يحيى البطاط
(العراق/أبوظبي)

عناق

يحيى البطاطربما..
في الحروب الذرية القادمة
وأنا ابحث عن قلبي
أجدك مختبئة خلف شظايا النجوم
أو عالقة ً،
في سحابة من جثث الأشجار.
حينها،
سأقبلك بشفتين من لهب
وبعينين متسعتين،
أضمُّ رمادك إلى صدري.

كوابيس

الوجوه التي لا تعنيني
التي ألفت تقلباتها،
تشاركني كل ليلة أحلام نومي،
وكل يقظة،
أحلام يقظتي.
إلا في كوابيسي،
أراها بأجسادها العارية
مذعورةً...
تهرب من رأسي

أمطار

أيتها السماء
آه كم نسيت زرقتك،
انتظريني...
سأهديك قطيعا من غيومي
وأدلق على قميص نومك اللازوردي
قليلا من زمجرتي

السياب

بربطة عنق
وأكمام طويلة
وحذاء أغبر
مسرعاً....
مسرعاً ....
وبالتفاتة خفيفةٍ
ترك ظلالاً زرقاء
مطراً،...
مطراً ، مطراً،
ومضى إلى الله.

غناء

أبداً...
للثقوب يتدفق النمل
مستمتعاً بلوامسه التي لا تخطئ،
منحدراً من السقف،
يمضي إلى الجهات التي لا تحصى
أناشيد الملكات،
تسطع في دمه الأسود،
كشموس أبدية.

غروب

ذات حرب
أدخلوه جثة جندي
لها قامة تليق بوقت ذبيح،
قالوا:يليق بعاصفة...
قالوا : هيا ... هرول أيها الجندي
.................
.................
ثم أغلقوا الجثة دونه.

عطش

كلاكما بلا سبب
بلا معنى،
ولا سلام،
أنت
والصحراء.
أنت بلا رمل،
والصحراء بلا دموع...
وأنا بينكما ،
أبحث عن فكرة لا تأخذني إلى العطش

معرفة

تعلـّم كيف يحصي ميتاته،
ويزّّين نعوشه،
ويشكر مشيّعيه
لكنه لم يتعلم أبداً
كيف يغلق عينيه قبل أن يموت.

مكيدة

أيها الرغيف
ثمة من يتآمر على بياضك
نعم...
فأنت هادئ جداً
ومسالم جداً
وطيب جداً...
سأنشُّ عن وجهك الذباب والطائرات،
وأقدمك على طبق نظيف

طوفان

نوح
نوح، يا نوح،
أخذت نساءنا،
وأشجارنا،
وأبقارنا...
لماذا
تركت الأرامل يرتقن الفجر
بخيطٍ أسود من الدموع ؟

فينيق

في كل مرة
كان يتساقط
ويسمي ارتطامه قبلا ً

حماقات

نكاية بالوداع
ترك كفه تتدلى من سماء الوطن
نكاية بالموت
يحرق نصف عمره في سيجارة واحدة
نكاية بالوحشة
يخترع البحر من دموعها
نكاية بالمعنى
يقشر حماقة اللغة
ويقتسمها مع نفسه !

حروب

الموت لا يحتاج إلى حيل
هذا ما يفسر اتساع حدقات الموتى
شدة رعبهم
من أحابيل الحياة.

***

المقامة البغدادية....

يحيى البطـّاط
(العراق/الإمارات)

بغداد ..كم تعفن الوقت في ماعونـِكِ،…
اتركي الدودَ للطين، اتركي الأخطاءَ لجمجمةِ الماضي، وتقدمي إلى النهرِ، ارفعي ثوبَكِ المزنـَّرِ بالوردِ قليلاً، ستلوحُ التماعةُ فخذيكِ تحت شمسِ الألم، وستسوق البراعم إلى ضرعيك شهواتِها الخضر.
تقدمي إلى الماء أيـَّـتـُها اللاهيةُ بذكرى الأخطاء، يا قمر السكارى المدجج بالقهقهات، يا أم الخوفِ والسعالِ والطواعين، يا وريثةَ أمجادِ القصب،.. يا أمي.
لماذا تحرقين عشاقك آخر النوم وترمين بهم إلى ظلمة النايات؟
لماذا تدسين في فم الليل أسماءهم، وتدلقين خمورهم، و تنسينهم يئنون في دفاتر الذكرى؟
أرى قمراً من فضّة البرق يشرق من نهديكِ…ألم تكوني نطفة في أحابيل الآلهة الجوّابين على حافات النور ذات هباء، حتى قذفوك من ظلمة النسيان إلى صحوة الفكرة، ألم يسمك إنليل الذي لم تسمَّ المدن من قبله ولا من بعده،… ولم يُصفَّ حجرٌ على حجرٍ إلا برفـَّةٍ من بنانهِ.
ألم يسمِّك الذي من دونه لن يفيضَ الغمرُ المبارك فوق كتفيك الأبيضين، ومن دونه لن تبيضَ الطيورُ المهاجرة فوق بطاحِك العارية، ولن تفتح الغيومُ الحبلى ثغورها على ثغرك، ولن تزهرَ السهوبُ بين فخذيك، ولن تلدَ البقراتِ عجلانها في زرائبك، ولن ترعى الأسودُ والنمورُ والخنازير والكلاب جراءها، ومن دونه، هذه الجموع العاجة من الرجال والنساء والأطفال لن تحجَّ إليكِ.
آهٍ …من الأعماق ينبثق النبع البارد.
ألم يسمِّك البدو حين ارتفعتْ راياتُهم السود على أبوابك السبعة (باب البصرة وباب الكوفة وباب الوجد وباب البحر وباب الريح وباب الشمس وباب اللـه)
ألم يصرخوا حين أيقظتْهم فكرتك من سبات الرمل: "ها هنا سرة الدنيا"، وأشاروا بعصيهم الغليظة إلى بطنك العارية راسمين دائرة داخل دائرة داخل أخرى داخل أخرى وهم يكركرون ويهزجون "ها هنا سرة الدنيا"، حتى استويت نقطة في قلب جمرة، فشطرك الماء إلى كوكبين واحد يغفو على طين النهر، والآخر يتدحرج في أفق من رمل ورمد، فانطلقت هائمة تولولين في حقول اللذة والخبز واللبن:

كم أراني أحلم مثل جمرة
ظهري مقوّس
يسبقـني رمادي إلي
وتضيء في قلبي شجرة…

إلى تلك الشجرة انطلقتْ عشائر البدو والحضر من جهات الأرض كلِّها تحلم بحلم واحد طيلة سبعة أيام وسبع ليال..
كان الحلم أنت...تتخفين في إهاب امرأة حافية تهيم على وجهها بين الليل والنهار بشعرها الفاحم الطويل، وهم يتبعونك مهرولين من جهات الأرض كلها دونما أمل، وحين ضاع أثرك، التقوا جميعا في مكان واحد، وصار كل منهم يرسم حلمه على الرمل، حاصرتهم ذكراك، وكنت أنت!!
تعرت نجمة بين يديك، و تفجرت ينابيع مقام الصبا تحت قميصك بينما راح الرعاة والجنود والغجر والشحاذون والوراقون والقوادون والنساخون والحوذيون والعيارون يهيئون موكبا للفراق، وهم يتمتمون باسمك أنت.
قيل أنهم راحوا يطعمون نيرانهم الهائجة حفنة من كلام مر، ويدسون تحت وسائد نسائهم وصايا الحرب ويعلقون بغبطة سيوفا من حجر الشذر على مهود خاوية.
وتكرر الحلم،كان تارة ينسلُّ بين مضاجعهم ليشكّل أنسالهم، وأخرى يظهرُ على هيئة شاراتٍ سماوية، وأوبئةٍ، وطواعينَ، وسيولٍ، وجراد،وقحط،ومطر، وبَرَد، وشجر يمشي أو شجر يبكي، وصهيل يصيب نساءهم ساعة المخاض، أو عواء يستبد بصبيانهم حين تكتمل فحولتهم، وصواعقَ من نار ودخان تبصقها وحوشٌ حديدية تطير فوق الغيم، ودخانٍ أزرق برائحة الجوع يمزق أفئدتهم،..
كان الحلم يزهر مثل جرح قديم يخبئونه تحت أسمالهم، وهم ينطلقون جيئة وذهاباً تارة يصعدون إلى الجبل الرابض خلف غابات الأرز والكستناء يقودهم شيخ ضال،..وتارة ينحدرون إلى ماء الأهوار الأسود، تتبعهم سلالات عجيبة من البط والجواميس والأسماك والبغال والكلاب، تعلموا كيف يحرقون الزمن في مباخرهم، وكيف يتزينون بذهب الكلام.
وذات يوم أضرموا ناراً عالية، وأشاروا بسباباتِهم نحو السماء فانكشفَ وجهكِ في الأعالي، رقصوا وطبلوا وغنوا ثم مد شيخهم يده ليدغدغَ خاصرتَك العارية، فهاجوا وماجوا، وكنت كما أنت تضحكين في أحلامهم، وتطاردينهم واحداً واحداً بغنائك المر:
أنا في ليل غريب مدلهمِّ
زادني الشوق هموماً فوق همي
كم أراني أتقي غمي بدمي
في الصحارى والرياح العربية
لكنك آخر الليل ترمقين الرجل منهم بنظرة تحيله إلى رماد،... كشفوا حيلتك واختفوا فرادى فرادى تشتتهم الجهات، يحف بهم القصب وترفرف على رؤوسهم أسراب الغرة والغاق، والحذاف والحمام البري والحساسين الملونة....يصرخون: تعفن الوقت في ماعونك يا بغداد، اتركي الدودَ للطين، اتركي الأخطاءَ لجمجمةِ الماضي، وتعالي إلى الماء، ارفعي ثوبَكِ المزنـَّرِ بالوردِ، ستلوحُ التماعةُ فخذيكِ تحت شمسِ الألم، وتسوق البراعم إلى ضرعيك شهواتها الخضر.
رددت أجمات القصب، ودوامات الماء الأسود والطيور العابرة، ردد النائمون بقلق تحت ظلال القباب الزرق، ردد الفلاح والحداد والنجار والحوذي والشاعر:
أرى برقاً يشدو على أسوارك المدورة
فهل تنسى الجذور لذة التوغل في الطين؟ وهل تتلمس الأصابع حرائق الألم لحظة القطاف؟...آه يا بغداد، بينك وبين الرملِ حجلٌ وقطا، بينك وبين الحلم جمرٌ وغضا، بينك وبين الماء زمن يتعفن من فرط ذكراه، بيني وبينك مزاميرُ تعزف لحناً أرقِّع به شحوبَ أيامي:
متى تقولين للجمال كن وطناً، وتكونين
متى تقولين للأرض كوني امرأة وتكونين
لا يدي طالت ولا قوسي رمى
وسمائي حجر تحت السما
كلما شاهت بعيني نظرة
أطفأ الرمل نهاري بالعمى
لم يا بغداد ضاقت خطوتي
ويقيني صار أحلام الدمى

ذي أسواقك تعج بباعة الذكريات والأوسمة والنياشين، وساحاتك مشتعلة بأنين الجمال..بينما أبوابُك موصدة على وطنٍ من رملٍ ورمد، ومفاتيحُك معلقةٌ في رقبة ثور هائج.
هكذا يترنَّح الأسل بين الصِّبا والصبَّا،
بين الأسى والأساور،
هذا الرماد أنا، وتلك يدي
فزّاعة تغفو مع الضجر
في كل جارحةٍ أفيق على
عطشٍ، وذكرى الماء في أثري
فألوذ في شجر ألفـِّقُهُ
بين الظنون، وأظنُّه شجري
أسقيهِ من شجنِ الغياب رؤىً
وأراود الأغصان بالثمر
وأصيح به، يا باسقاً بدمي
هذا الرمادُ أنا والنار في وتري.


إقرأ أيضاً:-