عبدالله خليفة

تفترض معاناة الشعب بعد الأحداث والمصاعب الجسيمة نظرات موضوعية هادئة من الأطراف كافة، فعلينا أن نرتفع على حساسياتنا وآلامنا، ونتطلع إلى حلول للمشكلات وتغييرات في مواقفنا المتصلبة، من أجل تحريك البلد نحو السير إلى الإمام وتضميد الجراح وتحريك عجلة الإنتاج. من المؤكد ان نسخَ الثورات العربية، أو الحلم بالتغيير العاصف، ليس مكانهما في هذا الوطن. فمرة أخرى وأخرى حدث الفشل، فهو بلد له مواصفات خاصة، بلد يتحرك ضمن نسيجه الوطني الموحد، ضمن الجدل بين مختلف الأطراف. بلدان مثل البحرين والعراق ولبنان وعُمان ليست ذات نسيج مذهبي موحد، لا تنفع لها صيغٌ مستوردة سواءً من مصر أو إيران، ولنقل إنه حدثت فورة اجتماعية عاطفية كبيرة، وأُعطيت مجالات واسعة للتظاهر، لكن من دون نتائج تحويلية سياسية عميقة، وجرت بأشكال من التوتر والحدة الكبيرين، ثم ارتد الواقعُ السياسي إلى الخلف. والأكثر ألماً ما فقدناه من ضحايا، وما خسرناه من دم عزيز علينا في الجهتين، والأسى والآلام التي تتجرعها العائلات والآثار المترتبة على ذلك، والشحن المؤسف الذي يحدث من ذلك. ثم جرت خسائر اقتصادية كبيرة وتعطلت مسارات الأعمال والأحوال. مراراً قلنا خلال ربع قرن وكررنا للجانبين إنه لا يمكن لهذا الوطن أن يطير بجناحٍ واحد. لا يمكن أن تتحرك طائفة واحدة، وحراك الطوائف بحد ذاته مغلق الأبواب في التاريخ. ثمة مبادرة مهمة طُرحت لكن لم يُستجب لها، وكانت من الممكن أن تكون أساساً لتحول، رغم شكي الشخصي لو أنها نفذت أن تقودَ لتغييرٍ وطني موحد. بلدان مثل مصر وتونس والمغرب وربما حتى سوريا لها نسيج ولها تاريخ تحولي مختلف. والبلدان الأخرى لها نسيج آخر. لقد تعاورتْ وتعاصفت كلُ الآراءِ والصراعات والحروب لكي تحول لبنان لكنه لم يتحول. لبنان المثقفين والكتب والأحزاب القديمة والتعليم الأول لكن الأفكارَ ضربتْ رؤوسَها في جبل لبنان من دون أن يتحرك بوصةً واحدة. الحلُ هو الذي لا يختارونه، هو الديمقراطية وفصل المذاهب والأديان عن الأحزاب والدولة والمناصب وجواز السفر والختمة الروحية السوداء العميقة في الروح. لعل النقطة الإيجابية التي التقطناها في خضم العاصفة هي الدولةُ المدنية، لكن الدولةَ المدنية لا تأتي بضغطِ الأزرار، تحتاجُ إلى أفرادٍ مدنيين، وجماعات سياسية مدنية وطنية تتعامل مع المواطنين لا مع الطوائف، الدولة المدنية تحتاجُ إلى وزاراتٍ ومسئولين لا يفكرون بتوظيف ابناء طائفتهم أو تقزيم الآخرين. ولا تستطيع الجماعاتُ المذهبية السياسية في يوم وليلة أن تخلع أزياءها كما أرادت في خضم العاصفة أو الدالوب الذي حدث، وأن تقومَ بنقلةٍ تامة بين ليلة وضحاها، ويمكن استمرار المجلس الوطني الحالي بكامل أعضائه ويسرع في حل مشكلات المواطنين وتطوير الظروف، ويتشكل الحوار كذلك، عبر جدول زمني، لتبدلِ التيارات السياسية وبرامجها وبنائها ودستور المملكة معاً، ويُعطى المواطنون والحياة فرصة كافية للتغيير والفهم والهضم السياسي، ولإعادة تكوين الجماعات المختلفة، بحيث تكون الآلام والخبرات فرصة لإعادة البناء وليس لترك كل شيء لعوامل التعرية. تكوين شعب واحد في مستوى الوعي السياسي خاصة، أمر لابد منه، مهما وُضعت الرؤوسُ نفسها في الرمال أو مهما قفزت إلى الجوزاء، فلن يذهب البعض بسفينة إلى جزيرة نائية، فالمشكلات والظروف ستتراكم على طاولة التعب الوطني، والأجور المتآكلة في هذه الظروف والجمهور الذي نزف والتكاليف الباهظة والخسائر الاقتصادية هي كلها تنتظر العمل السياسي الذي يقود ويفتح الآفاق لدروب جديدة أقل عثرة.