سماء عيسى

كان ثمة جيل يتجدد وكانت البحرين في القلب .. تشع كعادتها تشع مثل قناديل المنازل المظلمة وسط بحر تتلاطم فيه أمواج عاتية، وكان على قاسم حداد الذي جاء لنا من سلالة رجل مزج البحر بالحديد، رجل قدم له قواقع وخوذا واختاما ثم رحل تاركا سؤالا ( سؤال الشعر) ظل يطارده منذ تلك الطفولة البعيدة، كان عليه أولا وقبل كل شيء أن يكون وفيا لسلالات البحر ولسلالات الحديد في آن ولسلالات الشعر دائما وأبدا :

سألته أمه

جئت من كل ذلك

فأين ذاهب الآن ؟

أجاب : أهيم يا أمي

أحلم أن أكون شاعرا

أمزج العناصر وأزهزه لها

أناقضها .. آلفها

وأبني جسورا مكتضة

لا لأحد فسحة عليها

انه الخليج في ستينيات القرن الماضي، رياح الحرية تهب عليه،

من جذوره أولا، ثم من رافده الأساسي الشرق العربي ثانيا، لم يكن كل بصيص ضوء انطفأ بعد، حتى مع انطفاء تجربة الجبل الأخضر في عمان ومع تراجع احداث مارس 1965 في البحرين إلا انه كان ثمة جيل يتجدد، القوى الاستعمارية تتربص بالخليج وما كان على الخليج الا التحدي أو الانسحاق، هكذا أبصر الشاعر نذير شؤم يقترب رغم بشارة الوهج الثوري آنذاك

صوتنا أمة في الحريق

لن تهرب الآن، تاريخها قادم والرصاص

يسافر نحو الجزيرة

وأطفالنا جمرة تفرز الرفض

والرفض نهر.

أقيموا صلاة الجنون

فلم تبق درب ولم يبق باب

سيأتي خليج الضحايا ويأتي الخراب.

ككل ابناء جيله شكلت له عمان حلما مفقودا منها سيبعث الخليج ثانية لأنها من حملت عبء الحفاظ عليه في التاريخ من غزاة العالم، ولأنها من سيهب الخليج ثانية دم اليقظة ووردة الشروق الأبدي. عندما اشتدت الحرب في الجبل الأخضر، كان قاسم حداد صبيا لم يتجاوز العاشرة من عمره، وكان العمانيون في البحرين والخليج عامة يتوافدون إليها كعمال ومزارعين بأعداد كبيرة، بهم في طفولته ارتبطت روحه، وعبر أولئك العمال والفلاحين القدماء ارتبطت تجربة حب عميق حمله في أعماقه لعمان، حتى غدت وطن شعره القادم ابتداء من قصيدة النسر عام 1967 فالحجاج يقدم أوراق اعتماده، والدم الثاني وبورتريه للجبل الأخضر، وغيرها من النصوص التي تفيض بوجد صوفي نادر لعمان وللعمانيين.

نظر إلى الجبل الأخضر كسيد او كمتصوف، كجبل مكتنز بالتاريخ، كحلم يستجيب لشهوة الشعر في تغيير العالم، شيخا يتقدم في التجربة دون ان تبدو عليه علامات الكهولة، جبل يسبغ كراماته على الجميع، مثل أحد الأولياء، يخط لمخطوطاته في طين التجربة، ويبعث بها لمريديه المنتشرين في الأقاصي.

لذلك وهو يصعد إلى الجبل الأخضر اختلجت بأعماقه مشاعر حب قديم امتد من طفولته حتى وهو في الخمسين من عمره، حمل معه وهو عائد منه شظية من طائرة اسقطها المقاتلون آنذاك وحذاء طفلة كان منزل ابويها احترق وأضحى رمادا. وعندها سأله أحدهم: ماذا تفعل بالماضي؟ أجابه : اشحذ به الزيت في قناديل الذاكرة.

نظر إليه كأم لا تفارقه أبدا حتى وهي في الموت .

الحب يستكمل دورته وهو يرحل إلى الجنوب العماني، حيث شكلت له تجربة جبل سمحان خيط دم من الشعر ربط طفولته بحاضره. ظل يناجي جبال الجنوب عبر شهيدته الأولى طفول، في قصائد حب صوفي عميق، ملأت اشعاره وشكلت تلك الطفلة العذبة رمزا ارتفع بها شعره لكي تغدو رمزا للطفولة الانسانية في بحثها عن الحب والحرية والكرامة

من قال إنّــا قُتلنا

من رأى الدم

ها نحن فخورون بإرثنا

أصحّـاء مثل جليد الجبال

ما من نافذة إلا وتطل على أملٍ كان.

والتجربة رغم ما تحمله من الفقد كخصوصية تثري نصوص قاسم حداد منذ البدء، تحمل لغة وداع لمحارب ينشر أشرعة الرحيل عن الحياة، ما يعني ان الشاعر وصل إلى خاتمة رحلة الإبداع وآن أوان صمته. الا ان ذلك ما اذا كان قد جاء في لحظة يأس، يتجاوزه الشاعر لاحقا نحو رحلة شعرية أخرى، فتحت له افقا عذبا للتواصل.

وضعت قدمي في قوس الشنق بشهوة المنتحر

أكل الوقت مني، أكل الزهرة والغصن

والجذع والجذور. محروسٌ بالحسرة والخوف

خفت من كل جهةٍ وكل شئٍ،

وفاتني الخوف من نفسي

من دسيسةٍ تفسد الخطو والطريق

وما كنا ننتظره عند ذاك هما الطرفان اللذان غذيا تجربة قاسم حداد الإبداعية الرائدة، ننتظر الحرية وننتظر الشعر، ثم انه مثلما أثبتت الأحداث لاحقا، طالبتنا الأرض لتحقيق هذا الانجاز ان نكون عشاقا. اذ لا شعراء دون أن يناضلوا من أجل شمس بعيدة هي شمس الحرية. كيف يمكن أن نصل إلى الحرية بدون الشعر، وإلى الشعر بدون الحب، مثلما علمتنا تجربة قاسم حداد في مجموعته القادمة من أدب السجون قلب الحب.

لذلك حتى ونحن نقرأ العشق العذري الصوفي في مجنون ليلى ثم في دفاتر فان جوخ إنما كأننا نقرأ تجربة عشق واحدة، هنا ليلى هي طفول، ومن جن حب بها هو قاسم حداد نفسه وشحنة القوة الكبيرة وعنف التعبير في أعمال فان جوخ ادركها قاسم منذ ان كتب:

أفهم أن الصخور

لم تكن سوى أنين الأرامل

وكآبة الغريب

قراءة التجربة في وحدتها، هي التي تقدم الفهم الأقرب إلى روح الشاعر قاسم حداد، هي التي تعود بنا إلى ضوء العتمة، هناك نجد الدم الناصع البياض، شعر اخترق قضبان سجن ليل طويل، هناك نعثر على الجنون.. الذي حتى اليوم جميعا نعشق وفاءه، وفاء ان تكون عاشقا كقيس بن الملوح الذي اقترب منه قاسم معاتبا في حميمية نادرة:

ويا قيس، يا قيس،

جننتني أو جننت

كلانا دم ساهر في بقايا القصيدة

لكأن اغتراب الشاعر كان عاشقا كقيس او كفان جوخ، ضروري لاستمرار الحياة ولاستمرار الشعر، وما يتبع ذلك لخطورته هو الإنكار الذي يأتي أولا من المؤسسة الدينية عندما الدين في تحوله من مصدر للحب ومذهب للمحبة إلى سلطة مختلفة الأشكال والتنوع، تبدأ بالعائلة حتى تصل إلى الكنيسة، حتى السلطة السياسية .. هذا هو مبحث قاسم حداد، مبحث البحث عن جوهر الصراع الذي عاشه المبدعون وما زالوا وسيظلوا، بين انتماءاتهم الروحية والخصبة التي هي مصدر وجذر الإبداع لديهم، وبين تحول هذه الهبة الروحية في تكويناتهم المضطربة بالتساؤل والبحث إلى الصدام مع مؤسسات القمع والتي تنظر إلى الشاعر كأنه الخروف الضال الذي يتوجب استدراكه لردعه وإعادته إلى حظيرة الحيوان.

هكذا إذن عندما يكون الإبداع، منقذا من الأقدار التي يفرضها المجتمع البشري عبر سلطاته المختلفة، يفتح الفن لك ابوابه، ابواب الحرية الذاهبة بك إلى الأقاصي البعيدة للخيال الإنساني الرحب.

هل لذلك عاد قاسم حداد إلى الاشجار ؟ (في حديث الشجرة) ذلك لأن فان جوخ لم يخلق ليكون قسا ومبشرا، ولم يخلق ليكون مواطنا صالحا مطيعا، طبقا لما تريده السلطة ان يكون عليه من الصلاح اين له ان يذهب في هذا العالم المحفوف بالمخاطر؟

غير أن الدين هنا لدى قاسم، يبقى محل القلب في الجسد، هو المحبة الروحية العميقة التي أودت بكائنيه الأثيرين قيس بن الملوح وفان جوخ إلى الجنون، وقبلهما بسلفه الشاعر العزيز طرفة بن العبد إلى ما يشبه التخلص من الابن الضال وهو بعد لم يصل الثلاثين عاما.

كانت الشمس هي النار التي بحث عنها الشاعر طويلا، وأفنى عمره كاملا كي تسود في الخليج أشعتها رغم ان مراحل مختلفة عرفتها تجربته في هذا البحث الخلاق المضي لكن تواصلا امتد بين مرحلة وأخرى، ما جعلها تشكل سلسلة من النصوص المدهشة تخرج من نص لتدخل إلى آخر، مقاد في ذلك إلى شغف المعرفة وكشف الإبداع.

فالحديث إذن ليس في ريادة التجربة الشعرية في الخليج فحسب، لقد كان هناك آخرون مع قاسم حداد في تجربة الريادة، الا انه هو من ذهب بها حلقة فأخرى، إلى ما هو أبعد وأكثر عمقا مؤمنا في ذلك بلا محدودية العطاء وضرورة أن يكون الشاعر شاعرا ليس في إبداعه فحسب بل في مواقفه تجاه الحياة عموما وما يفرضه الالتزام الوطني عليه، أن يكون صادقا قبلا مع نفسه وشعره وصولا إلى صدق محبته لكائناته.

كتب :

معظم أشكال النضال والمؤسسات التي عبرتها كانت قابلة للخذلان والانهيار والخسارة. لم يبق لي بعد كل ذلك غير الكتابة، القلعة التي لا تستطيع الحياة أن تهزمها، كأنني أردت أختم حديثي بنشيد التبجيل لكي أبدو بريئا من أخطائي.

مستفيدا في وقت لاحق من شذرات فان جوخ ” في القتال، ليس ثمة قوة أعمق من القلب”

وكأن كل هذا الموت القادم من سلطات أزلية اختلقها الإنسان بقتل أخيه الإنسان بوضوح تام وضوح الشمس، لا يكفي لعيش الخراب الذي تقدمه بصدق هذه التجربة الأساسية في الشعر العربي الحديث، ولأنه لا يكفي لإبادة كل ما بقي بعد الإبادة تزخر الأعمال الشعرية الأخيرة لقاسم حداد بقتلة غامضين لا نعرف من أين اتوا وإلى أين ذاهبون، قتلة دون شك هم الأكثر ذكاء وفطنة وشراسة في آن، هذا الغموض ينسحب على الشاعر المقتول ايضا، إذ هو أيضا يريد أن يكون موته غامضا كغموض القاتل. مفارقا بذلك مخلوقه الأثير طرفة بن الوردة الذي أراد لموته ان يكون واضحا كشمس دلمون، ليس في ذلك خلق عالم شعري جاء من الخيال والتجأ إليه، إنه الواقع العربي الذي من شدة مأساته أصبح دمويا مظلما، والخيط الرهيف بين الليل والنهار انهار لصالح ليل لا نهاية له، لا نجد له ما هو مماثل أو شبيه في التاريخ.

لذلك اختار الشاعر موتا غامضا بعد ان عاش بشفافية الأطفال واضحا في الحياة، ما تسبب له انقضاض السلطات على جسده بالسكاكين أملا في أن ترمي لحم جسده للطير الأبابيل العائدة من حروب الشرق الخاسرة.

“إن كانت حياتي لعبة مكشوفة

فلا أقل من أن يكون موتي لغزاً

هكذا أشتهي أن أموت”

قاسم حداد

 ----------/

 

* شهادة ألقيت في الأمسية الشعرية لقاسم حداد في النادي الثقافي بمسقط 10 يناير 2017

 ------------------

(قاسم حداد، العربي الجديد)

 

 

 

قاسم حداد: الكتابة أياً كان شكلها

 

مسقط - عبديغوث

 

 

"اليسار العربي الذي أفهمه متصل بالحرية والعدالة الاجتماعية، وليس بمفهومه السياسي الضيق، وقد أخطأ حين كان يضع نظرياته عن "النقد والنقد الذاتي"، و"الالتزام"، و"الأدب للجماهير"، وغيرها، لأنه لم يكن يطبّقها في الواقع، وأصبحت النظريات مفاهيم مقدّسة في الوقت الذي كنا فيه نعلن تمرّدنا على المقدّسات، لقد كنا نصنع صنماً جديداً حين كنا نتوهّم أننا نحطّم صنماً قديماً"، يقول الشاعر البحريني قاسم حداد (1948) لـ"العربي الجديد" في لقاء أثناء زيارته لعُمان مؤخراً، حيث قدّم أمسية شعرية في "النادي الثقافي" بمسقط.

كان الحديث عن التجربة السياسية لجيله مناسبة لفتح الحوار معه حول مواقفه اليوم من الثقافة والأيديولوجيا والكتابة. يرى حداد أنه "حين يتم الاتكاء على النظريات لا على الإنسان، وتنهار النظرية ينهار معها الإنسان، في حين أن المعنى الإبداعي الإنساني يكمن في الإنسان لا خارجه". هنا، يتمنى صاحب مجموعة "القيامة" للأجيال الجديدة "ألا تقع في نفس أخطائنا، وأن تتمسّك بتجربتها الإبداعية الخلاّقة، مع موقفها السياسي الشخصي، ولكن ليس على حساب الإبداع فهو الخالد، أما النظريات والأيديولوجيات فإلى زوال".

"

إن سبب الخلل الذي نعانيه هو أننا ممنوعون من التخيّل

"

ومع اعتزازه الصغير بـ "اليساري في شبابه"، يرى حداد أن أفكار "اليسار العربي" - الذي يصفه بالـ "يسارات"- كانت تنظيرية أكثر مما هي واقعية، بل ومتناقضة مع السلوك الشخصي لمنظّريها، فالنظرية كانت في وادٍ والتطبيق والسلوك في وادٍ آخر. ويعتبر الشاعر أن من بين أخطاء "اليسار العربي"، رغم تغنّيه بشعارات "العلمانية" والمدنيّة"، ما أسماه بالخطأ "الفادح"، حين استبعد "الدين" من أفكاره "التقدمية"، وبالتالي فقد القاعدة الجماهيرية الحاضنة له، والتي سرعان ما ألقت بنفسها في أحضان "الإسلام السياسي"، بعد انحسار "اليسار العربي".

تحدث الشاعر بأسى عن أحلام "الشاعر الثوري"، و"برغماتية" وانتهازية "السياسي الثوري"، فالأول حالم صدّق كذبة الأخير بأن "الإنسان" هو بوصلة أية "ثورة"، فيما كان "إنسان" المستبد يختلف جذرياً عن "إنسان" الشاعر الذي ينشد "الحرية" و"العدالة الاجتماعية"، خارج النظريات والأحزاب في كل زمان ومكان. بدا صاحب "انتماءات" كمن يود تقديم اعتراف، حول تلك المرحلة "الرومانسية"، وكأن لسان حاله يقول: "لم يكن بالإمكان أكثر مما كان".

في سياق آخر، وفي زيارته الخامسة لعُمان، تحدث حدّاد عن علاقته بالمكان العُماني، فعاد إلى الستينيات القرن الماضي: "تعرّفت على الإنسان العُماني عاملاً وكادحاً في البناء كمفهومٍ إنساني للعمل المشترك، مما ولّد لدي حميمية خاصة تجاهه، وتطورت علاقتي مع المكان لاحقاً بالمفهوم "النضالي"، وصار للمكان العُماني ملمح روحي يتصل بالنضال والحبّ والشعر أيضاً، وبالأدب إجمالاً، حيث تعرّفت على الشاعر والروائي الريادي عبدالله الطائي مثلاً (توفي عام 1971)، وتوطّدت علاقتي بالشعراء العمانيين الجدد كـ سماء عيسى وسيف الرحبي وزاهر الغافري، وغيرهم من الأجيال الجديدة".

وكان حداد قد تحدث في النقاش الذي تلا أمسيته الشعرية، التي قدّمها الشاعر سماء عيسى، عن رأيه في التجربة الشعرية العُمانية، هو الذي أحيا أول أمسية شعرية له بالنادي الثقافي عام 1987، أي بعد ثلاثة عقود، ظهرت فيها أصوات واختفت أخرى، أن ما يستوقفه في هذه التجربة "متانة اللغة المتحرّرة من الشكل الخارجي للنص، كما أن اللغة هنا عربية، بمعنى عندما تقرأ شاعراً عُمانياً، فأنت تقرأ شعراً عربياً وليس شعراً عربياً يبدو وكأنه مترجم عن لغة أخرى، حيث استفاد الشعراء العمانيون من تراثهم اللغوي".

أما عن تكرار ثيمتي الحبّ والموت في تجربته فيقول صاحب "أخبار مجنون ليلى" لـ"العربي الجديد" إن "هاتين الثيمتين تمثّلان هاجساً للمبدعين إجمالاً، وتصادف ولعي بهما من خلال تجربتي في مجنون ليلى وطرفة بن العبد، وتضاعف هذا الهاجس مع قراءتي للتراث، ويتابع "كلما تقدّم الإنسان في السنّ والتجربة، تكون قراءته للتراث قابلة للتطور والتعمّق ويكون مرشحاً لاكتشاف الجواهر في هذه المناجم".

"

كنا نصنع صنماً جديداً حين توهّمنا تحطيم الأصنام

"

عقب الأمسية، أجاب الشاعر عن سؤال حول تنوع تجربته بين الشعر والسرد وقربه من التشكيل، منذ إعلانه مع زميله الكاتب أمين صالح عن "موت الكورس" في عام 1986، أكّد حداد بأنه لا يثق بأي شكل من أشكال الكتابة، وما يهمه هو الاستمتاع بالكتابة أيّاً كان شكلها، مضيفاً أن تجربته مع صالح في "الجواشن"، فتحت له آفاقاً جديدة ونوعية في الكتابة، وإن ما يحاول الوصول إليه هو "التجاوز وإشباع لذّة الاكتشاف وتلمّس الطريق في الكتابة".

بدا حداد قبل قراءة نصوصه مشحوناً، وفي ما يشبه "المانيفستو" قال :"إن الشعر هو الشرفة الوحيدة للإنسان العربي بعد أن فقد كل مزاعمه، فالشعر هو الرثاء العميق لما نفقده اليوم وهو -أي الشعر- دلالة إيجابية علّها تجعل المؤسسات بكافة أشكالها، تعي دور الثقافة والمعرفة في بناء الإنسان والحضارات".

وأضاف: "إن سبب الخلل الذي نعانيه هو غياب معرفتنا بالشعر والإبداع الإنساني الذي يتصل بالحرية، وهو السبب الذي يجعلنا مرشحين للمزيد من التخلّف إذا تخلّينا عن الشعر والإبداع، نحن متخلّفون لأننا مذعورون وممنوعون من التخيّل والإنتاج الحضاري". وأكمل "إن الكارثة الحقيقية هي في مصادرة ما تبقّى لنا في هذه الحياة من شعر وإبداع، وهذا ما لا تستطيع المؤسسات السلطوية أن تصادره منا".

وكان حداد قد قرأ نصوصاً من مجمل تجربته الممتدة قرابة نصف قرن، ومرّ على "الوقت"، و"خطّاطون"، و"طرفة بن الوردة"، و"ما البحرين"، و"حجاز"، و"الندماء"، و"مديح النعش"، و"القراءات"، وأنهاها بـ "رقصة الغجر": 

"كان الرمل حبر كتابهم 

وخيامهم بيتُ القصيد 

وكان شعر الخوف نجمهم البعيد 

أقرأ خطوهم 

كي أُخطئ التفسير في ليل الكتاب".

22.jpg 

 

فان غوغ وأكاديمية العزلة

كتب قاسم حداد مجموعته "أيها الفحم، يا سيدي، دفاتر فنسنت فان غوخ"، خلال إقامته في "أكاديمية العزلة" في ألمانيا. وقبل أيام، حاز عنها جائزة "أبو القاسم الشابي".

كان حداد قد تعرّف على تجربة الفنان الهولندي أول مرة في السبعينيات، حين خصصت مجلة "الهلال" ملفاً عنه.

يقول حداد: "من يومها يسكنني هذا الفنان، في لوحاته التناقض الغريب بين حبّه للحياة وعذاباته في الواقع، كان يرسم لوحة مشعّة بالشمس والحقول والليل المضاء بالنجوم مع تكثيف حاد لضربات الفرشاة أو السكين، لدرجة أنك تلمس نفور اللون وكثافته. حين شاهدت أعماله الأصلية ذهلت، ولامستني روحياً، ومن هذه الرحلة الفيزيائية أنجزت الكتاب".

العربي الجديد- 16 يناير 2017