محمود عبدالغني
(المغرب)

محمود عبدالغنيمنذ البدايات الأولى للحراك السياسي والاجتماعي في الوطن العربي عموماً، والمغربي خصوصاً، وجهت للمثقف المغربي اتهامات، منها الصمت الذي يصاب به هذا المثقف كلما تعلق الأمر بتجربة سياسية، أو بحركة اجتماعية صادرة عن القاعدة الشعبية. وسال في ذلك مداد كثير، نعت فيه المثقف بالكائن الصامت، والخائن والغائب السلبي، والمتفرج على «مسرحية المجتمع المتحرك». إلا أن الزلزال القوي الذي يغيّر ملامح المجتمعات العربية، كان أكبر من المثقف، وقوته ضربت أعماقه، وحركت سواكنه. فقام المثقف المغربي بإبداء رأيه في ما يجري، ولو أنه تحرك متأخر نسبياً عن السرعة التي تجري بها الأحداث. فقد اجتمعت ثلة من المثقفين المغاربة( 41 مثقفاً ، أبرزهم الأنثروبولوجي عبدالله حمودي، الروائي محمد برادة، اللغوي عبدالقادر الفاسي الفهري، عالم الاجتماع عبدالصمد الديالمي، الشاعر محمد بنيس، المفكر محمد سبيلا....) وأصدروا ما سمّوه «البيان الديمقراطي» مغتنمين المناقشات الوطنية العامة الجارية في شأن البناء الدستوري والنظام السياسي. وأملهم في ذلك أن يشاركهم فيه كل من يتقاسم معهم منطلقاته وأفكاره ومقترحاته.

يتضمن البيان ثلاثة أقسام، تناول الأول منها الغايات الكبرى للإصلاح في ثلاثة عناوين فرعية: من المخزن إلى الدولة، الدولة الديمقراطية وواجب الاستثمار الاجتماعي، إسقاط الفساد وتطهير الاقتصاد. وهي محاور مترابطة تشكل جوهر الاصلاح السياسي والدستوري. وتناول القسم الثاني جملة من المبادئ والمنطلقات، هي بمثابة قواعد مؤسسة لأي نظام سياسي ديموقراطي ومدني حديث، وبالنتيجة لأي دستور يروم التعبير عن مقتضيات هذا النظام. أما القسم الثالث، وهو ملحق تكميلي، فيشدد على بعض المقترحات المتنوعة والتفصيلية.

لاقى صدور «البيان الديمقراطي» اهتماماً كبيراً لدى الفاعلين في المجال الثقافي والسياسي، خصوصاً في هذه اللحظة التي يصاغ فيها دستور جديد، بمشاركة فعاليات سياسية ومدنية وبتكليف من الملك المغربي. ولعل أهمية «البيان الديمقراطي» أنه صادر عن أصوات ذات قيمة ثقافية عالية، لم تستشرها اللجنة المكلفة صوغ الدستور. ثم إنه بيان ينصت الى الحراك العام، الاجتماعي والسياسي غير المسبوق. علماً أن جمعاً من المثقفين سبق أن أصدروا بيانات رامية إلى لفت الانتباه إلى الانحدار الحاصل في المجال الثقافي. ومنها البيانات الساخنة للشاعر والروائي عبداللطيف اللعبي، وبيان الشاعر محمد بنيس، وبيان الروائي محمد برادة. وكلهم وضعوا لبنات أولى لإصلاح الشأن الثقافي الذي تحدق به أخطار عديدة.

دعا البيان الديومقراطي إلى انتقاد سلطة المخزن، التي هي سلطة مطلقة ومركزية وشاملة لكل أوجه السلطة وأدواتها وآلياتها، دينية كانت أم سياسية أم اقتصادية أم ثقافية، ولكل مظاهر العيش. في حين أن الإصلاح الديموقراطي يتطلب تأسيس دولة حديثة كما متعارف عليها في الأنظمة الديموقراطية المتمسكة بالثابت الديموقراطي. وأكد البيان ضرورة الانتقال من الدولة « المخزنية» إلى الدولة الديمقراطية. وذلك وحده ما سيكرس السيادة الوطنية واستمرارية الدولة.
أراد «البيان الديموقراطي» لنفسه، بالعمق الذي طرح به رؤيته، آن يكون متقاطعاً مع مطالب التغيير وشعاراته، بإصلاح الدستور وإعادة تأهيل المجال السياسي وبقية المجالات الحيوية.

الحياة
السبت, 11 يونيو 2011