أحمد كتوعه
(السعودية)

خدوش

كما أشاء سأفتح عيني
الحلم قشعريرة
أتوسل الهواء أن يتجنبني
لا حنين لرجفة أخرى
سأدعها مطمورة في الجلد
حتى أرى عودتي بمفاتيح أكثر برودة من هزيمة الباب

سأفتح عيني
لأحصر أشقياء الليل في جمجمتي
وأدقق أيهم شج مؤخرة الرأس ودفن ثقلا

سأحمل نصف رأس وأخسر الحلم
الممرات لن تسألني أن كنت داكنا كوحشة أم وحشا يسحب الدبيب ويخرج

النظرات التي تخطفني
أيها كانت الطمأنينة نائمة إلى جواري أتلمس شيخوختها
أيها الفأس
الدفن
العابرة
وكيف أواري خدوشا تركتني غابة تسيل

من مسافة شجرة تتفحصني
لا ألقي تعبا رؤوما يلوذ بقدمي
وهدة السير غبطة للحجارة
الظل لم ينتظرني
حين جلست
اسند قدميه إلى كتفي

الشمس جيفة لا تعرف كي تهرب رائحتها
الحشائش أسماك صغيرة
والسجائر علمتني أطيل النظر بوصتين
وأترك للوجوه غشاوتها
يتلبط النسيان
وتحرق المراكب

***

الشارع على حين غرة

أمشي في الشارع لا أدركه
إن كان ابيض أو أرجوانيا سيضللني
الشمس ليست حارقة لأمشي كمخمور
والهواء ليس سلكا شائكا لأخدش فيسيل الصديد

أمشي إذا لأمسح عتب الشارع بكعبي حذاء يتخفى صوته بين فظاظة العابرين
شارع يدرك سر خطوي المتثاقل
يعرف أن هذا المشطوف باللاجدوى مهيأ للانفلات

وعاء بال من القمح المسوس
أحمل كفين ساهمتين ظلتا زمنا تدفع جدرانا خلفها جبال
أمشي كمن يسمم الهواء بحضرته
لا أعرف من المشي سوى أطراف تتأرجح ، وشارع يلهم عابريه المقاصد ، نهايته بحيرة تطبخ فيها الأسماك والعابرون أعشاب تعلق بين الصخور

***

كرسي

أجدر بك الا ترمقني من طاولتك
تعال واجلس، لنفتح سيرة هذه الأمسية الطحلبية التي تعلق في الملابس
خذ المبادرة إن أردت
تحدث عن هذا الممر الطويل بين الطاولات، إن ظننت انه لا يتسع بسهولة لمرور بدينين يتجادلان
أنا لا أريد شيئا منك
احتمي ببلادة تتكلس علي منذ أول النهار، وأقعد على كرسي
يشبهك

***

تلوث

لن تترك الفرحة سائلة الى هذا الحد
الحذاء وان لم يكن غليظا
سيلوثها بأنين يتسرب رويدا من أعلى القميص
حتى هذه الشمس القديمة التي اختلطت بالعشب والأشجار
ستعرف أن ملابسَ تمشي دونما هدف أحرى أن تعلق لتجف من عدم الاكتراث

***

غابة

هي الواقفة بانتباه كل هذا الوقت
تعرف الكثير
الطيور
الريح
العابرين تباعاً
والجالسين سحابة نهارهم..
خلف عينيه شيء ما
لم ينظر الى البعيد
لم يتلفت ولم يعرف لماذا فسخ قميصه و بنطاله واستلقى يثرثر كريح

***

لا شيء

الريح،
يتركها تمضي،
لا يتفرس جناحيها ولا يدعوها إلى كأس شاي على البلكون
أطفال يتصايحون
أرنبة تفتح الباب خلفه وتأكل من عشب نما بطيئا على ظهره
كمدخنة لا يتلفت
كغلالة رمادية على المقعد يفتح عينيه
ويدقق في اللاشيء

***

جلوس

ربما كان ضروريا أن تُصقل الشراسة عشرون عاما بعيدا عن الأهل
أن يُسحل الانفرادُ على لوح مسنن
كي تتجنب خنجرا يخبؤه المقعد
كلما جلست

***

تزلج

اندلقوا أواخر ليل السهوب
متأججين بأنجم صوبت أعينها على أقدامهم
لم يخفوا دبق الثلج يعلوا بندقياتهم
لم يتأرجحوا لآخر كأس حقنوا بها الصقيع في وركه
تقاطروا صامتين أفواههم مداخن، يجرون زلاجتهم
كظلال خفيفة

***

مذياع

حتى وهو ينفض آخر قطرة ضوء عن ثيابه
تنتابه قشعريرة النهار
كأن الأموات الذين يربيهم في مزرعة جمجمته
نسوا أن يغلقوا المذياع

***

مخلب ينقض

أخرجوا من رأسي
لن تجدوا فازة آشورية مكسورة ولا أمشاط حجرية
أريد هذه القيلولة

المنام عجوز نتن
المستنقعات دون جزيرة قمامة للوقوف
الثلج يعبث بالخارج
في منام طويل أمشط شعر أسواق ملبك
أدخل حانات بلا منافذ للخروج
وأسمح لنفسي أحيانا أن تنظر في أقدام كثيرة تسير وتعرف كيف تعود

الخباثات تهدمت
من كثرة ما أصحو في الظلام وأصطدم بالجدار

العاشرة في مقهى للعاطلين
المنام بقرة ضرعها صديد
أحاديثهم مغسولة بالبيرة والدخان
أراقب أزرة السترة كي لا تتفلت أعضائي الى مقهى مجاور
الريبة أخلصت، خامشتني في سرير خيبة واحد
بلغت معها لذة اللذة، ولما أزل مدينا لها
أتحسس عضوها الرطب بلساني كلما شممت رائحة الآخرين

المنام مخلب ينقض
المزيد من الغفلة في الظلام يفتح موسيقى جنائزية على المشهد
من الطابق العلوي
أرى فظاظة ينجّرها الليل
ويركبها الخارجون صباحا

*****

أكوسمبو

وقصائد افريقية أخرى

أكوسمبو (*)

الى سارة

افتحي قميص هذه الليلة حتى سرتها
دعي النسائم تلفح جسدها المتورم

الهواء عليل بالحمى الصفراء
وهذه الليلة ليست زنجية كما يظن المعري
ولكنها ممهورة في أكوسمبو
حيث يدور رأس ( الفولتا ) ويصاب بصداع القبائل المزمن
وحيث نتقي هجمات طائرات حربية محملة بقنابل الملاريا والتيفوئيد وبضع أسماء لم تحمها الذاكرة _ هذا كل شيء _

هكذا ( أكو _ سوم _ بو )
يضحك هواء عجوز من كسكسة الاسم
ويمسح لحيته على سطح البحيرة
غير أن الحمى التي فتحت محمية للجراثيم تحت الجلد
لا تفتأ تعوي ( تصبح أليفة بعد المرة السادسة كما يقول أمادو )

تمتدح الأمراضُ منع الصيد بقانون إنجليزي
لتحفر أسماءها القديمة على جدران الأمعاء

( ربما كان الجزء الفارغ من الكأس ممتلئا بوهم عربيين قادمين من أقاصي الشمال ، يمضيان كأسماك لا تسلك طريقها مرتين ، أو كسهمين نبوغهما أن يخطئا الهدف )

ولكنه الاسم
ساحر يدق بعصاه الغابة لترقد طيور مهاجرة على أطراف ساحة ] كوارشي [ وتمضي الخفافيش لتحلق غاضبة فوق مستشفى وزارة الدفاع ( ليلا نهارا )
ربما الدماء أكثر تلويحا في عيون الجنود
ربما جثثا مالحة تسير وترسل روائحها لتقض مضاجع الجنرالات
تغييرا طارئا على عنوان قديم
أو حزنا على ملك ] الأشانتي [ الذي رافقته سبعين عاما

( سبعون عاما على عرشه المرصع بمنجم ذهب ومنجمين من الألماس والأتباع الضواري.. طيرت النسر الأفريقي من مناجم الإنجليز إلى سور حديقة ] أساجيفو كوامي نكروما [ ... إلى قبعة الجنرال).

