محمد الماغوط
(سوريا)

محمد الماغوطشهيد مع بعض التحفظات
كنت بذيئاً بالسليقة
ثرثاراً بالفطرة
وفي عالم تتنازعه أوتار شوبان، وأكلة لحوم البشر
اخترت القشور فيما آكل وأشرب وأدخن
لأنها أكثر غنى بمقومات الحياة كالشمس والغبار والريح
ولكن منذ قرأت ان صحاف الحجاج في الولائم
كانت تصف أمامه على ظهر أحد عبيده
واذا ما تقلقل هذا لأي سبب من الأسباب
قطع رأسه بسيفه المسلول الى جانبه
وأن والياً آخر كان يشعر باللذة الجنسية
كلما قضى احد خصيانه بسبب التعذيب
صار الخبز والسيف والتغوّط محور الشر في حياتي
قبل أن تدخل هذه العبارة ابواب البيت الأبيض والبنتاغون
وهزئت من آداب السلوك والمرور أمام الموائد
وسلامة النطق والاملاء
وتمسكت بأخطائي في الكتابة والقراءة والتشرد
ولذا كنت مغرماً عندما آكل وأشرب واكتب وأدخن
وما من مشهد مسرحي او صورة عاطفية استقرت يوماً واحداً في صفحة أو سطر
في دفتر يخصني
وعلى هذا المنوال...
كنت أنتظر الطبخة حتى تنضج
ولا أنتظرها حتى تبرد
واعتبر الاسنان فائض قيمة أو انتاج يجب أن تزول
وقد حقق لي القضاة العرب هذه الأمنية باستجواب واحد.

***

أما مرشدنا اللغوي والجمالي شوقي أبو شقرا
فقد كان له عالم ومزاج آخر
فحبيبته وملهمته دائماً من الفواكه والخضروات المتوفرة والسهلة الهضم.. تفاحة.. دراقة.. بطيخة.. حبكة رواية.. سعال دجاجة!!
وهو نفسه يشبه الموزة التي يكتب عنها أو يأكلها... أو الحورة التي كانها..
ودائماً يعطينا الفرصة الكافية قبل أن نتكلم
كالرعد المتمهل
أو الطوفان الحسن النية
دائماً في الظل اذا جلسنا
وفي الزاوية الميتة اذا تحلقنا
وفي المؤخرة اذا تنزهنا
ولذلك كان لصوته عندما يتحدث او يتململ
حفيف اوراق المصحف الجديد
حين يفتح وتقلب صفحاته.

***

وعندما خذله الشرق بعد أن تحضر
وللغرب بعد أن توحش
لجأ إلى معلمه الروحي يوسف الخال في أحد المقابر
ولكن دون ان يوجه اليه اية شكوى او سؤال
منتظراً ان تأتي المبادرة منه احتراماً لمقامه... المنسي بين الحشائش والصلبان الغبراء!

وشم المطر
فجأة اتذكرك،
كما يتذكر المناضل القديم...
الكلمات والشعارات التي خطها بدمه
على برقيات التأييد والاستنكار وجدران السجون
واخاطبك همساً بأكثر من اسم
لأضلل رجال الأمن والدين.
لقد أبعدك الآخرون عن دفاتريي..
ولكنك ما زلت في قلبي كالإيمان بالله
حتى وأنا في الحانات وعلب الليل
ولا استطيع ان اردد اسمك كثيراً
خارج أوقات الصلاة،
حتى لا اعتبر اصولياً
وتقرأ قصائدي على هذا الاساس

***

ثم دعينا من كل هذا وذاك...
ماذا حل بشعرك الأسود الطويل
اما زال المارة لا يفرقون بينه وبين المطر
وقبلاتك على وجوه اطفالك
اما زالت قصيرة وممتعة
كاغفاءة العامل المجهد عند الصباح

***

بين الفينة والفينة اكتب اسمك على دفاتري
وأمحوه أكثر من مرة
لأعيد الحياة والكرامة لها،
لقد تلقت في غيابك الكثير من الصفعات والإهانات

***

آخر اخباري مثل أولها:
انني مثل رومل أقاتل على عدة جبهات
(الشعر المسرح، الصحافة، الاصدقاء، الاعداء)
خائضاً حتى الركبتين
في مستنقع الفقر والفقراء
على كل حال جهزي اطاراً اخضر لصورتي
لأنني سأموت في الربيع!

الصحراء
على الجندية
ربيب المغارات المسكونة
وامير الكدمات الشعبية
عندما ينام الآخرون... يستيقظ
وعندما يضحكون يبكي
وعندما يبكون يقهقه
وعندما يأكلون يجوع
وعندما يضعفون يقاوم
وفيما يلجؤون الى بيوتهم هرباً من العواصف
يخرج ويتحداها
ولا يهنأ له بال الا اذا استقر على جذع شجرة
او في قاع بئر
ثم ينهض الى الكروم والخرائب والمستنقعات
حتى الوحوش والطيور الكاسرة والغيوم المنخفضة
تبتعد متحاشية طباعه وردات فعله.

***

دائماً هناك فج في رأسه
او ورم في عينه
أو رعاف من أنفه
وفي حزامه فخ او مقلاع
وفي يديه طائرة أو سفينة ورقية
وفي جيوبه خبز ودحل ومسامير
وحول بيته شرطة ورسل من المختار، أو مراكز التجنيد.

***

وفي بيته عارضة متدلية، سرج حصان، كرسي ولادة، جرس دراجة، قفة فارغة، فردة بوط عسكري، سطل طلاء، بوق فونوغراف، منخل، وكر نمل، وكتاب للمنفلوطي أو جبران.

***

ولأنه لا ينام حتى مطلع الفجر، وعلى فخديه خدوش، جراح، آثار صعود ونزول، فقد كانت الطيور والحيوانات وطرود النخل المنرلية، ما ان تسمع سعاله او صفير صدره حتى تنطلق مزغردة بأقصى سرعتها الى حقولها ومراتعها لترى ماذا أتلف منها وعلى ماذا أبقى؟

ولأنه كان في مناقشة ادبية أو عاطفية أو تاريخية أو حتى زراعية مهما كان فحواها ومستوى وعدد أطرافها "مستشاري العضلي" بلا منازع!
فقد قضى رحمه الله ومسودات قصائدي التي لم تنشر ولم تكتب بعد منقوشة على قفا قدميه الحافيتين أبداً كأقدام الطيور!

المستقبل
الاثنين 21 أيلول 2009