في السنة التي شاركتها غرفة
سألتُ أختي أن تتركني أشم شعرها
وأن تسمح لأصابعي
أن تنسل بين خصلاته.
كان شعرها أسود طويلا يلمع
مثل بيانو جديد.
كانت هي تمشط شعري وتقول
إني أحلى من فتاة.
ذات ظهيرة التقطنا صورة معاً.
أرتها لصديقاتها و أخبرتهن
أنها ابنة هارون الرشيد
وأنني عبدها الصغير
هبة من شارلمان بعث بها امتناناً
لمزولة وصلته من بغداد.
أخبرتهن أنني كنت الملاك
الذي نزل مع جبريل
ليعلم سليمان لغة العندليب.
ولكني وقعت في غرامها، بلقيس،
ولم أشأ العودة إلى السماء.
قالت إنني يوسف
وهي امرأة العزيز
التي حفظت جمالي
بإكسيرٍ اشترته من الساحر
الذي حنط الملك توت عنخ آمون.
في يوم عرسها
قبَلت خدي
وتوسلتني أن لا اكبر.
بالأمس هاتفتها وقالت
إنها تُري أولادها الصورةَ
وتخبرهم أنني عندما كنت عبدها
فررت مبحرا إلى مرسيليا
ومنها أقتدت إلى بلاط فرديناند و إيزابيلا
اللذين أهدياني لكولومبوس
الذي استبدل بي حفنة من ذهب.
ولكن الهنود لم يجدوا فائدة بي
فما كانوا بحاجة للملائكة أو العبيد.
تخبر أختي أولادها
أنني أعيش الآن بشارعٍ
فيه اثنتان وعشرون كنيسة
ومعبد واحد لليهود.
على طريق "روسفيل" رهنت جناحيّ
لأسدد فاتورة الإيجار.
وأُدير الآن محلا
ترتاده زنجيات فقيرات
يدفعن لي ثمن مشترياتهن
بـ "يا سكر" و "يا حبيبي"
"يا خبز العسل."
****
الواقع على شارع اطلنطك وجوهٌ
جُبلت من طين حضرموت وجدران
بلون الخوخ المعلب. الرجال
وشواربهم جاؤوا من بلد
أُجيبَ فيه عن جميع الأسئلة
عندما لمح سليمان فخذي بلقيس.
هنا يروي الرجل حياته
كما يرشف شايه: أحدهم
اسمه أنور يسأل عن تعويذة
أضاعها. دستها أمه
في جيبه يوم غادر.
وأنا افتقدتها عندما
نبش ضباط ثيابي.
انهارت ركبتاي، وحسبوا تعويذتي
من زبالة المهاجرين.
الحاج احمد يجلس جواري
لان وجهي أليف، ويفتح مظروفاً
ليريني صورا من عرس بنت أخيه.
متى أتيت هنا يا حاج؟
يحدق، لاعبا دور سندباد يتذكر:
كنت شاباً، ركبت أول سفينة إلى جاوة.
لم اعد أبدا. في وهران
وعدتني امرأة بأنها لن تنساني،
وفي جربة قبلت يد يهودي
لان زوجته من صنعاء.
أعيش هنا ولكني مستقر
في كل مكان.
ينوح الطباخ "يا ليل يا ليل"
وهي أغنية هذه الليلة
وكيف سأمشي إلى غرفتي
في بيت جورج ودونا
حيث ستنشغل دونا
بنيك رجلاً أخر.
يا ليل يا ليل
النادل يناول أنور سلة
مليئة بتعويذات ضائعة-مسبحات،
صور، جواهر مزيفة.
ويبحث أنور وأغور أنا
بين الضحك والبكاء
لأنني شربت الليلة شاياً حلواً بالنعناع
وأكلت بيدي و لعقت أصابعي،
كل ذلك لأشبع ذكرى
لأسقيها بالقرنفل و اللبان.
يا ليل يا ليل
أنا هنا والفراغ هناك
بين شارعي كارول وسميث.
انزلق نحو أصياف يملؤها البدر
نحو نجوم ترقص لعودة الحجيج
انزلق إلى أحلام تحدث في الأحلام.
شفتاي جاءتا مع قافلة للعبيد
كان يملكها السنوسي الأكبر.
في الجغبوب أعتقهم.
مازالوا يقطنون الربع الفقير ببنغازي
قرب المستشفى حيث ولدت.
أولئك الإغريق
الذين أهدوني حاجبيّ
ما كان ببالهم البقاء بتوكره.
لكنهم شموا ذات يوم
رائحة المريمية البرية
وأعلنوا بلادي مسقط رأسهم.
فرسان القديس يوحنّا
غزوا طرابلس.
فطلب سكان المدينة النجدة
من اسطنبول. في عام 1531
جاء الأتراك بأنفي.
يعود شعري
إلى إحدى جواري
سبتموس سيفيروس.
كانت تهيئ له فطوره
و أنجبت له أربعة أبناء.
فتح عقبة مدينتي
باسم الله.
نجلس الآن على حافة قبره
وأغني لك:
"يا ذا الأهداب الحلوة
الحادة كالسهام
أهذا وجهي الذي أراه
منعكساً في عينيك"؟
(1)
الصباح وعد.
لا يخلف ولا يصدق.
تصنع قهوة بطعم الهال
وبحلاوة أخرى لم تعد تتذكر اسمها.
قدمت لنا مبروكة كعكاً وشاياً خفيفاً
في فنجاني بورسلان
مقبضاها على هيئة السمك.
ذكرى زيارة مضى عليها
أربعة وعشرون عاماً.
أهدينا رضيعها أساور
منقوشاً عليها الله بخط كبير.
الرضيع يقود الآن قطاراً
بين أسوان وأسيوط
فيما نحن نتحدث. أسمع
ضحكتها والماضي
بكرة حكايات
محلولة الخيوط. ساعة تنقضي.
عليَ الآن أن أذهب.
سعيدة هي
أن لديّ أعمالاً أقضيها.
(2)
صافرة قطار
وأنا أتشبث بالمقابض
كأنها فرصتي الأخيرة
لأُبعثَ إلى الحياة.
في العربة تتلعثم أفكاري.
لا تصل إلى أبعد من النافذة
ولا تخترق الزجاج أبدا.
لماذا ذهبت لأزور قريتها؟
جثث جاموس تطفو على القنوات
والقنوات يخنقها ورد النيل،
قوارب القمح ذات الكروش البارزة
غائرة في الطمي.
وثمّة ولد نائم على سطح المركب،
يتوالى الذباب على وجهه النحيف.
عاشت بجانب سكة الحديد.
عاشت ولعبت
وانتظرت قدوم المذنّب
ليهز بيتها.
وحظيرة البقر ورائحتها المبتذلة
والحمار مستودع
للغيظ والحنان،
عشيرة كاملة من الركلات الغاضبة.
والولد الذي نادوا
عليه ليبول على جرحه.
انتظروا القطار،
انتظروا النهار ينزلق كمجرفة
في الطعم المعدني للتراب.
أعراس واحتفالات.
مزامير وأبواق تسرح
في القرى القريبة، تدعو
الضيوف وكلاب الطرق.
ووجبات العدس والأرز،
رأس عجل
معلق فوق النهار.
حجاب وبرهان
على أنهم لم يبخلوا بشيء.
ولكن من أكل القلب واللسان؟
لا يدري أحد.
(3)
لسنا بواد:
أجراس البقر في الظهيرة.
وما نحن ناظرون إلى نهر:
قوارب صيد وأميال من الشِّباك.
نحن في سوق في لندن.
كفأرة في مخازن الباشا
تملأ أكياساً بفساتين
وأحذية رخيصة.
لجيرانها
لعشيرتها الشاسعة.
ثم ترى الطفل يلهو.
أعين زرقاء وخصلات شقراء. ترفعه
بعاصفة من القبلات والعناق
وبارك الله وحفظ.
الأب يهرع مغتاظاً ليجذب
الطفل من ذراعيها،
وجهه علامة بدائية للاشمئزاز.
في القطار
أكياسها عند قدميها
موهنة هي وتريد
أن ترجع إلى بلادها. تنظر إلي
وما لدي شفقة لأعطيها.
(4)
الطريق شريط
يوازي سكة الحديد،
غرز على أرضية الصحراء.
إنها تتجه غرباً الآن
والآن هو حينذاك،
قبل المنتجعات المكتظة
قبل أن يتورم الطريق
وتندمل أكتافه
بأكشاك البطيخ.
ونثار:
ملايين من أكياس بلاستيكية سوداء،
غربان خاوية.
لا، لم أكن الولد
الذي بكى صائحا "دعونا نرجع"
والذي ضحكوا عليه بعدها
لسنين. إنها تتجه غرباً الآن.
في سيارة نقل، طفلتاها
بجانبها. يرون القطار
ويسايرونه لساعات
ولساعات تلوّح الطفلتان
للغرباء بيديهما والغرباء
يردون التحية.
بعد مرسى مطروح
تلويان عنقيهما
بحثاً عنه
إلى أن يتذكر أحدما
أن سكة القطار
تنتهي
في مرسى مطروح.
العام الذي شاركت فيه أختي غرفتها
سألتها أن تتركني أشم شعرها
وأن تسمح لأصابعي
أن تنسل بين خصلاته.
كان شعرها أسودَ طويلا يلتمع
مثل بيانو جديد.
كانت تمشط شعري وتقول لي
إنني أحلى من فتاة.
ذات ظهيرة التقطنا صورة معاً
أرتها لصديقاتها وأخبرتهن
أنها ابنة هارون الرشيد
وأنني عبدها الصغير،
هبة من شارلمان رداً
على مزولة وصلته من بغداد.
أخبرتهن أنني كنت الملاك
الذي نزل مع جبريل
ليعلم سليمان لغة العندليب.
لكني وقعت في غرامها، بلقيس،
ولم أشأ العودة إلى السماء.
قالت إنني يوسف
وهي امرأة العزيز
التي حفظت جمالي
بإكسيرٍ اشترته من الساحر
الذي حنط الملك توت عنخ أمون.
في يوم عرسها
قبّلت خدي
وتوسلت إليّ أن لا أكبر.
أمس هاتفتها. قالت
إنها تُري الصورة لأولادها
وتخبرهم أنني عندما كنت عبدها
فررت على متن باخرة إلى مرسيليا.
ومنها أقتدّت إلى بلاط "فيرديناند" و "إيزابيلا"
اللذين أهديانني لكولومبوس
الذي استبدلني بحفنة من ذهب.
لكن الهنود الحمر لم يجدوا فائدة ترجى منّي
فما كانوا بحاجة للملائكة أو العبيد.
تخبر أختي أولادها
أنني أعيش الآن في شارعٍ
فيه اثنتان وعشرون كنيسة
ومعبدا لليهود.
على طريق "روسفيل" رهنت جناحيًّ
لأسدد فاتورة الإيجار.
والآن أُدير محلاً
ترتاده زنجيات فقيرات
يدفعن لي ثمن مشترياتهن
ب "يا سكر" و "يا حبيبي"
"يا خبز العسل."
تزورنا زوجة الجنرال
لتتسول شحم القديد.
زوجها في السجن.
أبناؤها يأتون طالبين الذرة،
من أجل حصانهم، كانوا يقولون.
عندما مات الحصان
أحرقوه خلف بيتنا.
كان يومها عرس عمي.
لم يغن أحد
ولم يأكل أحد شيئا.
* *
الصيف
الموسم الوحيد
الذي يرى فيه الأطفال القمر.
أبي وأصدقاؤه يتسامرون،
جلابيبهم البيضاء رايات من الفضة
تتموَج في الظلام.
* *
في أيار تكسر أمي
غصناً من كبرى شجرات التين
وتتذوق حليب النسغ:
كلما ازدادت مرارته،
حَلَت الثمار.
* *
يطقطق الناموس
على حيطان غرف النوم:
طلاء أبيض
منمّش بالدم.
* *
تحت ظل الكرمة
تشوي أمي
عرانيس الذرة. جنبها
ماء الشاي يغلي
على كانون.
في أول المساء
أصعد لأقطف العناقيد.
أقدام زرقاء،
أصابع بالمئات.
* *
توقف البستاني
عن شرب القهوة.
نحن القلقين عليه، نقدم له الشاي
ونسأل عن صحته.
التحق بالجيش ذات ربيع
فماتت نَبتات الفلفل
والسبانخ والبقدونس
والنعناع.
* *
جيران جدد انتقلوا إلى الحي،
عجوزان،
سبع بنات وكلبة.
أهدونا جرو ذات يوم.
أطعمناها لحما من علب.