هاهي
قطرة صغيرة تكاد تسقط في المحيط من جهة الغرب
بينما تضع الحرب أوزارها في شوالات من الدوت وتصدرها غير مطحونة إلى دول الجوار

***

كما أشاء

أتمدد بعيدا نافشا أطرافي
أما حلول الصيف
فلن يجلب مزيدا من التلوث لوجه سماء تبدو مكتفية بمساحيق تجعلها تضحك كمهرج
ولكنني بعيد
ولا أقول أنني مرمي على رملة ساخنة
بعيد الى درجة أن السيقان التي تعبرني لا أستبين من يحركها بخيوط ولا أسمع تمتمة ولا طنينا -وان كانت رائحة نفاذة كادت توقظني-
رغم أن الدود الذي يخرج من إبطي لم يظن للحظة إنني أمثل الموت، وأن قطعا يحملها ويمضي لن تسجنني على شاطئ مكشوف، ولن تكفيه على كل حال
لأنني أعرف كيف أسترجع أعضائي حينما أشاء
وكيف أغسلها وألصقها كما أشاء

( عادة، يحتمي المضروب على رأسه بانتفاخ طفيف، خلفه يصنع أوان فخارية وزهور مجففة ولا يتردد أن يمد أصابعه الخمس إلى حنجرة الألم ويقبض على أنين يغطي لذة الموت )

***

تذكرة

كأنما كان مخططا أن تلتقي شجرة موز
أن تمج نظرة في الهواء
وتسترخي قليلا
كما يفعل حزن على شاطئ أفريقي
وان لم تكن الظهيرة ناضجة بعد
وان لم تُخرج من جيوبك
أياما مصفرة الأطراف
لم تعد تصلح لشيء
وأنت تبحث عن تذكرة تأخذك إلى غصن شائك أو مرجل تسخن به ذاكرة تتحسر.

***

كانو (*)

... ولكنك لم ترشق بدانتك ليشطبها غصن من الهائجين
كانت الأشجار تنظم مظاهرة أعلى من رأسك بقليل، وبين حين وآخر تبعد مخيلتك عن المكان الضاج بفوضويين قدامى وتستحضر معزوفة على الأبواق لرعاة أوغنديين ( شكرا لإبراهيم إغلان )
لظنك أن يبتعد، فلم تكن الحقيقة أو جلها دامية على العشب
كان الاستواء سيطبخ دهشتك في قدر صلعاء تسندها أثافي كتفيك، دون أن تدرك الاحتمال الذي يشتهيك، ودون أن يجد ]دارون [ حلقة لعجيزتك
ولكن لتفترض أنها مهزلة ترقبك، ألست في حاجة الى فجيعة ترعاك؟
إذا لتخلص حذاءك من طمي نظرة حائرة ولتترك الوقود يقطر خلفك ويشتهي عود ثقاب.

***

كالجبل

أدركني الصباح
مبتلا بإيقاع طبول بعيدة
الأحلام أوصدت حاناتها
وأنت تنامين بجانبي ببطن كالجبل

تذكرت صالة السينما في جانب الرأس الأيسر
والتي نحولها إلى مقهى بالنهار
تذكرت معمل الألوان
وحديقة الحيوانات الكسولة خلف قفص أحمله في جزئي العلوي
تذكرت مرجوحتان معلقتان من كتفي
ولم أتحرك
لم أبحث عن شيء
كان لا شيئا سميكا يحجبني
رأسي يدور، رئتي مشوية، ورائحتي تصعد، تصعد كحجارة منفوخة بالأرق
ولكن بطنك كالجبل
والخوف ذئب ينهش الانتظار.

***

أشجار أفريقية

مفشوخة الساقين في الهواء
بماذا تصرخ في باطن الأرض
هذه الأشجار؟

***


خريطة

ولو أنها أريكة مجعدة
كصباح بلا مطر
هل ستجلس منغوما مورّدا كصالات الفنادق؟
سيارة في الخارج بعجلات أربع
يحسن أن ترسم خريطة لمدينة تعتقل الأناناس والبابو
وتضلل الانتظار

***


رغبات

كمن أوقد طمأنينته وجلس يتدفأ
تبحث عن أي شيء يصلح للنسيان
مفتوح الرأس من كل الجهات
رغباتك ورقة بيضاء
والأوقات تتكاثر حولك

***

فضيحة

بين صُدفتين
تشدان بعضهما بحبل أملس
يتشعلق
شمس الظهيرة ابيضت من الهذيان
والآخرون
يتفرجون
في
الأسفل

***

عامود

يدك عمياء ، كشر تائه خدر
أتلفك الانتظار على ساق وحيدة
تتلعثم في الركل

***