عقيل علي
(العراق)

عقيل عليلا أتوق إلى محاولة تفسير الشعر.. ولا أمنهج القصيدة..
ولا أمنحها الحدود.. ثمة مخاوف عديدة وأحزان لها أن تنفجر لتكون قصيدة أو دموعاً.. هذه هي الحكاية..
زمن القصيدة، حجمها.. يلدان بتلقائية ولا موعد مسبق..
لا أتعاطف مع الكثير مما يخرج هذه الأيام، ثمة محاولات عديدة تجري لتجعل الشعر عقيماً.. أكثر الشعر لدينا جسد زنخ بثياب نظيفة.
وقصيدة النثر خصوصاً حوصرت بمرارة ونجاحها رهين بإخلاص شعرائها لها.. لا أرى أن محمد الماغوط منحها الكثير..
كان لي في فترة قصيرة أن أطلع على نماذج من كتابات متباينة لعلها هي الأساس المتواضع في أدبي.. بعدها بدأتُ أنسج دروبي بصبر وأحياناً بعبثية...
سُحرتُ أولاً بنداء رجل (الانتحار تتويج لكل الملذّات)، لم أسعَ إلى محاكاته لكنني أجده يثيرني.. وأنتظر...
في ذي قار صلبتُ عشرين عاماً ويزيد على عتبة الألم..
من هنا تولدت رغبة عميقة في الهرب.. مم؟.. وإلى أين؟
لعل في القصيدة عوالم وألواناً شفيفة أو براقة.. ولهذا أكتب..
هل قلتُ شيئاً مهماً ؟ لا أدري. ولا أطمح في ذلك..
وأخيراً.. من أول النهار عبرت شتيمة الأيام.. مكتظاً بالخوف.. وأنا يحتسيني ضيوف العائلة.. وفوانيس شبابي.. وأنا العنق..
أغتصبُ بودّ في سجن النبي.. أسحبُ رأسي من مياه القبيلة..
متوهجاً كالغضب..
وزنخاً كالنذالة..

(مجلة الكلمة، العدد 5، 1974، بغداد)
(حينما كان في الخامسة والعشرين من عمره)

***

أحلام

أسمعُ معك :
الحربُ هي الأخرى تضليل لطيران الأطفال
فأتذكر :
..وهذا دائماً..
حريةَ أن نختار
" أتذكّر العابَ أبي تتراشقُ فيها الأبواب"
لم يكن ذلك الفضاءُ صباحاً دائماً
كان علينا أن نرتفعَ بعمق
فهذه ليست الشمسُ كلّها.

قصيدة أحلام
من ديوان طائر آخر يتوارى
قصائد 1974 - 1976

***

نشيد العزلة

كيف ألقاكِ أيتها العزلة بكرم اللصوص ؟ ماذا أفعل بهفواتك ؟
أنت يا رحِمَ الأحجار،
ماذا افعل بكِ، أنت يا قامة الميت ؟

ها أنا ألقاك تتخفين بالأنامل، برماد اللعبة ذاتها
وها أنتِ تلقينني أسحبُ يدي، جاعلاً من كل شيءٍ ذكرى
حسناً كان ما صنعتُ، حسناً كانَ
حين أعطيتُ للغرباء خلوتي
حين ظللتُ الهاماتِ الفاتنة، زيَّفثُ النسيانَ، وافترشتُ
البرابرةَ النادمينَ
حين استدرجتُ الخفافيشَ لخمرتي، وجعلتُ النقائضَ صيحتي
حسناً..حسناً كانَ ما صنعتُ
حين جمعتُ أحلامي في قبضة الوهم، وقطعتُ الطرقَ على نيراني
فليسَ ما يطرقُ البابَ سوى الهجران.

ليكن الفضاء صمتَكَ ..ليكن التنزهُ هزيمتَكَ
لقد جرَّدوكَ، بقيتَ وحدَكَ تسخرُ من نفسِكَ، مقطوعاً،
لا تُمسكُ غير ظلالٍ، هي في الأصلِ عدوَّتُكَ،
جسد الليلِ الواجمِ أمامَ هوائه،
في كل وداعٍ أنتَ عصفور مسافر يعود إلى أنقاضه
في كل ممرٍّ أنت تابوت حامَ واتكأ إلى شمسٍ مطفأةٍ
يا صديق الأصباح، كنت توسوسُ الغيلَ على أطراف الصحراء
آفلاً، كنت تعرف نفسَكَ آفلاً
لكنك بنارك كنت ترقص، وبأهوائك كنتَ تشتعل.

ومع هذا ما أنت إلاّ خطوة للوراء
نجمة على الشفتين معتمة، ملعونة وحمقاء
ثانية أستدرج البحرَ ليمحو لعبةَ الخيول
والآن
أين هي الخطى التي ابتدأنا بها
وأين مُنشدُ الينابيع ؟
أين ؟

(قصيدة نشيد العزلة)

***

من قصيدة "مطارق السبات"

صوتُ أحدِهم متوتراً يرتقبُ قلبكَ
صوتُ أحدهم يحتجُّ لهذا التدبير، وشيءٌ مّا يبحثُ عن أسرك.
لك ينصتُ أحدُهم، كفى تقليبُ المفاتيحِ بلا هوادة
لن أخرجَ إلاّ بعد أن أصفعَ هذا العقلَ الأجرد.
هناكَ قنفذ يقرضُ قلبي..أولولُ بصمت، وهناك
في ثنايا الكلمات يداكَ تلعبان بالكُره
سيأتي النسيان، مترنّماً بالموسيقى الرتيبةِ، فكفى الشكوى
من الأطمار
لا أعرفُ طموحاً، لا أعرفُ رفعةً، لا شيء..
دون هوادةٍ أصدّعُ انحطاطي، لا تلتفتْ، بل استمعْ لقهقهات الأشباح
دون هوادةٍ أنتقمُ للجهود النادرة،
أتريَّبُ،
أدهور طموحي وأركلُهُ

ما هذا الولَهُ ؟ ما هذا الولَه ؟
متى يعتلي الإنسان عرشه ؟
لقد نطقنا ولم يبقَ غيرُ الانصراف..لا مكانَ للقصيدةِ بين المتسوّلين،
فالمسْ غفوتي أيها الوجهُ المناوئ
ويا دمعةَ الرحمة انهمري،
وليكشفِ القرصانُ عن حقيقة النور
إنني ألمس هجوعَ وحدتي
وبصرختي أدمغُ شارةَ الفرار.
أنا حليفكِ يا حاشيةَ العافية..سليلُ أمراضِك التي تغفيني
لقد نمتُ بأمانٍ على مطارق السبات...فككتُ عظامَ القشْرات.
القصيدة ألم
فاقبض يا جزعي على مقبض السوء
الزهرة الأريبة هلعةٌ من القُبَل.

اذهبْ وحيداً ولا تحترسْ يا من تنتظر، لقد تحدثت كيف تنطق القلوبُ الوحيدة
ها أنا أدمدم بالبساطة..
أتهجى الفصولَ البائدة..
أشير بالضحكة المأتمية
بعدما
البراءة الناجعة أدبرتْ
وأُسْدِلَ الغناء النديّ.