عبد الوهاب البياتي

"صيادو الذباب"
"لقد تعبنا منهم، فمن لنا بإحراقهم وإحراق ذبابهم".
وتلفت صاحبي إلى الشارع المزدحم كالمذعور وفر هاربا، ليتركني وحدي وجها لوجه مع أحد صيادي الذباب. وما كان يقصد صاحبي بعبارته هذه، ألا هؤلاء الشعراء المساكين الذين لا يزالون يجلسون مزجر الكلب من مائدة "الشنفري" أو "البحتري" أو "الحارث بن حلزة" وعيونهم جاحظة ولعابهم يسيل، ولا يزالون يتصيدون أوزانهم وقوافيهم، لينالوا إعجاب بائع باذنجان خائب أو حبيبة وهمية أو ممدوح عاهر بطين، في عصر مليء بالبطولات والانقلابات والثورات، في عصر لم يكتف به الفنان بقلمه أو ريشته أو أزميله، إنما حمل البندقية معها ونزل إلى أرض المعركة ليموت أو يميت عدوه، دفاعا عن الحرية والشرف والفكر والضمير والأطفال والأرض والبيادر والفراشات، فلا بد له إذن من سلاح جديد يقاتل به، ولا بد له من معركة جديدة.

وفي "أرضنا الطيبة" وفي شرقنا العربي، وفي القرن العشرين أيضا لا يزال مئات ومئات من صيادي الذباب ينظمون ويهرفون، فمن لنا بإحراقهم وإحراق أشعارهم وذبابهم. وأعود إلى رعش الذباب- القافية La rime وإلى الوزن أو الإيقاع Le rythme فأقول: إنه قد آن لنا أن نقضي عليهما- قدر الإمكان- "لأنهما لم يعودا مؤاتين لتجاربنا الجديدة" ولأزمة ضميرنا وحريتنا. هذا وإن جمود الشعر عاجز، ناقص، كسح ينبغي أن يعاد فيه النظر.

وعبر هذا يمكننا أن نقول: إن أغلب شعرنا القديم غنائي، سطحي، ساذج، لم يساهم في معركة الحياة والمصير، ظل يدور ويدور حول الإطار دون أن يلامس الجوهر وإن الاكتشافات أو الأصقاع الباهرة المجهولة، العميقة، المضيئة التي ارتادها الفنان اليوناني أو الصيني القديم انطفأ على أبواب مستحيلها أغلب أجدادنا.
وكل الجناية في هذا تقع أولا وأخيرا على رقبة عمود الشعر.

المصدر : نظرية الشعر 5- مرحلة مجلة شعر، القسم الأول/ المقالات/ تحرير وتقديم : محمد كامل الخطيب/ منشورات وزارة الثقافة - دمشق 1996 (عن) الآداب س/1ع/8 آب 1953.