مستغرقاً في النوم، كان الليل يتدثر بلبلاب الصمت، يشدّه إلى خاصرته
بين حين وآخر كلما عبثت به الريح قليلاً.
وكنت أهدهد سرب فراشاتي، أستل من اللوحة الزرقاء أغنية أو حكاية
تؤجل انسياب الوجوه من شقوق البئر، تمهل الحنين بضع هنيهات.
الريح تسرّب إليّ صوتك البعيد كأغنية قديمة، أغالب القلق المنبجس من أوردتي بالتحديق في اللوحة الزرقاء، يطلّ عليّ وجهك مبتسماً يستعير من الملا الجزيري صوته يبادر ارتباكي بـ "صباح الخير يا خانم " (1).
هبوبٌ يشرّع نوافذي على فجر يلوح.
* * *
كمن يعرف تفاصيل الحديقة، يختار عتبة الضوء لينفض عن أيامه غبار
الترحال، ويستعيد ألق الفرح فيبعث بحضوره الكثيف في الفراشات
الناعسة نشوة الطيران.
برقة حميمة ترنو للفراشات التي تخلع عن أجنحتها ظلال النعاس، وتعلو
لتنشر في الأنحاء قوس قزح
تنسبني للنرجس، ويعتريني أن أتناثر على ياقة شوقك.
تميل على شرودي في بهاء فرسان القصص القديمة، تسألني:
ـ متى تسردين الحكاية؟.
* * *
كنت أسير فوق الماء على البحر، ليس معي عصا موسى
لكنني كنت كمن يسير على رخام أملسَ في الحلم، وكنت
أرنو إليك ترتب الحلم تنقشه بالورود وصوتك يمدّ الجسور إليّ.
يا صوته.. يثير فيّ شهوة الغناء وجداً
كلما دندن بحروف اسمي
يا اسمي الذي كلما شعشع بين شفتيه
خلته أغنية.
* * *
هل مررتَ ذات يوم بجانبي فوق "جسر بافت" وأنا أرافق صبايا عين ديوار، ضاحكات نمر على الجسر المعتلي نهر دجلة ننثر غناءنا على رؤوس صبية جزيرة "بوتان" الشغوفين قبل أن نصعد إلى جبل جودي لنعلق أشرطتنا الملونة بأغصان شجرة الأمنيات الرابضة هناك رازحة تحت وابل أمنياتنا حتى الآن.
هل كنتَ هناك على الجسر وخمنتَ أمنيتي؟
أقول:
ـ أخاف هذا التيه.
تقول:
ـ من تاه في أتون الحب التقى ذاته.
أقول:
ـ خوفي أن يخدشني الحنين ودمي لمّا يلتئم من لسعة الأفعى في قلعة دمدم، وأنا أرقّ من أن أحتمل
كل هذا الحزن. (2)
تقول لي:
ـ هاك قلبي يدثرك يا جميلتي فارتديهِ، وتيهي فيّ ما طاب لنا الهوى أيتها العذبة، النقيّة كدمع كولبهار، يارقة البنفسج تيهي . (3)
وأرتديه...
وأهيم كنحلة تتنقّل بين الورد في قرى القفقاس.
أهشّ الضباب عن القطيع، فيما الراعي الكردي يهشّ عن معطفه صقيع سيبريا ينفض الثلج عن أصابعه، ليرسم لنا حجلاً يفتح جناحيه قيثارتين من نعناع ونبيذ لمعانقة أولى ذبذبات الشمس تنهض من نعاسها وتفتح عينيها الدافئتين ـ كالدفء الذي يسري في نسغي كلما نامت يدي بين يديك - على مرتفعات قفقاس، يتخطى أفق كردستان الحمراء المتشظية ليحطّ على كتفي المثقلة بيد ملوّحة، لعربات القطار المحملة بالرجال وحدهم إلى جهة مجهولة. (4)
أما النساء والأطفال فكانت حدقاتهم تجول في الأنحاء كأنما لتعبّ شبكية العين بآخر ابتهالات الحقول والقرى قبل أن يؤخذوا إلى مدن بعيدة.
* * *
أصوتك ينساب إلى ظهيرة شرودي نسيماً؟
أم ناي راعينا؟
هل تتقن صياغة شهوة أزهار تبرعمت
في مروج روحي بألحان الرعاة؟
مشدودة روحي إليك
فأرخٍ أناملك التي تعزف وهج صبابتي
أرخٍ القلب عليّ.
* * *
لعينيك بريق آسر، كالتماع حبيبات الضوء على أجساد خرجت للتو من
بحيرة "وان" تدغدغها نسائم كرمنشاه محتشدة بنكهة الشوق.
وشهوة النعاس تسدل جفنين على عسل أشدّ لذّة من عسل فارقين، تمتلئ بها الأكواز تطوف على سفراء ووزراء بيزنطة والفاطميين والخليفة العباسي في حضرة الملك الكردي المرواني في عاصمته فارقين قرب آمد.
الملك الرؤوف بالطير والبشر، آلمه أن الطيور تجوع شتاءً فجعلها تأوي إليه،
في مواسم الثلج لتجد عنده الدفء والمأوى، حتى أثار دهشة ابن كثير في "البداية والنهاية".
* * *
عسلٌ.. شهيٌ.. ألق نشوة
وشفتاي عقيقتان حمراوان طافحتان بنبيذ معتق.
هو بريق دمعة عشق حين ترنو إلي
تستدرجني للتحليق في مدى عينين من عسل
غزالة أتقافز فوق تلال رغباتك في استنطاق صمت خلاياي الصارخة بك
فأكتظ بطيور الفرح هائجة في دمي
وينفلت عصفور من صدري ليستوطن تلك السماء
ويعود صوتك النبيذي ليُسكِر ما تبقى مني:
ـ صباح الخير ياخانم.