شرهة، افترست
دجاجات أمي.
ثم لاذت هي أيضا
بالفرار.
* *
شجرة الزيتون
لا تثمر عام موت غارسها.
مات جدي
وجاء بستاني حاملا سلته.
هز الشجرة، هزها بعنف.
سقط عشّان
فيهما قشور بيض زرقاء، صغيرة
ومهشمة.
أشار عمر إلى صورة رجل وردي اللون
يقود آلة حمراء لحشّ الأعشاب
حوله شجيرات ورد وزنابق صفراء
محاطة بنجيل لزج لماع.
أصدقاء أخي، من ملاك
فيلات في "جليانه" الأنيقة
أبلغوه بحاجتهم الشديدة إلى هذه الآلات.
كان قد خطّط ليأخذ منهم أضعاف ثمنها
ليبني مثلهم بيتاً مطلاً على البحر.
بعينين نصف مغمضتين
وسحاب دخان السجائر حوله
كان يبدأ بالشخير تاركاً
تخطيطاته المعقّدة بدون اكتمال.
في غرفتي كنت أنظر
إلى الرجل الوردي ثانية وأحملق
في نساء لابسات حاملات صدر شفافة.
آهٍ، لكم أحببت حلماتهن السوداء
ونهودهن الرمادية.
تخيلت أنني ذاهب في رحلة
مع صاحبة العينين الزرقاوين،
وأننا نقيم داخل خيمة "كولمان"
(سعرها 42 دولارا)
ونصطاد السمك
في بحيرة لا بعوض فيها
مقلعين بالزورق المصوّر في الٍصفحة (613)
ثم نرجع لنشاهد مسلسلنا المفضل
في تليفزيوننا الملون (27 بوصة)
ذي الصندوق الماهوغوني
ثم نخرج بعدها منطلقين على دراجاتنا النارية
(الليمونية اللون)
عبر أحراش وغابات
قبل أن نعود إلى بيتنا
الواسع ذي (الـ 4 غرف)
لنمارس الحب
على فراش النوم
المصوّر في الصفحة (1219).
ذات صباح هبطت أنا
وأخي في نيو اورلينز
في رطوبتها وجوها القائظ.
رائحة المدينة أقرفتنا،
بعوضها الكثيف كان يخترق شبك النافذة.
في أقرب فرع لمحل سيرس
تلمس أخي رفارف حمراء
بلون طلاء الشفاه
وأغرق أصابعه
في المقاعد الوثيرة.
كان أصغر الموديلات وأجملها
مزيناً بخطوط فضية وسوداء
فاحتضنه كأنه
قريب طال علينا غيابه.
وبإنجليزية من اختراعه
ساوم الباعة على الثمن وأضحكهم
بنكات فظة مليئة بالإشارات.
ركبنا أحد الموديلات لنجربه
على نجيل قريب،
الشمس فوقنا ساطعة
ونسيم الصباح بارد وجميل.
أوقفنا الآلة عند مطعم "موريسونز"
وهناك أخبرتنا النادلة
أنها تشتري كل ثيابها
من محلات سيرس.
تلك الليلة نزعتُ ملابسها بلطف
ولامستُ نهديها بخديّ الحليقين.
تنهدت فيما شهقت انا
بهواء حجرتها المعطر بأحلامي.
في الصباح أخبرتني
أنني تكلمت في المنام.
صرخت بأحد ما
وظللت أسأله:
"أي وردة تريد
أن أزرعها لك
جنبَ قبرك؟"
تنسى أمي أن تطعم حيوانات الحظيرة
حاسبة ذلك نوعاً من العدل
لكنها تسرع إليها حالما تسمع
الديكة تصيح بصوتها المبحوح
وجديانها تتناطح على آخر حفنة من التبن.
في ذلك الشهر يصبح القمر أميرة.
النجوم تنش لها،
عطارد يسقيها كأساً من خمر
والمريخ يغني لها مواويل حزينة.
رجال ملتحون يحملون مسبحات
وكتباً صفراء صغيرة
يشيرون بسباباتهم إلى خصرها.
في بيتنا نقطع الصومَ بتمر من "هون"
وأكواب من لبن رائب.
ثم بأقداح شوربة لحم الخراف
لها نكهة النعناع.
ومنها الى أطباق من المحشي بورق العنب
وصحون من الفول المبهًّر
يسبح في بركة من الزيت والليمون.
وهذا ليس سوى البداية.
أرواح "الجونى ووكر" و الـ "جن"
تختفي في صناديق السيارات
وفى ملاهي المدينة يقدم النّـدُلُ
بيرة من دون كحول
وتغطي الراقصات أجسادهن بخجل.
أب الستة عشر طفلا، جارنا
يزورنا محملاً بكيلوين من البقلاوة.
يأكلها ثم يرطب حلقه
بدزينة من أكواب الشاي الخفيف.
وقبل أن يطبق الفجر عليه، يركض
إلى إحدى زوجتيه
(كلاهما تسمى "فاطمة")
ليمارس الحب مع إحداهن بسرعة
ولا تكاد يداه تلمسان نهدا.
مع كل خطوة صاعدة
كانت الأخرى ضرورية،
وكل مرة نظرت فيها إلى الأسفل
بدا العالم المألوف
مكاناً خطراً.
لم أنوِ أبداً تسلق
هذه القمة.
لم يخطر ببالي
أنني سأجد ملجأ في السماء.
كانت الرمال في القاع
تسطع وتختفي
وراء سراب يغلي.
وبدا السوّاح بعمامات
لامعة حمراء
مع الأدلاء والجمال
كسيرك على صفيح ساخن.
لو نزلت عشر درجات
لسمعت
صدى ضحكهم الواهن.
كان العالم يزحف
ببطء يكفيني
لكي أضيع وأشعر بالأمان،
لكي أندهش بما نسيته:
قرب قبور العبيد
جلس والداي
حيث تركتهما
في الظل
يروّحان عن نفسهما
ويتسليان بقزقزة حَبّ القرع.
كانون الثاني. ثلج. منذ أيام وأنا أتوق
لطعم البطيخ. أردت
أن أنمّش الأرض البيضاء بالبذور
أن أتبع طقساً: منتصف
الظهيرة، يوم الأحد
شيخ القرية يواجه الشمال
يبصق سبع مرات
ويرسم بإصبعه دائرة
حول مجرة من البذور.
* *
يزورنا "ميمون" البدوي
في الصيف، دائماً
يحمل هدية: بطيخ ملء سيارته البيك آب
"شيء للأطفال" هكذا كان يقول.
الجيران يجرّون عرباتهم ليأخذوا حصتهم
ودجاج أمي ينقّر الباقي.
* *
أذنه اليمنى مرفوعة
وقريبة، يطرق أبي
على بطيخة، يلامسها كأنها
فخذ. صفعة خفيفة.
"إن لم يكن الصدى مثل يديك
تصفقان في عرس، فلا تأخذها."
* *
الرجال يصافحون شيخ القرية.
الأطفال يقبلون يده. كلهم يصطفون
خلفه عندما يهم بالرجوع. لا يتكلم
أحد حتى الوصول الى ضريح
ولي المنطقة. الأغنياء يضعون
أكياس نقود عند قدميه والفقراء
يتركون أكوابا من بذور البطيخ.
* *
"ميمون" كان يحضر لحماً أيضاً،
غزلاناً نطحها بسيارته.
ابنته "سليمة" أخبرتنا
أنه خرج ذات مرة فجأة عن الطريق
وساق في البراري ساعات حتى
رأى ست غزلان.
لم يكن قد نطح أيّاً منهن
عندما انتهى وقود السيارة.
قريباً منه وقفت الغزلان لاهثة
فركض هو
خلفهن ليصطاد واحدة بيديه.
* *
خياران يبلغنا طبيب أبي :
عملية أو ستة أشهر
من الألم. خارج العيادة
أشير إلى بسطة فواكه، البائع
يطرد الذباب بمروحة من ريش النّعام.
يلمس أبي بطيخة ويطبطب عليها وعندما
أرفعها إلى كتفي يقول:
"أحد عشر عاماً في أميركا
ولا زلت تحمل البطيخة
مثل أي فلاح."
* *
عمي عبد الله يدفن
بطيخة عند نهاية الأمواج.
"مثل الثلاجة، هناك."
منتصف الصيف. نحن
في رحلة على شاطئ "توكره."
كنا نركل كرة عندما
تعثر أخي بشدة على كوم الرمال.
