميالاً عن البشر.
بعد ذلك حين بات في مقدوري
إرخاء يدي وفتح عيني، نظرت إلى أعلى.
كنتَ جاثياً على ركبتيك، وذراعاك
مرخيتان على جنبيك، كنت ساكناً جداً...
الضوء المنبعث من المصباح المعقوف
ينحت كل عضلة مفتولة وناتئة
من عضلاتك المرخية، وأصغر الشرايين
على ظهر يديك. رأيت
سلاسل كل ضلع، الخفقان
الأزرق المجوّف في حلقك، كل الألوان
على شعرك الطويل الناعم المتدلي
على وجهك كستارة رافية (*)
في كوخ على جزيرة في جنوبي آسيا.
ومع كل عصب ينحلّ
ويعود إلى مجراه، تذكّرت
قصة قرأتها مرة تفسّر لماذا
تصرخ النساء حين يبلغن الذروة،
إنها صرخة الغازي، عواء ينذر
بالامتلاك. لذا نظرت إليك ثانية
وشعرت بصحّة ذلك، بدا جسمك كله
مهزوماً، مملوكاً، وقد اتخذ
مظهر العبد في الغلال، المعصمان
موثقان بحبل غير مرئي.
وحين تكلمتَ أخيراً لم ترفع رأسك
بل تمتمتَ ببساطة كلمة (يا إلهي)
وأنت تزفر - علمت عندها أنه ينبغي
عليّ أن أكون رحومة، وخيّرة،
وفي غاية اللطف.

هزّات جماع الكائنات الحيّة

على المرجة تتزاوج الخنافس البرية وتتزاوج وتتزاوج. كل زوجين يفردان أجنحتهما الصلبة وينضمان إلى بعضيهما. يضيئان في شعورنا، على أذرعنا، ثم يسقطان محوّمين ومتلاصقين في حجورنا المسطّحة. وتحتنا، في العشب، يبحث البق عن بعضه البعض، قرون استشعاره المنتصبة ترتعش، أرجله الدقيقة تعدو، ثم الآهات اللامتناهية الصغر للقاء كل اثنين، الفرح الغريب لدورانهما. أوه، على امتداد العشب يلتقيان ثانية، وينتشيان كما يمكن البق وحده أن يفعل.
لهذا السبب، أحياناً، نشعر بالعشب مكهرباً تحت أقدامنا، كل عشبة ترتجف، والهواء ينحلّ فوق رؤوسنا ويصطخب حول أذاننا كالمطر. لكن ينبغي أن يكون ربيعاً، وأن تكون مغرماً. في الواقع مغرماً إلى حدّ الوجع، إلى حد الألم، لتسمع كورس تنهداتها المجلّلة بالسواد.

قرب شديد

يلطّخ الضوء، حيث نحن مستلقيين في غرفتنا،
الظلال المسحوبة بالأصفر.
نتعرّق ونندفع إلى بعضينا، نتسلّق
بأصابعنا سلالم الأضلاع الزلقة.
حيثما يتلامس جسدانا يصير
الجلد حياً، حاراً وتواقاً، وكحيوانات
لامرئية يتحرّك على نهدي ملمس
فخذيك الناعم. ما أريده أن أمد يدي ببساطة
وآخذه، لا كياسة الآن،
الخبز البشري القاتم ألتهمه وافراً
بيدين جشعتين. العيون، الأصابع، الفم،
علَقات الرغبة العذبة. امرأة مجنونة،
رأسها مليء بالنحل، أترى كيف تتكوّر
يداها إلى قبضتين وتضربان الوسادة بغير وعي.
وحين يستسلم جسدي أخيراً لها
ثم يسحب نفسه بعيداً، مزنّراً بالملح،
ويتقوّس بوجعه الأخير، أكون
في غاية الامتنان لك بحيث أعطيك أي شيء، أي شيء.
إذا ما أحببتك، يمكن أن يقتلني هذا القرب.

الحُبسة (*)

إلى هونيا

بعد السكتة الدماغية كان كلّ ما استطاعتْ قوله:
(فنزويلا)، وهي تومئ إلى الإبريق
ذي الحواف الزرقاء الناصعة، تلك كانت إشارتها
الوحيدة. وحين شرِِبت المياه الصافية
وأرجعت الكوب
كانت كلمة فنزويلا ثانية، عربون شكر ربما
أو أن الكلمة هي الآن ببساطة
تنهيدة، كالسماء على النافذة،
حيث الوسائد حدود من الغيم
تسند رأسها. تذبل الورود الزهر
على النّضد قرب سريرها، وكل
بتلة تقع كُسرة على هيئة بلد
لم تزره قبلاً، لم تعبّر عن
اهتمامها فيه، والآن هو
في كلّ مكان، في الخوخ الذي
رفعته يقطر إلى شفتيها،
في المنديل الأبيض في العلبة، في صغارها
حين جاؤوا لزيارتها،
ليتعمّدوا بأسمائهم الجديدة
بعد كل قبلة. وليلاً
همسته، مخدّرة،
في أذن زوجها الذي مال
عليها ليصغي، يداها تتحسسان
أزرارها، ثدييها،
ترفعانهما إلى الضوء
كهدية: (فنزويلا)، قالت.

الشرك

تظهر اللقطات متذبذبة
على شاشة التلفزيون الرمادية:
خمسة جنود مارينز يُقذفون
من هليكوبتر، زهرة
معلّقة في الهواء
تفلت حبيباتها المزهرة.
صف من الظهور الكاكية، هيئات
أكتاف الرجال المربّعة، ركبهم الغائصة عميقاً
في الوحل ويلوّحون بالبنادق
كقصب صيد.
ثمة رائحة بارود نفاذة،
رائحة ملح كثير، بينما الأجساد
التي غُرفت من الخندق، تلقى
كسمك على ظهر سفينة.
هذا كل ما بقي
من فتى من (مريلاند)، نصف وجه
وذراعه اليمنى السليمة. أما الباقي
فنثر على منحدر تلة، خصيتاه
الزهريتان مفلوقتين على
صخرة رمادية. في جيب صديريته
ثمة صورة: فتاته
بالبيكيني، تمدّد جسدها
على غطاء سيارة (كاميرو) جديدة.
تبدو مبلّلة من حوض السباحة الأزرق،
ومن بين أسنانها تتدلى
مفاتيح السيارة التي تلتمع
كسمك صغير.

الوظيفة

(إلى توبي)

حين فقدت صديقتي خنصرها
بين بكرات الآلة الطابعة،
لم أكن قد التقيتها بعد. لا بدّ من أن
الجَدَعَة احتاجت إلى أشهر لتشفى، لكي يعاود الجلد
التمدّد ويلتحم بالعظام، لا بدّ من أنها احتاجت
إلى سنوات قبل أن تتمكّن من استعادة الأمر بهدوء،
كما تفعل الآن، في مقهى مطار
على فنجان قهوة سوداء.
لا تتذمّر أو تنحي باللائمة على
الآلة غير المصونة، أو على ضجيج المعمل،
أو على الوظيفة بساعاتها الطويلة المتواصلة.
تفتح ببساطة يدها المعطوبة وتدرس
الفراغ، فقدان التوازن واللحم، وتخبرني
أنها دفعت ثمناً بخساً،
وأن خنصرها المفقود علّمها
أن تكون أكثر حذراً في حياتها،
حيال ما تمد يدها لتلمسه،
وأن تبقى يقظة في يقظتها وأن
تصغي، وأن تعير انتباهها
لما يدور في العالم.

الموت يأتي إليّ ثانية، فتاة...

يأتيني الموت ثانية، فتاة
في قميص قطن تحتي، عارية القدمين، مقهقهة.
ليس رهيباً إلى هذا الحد، تقول لي،
ليس كما تحسبينه: ممتلئ بالعتمة
والصمت. ثمة أجراس الريح
ورائحة الحامض، وفي بعض الأيام
تمطر، لكن غالباً ما يكون الهواء جافاً
وعذباً. أجلس عند أول السلّم
الذي شيّد من الشعر والعظام وأصغي
إلى صوت الأحياء. أحبّ أصواتهم
تقول، نافضة الغبار عن شعرها،
خاصة حين يتقاتلون، وحين يغنّون.

أوفيليا عند ضفة النهر

عالم مسكين، بأشجاره الحزينة
وقدوره الفارغة، بأغنياته المكسورة
وذكرياته الممزقة، والضوء
ينسكب كمياه برّاقة من نجوم
ميتة من وقت طويل. عالم تقف فيه الشفقة
عند زاوية مرتدية
قبعة مسحوقة، وراحتاها
ممتلئتان بالمطر، حيث العشاق
يطوفون كالأشباح عبر
قمر المقبرة الرمادي صارخين
أين ذهبتم؟ ماذا سنفعل؟
عالم متعب، دودة شاحبة ملتوية
في منقار طائر أسود، عالم أرهقته
من الزلازل، والبراكين والفيضانات،
تصطفق النجوم كالشعل
بصخور جدية كهذه، وتلتهم الشمس
ثقباً في السماء. من
أمكن أن يحبّك أكثر، أيها العالم الحزين
الشارد في بحر من النجوم.

تكسّر

نركّب قطع (البازل) الواحدة
بعد الأخرى، ونحب كيف بسلاسة تجد قطعة
متقوسة مكانها في قطعة أخرى.
لطخة صفراء تصبح
فرشاة مكنسة، وقطعتان زرقاوان
تكملان السماء.
نلصق معاً أرجوحات الشرفة وأشجار
الخريف، مناغمين اللون الذهبي مع اللون الذهبي. نحمل
عينيّ الغزال براحاتنا، وزوجيّ
حذاء بني. نفعل ذلك فيما الطفلة
تدور في الغرفة، غير صبورة
إزاء تفتّحها، ضجرة من
البيت المرتّب، السرير المرتّب،
والطعام الجيد. ندعها تكتئب
بينما نتنقّل بين القطع
واضعين كل منها في موضعه
بنقرات راضية، مديرين ظهرينا لبضع ساعات
لعالم ينهار، لسماء تهوي،
للقطع التي
علينا الرجوع إليها.

دخان

من يفكّر في التخلّي عنه، الفحم عين قطة
في الغرفة المعتمة، ولا أحد هناك سوى أنت ودخانك،
النافذة صدّعتها أصوات الشارع، الصرخات البعيدة
للأشياء الحية. وحيدة، آمنة تقريباً، وينزلق
الدخان بين الحافة والزجاج، ويبتلعه
ليل لا تجرؤين على دخوله، عيناه ثملتان
تسبحان بالغيوم. في مكان ما
مكبّ نفايات مفتوح بمخالب آلة سوداء.
على امتداد الشارع ينفتح شيء في داخلك
ويقفل. صراخ مشؤوم، أزيز هوائي،
قمامة تدوّي في الأنبوب: متروكات، فوارغ.
لا تقلّبين التلفزيون أو الراديو، ما يمكن
أن يكتم هدير محرّك السيارة لحظة انطلاقه،
وفي الصمت الذي يسبق ذلك، تتحوّل أضواء الشارع
من الأخضر إلى الأحمر، هزء الخطوات، انكشاط
النفس، نفسك، الذي يصير أخف وأخف
بينما تتنشّقين الهواء. لا موسيقى لوشاح
الدخان الملتف حول كتفيك، أصابعه
تزحف إلى الجذر الشاحب لعنقك، لا أغنية
خفيفة بما يكفي، سيّالة بما يكفي، تتسلق عالياً بما يكفي،
ثم ترتفع وتختفي. رفش الموت يصرّ
على الرصيف، وعلى الصدوع اليدوية،
ويتزلج على الشحم إلى المجارير المليئة بالمطر، يحفر،
يدس أنفه المائل بين الأعشاب التالفة.
يمكنك سماعه يشق طريقه عبر الشارع،
خائضاً في النفس الأخير الذي مرّره عبر أسنانه
قبل الابتلاع: نفس القطة التي ركلت
إلى الإفريز، لهاث امرأة حاد، النحيب العميق
لطفل يرتعش. لا يمكنك إطفاؤه، لا يمكنك إخماد
الضوء وترك الليل يدخلك، دعيه يحفر
طريقه عبر أصغر ممراتك. لذا تصغين وتصغين
وتدخّنين وتتمتمين بالشكر، تمتصّين عميقاً نعمة
العيش، نافخة الهالات والأشراك والأصفار
والخواتم، وتنعقد سلاسل الدخان الزرقاء حول رأسك.
ثم تسحبينه ثانية، الدخان الذي بلون الأوردة،
وتنفخينه نحو سقف لا يمكنك أن ترينه
حيث يتلبّث كعذوبة لا يمكنك حملها،
كالشبح سيأتي الليل.

درج إلى السماء

منذ قرابة سبع ساعات ونحن ماضون في رحلتنا هذه.
السيارة محتشدة بالغيتارات الكهربائية ومكبرات الصوت
الصغيرة، والمزالج وقصبات الصيد،
وبنسخ متجعّدة من (تراشر) و (ماد)(*)
(راي) يقود بسرعة هائلة -ـ كان بدّل القيادة و(دان) عند الاستراحة الأخيرة
كما اتفقا. في لحظة يطلقان، من النوافذ المفتوحة،
كل السبّات التي يعرفانها
الألفاظ المنسية
تسحق تحت عجلات الشاحنات، ثم تالياً
هما نائمان يحلمان، يشدّان أصابع أيديهما
وأرجلهما العارية، رأساهما الحليقان يسترخيان
على المقاعد الممزقة. لكن الآن (دان) يقرأ،
و(راي) ينظر إلى النهر، مقلّباً الموجات
على الراديو إلى أن يسمع
(درج إلى السماء) (**) ويتجمّد،
ينظر إلى كل منا، وفمه
مفتوح دهشة من الحظ الرائع.
ساكنون كلياً نسمع الغيتار في عزفه المنفرد.
يمضي القطار مجهداً
على السكة إلى جانبنا.
يسوق القمر عزلته إلى السماء.
(راي ينظر) إلي بعينين تلتمعان ويقول
(ألا يسبب لك هذا الجزء القشعريرة؟)
نومئ برأسينا موافقَين، ثم نعود إلى
عوالمنا المنفصلة. في عالمي،
أبكي على كل فتى شجاع بما يكفي
ليُفتن، ليفتح قلبه
لنوتات متوحّدة كهذه، ليجلس ساكناً كلياً
ويقدّم نفسه للنوتات الحزينة.
الجبال تنتظر لتبتلعنا جميعاً:
امرأة وحيدة وصبيّان صامتان، يستمعون
إلى حزن يدعى الحب.

سيمفونية الوداع (*)

