شوقي بزيع
(لبنان)

على الحدِّ بين الكتابة والمحْوِ،
ينتظرُ الشاعر الشعرَ،
محلولكاً مثل أرملةٍ في الحداد،
ومنفصماً كالمرايا
ومستوحشاً كمسيح بلا مريماتْ
وحيداً،
سوى من تدفُّق نيرانهِ
يتخفّى عن الناس،
كي يتبارى على ملعب من رموزٍ
مع الكلمات التي تتراءى قبالة عينيهِ،
أحلامه كالبيادق عمياءُ،
والاتجاهات شائكةٌ حوله،
حدَّ أن لا يرى من لحاء أراضينهِ
غير ما يتطاير كالقشِّ
من بيدر الذكرياتْ
ليس ما يتناهى إلى سمعهِ
غير غمغمةٍ شبه مقروءةٍ
بين ريحين مجهولتينِ،
تنمّان، في اللحظات التي تسبق الشعر،
عن سُرُجٍ عاقرٍ
وزمانٍ شتاتْ
ولكنه في الأشفّ الأشفِّ من الروحِ
يرمي طرائده بسهام الخفاء،
التي قد تطيشُ
وقد لا تطيشُ،
وقد يرتئي عامداً أن يضلَّ الطريقَ
إلى حيث يقصُدُ،
إذ ليس ثمّة في البوحِ من وصفةٍ
لانتزاع الحقيقة من تربة الشكِّ
سحريَّةٍ،
ليس ثمّة بين الحواسِ
سوى حاسة الشمِّ
صالحةٍ لاصطياد المجاز على المفصل الرخوِ
بين زُلال الوجود المصفَّى
وبين الحضور الهلاميِّ للكائناتْ
واقفاً وحده فوق هوَّة أقداره الغفْلِ،
كيما يلقّح معنىً عقيماً بأضداده
في مضيق اللُّقى،
وكيما يقارب ما ليس يقوى على وصفهِ
باللسان،
فقد تختفي خلف أسوارها بغتةً
مدنٌ من بصيص العيونِ
رآها على غفلةٍ ثم ضاعتْ
وقد يتعذَّر، إلا بصنّارة الحدس،
رفعُ نقاب الضّحالة
عن جوهر التسمياتْ
قد يحسُّ،
إذا ما خبا الزّيت في قاطرات البروقِ،
بأنّ الحياة التي لم يعشها
تدور على عقربٍ فارغٍ،
والنّداءات بكماء،
والاستعارات تتركه للصقيعِ
وترتدُّ سرًّا إلى فوَّهات براكينها،
غير أن طريق البذور إلى الضوءِ
محفوفةٌ بأشدِّ النِّصال مضاءً،
وشيئاً من العجزِ
لا بدَّ أن يثلم القابضينَ
على دفَّة المعجزاتْ
ففي قاع منخفضات الرجاء الأخيرةِ
تُفْتضُّ أشهى عذارى المعاني
وتولدُ أكثر من هزَّةٍ للجماعِ
مع المفرداتْ
للكتابةِ آلامُها،
يهتف الشاعر المستريبُ بقرّائه،
مؤْثراً أن يبالغ في وصفه لبراري الشقاءِ
التي أثخنتْ راحتيهِ بأشواكها،
ربما رغبةً منه في حرفِ أنظارهمْ
عن ثمالةِ ما خمّرته خوابي انخطافاتهِ
من نبيذ المسرَّات،
أو ربّما كي ينقّي ورود التعاطف
من وخزة النّدم المازوشيّ
على ما أضاع من العمرِ،
لكنَّ في كل حزنٍ عميقٍ
مباهجَ مفقودةً،
ووراءَ قناع الأسى
يقطفُ الشّعراء ثمارَ العناءِ الذي كابدوهُ
كما يُقطف الدمعُ
من فرح الأمّهاتْ
فما الشعرُ،
أبعد من عضَّة السُمِّ
في نابِ أفعى الظلامِ
سوى شَقِّ حوصلة الصمتِ
بحثاً عن الصوتِ في رجعه الجوهريِّ
الذي يبعثُ الوترَ الميْتَ حيًّا،
وما الشعرُ
إلا اختلاءُ القيامةِ بالقلبِ
في لحظة الاختناقِ،
ومدُّ يدِ الغيبِ للبشر المنهكينَ
حبالَ النجاةْ
وهل ثمَّ أجملُ من أن تقول لك الأبجديةُ،
في ذروة الالتفاف على هاجس الموتِ،
خذني لتحيا،
ارتكبني كإثمٍ
لنُبرم عقدَ الزواج مع اللانهايةِ،
حتى إذا ما بلغْتَ تخومَ القنوطِ
امتحنْ قوّة اليأس فيكَ
لتعبرَ ربْع الزّمان المواتْ
وهل ثمَّ أجملُ من أن تقول لك امرأةٌ
من بناتِ الخيال الحَرونِ:
منحتُك نفسي
وتهمس في مسمعيكَ،
وقد حمَّلتك الكهولةُ أوزارَها:
أنت ما زلتَ أنتَ،
فتيًّا كما كنتَ في ريعان الصِّبا
وقويًّا كثورٍ،
ولو أنهكتك الرياح السمومُ
ولو ضلَّلتك الجهاتْ
للكتابةِ آلامُها دون ريبٍ،
ولكنْ وراء انشطارِ العقولِ المدوّي
تشقُّ مجاذيفُ مجهولةُ الصّنعِ
أعماقَ من يكتبونَ
لكي تتبدّى لهم في عراءِ الذهولِ
حواري فراديسها السافراتْ
ربما ينبغي أن نكون طيوراً
لنكشف عما يرى النسرُ
أثناء تحليقه فوق أصفى الذرى
من لآلئ،
أو أن نكون إناثاً
لنكشف عما يخبّئه الشعرُ
في لحظات الوحام العنيفةِ
من حصرم الاشتهاء،
ومن غبطة الانقسام على النفسِ
في لحظات الولادة،
حيث النساء فقطْ
يستطعن محاكاةَ ذاك المخاضِ
الذي يترك الروح مشلولةً
قبل منحِ هباتِ الحياةْ
ربما في الطريق إلى مكَّة الوجْدِ
تأتي عناكبُ خدّاعةٌ من أقاصي الظنونِ
لتمهر باللبْس ثوب المعاني
وتمحو الفروقَ الضئيلةَ بين الجنونِ
وبين الصلاةْ
ربما ألف صحراء تفصلنا عن يقين الرؤى،
ألف حرّاء تحجب عنّا
كشوفَ الكتابةِ،
لكنَّ ما يلزم الشعراءَ
هو الغوص حتى النهايةِ في غار أعماقهمْ
كي تضيء لهم، دونما موعدٍ،
كعبةُ الكلماتْ

السفير- 2016-12-23