عبد السلام المساوي

الشعر شعر منذ تمرد أول إنـسان على قوانين لغة عشيرته ، إما بـــتمديد الصوت أو بتبديل الأسماء أو بالصمت الاختياري .. لا يساوي الزمن من عمر الشعر قيمة الحدث السياسي أو الاجتماعي . لذلك فالحقبة تنــــتكس أو تطول دون أن تمتلك سلطة التأثير عليه . وليس مهما أن يأتي الشعر من المشرق إلى المغرب محمولا فوق صهوات الإكراه ، ليتلقى ــ كما الخطاب المقدس ــ مقدسا وليجبر الشعراء / الفقهاء على نسج توأمه الفكري والفصيح ، كي يصبح الشعر رديفا للثقافة الرسمية ، فلا يبقى مجال ــ حينئذ ــ للشاعر كي يختلي بشيطانه ...
هل تكون هذه الجغرافيا الممهورة للغروب في حاجة دائمة لحركة الشمس لكي تصل القصيدة / النموذج ، فيطلب بعد ذلك من النساخ أن يعملوا أقلامهم تحــــبيرا ؟ هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها ، وهي أن الوجدان المغربي يتكون من أضغاث المقروء أضعاف ما يتكون من المعيش العام .. وحري بنا أن نتأكد من سهولة العيش على الورق ، أما الحياة الحقيقية فهي التي تنفث نسغ الطراوة في أعواد القصيدة التي يسميها النقاد تشكلا بنيويا فوق الصفحة الورقية .
حاليا ، لم تعد حدود الخرائط قادرة على منح الهوية للقصـــائد ، فالحياة تنمطت هنا وهناك ... وصار بوسع الجيل الجديد أن يعمل معوله في دسم البلاغة حتى تخرج اللغة من اللغة ، وأن يعيد خلط البحور بكف النثر إلى أن يلفظ الإيطاء والإقواء والـ... آخر نفس كان معلقا على مشجب القوافي فيتسع حبل الإيقاع ... صار ، أيضا ، بوسع الشاعر أن يجعل اللغة تابعة لمعانيه الرهيبة من أجل أن يصنع شكل حياته ويــغادره إلى شكل آخر . لقد انفلت الزمام تماما وتعطلت بوصلة الكتاب النقدي ...
بهذا البهاء يعود الشعر ، إذن ، إلى تكوينه الأول ، ليكون عصيا على الضبط والانضباط ... وليس هناك من لا يـــــسلم ، اليوم ، بأن الشعر في البدء وجد قبل أن توجد اللغة . ولما استقامت في هيئته نابت أشكالها عن غيبته .
إن كرنولوجية : ( البحر ــ التفعيلة ــ النثر ) لتؤكد هذه العودة المـحمومة إلى الشكل الهلامي للغة قبل أن يوضع أول سـيف في أول عنق ، وقبل أن يعلم إنسان إنسانا كيف يقول ليبقى تحت تصرفه .
كانت القـــبيلة في الجاهلية تحتفل بالشاعر فيما هي ترسم له حدود الطوق وحدود الابتعاد عن ذاته ليصبح صوته فيما بعد ضجيجا موقـعا في ليل ثأرها أو سبيها ... وكان الخليفة العباسي يدخل عليه الشاعر ليؤرخ بالكذب الموزون أفق انتظاره . ومنذ ذلك الوقت أبقي الشعر حبيسا في قمقم السلطة ريثما يفرغ المنظرون من وضع القوانين والبنود سموها ، آنئذ ، عمود الشعر .
من ينكر اليوم أن قتل القصيدة في جسد المتنبي ليس إلا إلجاما للذات المنفلتة من الرسميات كي تخلو إلى ذاتها .. فقد كان بإمكان الشــعراء أن يتكيفوا مع جبروت السيف وإغراء المال فيما هم يؤسسون لسيكولوجيا جديدة تقنع المتلقي بأن الشعر إنما انبثق بشكل غريزي ليمهر الحياة بغائية كينونتها عبر كيمياء مفتوحة على خصوصية الذوات المحكوم عليها بالعيش .
ولأن الشعر بركان من المعاني فهو لا يفترض التواطؤ بالضرورة .. ولأنه داخلي بامتياز فصاحبه لا ينبغي أن يموضع معانيه الرهيبة والرؤيوية في أشكال لغوية لن تستقيم أبدا في هيئته الباذخة ... منذ القديم والنقاد يلهثون وراء التوصيف النسبي دون أن يصلوا إلى اللحاق بسفره الحثيث . لذلك يمكن أن نراهن على شعراء حقيقيين يعيشون الشعر بلا كتابة . وبالإمكان اكـتشافهم في سلوكهم اليومي ، في علاقاتهم وفي رؤيتهم الأبعاد الصغيرة والكبيرة .
بين الشعر وبين اللغة الشعرية فروق جوهرية تماما كما لو كنا نقارن بين الحدث وبين وصفه المكتوب . ولذلك يحتاج الشاعر الحداثي إلى اللغة وإلى اللالغة كي يضمن توثيق جزء مما يعبر وجدانه وجسده من ضربات شعرية .. اللغة بما هي عليه من تراكمات فنية متعارف عليها ، واللالغة بما هي خروج عن المألوف وتدمير للأنماط التي أضحت جثثا بلا روح .
في حياة الحس ، وفي جلاء مـــفتوح على كثير من الصـمت احتاج الناس إلى الاستئناس بالضجيج الموقع الذي يهب ألفة الوجود الـــمادي من خلال صوت الشاعر المنشد . وبالمقابل ــ ولأن التكنولوجيا أسعفت الخلاء بازدحام مرعب للماكينات التي لا تنتج إلا الأصوات المتشابهة ، حيث تراوح دواليبها في دورانها بين الحركة وبين السكون ــ كان لا بد أن يراجع الشعر إمكانات وجوده باعتـــباره أصلا للكينونة ، لا مجرد تابع للوقائع ، وإن كنا نسلم بحتمية انفعاله بها .
كان الشعر قبل أن تكون المدرسة، وكانت القصيدة قبل أن توجد وظائف تعنى بها ، ويقبض المشتغلون بها مرتبات ، فلما وجدت المدرسة وعين أصحاب المرتبات أرغم الشعر على التوقف ريثما ينتهي الـــــنقاد من خلع ثياب القصائد من أجل فحص يحقق تراكما معرفيا يملأ زمن الدروس أو يسود صفــــــحات الكتب المتعاقد عليها . والذي حدث أنهم انشغلوا برائحة الثياب عن أجساد القصائد البضة . والنتيجة تؤكدها هذه الصراعات العبثية التي لم تتــــجاوز الخوض في مشروعية الشعر , وهل يتحقق بالوزن أم بنصفه أم بالنثر ؟
قد يكون الوعي النقدي بالشعر في العصر العباسي أكثر مصداقية مما يعرفه وعينا الراهن . فهو ، على الأقل ، باشر عمله بتنظير اكتسب مفاهيمه الإجرائية من النصوص الشعرية ذاتها ، بينما زاغ وعينا وهو يقرأ النــــــصوص الحديثة بمعدات مكتسبة ، سلفا ، من نصوص غريبة عنها ومن سقط ثقافات غير مسعفة ، وفي أحيان كثيرة بإسقاط قوالب لا تسع المفهوم إطلاقا .
والحروب التي يخوضها الشعراء والنقاد ــ اليوم ــ وأشياعهم إنما من أجل المواقع وليس لفائدة الشعر : ففي اللحظة التي قلت فيها طلقات العموديين من بنادق غطاها العطن ، وبرد فيها البارود ، بدأت ترتفع أصوات دبابات التفعيليين المحصنين ــ بحكم معاصرتهم ــ بما يــــشبه لغة لا تزال تحافظ على جانب من طراوتها ، في اللحظــة ذاتها يدخـــــل << جراد >> التجربة الجديدة ساحة المعترك بلا أسلحة في زحام تؤججه أجسادهم ونصوصهم ... سنحتاج إلى وقت طويل لفحص الحصيلة ( ألم نقل إنها حرب ؟) .. هي حرب أزمنة في زمن واحد .. أفكار مــــشدودة بأوتاد ، وأفكار تريد الفكاك من أوتادها ، وأخرى تمكنت من تكسير أوتادها واندفعت إلى المجهول ... فأين الشعر من كل ذلك ؟
لربما كان الشعر بعيدا عن هؤلاء وعن أولئك في قلعة محصــنة يراقب حرب المواقع ، هذه ، ويقهقه عاليا ساخرا بمن دخلوا الحرب ولا ناقة لــهم فيها ولا جمل . في بداية الإسلام جاهد القرآن لنفي الشعر عن النبي ، وعن لفظه كخطاب مقدس. وجاء النفي اعترافا ضمنيا بقابلية تحول القصيدة الجاهلية بـ << أشطريها >> المعقودة بالقوافي إلى بناء متتابع ، مســـجوع / مقفى أو مرسل ، ونجح القرآن ــ ساعتئذ ــ في إقناع الشعراء بضرورة الإبقاء على بنائهم حتى تكتمل الرسالة ، ومنذ ذلك الوقت وقول << الشاعر >> مصدق بعد قوله تعالى في استشهادات البلاغيين والنحاة . وترتب عن ذلك التصديق إبقاء الشعر الموزون مجالا وحيدا للإبداع لأزمنة طويلة ، والنثر مجالا للتفكير والمدارسة ... فالـخروج عن البناء في ذلك الوقت كان يعني التشبه بالنص القرآني ، لا سيما إذا ركـب النص الخارج لغة تحتمل التأويل .. وبقي الوزن سيدا مستبدا في القصيدة العباســـية حتى بعد أن عرفت اللغة الشعرية أفقا آخر مع المتنبي << المحافظ >> وأبي تمــــام << المحدث >> . فكان الوزن ضابطا أخلاقيا أو دينيا أكثر منه فنيا ، فالبحر واحد ــ ليكن الطويل أو البسيط ــ لكن العبرة بالاستعارة والمعنى المبتكر . والقافية واحدة ــ ولتكن مردوفة أو موصولة ــ ولكن العـبرة بالرشاقة وبالتحام الأجزاء ... عندها لم يكن من المسـتغرب أن يصرخ أبو العتاهية في وجه خصومه : ( أنا أكبر من العوض ..) . فأصبحت قلعة الوزن مهددة أكثر من أي وقت مضى ، وصار بوسع الشعر أن يخرج من قمـــقمه ، ليدخله شعراء الحنين إلى الماضي ويسجنوا أنفسهم فيه . وفي لحظة خروجه ودخولهم تأسس الانفــــــصام الأليم بين الفن الشعري الطليق وورثة القمقم . لقد كان خوفهم الأكبر من أن يضــــلوا عن التعريف إذا هم فتحوا المجال لغير الوزن ، ومن أن يفقدوا زبناءهم الذين طمس كبر آذانهم رعشة الإنصات المتبصر لديهم .. الحكاية نفسها تتكرر اليوم بتسميات جديدة ومقنعة والمسمى واحد . الذين يحاربون التجارب الجديدة التي يطلق عليها مؤقتا ( قصيدة النثر ) إنما يذودون عن حياض مواقعهم في السلطة وفي التفعيلة في محاولة يائسة للي أعناق جمهور أثارته غرائبية النصوص وإدهاشها ، فالـــتفت إليها بعد أن ضجر من خمـسين عاما من الوزن << المفعل >> أي المضبوط على نثر مخفف .
ليس الشعر بحاجة إلى من يسميه بل بحاجة إلى من يقبض عليه ليتبناه في هيئته التي يكون عليها ، أو ليقضي وطره منه أو يتركه .@