"رواة الطوفان"
.. كما وقيل أيضاً
كنا هكذا تماماً، ربما ملطخين بالهذيان بينما هيئتنا صلاة
للهباء اللا مدوّن، هكذا حتى قبل أن يأتي البدءُ ومعه
نواقيسه واحتفاءاته بهالات تبعثرنا
مرساة للرحيل المبجل
ونبضاً يليق بكثافة هذا الخواء
بدءٌ وقد تفوهنا مزقاً ومراثياً للصولجان الذي به نقبنا
الهواء البسيط عن فرسخ من فجرٍ لم يلوح له التفاحُ
تلويثاً....
بدءٌ يقال إنه رغم تألقه بالسراب، احتشد ولعله اعتباطاً
بكائنات الطوفان البهي، رواة الخراب
خرابنا ولم يكن هناك من نبي
أو طائر ينطقنا بالشيء الذي كناه، ويا لألم ما كُنا..
مشلولين نجثو على كف الحلم الضروس لنتأمل بهدوء الحلم ذاته
ضجيج سيلان ضوء الرماد وهو يجرف مزق الجسد في طقس
التهجي، تهجي الروح أطفالاً يألفون الغبار القريب فيباركهم
الاحتضار الذي مضى بالأقاصيص كلها...
بينما يكتظ القلب بالأطفال الهاطلين من انشقاق الذاكرة الذين:
(إن الشيخ الذي كان بحجم الأزل لم يلفنا إلا بوهم
الفجر المبتهج وفيما القرى توشم ظلام صولجانه بحكمة
الدخان، كنا نحن ندثر مساءات الريف القديم بأنفاسنا
ونصالح قمراً تهرأ في تيه مديح الفجيعة كشفاً عمن نجا من نهب الطوفان)
هكذا سرد الطوفان أقلهم تأهباً للضوء وأكثرهم بهاءً
هو أنا
ذلك القابع في أقصى زوايا القلب نسياناً..
والفارس هناك، زاخر بأناشيد غيابه المجلجل
بينما هيبته المأهولة بوصايا الأفق الأكثر اندثاراً
من زمننا كانت تغازل دونما ريبة ابتهالات شيخوخة القمر
وهو يرمي بصلاة فوانيسه ومراثي
خريفه على هزيمة سفن الفارس المنكوبة..
وللهتاف الذي أثاره خروج الفارس لتوه، من احتشاده المر بالزمن الطوفاني،
الحق أن يسرد:
"لم نكن نعلم ومعنا الفارس المدجج باشتعال براهينه، بأن القمر
الذي تهرأ ذات ذاكرة فاجعة بعدما فاوضناه عما ينبغي التفاوض
بشأنه، أعني، مؤامرة فخامة ضوئه الذي تحالف بإبهام شديد مع
ضراوة السر المرصع بالخطيئة، لم نكن نعلم بأن القمر ذاته لم يكن
سوى كتلة حجرية صماء.."
لكني لمن أذرف الأغنية؟؟
الأغنية بأسرها
برنين نشيجها الصاخب وبكركرات لعنة شؤمها المفتضح
لفيض الفارس؟
أم للفارس ذاته وهو يرنو إلى نساء يتهدلن ويتهدمن كالقرى
وهن ينفضن عما تبقى من وهم راية
الفجر شهوة غزت رائحة المكان..
أو لعلني أذرفها عتمة على خطيئة القلعة الشاحبة بارتجافاتها وما من محارب أو
لهاث سنابك يدفئها بغزوات الماضي وتيقظ الشهوة ذاتها للنساء المرتجلات...
وربما أرنم الأغنية عزلة المراثي
لحكمة الشيء القصي الذي ربما سينطقنا ذات رثاء بالشيء الذي كنا
ويا لألم ما كناه،
وللآتي من وصية أنقاضنا، الذي تهيأ أن يتسرمد خراباً شفافاً
والمهيأ أيضاً أن يكون دونما حكمة
ما كناه نحن
له فليشهد سيروان الأكثر التباساً من هذا الهواء
وهو شاهد الزمن الأعرج وراوي الطوفان
له فليشهد بآثاره التي ترتلنا أشلاء أشلاء تكفن بياض
الخواء المترامي حتى حافة الذاكرة بفتنة أبجدية الكيمياء البراقة،
وليشهد بتفصيلات الشيء الذي كناه نحن:
ويا لألم ما كناه
مشلولون نتضرع إلى الحلم الضروس..
ويا لألم ما سنكون..