عبد الرحمن بدوي

الشعر روح يطلقها الخيال من عقال الزمان، فتردد آهة الخلق الأول ممزوجة بدموع الإمكان.
والشعر الحق ثورة على القيود، في أي منحى من مناحي الوجود، فكل ما يعبر عنه جديد، والدّ أعدائه الترديد أو التقليد.
والخلق فيض من صاحبه. ولذا كان الشعر بضعة من كاتبه، وإن تعدد الإلهام في مشاربه أو مآربه.
من لم يحترق بلهيب الشرارة المقدسة، تلك التي تلمع في عين الحياة المدنسة، فليدع الشعر وما له أن يمارسه.
لقد عرفت الحياة في صمت القبر، وأبصرت الغروب في إشراق الفجر. واستروحت الحرية على القسر والقهر، وانتظرت الأمل عند قمة اليأس الوعر.
فعلى الشاعر أن يغوص من الحياة حتى الأعماق، وليستشرف إلى جميع الآفاق، كاشفا عما يستشعر بصراحة عارية عن كل وفاق أو نفاق.
أيها الشعراء! ألا فلتشاركوا الرب في فعل الخلق، واستلهموا الوحي في إيماض البرق، ثم فيضوا بالشعر من قاني العرق.
وكل شعر إذا مرآة لنفس، لا ترف إلا من نور الحس، وإن استضاءت بجناب القدس.
وها هي ذي مرآة نفسي، ليس فيها إلا ما في نفسي: من مفاتن نعيمي ومهاوي بؤسي؟

المصدر: نظرية الشعر/ 5- مرحلة مجلة شعر - القسم الثاني: مقالات/شهادات/ مقدمات - تحرير وتقديم : محمد كامل الخطيب. منشورات وزارة الثقافة - دمشق،1996 (عن) مقدمة ديوان : مرآة نفسي. عبد الرحمن بدوي:1946 - مكتبة النهضة.

فبراير سنة 1946.