أحدهم أحبّه يحتضر، ولذا
حين أدير مفتاح السيارة
وأرجعها من مكانها في المرآب
تحت الأرض، وينطلق الراديو،
عالياً فجأة بموسيقى ما
لهايدن تتكرّر لازمتها متضاءلة
وأنا أناور السيارة عبر الأنفاق المعتمة
خفيضة السقوف، تابعة السهام الصفر
المخطوطة تباعاً على الجدران الاسمنتية الرمادية،
أفكّر فيه، ماضياً ببطء في
أيام حياته الأخيرة القاسية ولا يسعني التوقف عن البكاء.
حين أصل إلى كشك دفع الرسوم أجدني مضطرة
إلى التوقف عن التفكير فيما أبحث في جيوبي
عن آخر قطعي المعدنية، محوّلة نظري إلى الموظّف
غير المبالي في بذلته الزرقاء، الملتف شعره الأبيض
كالدخان حول عنقه السمراء، وأشكره
كالبلهاء، وأقود سيارتي إلى ضوء منتصف النهار المعمي.
كل شيء رمزي بشكل شنيع
وكل شيء يذكّرني بالسرطان:
شاحنة (الشفرون) وهيكلها الدائري
الملطخ برمل الطريق ورشح
مطر الليلة الفائتة، مستوعب
النفايات خارج محل الزهور، غطاؤه
المنبجس المنضغط على باقات أعراس ميتة..
حتى رائحة شيء بسيط كالقهوة
تنسحب من الباب المفتوح لمقهى وعينيّ
تترقرقان، تنوجعان في محجريهما.
لم أرد شيئاً منذ أشهر سوى
نعمة الغفلة، أن أتنقّل ببطء من غرفة إلى غرفة
في منزلي الصغير مخدّرة بالنسيان.
أن آكل صحن ذرة ولا أتصوّره، صديقي،
وقد بات هزيلاً وشاحباً، وغير قادر على الهضم.
كي لا أتخيّل الأورام
تنضج تحت جلده، الجلد
الذي قبّلته، ومسّدته بأناملي،
وضغطت عليه ببطني ونهديّ، وفي بعض الليالي
حسبت بقوة أنه يمكنني دخوله، أن أفتح
ظهره عند العمود الفقري كباب أو ستارة
وأنزلق كسمكة صغيرة بين أضلاعه،
أن أمسّ بشفتي دماغه،
وبحرير ذيلي المحزّز
أحشاءه الزرقاء.
الموت ليس رومنسياً. إنه يحتضر،
ولا تهمّ نظرتي إلى الأمر
ولا ما أعتقده، هذه الحقيقة مطلقة،
أحادية البعد، لا تقاس،
نوتة سوداء على مدوّنة فارغة.
قدماي باردتان، لكن ليس بقدر قدميه،
وأمقت هذه الموسيقى التي تغمر
الزوايا الضيقة داخل سيارتي، ورأسي،
مبطئة سير العالم
بعظمتها المتوهّجة، محوّلة كل ما أراه
نصباً تذكارياً للحياة،
أياً يكن بشعاً أو بلا حسّ..
حتى سيارة الفورد القديمة قبالتي،
مؤخرتها المنحدرة التي ترفع حتى تصير نتوءات صدئة،
ضاخّة غيوماً سوداء كلاسيكية من النفث الدخاني
إلى الهواء الوامض - حتى أزهار (أبو خنجر)
المتسلقة السياج، تزهر
وتعترش بالتفاهة، الموسيقى تنسكب
من براعمها المفتوحة، ملتفّة صعوداً،
عابرة آخر حواف الأزرق إلى البركة الساكنة
لمجرّة أخرى، كما لو أن كل ذاك الفراغ
مكان من الكرم، وجهة،
سلام يمكننا الصعود إليه.

صلاة

أيها المسيح العذب، دعها تخلّصك، دعها
تأخذ يديك وتحتضنهما إلى صدرها،
اخلع صندلك، ومدّد جسدك
على الملاءات النظيفة المفروشة على حجارة النبع.
دعها تريح رأسها الأسمر على صدرك،
دع لسانها يرفع الشعرات كما طرف السيف
يفرّق القصب، دع شفتيها تصقلان
عنقك، دع عينيك تبتلان باللذة.
دعها تحفظك بعيداً من الحياة الأخرى، كما تبعد
أم طفلها من حافة جدار قرميدي
على الرغم من لمعان الحبل والدلو ورنينهما
على الرغم من خيوط المياه الخفية والنداء الغامض.
دع تربيتتها تسكّنك وشغفها
يلهيك، دعها تريك الضوء
الذي يتدفّق على نوافذ مطبخها، الخوخ
في الطاسة الخشب، مربّع قماش أزرق
خاطته إلى تنورتها لتغطّي المزق.
ما يمكن أن يكون أكثر قدسية من انحناءة
ظهرها إذ تجلس، ويداها تفتحان خوخة.
ما يمكن أن يكون أكثر قدسية من عينيها،
معقّدتان وشرستان كالحقيقة، حياتك تنهض
خلفهما، اسمك على شفتيها.
ابق هناك، في بيتها العاري، القدور السوداء
تتدلى من الأوتاد، الخبز مضفور وأملس
على الطاولة، إبريق طيني من النبيذ الأحمر.
ثم قربان النحت والبرش اليومي المقدّس،
كرسي آخر ليصنع، رفوف لتنجر
نظيفة ومتوازية لتعلّق بحذر
على الجدران المفروكة بالشمس، سكين حادة
لتحويل الأوتاد ألعاباً
للأطفال. أوه يا يسوع، أغمض عينيك
واسمعها، الهواء حيّ بنداءات الطيور
والنحل، ووخشخشة سعف النخيل الجافة،
أغنيتها الشاردة بينما تغسل رجليها.
دع موتك يكون صامتاً واعتيادياً.
أيّ حياة ستختار من هاتين
ستنتهي على ذراعيها.