أمين الريحاني

الشعر أمواج من العقل والتصور تولدها الحياة ويدفعها الشعور، فتجيء الموجة كبيرة أو صغيرة، هائجة أو هادئة، باردة أو فاترة أو محرقة، بحسب ما في الدافع من قوة الحس والنظر والبيان.
ولكل موجة من الأمواج قالب من اللفظ، شعرا كان أو نثرا، يصيغه الشاعر في حال التقيد أو الاطلاق، فيجئ مجسما أو عدلا، مبتذلا أو مبتكرا، سمجا أو جميلا، بحسب ما عنده من علم وذوق وصناعة.
وإذا ما جاء صغيرا يفقدها الضغط جمالها ومعناها، إذن لكن موجة قالب لا تهنأ في سواه أو بالحري لكل فكر صيغة لا يسلم ولا يصح ولا يكون جميلا إلا فيها.
كذلك قل في كل عاطفة وكل خيال، فإذا جعل للصيغ أوزان وقياسات تقيدها تتقيد معها الأفكار والعواطف فتجيء غالبا وفيها نقص أو حشو أو تبذل أو تشويه أو ابهام.
وهذه بليتنا في تسعة أعشار الشعر المنظوم الموزون في هذه الأيام.
إن الروح في أكثر الدواوين عقيمة، والصيغ قديمة سقيمة، والاستعارات مبتذلة، وليس هناك ما يخلو من العيب غير الوزن والقافية.

متفاعِلُن متفاعِلُن متفاعِلُن

ليس في هذا الديوان شيء منها أو من أخواتها بنات العروض، وليس فيه من كنه الحب والجمال، ومن سر الوجود والخلود، غير ما تغنى به الشعراء المدلهون منذ أيام عمر بن أبي ربيعة وامريء القيس إلى أيام دي موسه الافرنسي وبيرون الإنكليزي وغيرهم من شعراء العرب والعجم الذين قبلتهم الالهة قبلة المقربين منها.

ولكن فيه شيئا جديدا.

هو ذا ديوان شعر لشاب هام بالحب والجمال وبالفضيلة كذلك، ونبذ في صيغة القوالب القياسات المعروفة كلها فصاغ لفكره وخياله وعاطفته القالب الذي ظنه مناسبا لها.

أما ذاك القالب الذي لا تسلم وتصح وتكون جميلة في سواه، ففي الديوان أمثلة عدة منه.

ومع ذلك أني أؤثره على كثير من الدواوين الرسمية التي تصدرها المطابع في هذه الأيام.

وأنه ليسرني أن أكتب هذه الكلمة مقدمة لديوان من الشعر المنثور، الذي تفنن صاحبه منير الحسامي حتى في نثر شعره، فجاءت بعض القصائد شبيهة بالموشحات وليست منها، وبعضها كالنثر القصصي أو الخطابي وليست منه، وفي الديوان كذلك شيء من الشعر الموزون المفكك ما يدل على قصد الشاعر وتعمده في ما ينثر وينظم، فهو يبتغي التناسق دائما في الصيغة والفكر أو التناسب بين القوالب والشعور.

أما الشعر المنثور فالجيد منه ما استقام فيه القياس الذي ذكره فيتقطع أسطرا، أمواجا، تكون صورا بارزة لأمواج النفس، وهاك أنموذجا منه. قال الحسامي في مطلع قصيدته "عرش الحب الخالد".
تبوأ قلبك الطاهر عرش الحب الخالد
وتبوأت أنت عرش الجمال الملائكي،
فبسمت لك الحياة عن ثغر فتان،
وبزغ لك قبس الأمل،
واحتضنتك السعادة في أحضانها،
دخلت هيكل حبك المقدس خاشعا وجلا
بطرف دامع، وصدر جريح، وقلب مضنى خفوق
في كل سطر من الأسطر الثلاثة الأولى فكران جاءا في موجتين مقترنتين من البيان: تبوأ قلبك الطاهر - عرش الحب الخالد.

أمثلهما لنظر القارئ بهذين القوسين:
ثم في السطر الثالث فكر واحد في موجة واحدة يتبعهما استعاراتان في موجتين تناسبهما، فأربعة أفكار صغيرة في السطر السادس، فثلاثة صور في ثلاثة موجات، الأخيرة منها أكبر من الاثنتين قبلها، لأنها الأخيرة، وينبغي الوقف عندها. وهاك لما تقدم بزيد كلامي ايضاحا:
السطر الأول:
السطر الثاني:
السطر الثالث:
السطر الرابع:
السطر الخامس:
السطر السادس:
السطر السابع:
وفي هذا التنوع يدنو الشعر مما في الطبيعة نفسها من أمثلة الأوزان المتعددة التي لا يعمل فيها غير ناموس واحد، هو ناموس التناسق والتناسب.
وهاك من هذا الديوان مثالا آخر جميلا في معناه ومبناه؛ وغير مطروق في خياله. قال في كلامه على الربيع وهو يتخيله مغدقا من محاسنه على المحبوب:
فتحت الوردة أكمامها ومنحتك: خديك،
وبسم الشقيق عن ثغره ووهبك: شفتيك،
وفتح النرجس عيونه وأهداك: عينيك،
وانثنى الزنبق وقدم لك: يديك،
فغار الرمان، فهز أغصانه وصاح: خذي نهديك،
وفاح الريحان قائلا: أنا شذاك
وابتسم الربيع وقال: أنا صباك
وأنشدت الملائك: سبحان من حباك.
فإذا وقفت قليلا عند السطر الخامس، تدرك أن بعض السر في جمال الشعر إنما هو تنوع الأمواج أي الأوزان ثم ترى أن في الأسطر الثلاثة التالية تتغير السجعة أو القافية أو الروي عملا بنفس القاعدة، فيتضح من ذلك أن في هذا النوع من الشعر صناعة لا تقل دقة واتقانا عن صناعة الشعر المنظوم.
هذه كلمة وجيزة واضحة فعسى أن يكون فيها ما يساعد القارئ على إدراك البلاغة في الشعر المنثور، فيطرب لجديد أنغامه، ويستمتع بمحاسنه.

الفريكة- لبنان

أمين الريحاني


خمس عشرة وصية أخرى للشعراء

  1. حرروا صناعاتكم من "قفا نبك" و "سائق الأظعان" إن عندكم اليوم الطيارات لتسوقوا النجوم.
  2. حرروا أنفسكم من القيود التي تحول دون الإبداع والتجدد، ودون الصدق في الشعور والحرية في التفكير.
  3. خذوا بيانكم- مجازكم واستعاراتكم- من لوح الوجود، ومن الحياة، لا من الكتب والدواوين.
  4. ليكن في خيالكم حقائق كونية وبشرية، وليشع من هذه الحقائق الخيال.
  5. انظروا إلى الكون من خلال أنفسكم الشاعرة الباصرة، ولا تنظروا إلى أنفسكم من خلال الأوهام. الشاعر صوت ونور، وما فيه سوى ذلك هو باطل زائل.
  6. لا تسرفوا في البيان، ولا تطنبوا في بث لواعج النفس، فإن من أفصح الكلام الوقف، ومن أبلغ المعاني الإشارة بل السكوت.
  7. حافظوا على التناسب والتوازن بين الصيغة والمعنى وبين القالب والروح. إذا كنتم طائرين مثلا ليكن القول خفيفا مجنحا، وإذا كنتم متألمين أو ناقمين لتكن الأمواج اللغوية من ذوب الحديد.
  8. تجنبوا السخافة في الفكر والوصف، وفي الصور الشعرية والخيال. لا تسخروا القمر والشمس مثلا لما سخرهما قبلكم ألف شاعر وشاعر.
  9. لا تدخلوا المواضع من الأبواب التي دخلها قبلكم جميع الشعراء المقلدين، فتتعثرون بعظامهم، ولا تنجون من قبورهم.
  10. ليكن لقصائدكم بداية ونهاية، فلا تقرأ طردا وعكسا على السواء.
  11. لا تعصروا قلوبكم كأن تتعلمون رقة الشعور، ولا تعقدوا أفكارهم كأن تتعمدون الغموض والإبهام.
  12. تحرّوا البساطة والصدق والإخلاص، فكرا وصناعة وخيالا.
  13. لا تنسوا وطنكم في حبكم الإنساني، ولا تنسوا الإنسانية في نزعاتكم الوطنية.
  14. ارفعوا للناس مشاعل الاباءة والشرف، والقوة والعدل، والشجاعة والثبات، والأمل والإيمان.
  15. وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، كفكفوا دموعكم- كفكفوا دموعكم. فالشمس لا تزال لكم، والقمر لا يزال رفيقكم، والربيع لا يخونكم

* المصدر : نظرية الشعر 4- مرحلة مجلة أبولو، القسم الثاني/ مقالات - شهادات/ تحرير وتقديم : محمد كامل الخطيب/ منشورات وزارة الثقافة - دمشق 1996 (عن) أمين الريحاني- الأعمال الكاملة- بيروت 1986- أنتم الشعراء : صدر عام 1932


:إقرأ أيضاً

أقرأ أيضاً: