محمد بودويك

يحيى الشيخ
(العراق)

بعد هروبهم من الحانة خوفاً من الحرس، ووقوع الجريمة في اليوم التالي. لم يُعرف ماذا تم في الواقع، ولماذا قتل الرجل/ الرهينة مقابل مبلغ تافه؟ هل كانت كلها خديعة مدبّرة؟ ومنّ دبّرها؟ منّ له مصلحة في مشكلة تاريخية لم يحسم امرها بعد؟ رسالة يهوذا الذي انتحر على أثر اتهامه بالخيانة، وحدها الشمعة الضئيلة في ظلمة التاريخ. كتب الرجل ما يلي:
 (أنا يهوذا الاسخريوطي، أقرب التلاميذ لمعلمه وأحبهم اليه، اتُهمتُ زوراً بخيانته، وقد تظافروا كلهم الأحد عشر تلميذاً على ادانتي هرباً من ضمائرهم التي تخلت عنه في ساعة محنته... ولفّقوا ما بينهم؛ أن عودتي إليه لأفتديه، كانت لغرض الوشاية به.
أنا يهوذا الاسخريوطي، وقبل أن أُنهي حياتي بشرف يدي الطاهرة أقص عليكم الساعات الاخيرة من حياة سيدي: 
في مساء غامض متردد يخشى من ليله، كنا لدى "متى العشّار" نفكر بعشاء يعيننا على قطع جبال الجليل إلى ناحوم، لتهنئة الفريسيين بعيدهم بتكليف من المعلم، جاءنا بطرس راكضاً يلهث يبلغنا، أن المعلم يدعونا لوليمة عشاء يقيمها الرب احتفاءً به.
في طريقنا أخذ بطرس من زورقه سمكة كبيرة، وأخذ أخاه أندراوس بعض الحبّار، بعد خطوات دلف توما إلى بيته وجلب لنا جرة زيت، وملأ يعقوب خرجه بالزيتون، وأنا قطعت أغصان آس لتزيين المائدة.
كانت الحانة تغص بالزبائن، محتقنة بالصياح والكلمات البذيئة. انتحلنا ركنا يسعنا نحن الاثنا عشر تلميذا ومعلمنا. بدل النادل، كان الرب يطوف حولنا يخدمنا، يسقينا ويطعمنا. حتى اطمأن علينا همس للمعلم وغادر. وكنت الأقرب اليه، فسألته:

"ماذا ايها المعلم؟"

"قال أنه في مهمة ويعود".

ورفع كأسه ودعانا:

"هذا دمي فاشربوه"

رفعنا كؤوسنا وشربنا.

ثم رفع خبزة ودعانا:

"وهذا جسدي فأكلوه"

أكنا وشربنا، وامتلأت المائدة بأطباق الطعام وجرار النبيذ. مرّت الساعات وفرغت الحانة من زبائنها، تجاوز الليل منتصفه، ولم يعد الرب. نعس صاحب الحانة وطلب منا دفع الحساب والمغادرة:
"من يدفع الحساب؟"
نظرنا إلى بعضنا نبحث عن جواب لسؤاله. نظرنا كلنا مرة واحدة إلى المعلم، كان يمسّد لحيته وقد أطرق برأسه. وقف بطرس ورفع سمكته الكبيرة، رفضها صاحب الحانة فهي لا تساوي ثمن جرة نبيذ واحدة. فرش أخوه أندراوس الحبّار على الطاولة مفتخرا به وكأنه يعرض قطع ذهبية، رفضه صاحب الحانة فهو لا يساوي طبق طعام قدمه. اعطيناه كل ما جلبناه معنا... رفضه وهو يشتم ويهدّد. إلتفت إلى المعلم، وكان طيلة وقت المساومة ينظر إليه، وسأله:
"وأنت ماذا لديك؟"
ردّ عليه المعلمُ:
"لدي صليب من خشب جفر... لم يُصلب عليه جسد من قبل"
."خذه معك إلى الجحيم"
نظرنا إلى المعلم ننتظر كلمة منه، كان قد نكّس رأسه يحدق ببقايا النبيذ في كأسه، فبادرتُ باقناع صاحب الحانة:
."إمهلّنا لنعود إلى ديارنا ونأتي لك بالمال"
"لا بأس انتظركم حتى تعودوا به... واتركوا النجّار رهينة"
نظراته المريبة، تشي أنّه قدّر أهمية المعلم ومكانته بيننا. نظر السيد إلينا وأومأ لنا بالذهاب. في منتصف الطريق قرصني قلبي وخفت عليه، قلت لهم أن يواصلوا سعيهم للحصول على الفِدّية، وعدتُ مسرعاً، وجدت الحانة مغلقة والباب موصد بإحكام، طرقتها حتى أيقظت الجيران، قال لي أحدهم أنّ الحرس اقتادوه صوب المدينة. 
الليلُ يفقد المسافات حقيقتها ويبدّد الزمن ويضاعف الخوف في العتمة. وصلتُ عند الفجر، قابلت الحارس وسألته عن معلمي. استفزّني برمحه وصرخ بي:
"جئت لتهريبه ؟"
"لا، جئت لأفتديه، خذوني رهينة بدلاً عنه"
"لابد أنه مهم جداً... لتفتديه بنفسك"
"إنّه أثمن من حياتي"
"نحن دائما نحوز على الأثمن... هيا أغرب عن وجهي ... يا حثالة"
لم يكن لدي ما أفعله غير العودة بسرعة لأصحابي ابلغهم الأمر واحثهم على فديته. لم اعثر على أحد منهم، والدكاكين مغلقة، والناس زرافات تتوجه صوب الجلجلة. كنت اصطدم بهم وأنا عائداً إلى بيتي، علّي اعثر فيه على ما يفي بحاجتي. للحظات غفوت ورأسي على الحائط، سمعت الباب يرجم بالحجارة والناس تزعق:
"خائن... خائن... خائن"
"من هو الخائن؟ ومن هو المُخان؟"
لم اعثر على أحد في الباب، رأيت في البعد على التلّة، مشاعلا تضيء السماء. هرولتُ وكأن النار في ثيابي. كانت هناك ترتفع ثلاثة صلبان، وكأنها أعمدة السماء، سمعت صرخة زلزلت الأرض تحت أقدامي:
" إيلي، إيلي... لما شبقتني؟" 
أنا يهوذا الاسخريوطي قبل أن أشنق نفسي أردّدُ صرخة معلمي " إلهي، إلهي... لماذا تركتني؟)