عبد القادر القط

إن تحرر الشعر العربي الحديث من قيد القافية الموحدة قد تم منذ زمن طويل، وهو الآن حقيقة واقعة لا سبيل إلى المراء فيها. ولم يكن خروج الشعراء على القافية الموحدة مجرد رغبة في التجديد أو الظهور بمظهر العصرية، وإنما كان إحساسا منهم بأنها عقبة في سبيل التحرر والصدق وإخراج العمل الفني وحدة متسقة متكاملة الأجزاء.

فالقافية الواحدة كالقفل تغلق البيت دون ما يليه من أبيات وتجعله وحدة منقطعة عن سائر القصيدة. كما أن ما فيها من رتابة يفقد الشعر كثيرا من جمال التنوع والمفارقة. وهي كثيرا ما تلزم الشاعر- واعيا أو غير واع- أن يعدل فكرته أو يتنازل عن بعض جوانبها لتستقيم له نهاية البيت. ومهما يكن الشاعر بارعا في اللغة فلن يستطيع العثور دائما على الكلمة الحية الموحية التي توافق قافيته. وهو لذلك يضطر إلى استخدام كثير من الألفاظ الجامدة التي لا حياة ولا إيحاء فيها.

أما القافية المتغيرة فقد خلقت للقصيدة وحدة جديدة غير وحدة البيت هي المقطوعة. والمقطوعة بما لها من سعة تتيح للشاعر مجالا أكبر للتعبير عن جوانب إحساسه أو فكرته. فضلا عن أن هذه الوحدة لم تعد مستقلة بذاتها بل هي شديدة الصلة بما يسبقها وما يليها، وبذلك تخرج القصيدة بناء متماسك الأطراف لا جزئيات منتثرة لا ارتباط بينها كما كانت من قبل. هذا، والمقطوعات ذات القوافي المتعددة تعطي لكل جانب من جوانب الإحساس أو الصورة ما يناسبها من موسيقى وتضفي على القصيدة من الحركة والحيوية ما يجعلها أقدر على التصوير والإثارة.

أما الوزن فقد تغير بمقدار ما استدعاه تغير القافية. فحين لم يعد البيت وحدة القصيدة لم تعد هناك ضرورة لتقسيم التفعيلات تقسيما منتظما بين شطريه وأصبح الشعراء في حل من أن يستخدموا أي عدد من هذه التفعيلات كما يقتضي نظام قصائدهم. ولعل إحساس الشعراء بكثرة الأوزان العربية وتنوع موسيقاها لم يدفعهم إلى تجديد بعيد في هذا الباب.

هذا رأيي من حيث التجديد في حدود الإبقاء على الوزن والقافية.

على أن هناك محاولات جدية يقوم بها بعض الشعراء لنبذ القافية نبذا تاما. وليس ذلك بمستحيل على الشاعر المجيد الذي يعبر عن تجربته بصدق وإخلاص، وليس الشعر العربي بدعا في هذا وأمامنا أمثلة كثيرة من الشعر المرسل في الأدب الأوروبي. أما الوزن فأرى ألا غنى للشعر عنه، فهو ليس حدا شكليا فحسب. ولكنه اتساق للألفاظ في نظام موسيقي خاص يمنحها قدرة على الإيحاء والتصوير لا تكون لها إذا فقدته. حقا أن بعض النثر قد تكون فيه روح الشعر ولكنه مع ذلك يظل نثرا إذا لمن ينقله الوزن إلى عالم الشعر.

المصدر: نظرية الشعر 5- مرحلة مجلة شعر، القسم الأول/ المقالات/ تحرير وتقديم : محمد كامل الخطيب/ منشورات وزارة الثقافة - دمشق 1996 (عن) الآداب س/1ع/8 آب 1953.