إبراهيم الحجري
(عمان)

إبراهيم الحجريهذه القصيدةُ ، محاولة ، تركيب قصيدةٍ واحدة للسياب من قصائده التي نشرها بنفسه في دواوينه ، وقد تم تركيبها على أساس البحث عن الصورة المعاصرة للعراق ـ وما يوافقها ـ في أشعارِ السياب وإبرازها في وحدةٍ مجتمعةٍ لقصيدةٍ واحدة ، وغني عن القول أنَّ جميع ما يردُ في هذه القصيدة للسياب دونَ أيةِ زيادة .
إبراهيم الحجري .

أنا ميتٌ لا يكذبُ الموتى . .
قصيدة مُرَكَّـبة لبدر شاكرالسيَّاب

اللهُ ـ عزَّ اللهُ ـ شاء
أن تقذفَ المدنُ البعيدةُ والبحارُ إلى العراق
آلافَ آلافِ الجنودِ ليستبيحوا
مثلَ وحشٍ من حديدٍ من حجار
سفَّ الحياةَ فلا حياةَ من المساء إلى النهار
يأكلُ الموتى
ويشربُ من دمِ الأحياء ، يسرقُ زادَ أطفالٍ
ليتقدَ اللظى في عينهِ
ليُـعيرهُ صوتاً
يحطمُ صوتَ كلِّ الأنبياء . .
آهٍ على بلدي عِراقي أثمرَ الدمُ في الحقول . .
كأنَّ نخيلنا الجرداءَ أنصابٌ أقمناها
لنذبلَ تحتها ونموت .

كلُّ ما عندنا نحنُ هذا الفمُ ،
بغداد . .
عيشٌ أشقُّ من المنيةِ وانتصارٌ كالفناء
وطوى يعبُّ من الدماء وسمُّ أفعى في الدماء
وعيونُ زانٍ يشتهيها . .
والمالُ يهمِسُ أشتريكِ وأشتريكِ . . فيشتريها

أواهُ لو سيكارةٌ في فمي ،

بغداد مبغىً كبير
يقولُ رفيقيَ السكران " دعها تأكلُ الموتى
مدينتنا لتكبر ، تحضنُ الأحياء ، تسقينا
تعِـلُّـنا حتى تدورَ جماجمُ الأموات من سكرٍ مشى فينا "

أين العراق ؟
ما كانَ يعلمُ أنَّ ألفَ فمٍ كبئرٍ دونَ ماء
ستمصُّ من ذاكَ المحيا كلَّ ماء
بغدادُ
أيُّ سخريةٍ مريرة
أينَ الصباحُ من الظلامِ تعيشُ فيهِ بلا نهار
وبلا كواكبَ أو شموعٍ أو كوى وبدونِ نار

بغدادُ
يا جثةً على الثرى مستلقية
شبعَ الذباب
الدودُ فيها موجةٌ من اللهيبِ ،
فأمسُ عاثَ بها الرجالُ الزاحفونَ من البحار
كما يفورُ قطيعُ دود .

الذينَ تغصبوها
كانوا كآلهةٍ مقطبةِ الجباهِ من الصخور
تمتصُّ من فزعِ الضحايا زهوها ومن الدماء
متطلعينَ إلى البرايا كالصواعقِ من علاء ،
فنحنُ جميعنا أموات
أنا ومحمدٌ والله
صلوا
هذا قبرنا أنقاض مئذنةٍ معفرةٍ
عليها يكتبُ اسمُ محمدٍ والله .

من يصلبُ الشاعرَ في بغداد ؟
خالطاً فيها يهوذا بالمسيح
مدخلاً في اليومِ ليله
بانياً في عروةِ المهدِ الضريح
الدماء
الدماء ،
الحروب . . هي الحروب . . القذائفُ والضحايا في الدروب
أظلُّ أدفنها وأدفنها فلا تسعُ الصحاري
فأدسُّ في قممِ التلالِ عظامهن وفي الكهوف .

ويحَ العراق
ماذا جنى شعبي ؟
تمطرنهمُ القذائفُ بالحديدِ وبالضرام
وبما تشاءُ من انتقامٍ .
وهزَّ حفارُ القبور يمناه في وجهِ السماءِ وصاح :
ربِّ ، نذرٌ عليَّ لئن تشبَّ لأزرعنَّ من الورود
ألفاً تروَّى بالدماء ، وسوفَ أرصفُ بالنقود
هذا المزار، وسوفَ أركضُ في الهجير بلا حذاء وأعدُّ أحذيةَ الجنود
وأخطُّ في وحلِ الرصيف وقد تلطَّخَ بالدماء أعدادهنَّ لأستبيحَ عـِدادهنَّ من النهود .
لو أنـَّـهُ اخترقَ الدثار بمقلتيهِ وبالضياء
لو حدَّثَ التابوتَ عمَّن فيه
لكادَ ينكرُ من رآها .
فحذارِ من أفعى تدبُّ على ثراها
لا تكفروا نِعَمَ العراق
لا تبتغوا عنها سواها
أنا ميتٌ
ولكني وقفتُ وملء عينيَّ الدموع
أنا ميتٌ لا يكذبُ الموتى .


إقرأ أيضاُ