شاهدته، عندما فُرض عليه
أن يأكل ما كسر.
راقبته وهو يبلع البطيخ بالبذور والرمل والملح.
* *
ظلها ضعفا طولها،
تمشي ساحرة القرية إلى
حيث بصق الشيخ البذور وتتكهن
بحجم محصول العام
وعن إمكانية الجفاف
وتسمي مَن مِن شباب القرية
سيتزوج من بناتها،
وأسماء الكبار
الذين لن تنتهي أوجاعهم.
* *
"سليمة" حكت لنا عن أبيها والغزلان
وهي جالسة في حوض الحمام. بالصابون
دعكت أمي شعر تلك الفتاة
وألقت ملء يديها من الرغوة الرمادية
على بلاط الحائط الأبيض، ثم صبت
"الكاز" على شعر سليمة
حتى نزل القمل الى خديها.
ومشطت شعرها
حتى امتلأت أسنان المشط بالأموات.
* *
تزوجت "سليمة." أرسلت لها أمي
خلخالاً من الفضة
وطرحة حرير خضراء بدلاً من
مشط العاج. دفع أبى أجرة المأذون
ليعقد القران.
بعد أسبوع وجد المأذون
على عتبة داره ثلاث بطيخات
وسجادة من جلد الغزلان
عليها آثار لعجلة سيارة
في بقعة راح ينزل عندها
رأسه للسجود.
* *
قطّعتُ البطيخة التي اشتريناها
إلى مكعبات حمراء كالفراولة، لكنها
كانت جافة وشبه مرة.
بعدما ذاقها ثلاث مرات، أسقط أبي
شوكته. حدّق في النافذة
قليلاً، ثم قضى
باقي يومه في الفراش.
النكتة التي كانت
"إذا لم يعجبك الأمر
فاشرب من البحر."
تصبح الآن
"اشرب من النيل."
في عام 2030
سيموت كل السمك
قبل الوصول إلى دمياط.
أحياناً ينكسر العالم
مكوّناً شظايا تقصد وجهك،
وقبل أن تصلك
تتحول إلى فقاعات،
وما أجمل أن تراها تنفجر.
أنا أتحدث عن الليثي.
ولا أقصد بذلك الحي الذي ببنغازي
على بعد خمسة كيلومترات من المطار
حيث يبني أبي بيتاً
بلا مهندس، بلا خريطة
بلا مقاول وبلا أية تجميلات.
تقول أمي:
إنه كبير جدا.
يقول أخي:
"لا فرق بينه وبين البيت القديم."
تقول أختي:
"إنه بعيد بعيد."
ويقول لهم أبي:
"إشربوا من البحر."
وبحزن مؤثر يُنشد
"فاضل" مؤذن الحي
"تضرب الأمواج بلا نهاية
على شواطئ قلبي "
يواسيه جيرانه
"يا عيني عليك. أعانك الله."
عزيزي القارئ
كيف ترى البعث؟
هل تنحت الروح طريقها
راجعة إلى الجسد؟
أم أن الجسد مثل كعكة العيد
تعود لتلف نفسها حول الفراغ؟
هل هناك شيء اسمه فن الوداع؟
هل هناك أي فن آخر؟
"فاضل" الآن يصيح من مئذنة:
"كم أود أن أشرب
من مياه الليثي.
كم أتمنى أن أموت
على جبل من ثمار."
ها هو أبي ثانية
غارق في مياه نفسه،
أنابيب في أنفه وذراعيه،
فمه مفتوح
ولسانه بلون البنفسج الباهت.
وكيف ترى الموتى، قارئي العزيز،
وأصواتهم التي تطفو في الفضاء
والراداراتِ التي أنشأناها
لنمسك بها ثانية؟
"لا تنسَ الحذاء الأزرق
الذي اشتريته لك في الرابعة من عمرك.
لا تنسَ الليالي
التي حملتك فيها إلى الطبيب
واهنا، مختنقا بالسعال.
لا تنسوا أن تحبوا أمكم.
لا تنسوا أن تسقوا شجرة الإكليل."
لم يعد عليَ أن أختار بين الشيخ
الطوارقي الذي لم يترك سريره
حتى يأتيه عالمٌ يفسر أحلامه
والفلاحين الذين ملأوا وساداتهم
بالأسرار لينسوا ما حلموه.
منذ أيام وأنا اذكر غسقاً شتوياً
جنوب "ويتشاتا"، الشمس معلقة
كأنها ملتصقة بالغيوم
ضوؤها الأحمر كاللهب يملأ السيارة.
بان الضيق على رفيقي،
قال إن الضوء يذكره بالليلة
التي أفاق فيها ليجد حجرته تحترق. أردت
أن أعرف كيف ومتى، ولكنه ظل صامتا
واضعا يديه على وجهه لتحمياه
من النور. ما إن وصلنا جبال الروكيز
حتى باتت النار حلماً من ماضيه.
الجمعة الماضية أفقت مع بزوغ الشمس.
ركبت السيارة لأشتري الجريدة- شوارع القاهرة
فارغة على غير عهدها- سعدت
أن ابدأ يومي مبكراً، شاكراً أن الزحام
الذي قادني إلى حافة الجنون مرارا
لا أثر له يومها. بارتجال
أخذت طريق الإسماعيلية لزيارة واحة
نصحني بها أصدقاء، طريقها
يعبر مدينة العاشر من رمضان-
مصانع الثلاجات و مزارع "عالية التقنية."
في القاهرة منذ شهور لم أرَ المدى
وها هو الآن يقسم الصحراء
كأنه توأم النيل.
ساعتان في السيارة -متنقلاً بين
إذاعات سوريا ومصر وإسرائيل
قانعا في آخر الأمر بال "بي بي سي"-
ساعتان ولا أثر لواحة. لا أثر إلا
للمخيمات العسكرية ولتماثيل معوجّة
لصواريخ فضية و لجنود ذوي ابتسامات بلهاء
يلوّحون برايات ورشاشات كلاشنكوف،
الرمال حولها متوهجة كأنها شمس أخرى.
ثم فجأة انفجر المكان بالاخضرار،
على امتداد طريق خليج السويس
-هو الآن شارع للسواح- أشجار
الـ "بونسيانا" والنخيل ومئات الدارات:
أموال نفط، تزمتٌ ديني
وسيارات ألمانية. ثم ظهرت المنتجعات
الرخيصة: "ميامي"، "دولشي فيتا"
و"بوسيت." كابينات مائلة من كتل
الأسمنت، رطوبة خانقة وجو قائظ،
الأغنياء وشبه الفقراء يقضون إجازاتهم
على شواطئ ملوثة بالزفت
ويسبحون محاطين بأقواس قزح
من زيوت محركات السفن.
في تلك اللحظة بالذات
وبدون أن أنتبه
وجدت نفسي أمام القناة.
في طفولتي كنت أحلم بحرب الاستنزاف،
بالشهداء يطفون على البحيرات المرّة.
وفي التاسعة من عمري، جلست
بجانب المذياع أعد طائرات العدو
التي أُسقطت فوق سيناء، مأخوذاً
بأغاني الحرب، ممتصاً كلمات
مفعمةً بالإيمان والدم. أبطالي
كانوا الجنود الجزائريين الذين تمركزوا
في بنغازي منتظرين أن يُرسلوا للقتال.
ذات مساء مرت طائرة مقاتلة
تعلو أمتاراً قليلة فوق رؤوسنا.
خضت الأبواب
هزت النوافذ وشققت زجاجها،
دوي الطائرة أغرق كل حواسي إلا يقيني
بأني لست الوحيد الذي مسّه هذا الرعب.
في السنين التي تلت كلما ذكرنا الحرب
تذكرنا قريبنا الذي انضم إلى الجزائريين
ليثأر لزوجته التي قتلها اليهود
في سيناء، والإحباط الذي تبع تلك الأيام:
الجزائريون لم يبلغوا الجبهة
بل تسكعوا في أسواق مدينتنا وتبضعوا
لأطفالهم ألعابا، ولزوجاتهم قطعا من "التفتا"
والساتان وطناجر ومقاليِ تيفال.
وقتها عبرنا عن مرارتنا بأغانٍ تسخر
من الأناشيد التي وعدتنا بالجنة
على أرضنا القاحلة ولم نذكر
أبداً الطائرة وصراخها الوحشي الذي
مزق ستائر عزتنا الواهنة.
بينما كنت بجانب القناة
وبينما بدأ انبهاري بهذا المكان
يذوب مثل قطعة ثلج في مقبضي
راحت الذاكرة تلح على حل
لم استطع حتى الآن أن أستحضره.
أخذ الطريق يضيق- أكتافه تحت التصليح-
فلاحون يفرغون أكياساً من الأسمنت
ودلاء ماء، و ركاب ورعون
يسرعون ليسمعوا آخر أدعية الخطيب.
في تلك اللحظة، ومن دون أن انتبه، انتهت القناة.
ثم الإسماعيلية، مضروبة بالشمس، هلّت
ببيوت المستعمرين القدامى غائرة في الظل.
قيل لي إن في إحدى هذه القصور قضت
الملكة فكتوريا أيام احتفال
فتح القناة، ومن شرفتها شاهدت
السفينة الأولى (بنادق وتبغ متجهة إلى مدراس)
تعبر إلى البحر الأحمر، بضع خطوات من "فردي"
وهو يجري آخر "بروفات" "عائدة."
لم تصدق من هذه المعلومات إلا محتويات السفينة.
"فردي" مرض حين وصل، لم يشارك في التمارين.
و فكتوريا لم تأتِ قطً إلى هنا،
القصر الذي بناه الخديوي لاستضافتها
سكنته ملكة أوروبية قليلة القدر.
توقفت عند مقهى مطلي بالجير
بالقرب من الميناء، مئات الحاويات
تطفو بجانبي ومن الطاولات القريبة
سمعت أحاديثَ بالسواحلية والفرنسية واليابانية.
لائحة الأطعمة "تقدم وجبات حسب
الذوق العال، " والمكان تطغى عليه صبغة
محلية "طبقا لخطط الاستثمار الدولية."
ماذا أصنع بهذا المكان الآن؟
الماضي يظهر فجأة مقنّعا بحلم يقظة
ليثبت لا نهائيته وأهمية تفاصيله المملة
كعلبة الكبريت التي احتفظ بها
من مطعم في ضواحي ويتشاتا،
والحاضر الذي لا يوحي إلا
بالحيرة والتذكارات الحزينة؟
تابعت الشمس وهي تنزل من سماء مشمشية
إلى المياه السوداء، وتذكرت ما قاله رفيقي
بعد خروجه من السجن "ثماني سنين
من أجل تنهيدة في تقرير للمخابرات."
أخبرني أنه في المعتقل حارب آلامه بالنوم
وسجل بدقة كل أحلامه، والآن وهو
في الخارج يفتقد تلك الحرية وذلك الاتساع.
قدم رفيقي نصيحته كاختيار آخر
أضيفه إلى ما كان يعرفه الفلاحون والزعيم الطوارقي
من أنهم لم يفيدوهم بشيء.
بقيت في مقهاي قابضا على حافة الطاولة
متناسيا النسيم شبه الساحر الذي بدأ بالهبوب
رافضا أن أستسلم لثرثرة
رجال المال وهم يخططون المستقبل
بألسنة عديدة، رافضا النحيب.
| خالد مطاوع : (بطاقة شخصية) شاعر ليبي أميركي. سافر إلى الولايات المتحدة وهو في سن الخامسة عشرة. ويعمل حاليا أستاذ مادة - الكتابة والإبداع - في جامعة تكساس. استقبل ديوانه الأول - خسوف الإسماعيلية (بالإنكليزية) بحفاوة في الأوساط الشعرية الاميركية. خالد مطاوع، يكتب الشعر بالإنكليزية. وقد ترجمت بعض قصائده إلى العربية. مؤخرا بنقل قصائده إلى العربية، بنفسه، وسوف تصدر قريبا عن إحدى دور النشر العربية. ننشر هنا، ولأول مرة، قصيدتين من هذا الديوان. والجدير بالذكر أن خالد مطاوع ساهم في مجلة - بانيبال - بترجمة شعراء عرب إلى الإنكليزية، مثل سعدي يوسف، قاسم حداد، عباس بيضون، مرام مصري وآخرين. وفي ديسمبر الماضي صدرت في أميركا مختارات شعرية لسعدي يوسف، ترجمها وقدم لها خالد مطاوع. وفي هذه السنة، من المؤمل أن تصدر مختارات شعرية لفاضل العزاوي عن دار - بوا - في نيويورك. |
أقرأ أيضاً: