1

إنّي خَلَبتُ، حتى خلبتُ المتكبرين و المشككين وذلك غير انتهاز الأمجاد التي يخولها لي فني.

2

لم أعبأ بالأوزان، والقافية، إنّي حككتُ الصدأ عن الألفاظ. "حَيَّ على نفس المعزوفة" كفى خُطباً.

3

تبرّأتُ من الوضوح، قد تَجردَ عم كل قيمة. عاملاً في الظلام، وجدتُ البرق. أحدثتُ الارتباك. إني أثرت الفتنة، صارعتُ مسوخاً ومعجزات، ألهبتُ كل ما يثير حنق الشِّغّيل و النفس الطيبة.

4

رؤى الإنسان وما يهذي به، بلغت سدْرتها في قصائدي. ليس كان من مهمتي أنا، جعلها تدلي باسمها، وإذ هي مستديمة التشكيل، كنزتْ عديد المعنى. إني احترمتُ ما تمزجه. خليتُ سبيلها إلى التسرب. ألفاظي تشهد بتحولاتها.

5

إني مجدت الأحاسيس التي نعانيها على عمى وهي التي نُحيق بها الهلاك إذا نحن أردنا تعيينها. بفضلي، تسنى الآن لكل واحد أن يتعاطاها وعيونه مغمضة. إذ يشعر أنه معها في علاقة حميميةٍ جديدة. انه أكثر يُسراً داخل نفسه عندما يَفْلتُ عنه ما أفْرط في التشبث به.

6

لم أحْذُ حذو الذين يستجيبون لرغبات أكبر عدد من الناس أو ذوي السلطات. فإني مُستمدٌّ من نفسي مبدئي، قاعدة سلوكي وذوقي. لقد سِرتُ بها إلى أقصاها مقترباً بذا من الشعراء الكبراء، وبِهِم، من كل البشر. إني ارتأيت أنه ليس هناك صفة أفضل ولا اقصر مسافة لتبيين صدقي ونُهى استقلالي.

7

حددتُ لنفسي ألا أُحتذى. وقد بينت تمكني وما أخفيت جساراتي. استعبدت الانضباطات الشائع قبولها. واخترعت غيرها لاستعمالي الخاص. إذ يستطاع كل واحد أن يحذو حذوي (بأن يصير هو أيضاً من لا يُحتذى) يكون ذلك فحسب مكافأة لي.

8

لم أَنْهَمْ أبداً بتقديم البرهان. الشعر ليس مهنة: اللاصبر و الكبرياء يحرسان مهده. امتنعتُ عن السطحيات والبديهيات. إنا نسطاع أن نرغم الأقفال وليس الصور. وما كان أني احتجت إلى أن أُنَصِّبَ نفسي ساحراً أو نبياً.

9

لم أُخادع بأني محنّك الإحساس، الشعور الصائب وحكمة الأمم. إنما عاينت بارتياح أن سَوَراتي تحتفظ بي بعيداً عن القطيع المحتذي.

10

الشغل، المشقة ؟ لست اعرفها. لقد وعيت أن هناك إلى الماء، مَسَارَةٌ مُتَيسرَةٌ، وقدمت نفسي إني كما النبع، ينتج طبيعياً ماءً صافياً. إذ الأبيات تنبثق منسابةً.

11

أبياتي تذكر كل لفظ بأنها انتفاء النثر (انه غموض -جواب الآلهة - ما أقول). كل جهد، وليس يجدي، لتقليص لغزيتها قصد تحاشي فخها، يتطلب جديداً من البيان. فليس يُهتك سرها. وإذا يُراد ذلك على يأس، يصير أن جمالها لا يُسبر له غور.

12

الشعر يتخلص من انعدامية النكهة، من الخنوعية، ومن التوافه اللاحقة بالنثر، وانه لأمر ليس تقدر قيمته. إني أوجزت كل دراميات الحب في فقاعة صابون. أبياتي تباغتُ لحينها. فكل شيء يميزها عن اللغة الاعتيادية، والروح على عجب بأن اللفظ المبهم والمقطع المطول، والعكر، يعود بها إلى داخل الغاب.

13

لغيري مهمة تغذية الروح بالمواد الضرورية الأولى، وليست هي بالنادرة، وان كان لا غنى لضآلة وضحالة الروح عنها. لقد شئت أن أفرض عليها أغذية فاخرة وغريبة، أتية من الأقاصي أو من المهاوي.

14

في الملك، لم أرَ من جلالة، ولا في الخوري من كهانة. لقد لَفَتُّ النظر إلى ما في ذلك من مبعث السخرية والى الوحل العالق بالنعال. فإني ما تناولت الأمور من جوانبها الصغرى.

15

لم أمارس نفس اللاحترام، في نظري إلى معمل الصانع. بيد أني لم أمدح لا كدحه ولا صنيعه. فإني قد التقطت سواقط الخراطة للإشارة بما بها من انحناء، ولون، ورفيع. وان الجدلية لتأمر بمثل هذا التفضيل في الأحقيات.

16

ليس هناك تخيل صائب أو غير صائب. وليس يكون الإبداع على فراغ. إني التجأت إلى استعمال الصدفة والأشربة المثيرة. وقد احتقرت ما هو من باب العقل والتجربة. غيّرتُ، ويكفي أن أُطلبَ في ذلك بالحاح، معنى الألفاظ. وتتركني الألفاظ، مع ذلك، أوفر ثراءً مما وجدتني عليه. فإنها قد قوَّتْ سلطاتي بلقاءاتٍ باقيةٍ في الذكرى.

17

كان لي ما يكفي من الجرأة لأمجّد جسارتي و أنصح بها كمبدأ. عدم احترازي أصابَ دائماً حظاً سعيداً، وإني لملاقٍ في ذلك فخراً. لقد اعتمدتُ بخاصةٍ على هدايا الحظ، بلا قياسٍ أستفز لمضاعفة قوى تخيلي وسخاء قلبي. تقبلتها بكل اعتزاز، وقد زاد بها متعتي أني لست مديناً بها إلا لنفسي.

18

لقد عبّرتُ عما كان، قلبي، مسلماً بأن التعبير يعجز عنه.

19

لقد كشفتُ سرَّ ما عُرفَ بأنه ليس يدركه علمٌ. وَقَّرْتُ المعرفةَ التي قَلَّ ذيوعُها، ما ليسَ من الممكن أن يُعْلم، وكل الأمور المعقدة التي كل واحد يحسب حسابها من المهد إلى اللحد. ولكن، إذا هو يلتقي بها في أبياتي، تدمغه بداهةٌ تطلقُ فيه ضحكة الحشاشين.

20

لي قلبٌ نقيْ.
لقد أثرْتُ استنكار جميع البُلداء، باستثناء الذين ناموا نوم أهل العدل.

21

الذين يحبون أبياتي يقولونها لأنفسهم عندما يكونون وحدهم وبابهم قد فتح في الليل. الذين يحبون أبياتي وهم يحبون، ليسوا بحاجة إلى أن يقولوها لأنفسهم.

22

إنّي كل حقيقةٍ أعطيتها بئرها.

23

المسلَكُ هذا اختارني بحرية.
فكرةُ النجاح أو الفشل، عند أخْمُصَيْ قَدَميّ.

ترجمة قادر بوبكري
عن (مجلة (فراديس) العدد الأول - 1