عايدة نصرالله
(فلسطين)

إلى فيصل قرقطي

أنين المقاهي لا أعرف كم مقهى ولجنا ذلك اليوم شديد البرودة في رام الله.
" لنهرب من .زمهرير المكان "
هربنا.
روحه المهزومة من الاصدقاء والامكنة عبأتني، تلفعت بظل جاكيته المهرول إلى اقرب مقهى يحتوينا.

مشردان..ربتنا كانت مغرقة في القهر والوجع، في " مدينتنا " !!.
شوارع ووجوه لا أعرفها اصطفقت في وجهي الذي غلفه الصقيع
سكبنا أعيننا في شراب الوحدة. لهاثنا أطل علينا من فناجين القهوة، عصير التفاح، الماء... ماذا لم نشرب في ذلك اليوم ؟! الشوارع أنت من وجعنا.
- كم مقهى عبرنا ؟! لا اذكر.
- كانت خمسة ؟!. " لو كان لنا بيت !! " " لو كان لنا بيت " !!
" كنت اكتفي بحصيرة "، " كنت اكتفي بكَ "
كان السرير كبيرا، في قصر ليس لنا.. والشبابيك كبيرة. منظر لسماء تسكنها نجوم وأضواء مرتبة بعيدة، هناك.. هناااااااااااك، في وطن مستلب.. على مرمى رفة جفن من صقيعنا.
وطن شعرناه خرم إبرة
هناك التحفنا البرد. أقدامنا تنفست وجعا. الأرض العفنة نفضت غبارها على جسدينا، لكن روحينا نامت على لهاث يجتهد إذابة الجليد الذي قامر بغزو اللهب فينا.. وخاسرا خرج.
لولا يداه الضخمتان اللتان شدتا عنق الأمان رغما عنه لنزفت أحشائي قهرا.
ولولا يداي الصغيرتان وعيناي التان انفحتا بالحب لنزف أحشاءه قهرا
" لا حبة زيتون، لا بصلة، ولا خبز يزين ذاك القصر ".

في قصر لا يشبهنا.. قذفنا إلى غرفة تأوي عاشقين هاربين من وجوه التطفل.
تحت الغطاء، شعرت بأنفاس أخرى تشاركنا، جلود لا تشبهنا، أحسست بعيون تحملق بي من قلب الغطاء، أشياء تلسعني، ترى كم شرب هذا الغطاء قبلنا من الماء ؟
فجأة أحسست بشيء نجس، نجس، وتقيأت روحي بطريقة غريبة
نزيف آخر لا يعرفه الناس العاديون.
" حبيبتي عليك بإجراء الفحص غدا ".
" لا تقلق، أنا أكثر من يعرف ما حل بي ؟ المكان... المكان... آخ من هذا المكان !! أنا أتطهر بطريقتي، روحي تذيب نفسها عن طريق إزالة الماء العفن من داخلها "

تكورت في داخله كطفلة، نظرت داخل عينيه... فشعرت بحبل وجع امتد من ابتداء ساعة الولادة إلى تلك الغرفة ".
بلعت فؤادي / بلعنا أفئدتنا.

لم نحتمل اتساع المكان، لم نحتمل غربته عن روحينا.
عندها قذفنا أفئدتنا مع أول خيط للضوء، خارج المكان.
كهاربين من العدالة. تسللنا صباحا. وغادرنا القصر.
" لو كان لنا بيت " ؟!، " لكننا دون بيت " / وهناااااك.
بدأت الشوارع تتنفسنا، تئن من تحتنا... وتَزفنا.
المدينة تزف نفسها أيضا بالصور وبالمحلات التجارية. تحاول تجميل نفسها رغم اغتصابها علها ترضي عشاقها. رأيت فستان زفاف أبيض. خجلت منه. كم بودي لو لبسته وطرت به إلى أعالي السماء. سذاجتي كانت أشد لسعا من البرد.
البرد يُغرق في تحديه لنا. ينخر عظامنا، يتعمد سل الهناء منا.
" لنذهب إلى مقهى آخر ".
مقهى " الخيمة " اسمه. ولم أع إن كان اسمه نابع من التخييم حبا على زائريه، أم من التلذذ بذكرى مآسي خيام شعب يجسد المأساة بتجميلها ؟!!
" كم سنبقى في الخيمة " ؟!! " لن نبق كثيرا ".
كان اجمل من المدينة جبينه. وكان اجمل منها حديثه. وأجمل منها عيناه.
كيف يكون جميلا خارجي، كيف يحلق بي إلى سماء غريبة عني، وكيف نسيجه خارج ضلوعي، لأي مدينة سيهرب ؟

لكن المدينة.. تبقى هي المكان. وأنا متطفلة على المكان.
بإمكان تلك المدينة أن تلغيني من نفسها.. من منافضها... من شوارعها.. من مقاهيها إذا أرادت... إذا أراد...... إذا أراد...... إذا أراد...
نتجول معا. وهو يحملق في العيون المستطلعة.
هيا بنا
" لماذا " ؟
" ذا العينين الكبيرتين يحدق بك..بنا " ؟
" أهي غيرة يا ترى ؟ أم هو شك قاتل ؟ ومن هو ذلك الذي هرب منه، ولم خاف نظراته، وهل كنت أنا " كمشة " لحم يفترسها ذو العينين الكبيرتين " ؟ !!
صمتت على مضض. " حتما سيتغير، حتما " أقنعت نفسي.
وعبرنا بأنيننا ليسكن مقهى أخر
- " في هذا المقهى جلستْ. نعم هي.. هي كانت تجلس هنا، وأنا هناك، هنا كنت أعلق لها وردة " قال وأشار إلى وردة سكنت حروفه.

- " نعم " أجبت
- " هي كانت تحب الورد ".
- نعم
- " كان كلامها ناعم "
- " نعم "
- كانت " سوسنة الروح "
" نعم "

" هي.. هي.. هي.. إياك أن تقتربي، أنت لست سوى امرأة اختارت لتركع لنزقه الأهوج ؟ هي من تربض على مخيلته ولا تنفك. أنت لا حق لك.. لا حق بقطع حد الهواء بينك وبينه.. لا حد لك باختراق الصوت.. لا حق لك برتق أي خرق في هدوءه.
لا حق لك.
احبيه بصمت ! احبيه بقهر !
احبيه.. أنت... المرأة الظل، الهامش.. لن تأخذي اسمه.. لا رسمه.. ولا كلماته.. لا حق لك.
هي من ستأخذ أوراقه.. تلك .. تلك الشبح القاتم.. تلك من له الحق في اسمه، رسمه وأوراقه.

أحبيه بعيدة.. من وراء الخط الأخضر الذي يشعل النار تحت قدميك.. احبيه من وراء اشتعال الصبح في عينيك.. من وراء نيازك الحلم في مبتغاك.. ِأنت يا من عجزت المدن. تطريز الغيب فيك، ذلك الغيب المسحور.. المستور في جبينك.
ليكن
احبيه جمرة تحرق اللغة. أو نسمة ترتقها، لكن لا تخرقي حدود المسافة ؟! فالشبح الأزرق قائم بينكما، كحد الفاصلة بين جملة وأخرى ".

عيناي تكادان تقفزان من محاجرهما لكني أغرقهما في فناجين القهوة والماء.
في عز البرد وجعه استحال خنجرا حز الحديد البارد للمكان. حرارة أنفاسي لم تضف شيئا.
أطل علي وجهه يحمل جناحي طائر ملون، عيناه التعبة وكأنها حملت المسافات، وقصص تجزؤ وحشرجات روح يا ما تساقطت حبا على أهداب المخيلة. حزنه أكل ما تبقى من قوتي، استنزف دمي أحسست بكاء قلبي الذي لم يكن سوى علبة صفيح من برودة القهر.
معه رأيت انحناء قامتي لأول مرة.
أهذه أنا ؟ لم أصدق. أأتكئ على حلم أعطيه جلدي. ما تبقى من ريق الحياة. أأنفث فحيح عمري فيه. وما يلبث أن يغادرني. هو فقط من استطاع فك حبال الوهج وإخماد الكبرياء. ذلك الكبرياء الذي سد السبل أمام غزاة الأرض. خانني كبريائي. وها هو يحني قامته بخيانة في داخلي. أهي أنا هذه المرأة التي تحني قامتها فجأة ؟

ومن هي ؟ تلك المرأة الأخرى صاحبة الوردة ؟
علقت أهدابي فيه حتى عميت.
" هل يكون أسير ماض كشعوب مهزومة آلت على نفسها أن تموت سجينة ماض مزخرف بالمجد الغابر؟. وهل يكون حلمي فجأة كاؤلئك الذين اجتروا مآسي الماضي حتى اختفوا " ؟!.
وجع ذل انتابني وكأني أدمنته. هل أكون أنا أيضا كأمم تحنطت بين طيات السواد حتى انحناء القامة ؟ .. تلك المرأة من تكون " ؟
" هل شعرت بالدفء " ؟ فاجأ تحليقي
" نعم "
" هنا كنت أتوحد مع نفسي، كنت ابحث عنها بعد شتات السنين. إلى أن التقيتها وكان هذا المكان يضمنا، كنت على حافتي السراط لكن لا جنة، على الحافتين أما آن تسقط في الجحيم.. أو في الجحيم " قال : مقهى الأصيل يئن هو الآخر من صقيع أمنياتي. اسكب وجهي في عصير الليمون.

" كم أحبك. ترابي الأرعن، المغمس بلهث القوافي، ووجع بحث ذلك الطفل عن أصوله المتعبة، غب أغز كل المدن وعد لرتق جراحك على صدري، فأنا الأرض التي ستزرع وردك وصبرتك التي انتظرتني حتى أهل عليك من جديد ".
خبأت وجهي في الكأس لئلا يرى تمزق روحي وهو مغرق في ذكرياته مع تلك المرأة التي أعرفها أكثر من نفسي. تلك التي لم تع حروفه.
على الحاجز قال لي " هي لم تع حروفي "
" ترى ؟ هل ستعي حروفي " ؟ هجست وأنا في طريقي للإنسلاخ من معطفه.
في الدخول إليه، يكون الوقت قد استبد بي واستنزف طاقاتي وأنا استعجل اللقاء.
في الخروج منه، على حافة اللهاث ما بين هنا وهناك، يبتسم ويلوح بيديه. أقطع الحاجز. يذوب الخط الأخضر وراء الجند ووراء عيني المتوسلتين، لكن لهاثي المتقطع، يكون قد استكان، هنااااااااااك. حيث خيمته التي طوقتني ليستوطنني فجر انسرب من عينيه.


إقرأ أيضاُ