إبراهيم اليازجي

عرف العروضيون الشعر بأنه الكلام الموزون المقفى وقيل هو كلام موزون على قصد مرتبط بمعنى وقافية. فخرج بالموزون النثر والأسجاع وبالقصد ما ورد في القرآن وغيره من الفِقر الموزونة نحو أن كيد الشيطان كان ضعيفا وبالمرتبط بمعنى ما لا معنى له من الموزون كقول القائل:

كأننا والماء من حولنا قوم جلوس حولهم ماء

على أن هذا قد خرج بقولهم كلام لأن ما لا معنى له لا يعد كلاما. وخرج بالقافية ما كان موزونا بمعنى دون قافية كقول الآخر:

رُبَّ أخٍ كُنتُ بِهِ مغتبطاً أشدُّ كفّى بعًرى صحبتهِ
تمسكاً مني بالودّ ولا احسبهُ يزهد في ذي أملِ

وبين أن هذا من التعريف الذي يستفاد منه تمييز الشعر من النثر دون شرح ماهية الشعر وبيان حقيقته لأن قولهم كلام جنس يدخل تحته الشعر والنثر وباقي القيود المذكورة بعد مخرج للنثر وغيره مما ليس بموزون مقفى وما ليس بكلام أصلا. وعليه فلو عمدنا إلى أي كلام شئنا من المنثور ووزناه وقفيناه لجاء شعرا والظاهر مذهب المحققين بل من صنيع الشعراء من العرب وغيرهم أن حقيقة الشعر غير هذا ولكنه يختص بأجناس من المعاني وضروب من الأساليب يتميز بها عن النثر كما يتميز عنه بما ذكر من الوزن والقافية.

قال ابن خلدون في الكلام على صناعة الشعر ما نصه.. ولا يكفي فيه ملكة الكلام العربي على الإطلاق بل يحتاج بخصوصه إلى تلطف ومحاولة في رعاية الأساليب التي اختصته العرب بها واستعمالها. ثم ذكر معنى الأسلوب فقال أنه عبارة عن المنوال الذي تنسج عليه التراكيب والقالب الذي تفرغ فيه وهو لا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته أصل المعنى الذي هو وظيفة الإعراب ولا باعتبار إفادته كمال المعنى الذي هو وظيفة البلاغة والبيان ولا باعتبار الوزن الذي هو وظيفة العروض فهذه العلوم الثلاثة خارجة عن هذه الصناعة الشعرية وإنما يرجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة فإن لكل فن من الكلام أساليب تختص به وتوجد على أنحاء مختلفة. وذلك كأن يكون سؤال الطلول بخطابها أو باستدعاء الصحب للوقوف والسؤال أو باستبكاء الصحب على الطلل.. وكأن يكون التفجع على الميت باستدعاء البكاء أو باستعظام الحادث أو بالتسجيل على الأكوان بالمصيبة لفقده إلى غير ذلك. قال وإذا تقرر معنى الأسلوب ما هو فلنذكر بعده حدا أو رسما للشعر به تفهم حقيقته على صعوبة هذا الغرض فإنّا لم نقف عليه لأحد من المتقدمين فيما رأيناه وقول العروضيين في حده أنه الكلام الموزون المقفى ليس بحد لهذا الشعر الذي نحن بصدده ولا رسم له.. فلا بد من تعريف يعطينا حقيقته من هذه الحيثية فنقول: الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة به. انتهى المقصود منه باختصار وتصرف. قلنا وهذا أيضا غير واف ببيان حد الشعر لأن قوله هو الكلام البليغ جنس يشترك فيه الشعر والنثر على السواء وقوله المبني على الاستعارة والأوصاف ليس أيضا بالفصل الذي يميزه لأن كلا من الاستعارة والأوصاف يكون في النثر أيضا وقوله المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي إلى آخر الرسم كله من القيود اللفظية وبقي الشعر على الحد الذي ذكره العروضيون فيما نقل عنهم لم يزد عليه إلا التقييد بأسلوب العرب وهو أمر يتعلق بصناعة النظم لا بحقيقة الشعر كما لا يخفى.

وجاء في المثل السائر أن الصابئ سئل عن الفرق بين الكتاب والشعر فقال :

إن طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في منظومه لأن الترسل هو ما وضح معناه وأعطاك سماعه في أول وهلة ما تضمنته ألفاظه وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه.

ثم قال والفرق بين المترسلين والشعراء إنما أغراضهم التي يرتمون إليها وصف الديار والآثار والحنين إلى الأهواء والأوطار والتشبيب بالنساء والطلب والاجتداء والمديح والهجاء وأما المترسلون فإنما يترسلون في أمر سداد ثغر وإصلاح فساد أو تحريض على جهاد أو احتجاج على فئة أو مجادلة لمسألة أو دعاء إلى ألفة أو نهي عن فرقة.. أو ما شاكل ذلك. قال صاحب الكتاب ولقد عجبت من مثل ذلك الرجل الموصوف بذلاقة اللسان وبلاغة البيان كيف يصدر عنه مثل هذا القول الناكب عن الصواب الذي هو في باب ونصي النظر في باب ثم أخذ في تفنيد كلامه في تفصيل طويل محصله نفي الاختصاص بين هذين الطرفين في الوضوح والغموض وصلاحية كل منهما للأغراض التي تؤدي بالآخر وجعل الفرق بينهما في ثلاثة أوجه (الأول) أن أحدهما منثور والآخر منظوم و(الثاني) أن من الألفاظ ما يعاب استعماله نثرا ولا يعاب نظما و(الثالث) أن الشاعر إذا احتاج إلى الإطالة لم يجد في كل نظمه والكاتب يطيل ما شاء ويجيد. وأنت ترى أن كل ما ذكر هنا غير داخل في شيء من حقيقة الشعر والنثر وإنما هي أعراض إضافية لا تقوم فصلا ولا تكمل حدا.

وقد طالعنا طائفة من أقوال أدباء الأعاجم في هذا المعنى بين مختصرها ومطولها وقديمها وحديثها فوجدنا ثم اضطرابا شديدا بحيث لم نكد نقع على القول الفصل في حد الشعر عندهم وبيان ماهيته وماهية النثر بما يقطع عرق اللبس بينهما وقد اتفقوا على أن المرجع في تمييز الشعر من النثر هو ما يحدثه من التأثير في النفوس والتسلط على الوجدان ولكنهم اختلفوا في عامل هذا التأثير فمن قائل أنه ما يرد فيه من أصناف المجاز والكنايات لما فيها من الافتنان في التعبير وإيراد المعنى على غير صوته المألوفة في الخطاب ورد بأن هذه إنما هي حلى تزان بها المعاني الشعرية ولا تعلق لها بجوهر تلك المعاني لجواز أن يخلو الشعر عنها ولا يفقد من خاصيته ولأنها شائعة بين الشعر والنثر فلو كان الأثر لها لكان في النثر أيضا. وقيل أنه ما يقع فيه من المعاني المستنبطة من توليد القريحة واختراع المخيلة مما تتجرد له النفس عن طور الحس وتلحق بعالم الخيال وهذا أيضا لم يسلم بكونه علة ما ذكر من التأثير لأن القصص الموضوعة تكون كذلك وهي تكتب بالنثر على الغالب لا بالشعر. وقيل هو ما يبنى عليه من الوزن الشبيه بالإيقاع حتى يفعل في النفس فعل الغناء ورد بأن ذلك لا يخرج أيضا عن كونه من الحلي التي تزيد في سن الشعر وتكسبه طلاوة ورونقا ولكنه لا يكون العامل لذلك التأثير لأن الشعر إذا خلا من المؤثرات المعنوية لم يكن مؤثرا بالوزن وحده كما أن من النثر ما إذا توفرت فيه شروط الفصاحة وزين بفنون المجاز فقد يعارض الشعر في ذلك مع خلوه من الوزن. والذي يظهر لنا والله أعلم أن التأثير في الشعر يعود إلى اجتماع هذه المعاني كلها فإن استنباط المعنى الجديد وإبرازه في حلة من المجاز أو الكناية مما يؤثر ولا شك على العقول ويأخذ بمجامع القلوب لما في المعنى الجديد من الغرابة التي يتنبه لها الذهن لخروجه عن طريق المألوف وصدوره على غير ترقب السامع ولأن تمثيله في قالب من المجاز يقضي بأعمال الفكر لرده إلى حقيقته فله هناك حركة ينطبع بها تأثيره في الذهن بأشد من انطباعه إذا أفضى إلى المدركة دفعة واحدة. ولذلك ترى الشعر السهل المأخذ الواضح المغزى ولا سيما ما خلا عن المجاز أو ما كان مجازه مطروقا أضعف تأثيرا على السامع من الشعر الذي يحتاج إلى بعض الغوص على مراد قائله لما فيه من تشوق النفس إلى الوقوف على معناه ثم ظهور ذلك المعنى لها وهي متأهبة للانفعال به فإنها تجد في إدراكه من اللذة ما لا تجده فيما يأتيها عفوا. وذلك إذا تفقدته وجدته في كل مطلوب من المعاني وغيرها فإن الدرهم الذي ينال على السهولة والدعة لا يكون له من الوقع ما لغيره مما لا يحصل إلا بعد العناء وجهد الطلب. وكذلك أمر الوزن فإنه بلا ريب مما يزيد المعنى حسنا وتأثيرا لما فيه من التناسب بين أجزاء اللفظ مما يعلقه الطبع وتلهو به النفس عن داعي سائر الحواس على حد ما يحصل بالنغم.

على أن الظاهر أن الوزن ليس في شيء من أركان الشعر ولا دخل له في ماهيته وأصل وضعه لأنا إذا تفقدنا الشعر القديم كالوارد في بعض أسفار التوراة والنبوءات لم نجده مبنيا على أوزان مطردة ولا مفصلا إلى أبيات مقدرة كما هو المتعارف اليوم وإنما كان يتميز الشعر عندهم بنباهة أغراضه وسمو معانيه والإكثار فيه من الصور الخيالية والتفنن في أساليب المجاز مع توخي الألفاظ الفصيحة والتراكيب البليغة التي لم تألفها العامة ولم تبتذل في استعمال غير الخاصة. وأما القافية فلم يصطلح عليها إلا في الأزمنة المتأخرة، والظاهر من مباحث أهل التحقيق أنها أول ما استعملت عند العرب وعنهم أخذ غيرهم من أصحاب سائر اللغات ولعل أول شعر مقفى في العبرانية هو ما جاء في مقامات يهوذا بن سليمان الحريزي (براء مهملة ثم زاي معجمة) التي تحدى بها مقامات الحريري فإنه بناها على السجع وأتى بشعرها موزونا على بعض الأبحر العربية كالوافر والسريع والرجز مع القوافي المطردة. وهذا كله مما يدلك على أن الفرق المعتبر بين الشعر والنثر إنما هو معنوي لا لفظي وأن الوزن والتقفية لا يكفيان لصيروة الكلام شعرا ما لم يكن مستوفيا للشرائط المعنوية حتى يكون شعرا بالمعنى قبل أن يكون شعرا باللفظ.

* المصدر : الديوان النثري لديوان الشعر العربي الحديث (مقدمات، مقالات، بيانات) - جمع وتقديم : د. منيف موسى/ منشورات المكتبة العصرية - صيدا - بيروت - ط أ 1981 (عن) مجلة (الضياء) ج1، س2، 1899.