رقيقاً كما يليق بعاشق أنذر القلب لحفيف صفصاف الشوق في أمسيات هاربة إلى ظلال تخومي، الممتدة من شمال القلب إلى آخر الحنين المنثور في المنافي البعيدة.
هادئاً كمتصوف يتوضأ بأريج الزيزفون المتسرب من تنهيداتي المتواترة على تكيات مولانا النقشبندي.
مصغياً بلوعة فرهاد وانشداهه بنايات الرعاة تبث القصب شوقه إلى شيرين تخترق صمتي:
ـ ألاتكملين الحكاية؟.
* * *
كان المطر وكنا خفافاً نطير
نشعل النار على قمم زاغروس احتفاء بنوروز ونعقد حلقات الدبكة، تتشابك أيدينا المدرّبة على التفنن في ممارسة الرقص كما ممارسة الغزل حين هذيان الأنامل في كف عاشق يضغط عليها برقة لذيذة، توقظ الخلايا الشاردة في الجسدين.
تتشابك الألوان في كبد السماء قوس قزح أحمر وأصفر وأخضر.
ويصعد الدم إلى وجوهنا المتوردة، نرقص ندق الأرض بأقدامنا، لايتعبنا الرقص بل يزيدنا حياة.
ألوان ثيابنا الزاهية تحاكي آذار في إطلالته المتوجة بتفتح الورود وقبقبة الحجل ينقل رسائلنا من بدليس إلى شهرزور من هكاري إلى قامشلو والسليمانية، يحشد الحشد لبدء الرقص من جديد.
* * *
مرّ الحجل من هنا يحمل رسالتكَ إلي:
سلاماً لوجهكِ ينير حلكة أيامي
يربكني
يُنبت حشائش النار بين جلدي وجلدي
وفي جسدي تتصادم البروق
أخاف عليكِ..
ثمة لؤلؤتاك تتوشحان حزناً شفيفاً
أتأهب لهبوب نسائمكِ
فأربكيني
ودعي الحزن عن كاهلك
يا نفحة الجنة
أضيئي اشتعال .
* * *
هل قرأتَ رسائلي؟
تشعّ شهب كلماتكَ
على شراشف ذاكرتي
وأنت ترتقي سلالم ماضيّ
في تأن
تنثر النجوم والعبير
على حافة مساءات تأتي
والمغنون يسنّون أوتار حناجرهم
إذاً.. لنبتدئ مواسمنا.
* * *
ألوان ثيابنا البهيجة وأزاهير الفرح تتقد في قلوبنا، نسير إلى معبد لالش القديم، نشعل شموعنا المثبتة على قاعدة تجعلها طافية فوق الماء، ونصلي. (5)
* * *
شمعتك المضاءة ورائحة البخور في المعبد
برائحة زهر اللوز المتسربة من أناملك
المغروزة في شال حنيني
ونكهة التوت البري في صوتك،
دبيب يتصاعد في أوردتي
شمعتك المضاءة ورئتي المزدانة
بهواء كثيف عابق برائحتك
ويقين :
أنا رمل الوقت في انتظارك المسفوح
على نصل الغياب،
وأنا الواحة المشتهى والبيلسان،
فاملأ رئة أيامك بعبيري
وضفائري..
مدهونةَ بزهر الأقحوان
أنثرها موجاً على زنديك.
* * *
في بحثي عنك رحت اتكئ خرير النهر.
سرتُ طويلاً، مررتُ بالمدن في صباحاتها الأولى وهي تستعد للاحتفالات، مررت بحلقات الرقص وحلقات التصوف، مررت بالأمراء يمتطون خيولهم يردّون على الأرض شالها الأخضر، وجموع تنثر القمح تلملم الزبيب.
مرّ السلاطين بعماماتهم والسيوف ومرّ الغرباءُ غرباءَ عن رائحة التراب.
مررتُ ..
تعرفني الأرض من ترانيم خطوتي
يعرفني التراب من لمعة الملح يبزغ من جبيني يتمازج بحنينه الندي،
حنين التراب لصهيل خطوتك البعيدة.
مررت..
وكان البايزيدي وصاحبه الروسي في ظل شجرة الجوز يجمعان باقات الأزهار، يزرعان في ذاكرة الورق أكمات أسلافنا العشاق، وأناشيد وعولهم المحملة بشعائر الشمس والينابيع ، الوعول التي تستريح الآن في ظل أصواتنا ترقب من بعيدها كل هذي المنحنيات والتعرجات في دروبنا الصاعدة صوب نوروزنا الجديد.
في انشغاله الحثيث تكهن الجليل بأن الأزهار ستروي حكايات التراب و حكاية عشقنا يوماً. (6)
* * *
لم يكن الخريف، لكن سحباً سوداء تجمعت شيئاً فشيئاً،
والريح أخذت تسقط أوراقاً من شجرة الجوز العتيقة.
كان القلب متعباً وكان الحنين يجرفني مع النهر، تتلقفني الأغاني مرة هنا ومرة هناك.
الليل كان متدثراً بلبلاب الصمت وكنت
أهدهد سرب فراشاتي،
لكن، يقيناً كان يراودني
بهبوب يشرع النوافذ لفجر يلوح.
أقول:
ـ هل التقينا من قبل؟
تقول:
ـ برعماً كنت حينها يا وردتي المتفتحة.
تعالي..
تعالي فثمة حكايات لم نروها بعد.
الأسماء الواردة في النص هي أسماء مدن ومناطق متوزعة في كردستان.
ديريك ـ نيسان - أيار
2006
إقرأ أيضاً: