محمد شعير
(مصر)

الحلقة الثانية من الملف الذي افتتحه ملحق «السفير الثقافي» بعنوان «أصوات شعرية جديدة» (28 تشرين الأول/ اوكتوبر الماضي) والذي بدأه مع أصوات جديدة من لبنان. الحلقة الثانية اليوم، مع شعراء شبّان من مصر، يأتون بكلّ نضارتهم وبأصواتهم المختلفة، ليخلقوا لنا مشهداً مختلفاً وفضاء يستدرجنا إليه. هنا قصائد من شعراء مصريين، بعضهم ينشر للمرة الأولى، والبعض الآخر أصدر ديواناً واحداً. لذا لا تعبر القصائد عن المشهد الشعري المصري كله، بل هي جزء من هذا المشهد المتعدد والثري. نحن أمام قصيدة تستوعب منجزات الحداثة وما بعدها، تستوعب وتمتص ما سبقها، لتنتج أسلوبها الخاص، أيضا المتعدد حيث اللغة البسيطة، وحيث العوالم الأسطورية والفولكلورية، تستلهم الصورة الجديدة، أو تحيلك إلى ألبومات موسيقية، ولا تحمل يقيناً تجاه العالم أو انحيازا إيديولوجيا مغلقا، إنها قصيدة عن خراب العالم... قصيدة همّها الأكبر هو التجريب... وحدها غواية التجريب، وهز الثابت واليقيني... قصيدة لغة وشكلا ومضمونا هي بمثابة «ثورة»... على السلطة الأبوية، والثوابت المقدسة. بالتأكيد لا يمكن القول إن هذا هو كل المشهد الجديد، فقد استبعدنا أسماء لها انجازاتها وتجاوزاتها وحضورها، لنركز على أصوات هامة... تبحث عن صوتها الخاص، كما أن الشعر بالنسبة إلى كثيرين منهم هو جزء من انجازهم، ليس على الهامش، ولكن لأن الكتابة بالنسبة لهم هى «كتابة» سواء أكانت في قصيدة أو قصة أو لوحة!

مركب
مركب على حجر بقرب البحر
يسألون من رسمه؟
أحد المارة ربما،
أو شاب محبط،
حلم قبل سنتين أن يركب البحر، ويهرب.
مركب على حجر بقرب البحر
مرسوم بالطبشور.
قد يكون معلمًا بالمدرسة الموجودة بالحي المجاور
أصابه الضجرٌ بعد انتهاء دوامه بالثالثة
ولم يعرج على المقهى ككل مساء.
أو تلميذ بالصف الابتدائي
يحب البحر،
ويصنع المراكب الورقية لأصدقائه،
ثم يحكي لهم قصصًا عن القراصنة ووحوش المحيط.
مركب على حجر بقرب البحر
مرسوم بالطبشور الأبيض
يقول المركب:
أنا مركبٌ من نور
أعبر كل ليلة للطرف الآخر من العالم،
وأعود قبل بزوغ الشمس.
ويقول البحر:
الأبيض ليس طبشورًا،
يومًا ما،
مر أحدهم من هنا،
سرق بعضًا من ملحي،
رسم القارب،
ورحل.
إسلام حنيش
(مواليد 1987)

البيت الذي تلاشى
من بعيد،
بدا بيتنا مطعونًا ب
«أيّها الشعر. يا أيها الفرح المختلس. كلّ ما كنت أكتب في هذه الصفحة الورقية، صادرته العسس». هكذا وصف أمل دنقل منذ سنين فرحه المختلس: الشعر. وهو وصف يصلح للكتابة كلها.. ويمتدّ من أمل دنقل إلى الأجيال الأحدث. الوصف وحده، ولكن الكتابة الجديدة تتجاوز أمل وصلاح عبدالصبور وحجازي... تستفيد منهم كما تستفيد من آخرين بداية من شهرزاد.. والمتنبي وأبو نواس، وادونيس ووديع سعادة، وسركون بولص.
المشهد الشعري المصري الجديد مشهد معقد، متعدد، أجيال جديدة تتجاوز الإشكاليات القديمة حول التفعيلة والنثر، الحرية هي أساس المشهد بعيداً عن التصنيفات والمعارك السطحية.
شيء ما؛
رأيتُه متهاويًا وعاريًا
فقط كان هناك سقف
يضغط بقوة على رأس أبي،
حتى جعله كتلةً صمّاء مُعتمة.
من تلك النقطة البعيدة رأيت بيتنا يتلاشى،
خلفي سنوات قليلة،
يمكن فرشها كحصيرة من الخوص في مأتم،
وأمامي بيت تبتلعه الأرض،
لكنني كلما اقتربت رأيته مجسمًا.
عندما أكون بعيدة
أرى كل الأشياء تتلاشى،
وعندما أقترب
أجد نفسي وسط الجدران.

أحدثكم من الحفرة
أغلقت الأبواب جيدا
أطفأت الأنوار للأبد
وفي غرفتي الشاحبة،
وقعت في حفرة طرية
الآن، من عمق الأرض
يمكنني التحدث إليكم،
دون أن تجرحكم تجاعيدي،
أو يملأكم صوتي بالغبار
أود أن أقول لكم: إنني
كنت فقيرة جدا؛ سكنت
في غرفة مجروحة، وكنت
كلما حدقت في العالم،
ضاقت الغرفة
هنا لم يعد سوى الحفرة
سأقول لكم أيضا: إنني كنت
أقابل أمي في ميدان ضائع،
وفي يدها حقيبة ثقيلة،
كنت ألقيها على الرصيف العاري،
لنجري معا نحو اللاشيء
الآن، أنا سعيدة جدا، لأنني
كلما تحدثت إليكم، انغرست أكثر في الأرض
ولم أعد أرى حتى نفسي
زيزي شوشة
(مواليد 1989)

هب اسمًا
وصلتُ لتلك الجزيرة المعزولة بذاكرة غائمة.
لا أذكر موطني أو أخوتي،
فقط خطوات قدم لقطة صغيرة
قادتني لبهجة الكشف عن سلالم سُفلية ملونة بالأزرق،
تصلك بباب خشبي بسيط وجميل لم أطرقه يوما.

أبحث بين شجر الجزيرة عن ثمرة خوخ طازجة،
تشبه تلك التي قذفني بها شاب من فلاحي المنصورة،
تحية من راكب قطار عابر لآخر،
خجلتُ من قضمها أمامه،
التهمتها لاحقا بشهية عظيمة،
كان مذاقها لذيذا كلكنة حديثة.

أحنّ للعجوز التي شهقت «يا بتّي» حين سقطت أرضًا جوارها
تمسح بيدها رأسي وبطرف ملاءتها تمسح ثوبي المتسخ
وتسب الطريق.

أدندن أغنية سائق أسكرته المحبة
«ياما عيون شاغلوني لكن ولا شغلوني... إلا عيونك أنت»
تعالت آهاته وبكى.

ها أنا عدت غريبة، خفيفة، لا أنتمي سوى للعابرين
صالحة للولادة من جديد، فهب لي اسما.
رغدة مصطفى
(مواليد 1988)

اقرأ أيضاً

أصوات شعرية جديدة من لبنان
لم يُطرَد الشعراء من المدينة بعد..

يوجا
أتنفس من أنفي
وأميل بجذعي للأمام وأنا أحاول رفع رأسي
أستعيد ثقتي المفقودة بجسدي
ومن جديد أتخلص من الهواء الفارغ داخلي
ثم أدخل برأسي كهف جسدي
هذه المرة أنظر إلى أسفل
أتواضع من جديد
أصبح لا أحد على الإطلاق
وكل شيء في الوقت نفسه

كتفي يئن
عنقي يصدر صوتًا لا يليق برقة شكل الترقوة
لم يكن من الممكن أن أتخلص من ذلك التاريخ
بمجرد ساعة ونصف من التدليك
أو قربة ماء ساخن
كل من مروا حمّلوني ثقلًا
وها أنا أحاول أن ألقيه على أعتاب وضع القطة
كاحلي يؤلمني
مشيت كثيرًا دون أن أتعلم الاتكاء على أحد
مرفقي يؤلمني
كتبت كثيرًا دون أن أدرك معنى
زفير
لا شيء يخرج

تتعلم أن تزيل أوجاعك من فوق البساط الملون
قبل أن تتركه وترحل
حاملا آلامك الطيبة والشريرة
فشلك في تنظيم تنفسك وأصوات مفاصلك الصدئة
بعد قليل يأتي آخرون
بآلام مقدسة أخرى
ولن يستطيع أي كوكب كان
أن يحتمل كل هذه الشرور دفعة واحدة.
ملكة بدر
(مواليد 1987 )

تأجيل أعباء
أريد للإنسانِ أن يكف عن النسيان
أريد للبواخر أن تشقّ هذا الفراغ الهائل
الذي يبدأ من باطن كفّي
وينتهي باللا شيء العظيم
الحياةُ ملهاةٌ حزينةٌ
والموتُ تأجيلُ أعباء
وكيانات الحزن مسيطرةٌ على العالم
تسويقٌ حرّ للمتعة
إننا نحو السطر الواحد
إننا إبانَ ترتيلة واحدة للوحدة
بعدَ تدخين الحشيشة
في أعلى نقاط المدينةِ
رقصتُ مع البدرِ بالسيّارة
كنتُ أمثلُ شعبًا قديمًا
يحمل الكتب التي لم أقرأها
والخرائط التي عليّ قطعها
في دَينٍ واجبٍ على الجغرافيا
شيءٌ بعيدٌ اسمه القمر
يطير حرًا عن صورته ويسقط
لا يعكس وجهه سوى المرآة
مقلوب نور الشمس
تلك الشعشعة الفضية الحزينة
لا تعبر سوى عن حزني
لا تدفئ القلوب
وليست سوى ترتيبا آخر لقوّة الطبيعة
في عكس الأشياء
هيرمس (محمد مجدي)
مواليد 1984

الدهس
أتجنب الطرق المختصرة إلى المنزل
كي أطيلَ المسافة بيني وبين آخر الليل
المشي تسلية كما تمرّر الوقتَ تستضيفه
وكل النظرات التي طالت عينَي في النهار
ولم يصلني منها غير الخواء تثقل خطواتي
تتساقط أمامي فأضطر إلى دهسها بين الكعبين وطين الأمطار
مجهود بُذل لخلقِ علاقة ما يُدهس الآن تحت الحذاء
عيون يمسّها احتمال بالألفة وتعتبره قليلا

في المسافة أمواج تلاحق كل منها الأخرى
فتصل إلى الشاطئ كتلة واحدة
فقدت صفاتها الأولى
تُصلّب الجسد لتُسمّى حركتُه الآن معجزة،

في المسافة
أصبحُ مجموع صفاتي الهامشية
الغد لا يعود مثيرا للاهتمام
قدر الدهشة من سكون الأمس
(الأمس: كلمة لها شكل غير واضح لكنها تُلفظ بثقة)
وخروج أبدي من فقاعة التوتر يحدث في لحظة غائمة

شيء ما لا أطيقه يتكور ثم يختفي في المسافة كما في كف ساحر.
آية نبيه
(مواليد 1988)

مسافةُ جسر
إذا حاولتَ أن تأخذني إليك
فخذني على مهلٍ:
هذي يداي
لم أربّت بها
إلا على ظلّي،
وهنا عيوني
تلصصت بها كثيرا
على وحشتي،
وهذا لساني
الذي لم يقل كذبا
إلا أمام المرآة.

إذا حاولت أن تأخذني إليك
فخذني على مهل،
إنني لا أنام
إلا لأحمل وحدتي
ترتاح،
لا آكل
ألا لأجعل من طعامي
زادًا للأحلام،
وأجري كثيرا حول البيت
كي تعتادَ الطريقُ وجودي.

إذا حاولت أن تأخذني إليك
فخذني على مهل
إنّ أحدًا قبلَك
لم يسألني
كيف أعيش،
حتى أموت!
محمود عاطف
مواليد (1983)

يا طابع البريد
لا تحزن يا طابع البريد
حين أبللك بلساني
وألصقك على مظروف مسافر لبلاد حبيبتي البعيدة..
فأنا أيضا مثلك..
تلعقني الوحدة بلسانها
ثم تلصقني في الفراغ.
محمد القليني
(مواليد 1983)

بينما تصعدون الجبل، سأرعى السفوح
المتشرد الذي يحمل في قبعته المثقوبة مدينة، يبتهج أطفالها كلما تمطر، ويعزو موظف حكومي ضيقه من البلل إلى كم إذعان لم يحتمله طائر كنار، كانت الجدة قد جلبته من جزيرة، أفلتت من النسيان بفضل لقطة جانبية للحفيد المراهق وهو يفكر: كم من المحزن ألا يلتفت أحد للمسة حانية، يخص بها المتشرد قبعته الرثة وقت اشتداد المطر...
2
الطريق التي عُبدت بوطء أقدامهم جيئة وذهابا، تصر على اختبار نفسها كل شتاء؛ علها تنجح في الاحتفاظ بآثارهم على سطحها الموحل الذي يماطل معولا على ذاكرة هشة، تُبرّئ الجميع من تهمة الرحيل...
3
في مساء الخميس، نظرة متمهلة على الطريق ذي الاتجاهين: بعرباته المسرعة؛ خلاصا من ضجر ما بعد الظهيرة، بجانبه المبدد تحت الوجود الثقيل لأسوار النادي الملكي، وجانبه المقابل حيث صف بيوت يشهد محاولة امرأة القبض على شيء يتفلت منها، في ذات اللحظة التي يدق فيها غريب ـ أتت به لقمة العيش ـ جرس الباب...
4
بخطوات قليلة قطع المكان جيئة وذهابا، حدد أبعاده، لوى عنقه ناظرا للسقف؛ فأقنع نفسه بالحاجة إلى نسختين أو ثلاث من قامته القصيرة، جرد كل الأشياء التي ـ على حقارتها ـ ستبقى بعد رحيله، وراجع قائمة وجوه من المفترض أنها شاركته شيئا ما محتفظا لنفسه بكآبة جهله بها، ودون أن يعد العُدة لأي شيء، جلس عند الزاوية منكمشا، يشع المقطع الأخير من شفرة ضوئية، أرسلها فضائيون، كفوا منذ سنوات عن ملاحقته...
5
أسروا إليه بإحياء ديانة مندثرة...
الأمر شديد البساطة ـ هكذا أخبروه ـ ما من تعاليم، لا وجود للحلال والحرام...
بم يعد دينكم؟
ـ ما من وعود.
والكتاب؟
ـ يحق للفرد ابتكار الكتاب الذي يرتضيه، بشرط الحفاظ على سريته والالتزام بكل ما ورد فيه.. ولك الحق في تعديله أو استبداله كل خمس سنوات.
وماذا عن الصلاة؟
ـ بالتأمل الصامت كلما انتبهت للخط الرهيف بين الضوء والظلال.
هل ثمة حج؟
ـ مرة كل عام، إلى مدينة لم يسبق لك دخولها، وليس لك فيها معارف، تأتيها عند الظهر، وتقضي أسبوعا كاملا إجهادا للذات في القبض على لحظة منسية...
مثل؟؟
ـ الرنين المعدني لارتطام إناء بأرضية المطبخ في بيت يعمل أهله بالتجارة،
أو استقبال أذن بعد منتصف الليل شهقة رضيع يحن إلى صدر أمه الميتة...
هل يحق لي دعوة آخرين إلي العقيدة؟
ـ يحق لك كل مائة عام دعوة غريب زارك في الحلم على الأقل ثلاث مرات...
كيف أعرف أنني قُبلت؟
ـ بالسؤال... سؤالك الأول جعلك واحدا منا!
وهل يحق لي الخروج؟
ـ باتخاذك القرار؛ سيأتيك رسول لاستلام الكتاب، وإذا عُدت لقراءته؛ ستُقتل في ليلة مقمرة على العشب...
وماذا عن علاقتنا بأبناء العقائد الأخرى؟
جحدوه بنظرة قاصمة من خيبة الأمل، ثم انصرفوا مرددين: مثل الجميع، لم يفهم شيئا.
6
بتخييم شبح الحرب الأهلية غادر الأطفال إلى القرى البعيدة، تاركين بائع غزل البنات لتعاسة اللاجدوى الزاجة به إلى تدمير بوق كرتوني، طالما أعلن عن مروره بصياح إوزة، تقشعر الأبدان لظهورها الشبحي على عتبة غرفة، وجدوه معلقا من سقفها، وعند مستوى قدميه الحامل الخشبي يشهد أسراب نمل، تأتي على الأكياس.
7
لم يعد الأمر يُطاق، فصلنا النقيق عن العالم، وتكاثرُ الظلال عن ذواتنا، تبخرت العزائم في مرجل العزوف عن الرغبات، وصار من المشاهدات اليومية سؤال أحدنا الغرباء طريق بيته... وقبل أن تتفاقم الأمور، صرخ أقلنا اضمحلالا: فلنبتهل للفرعون؛ عله يأذن بخروج موسى.
8
قبل الشروع في بناء الهرم، جمع الفرعون المتطوعين في معسكر سري، أجزل لهم العطاء: طعاما وملابس وترفيها... أقسم على خوضه مفاوضات مكثفة؛ لتنصيبهم كهنة عند دفنهم! حاضرهم ـ بنفسه ـ ثلاث ليال قمرية، انتهت بتخليهم ـ طواعية ـ عن ذكورتهم، وفي الليلة الأخيرة أقام لهم احتفالا مترعا بأجود أنواع الخمور، حتى غابوا عن الوعي، فانطلقت كتيبة الأطباء بترا لألسنتهم.. ما كانوا ليدركوا هلعه المقيم من كارثة بابل.
منتصر عبد الموجود

حين لا تكون معي
حين لا تكون معي
يراني الله
كلبة ضالة تسقط الجراء ويفر الجميع من جلدها المتقيح
أشبه ذبابة كبيرة
أحط علي يدك النظيفة ليرتعد جسدك الكاذب
تسقط مسبحتك الصوفية
وينقلب وردك الليلي لأغنية من اغنيات الرقص البذيء
تتمتم لأشباح يصدقون انك تراها
وانبح من ورائك لأني ارى الشيطان
انا ايضا سقطت مسبحتي الصوفية
وابنائي تاهوا جميعا في الشوارع المغبرة
واسيت اصدقائي وهم يذبحون اولادهم امام اعينهم
غسلت الارصفة من الدماء ولملمت عظام المساكين
لأبني مقاما يقصده المظلومون والثكلى
لكنه انهار في القصف الأخير
الآن انتظر القيامة
أمسك قائمة بأسماء المجرمين والقتلة
أرسم لوحة لوجهك الحقيقي لأعطيها للملكين
أبحث كل فجر عن أرواح المغدورين
ومن آن لآخر أكرر النباح وأعوي بجوار كل قتيل جديد
مروة أبو ضيف
(مواليد 1980)

اضطراب
شهر كامل،
وأنا أعاني
من اضطراب تام.

أنام في المطبخ
مثل خادمة،
وأتناول طعامي
تحت السرير
مثل ولد صغير.

ارتدي قمصان أخي،
ولا انتبه
إلا عندما تستوقفني
إحداهن،
لتسخر مني.

أدون على أوراق السلوفان
ما أنساه،
أدون اسمك،
وآخر مكان التقينا فيه.

وفي الظهيرة
تختلط عليّ الأمور،
أظن أن الليل قد حل،
فأبكي.

وحين يأتي الليل فعلاً،
وينزل الله،
لا أدعوه بشيء،
ولا أفعل شيئاً.
إسراء النمر
( مواليد - 1991)

كقاطع طريق
لن أحبك كرجل إنجليزي
يضيع عمره في النظر إليك وأنت نائمة
ويمشي على أطراف أصابعه كي لا يوقظك
لن أحبك كعاشق فرنسي يرص الزهور على سريرك
ويصنع عطرا يخلدك
ولست إيطاليا كي أؤلف أوبرا باسمك
لن أحبك كهندي
يعشقك ليلا ويعبدك نهارا
سأحبك كصعيدي قاطع للطريق
يردد علي مسامعك نشيد القتلة
أصنع لك من الجماجم بيتا
ـ أدخر واحدة لطفل رضيع لأزين بها بابك ـ
كل يوم سأحكي لك حكاية جديدة عن الأرواح التي أزهقها
سأصور لك بالضبط كيف تذلل الرجل كي أدعه يمر بأسرته
وستضحكين حين تعلمين أنني لم أجد في ثياب مسافر قتلته
سوى علبة سجائر رديئة
ـ ستتعبين يا حبيبتي قليلا في إزالة الدماء عن ملابسي ـ
لكنك ستفخرين بأني أحبك
سأحبك كعاشق تطارده الحكومات
وتتفنن وسائل الإعلام في صنع ألقابه
سأحبك كقاطع طريق يعود منهكا كل ليلة ليبكي عند قدميك.
السيد العديسي
( مواليد 1976)

نص
كانت الضحكة مجلجلة،
أقصد أكثر من اللازم،
نظر الجميع إليه،
فاستمر بالضحك
مدفوعا بقوة الحرج.
ربما لو كان يعرف
كيف يضبط ضحكته،
وقورة وقصيرة
أو هادرة بلا تحفظ
لضحكوا معه.
الفكرة أنها انطلقت
عرجاء
مجردة من الرغبة في الضحك
مثقلة بإعلان الوجود
أقصد أنه أودعها ذاته
أكثر من اللازم.
لو كان لي أخ توأم
لما احتجت إلى مرآتين
لأرى قفاي
سأعرف أخيرا
كيف تجفل عيناي
حين أفاجأ بسؤال
اهتزاز شفتي عند الكذب
صوتي في أذن غيري
كل الخوف
من الاهتمام
الذي سيتقاسمه أخي معي
أو ربما تزيد حصته قليلا
..الوحدة مرض
حتى في خيالي
قتلت توأمي
أحمد ندا
(مواليد العام 1986)

نافذتنا بهليوبوليس
الكومودينو الصغير الذي أحب
حارس الفراش والنوم
يستند إلى الحائط
منحنيا في خشوع
لحمل الشمعة
وكشعلتها
أنتظر
ـ في الحقيقة شعرت بالإطراء عندما نُعت بالحية ـ
في الليل
تصعد الحية وتلتف
حول القمر
أصلي وأناجيه
ملاك الظلمة البهي
ذا الحس العذب
فليتقدس لسانك في قلبي
واهب الطعم للشقوق في الظاهر
راوي بذور الشهقات في الباطن
ولتتبارك عيناك
في وجودي
سر ظلمة الأكوان المتلألئ
الصوت في ثنايا الصمت
البرودة في ثنايا النار
الأسود في ثنايا القوس

تعال وباركني
هذه العاصية
لن تضيعك

ـ الأحبة ليسوا حقائب لتُخطف الأمر واضح للغاية ـ

رفرفْ
وحطَّ فوق ربوتي
فنحن مخلوقات الريح
والسكرات
سنقود عربة السحب
حتى جزيرة الكون النائية
لأتمرغ وأحبو
وأشق الفضاء بسوط ظهري
أغمس رأسي في جذعك
وأقضم تفاحتك
ثم نشاهد معا ملائكة النجوم
تسقط أمامنا
وبالوهج
تضيء سماء نافذتنا المشرعة

ـ المحير دائما هو الإصرار على طلب ما لم يعد أو يكن هناك ـ

شَعري عشب جهنمي
يسبح حول وجهي
وريقي بطعم الرماد
دخنتُ تبغ السيجارة كله
بينما خططتَ فوق جلدي
أغنية الغرق
في طفو عارٍ
هزمنا الليل واعتلينا عرشه
هازئين من عساكر الحرس الجمهوري
وأجهزتهم الحديثة لتأمين المنطقة

ـ من البؤس ألا يمتلك المرء أي نوع من المرايا ومنتهاه ألا تجد من يفهمك ـ

ضبطنا زوايا ضلف النوافذ والشرفات
لنضمن تيارا دائما للهواء

هذا الخيال
وحمة قرب القلب
خاتم انتساب للمردة الأولين.
الشيماء حامد
(مواليد 1981)

السفير- 2016-11-11