(1)
يسود، اليوم، اعتقاد بأن الشعر لم يعد ديوان العرب ولا الكتاب الأول لقارئ في العالم. ويذهب أصحاب هذا الاعتقاد إلى اعتبار كل عمل شعري -حتى قبل قراءته- عملاً خاسراً. لكن هذا - في نظر الشاعر على الأقل- اعتقاد بائس. فالشعر كان وما برح الأصدق شعوراً، حتى عندما يكون الأكذب فنا. والشعر هو الأقرب إلى الفطرة، حتى عندما يبلغ أعلى درجات الكمال و التعقيد الفني، والأقرب إلى أرواح الناس حتى عندما يبدو لهم غريبا. وما الشعر، في أول الأمر وآخره، إلا ذلك القدح العبقري للشعور وهو يسطع في كلمات الشاعر، وتجعل منه موهبته الخلاقة أثراً فنياً خالصاً.
الشعر في قصيدة و هو ذلك العمل الفني الدقيق إلى درجة الحذاقة و المبتكر المفاجئ. انه الرائع كالفتنة و الخلاق كالسحر. نضر كالصحة، وآسر كالفتوة. وهو في تشكيلاته وصوره الفنية ذلك الحدث المدهش كقوس قزح على أوتستراد معاصر.
والقصيدة عمل ينتمي إلى التقائية، وينتمي إلى القصد معاً، فهي أثر جرئ من تدفق الحرية، وبناء من الكلمات.
(2)
تولد مجلة (القصيدة) - و العالم العربي في حاجة ماسة إليها- لتواجه تحدياً مزدوجاً: نشر الشعر الجديد، و إعادة النظر بما سبق من شعر وما سبق من فكر حول الشعر.
لماذا (القصيدة) وليس (شعر) اسماً لمجلة شعرية عربية جامعة؟ سؤال تردد، وقبل أن نجيب عنه لابد أن نشير إلى أن تاريخ الشعر العربي الحديث عرف مجلة شهيرة بهذا الاسم أسسها في أواسط الخمسينات الشاعر يوسف الخال، وكانت تجربة فريدة في تاريخ نشر الشعر و الاحتفاء يه.
أما لماذا (القصيدة) فلأن المقصود هو التركيز على ذلك القوام الفني الذي أسمه (القصيدة) و الذي شهدت صيغه المتغيرة خلال نصف قرن هجمات التجريب عليها وصولاً إلى صيغ أجدّ فنياً.
(3)
مجلة (القصيدة) تلزم نفسها بنشر كل قصيدة تمتلك مقومات فنية جيدة، وتكون قصيدة مبتكرة بصرف النظر عمن يكون شاعرها، أهو من المعروفين و المشاهير أم المجهولين، فالضوء في القصيدة هو الهادي إليها.
والشعر الذي ستنشره المجلة وتدعو إليه هو ذلك العمل اللغوي والتخيلي الصادر عن موهبة أكيدة تتمنع بخيال طليق وروح حرة، انه أيضاً المقبل من قدرة على قرن التجريب واللعب بالتماس الحقيقي مع الواقع و العصر.
باختصار شعر التجربة و الخبرة.
نقول هذا مع معرفتنا المسبقة بأن الشعر المهم، الشعر القوي، الشعر العالي هو حدث عصيّ ونادر، ولا يكون الشعر حدثاً نادراً إلا إذا فاق الزمن، وصار لا زمنياً، إذا ذاك نحمله معنا من عصر إلى آخر. هذا طموح نرجوه، فهو الهدف.
(4)
و (القصيدة) إلى هذا وغيره، ولدت لتتعامل مع الكتابة الشعرية العربية الجديدة بانفتاح، ولتؤكد حقيقة أن لا قديم وجديد في الشعر بالمعاني الزمنية الضيقة مادمنا نستطيع أن نقرأ أمرؤ القيس في مساءات 1999، فالشعر الكبير جديد\ دائماً. وهكذا،فقط، يكون الشعر جيداً . الشعراء يأتون ويذهبون، ويبقى الشعر. تتغير أسماؤهم ويبقى اسمه. انه الحدث الكبير في كلمات، تأريخ ما لا يمكن تأريخه إلا بالحواس. بخلاف ذلك هناك الشعر السيئ. ما أكثره، ما أكثر منابره و أبطاله و جمهوره. نعم جمهوره، لأن التربية الجمالية العربية ركيكة، و التربية الشعرية العربية سيئة بحيث أنها أطلعت لنا جيلاً من الموهوبين بالخلود قد لا يبقى منهم أحد.
لذلك سنهتم بالشعر ككيان فني يملك أن يكون مبتكراً، وفيه نفحة من شخص صاحبه. فإذا أكرمتنا القصيدة أكرمنا شاعرها، وان لم، فليسامحنا الشعراء.
(5)
أما خطة المجلة فسوف تتضح للقارئ عدداً بعد آخر، وان يكن في عناوين تلك الخطة ما يشي بطموح المجلة و استهدافاتها. فالمجلة ستعني بنشر الشعر العربي، ونشر الشعر المترجم إلى العربية، فإذا كانت خطة المجلة ستركز على الأصوات الشعرية العربية الجديدة، على سبيل إتاحة الفرصة أمام الشعراء الموهوبين لتجاور قصائدهم قصائد بقية الشعراء المنتمين إلى الجغرافيا العربية الحديثة في الكتابة، فان التركيز في الترجمة سيكون على جغرافيات شعرية جديدة كإيران وتركيا والهند وباكستان وأفريقيا واليونان ودول آسيا الوسطى و لآسيا البعيدة و أمريكا اللاتينية، لكونها في نظرنا جغرافيات أقصاها من اهتمامهم رواد التجديد العرب، أو من نسميهم في خطاباتنا اليومية (بجماعة الحداثة) بسبب ولائهم الأعمى للثقافة الغربية محصورة بالمصادر الأنغلوفونية والفرنكوفونية، و هو الأمر الذي حرم حركة التجديد الشعري العربي من الانفتاح على عوالم أخرى مجهولة و هواءات طيبات. فالعالم الشعري في نظرنا أوسع كثيراً من أن تحده حدود الغرب الثقافي، و الخطيئة الأبرز التي ارتكبها الجيل الثاني من رواد التحديث العرب من أمثال يوسف الخال ولويس عوض، والتي أسهمت في صناعة الهيمنة الثقافية الغربية، هي اكتفاؤهم بالمصادر المذكورة على سبيل تحديث النص الشعري العربي وتحديث الثقافة العربية. والسؤال الآن هو : هل أن هؤلاء (الرواد) حصروا أنفسهم بالغرب الثقافي لكونهم وجدوا أن الحداثة تغيب عن (الجغرافيات الغائبة) وأنها محصورة فقط في الغرب؟ إذا كان الجواب نعم فهذا يعني أن هذه الحداثة هي بمثابة خصوصية غربية لا تشمل العالم! لقد ظلت (الحداثة) العربية بمثابة شئ عجيب بالنسبة إلى مجتمع القراءة العربية، لكونها لم تتمكن من تقديم إجابة صريحة وعميقة عن هذا السؤال. ولقد كانت في مبتدئها، على الأرجح الأعم، حداثة متعلمين بالإنجليزية و الفرنسية، وأحيانا حداثة مترجمين سيئين إلى العربية. ونم المؤسف أنه لم يكن ممكناً لأناس (مسحورين) بالغرب أن ينفكوا من هذا السحر قبل وقوع عد\د كبير من الحروب و النكبات والمآسي والاحتلالات والتقويضات الغربية لبينات الحياة الجديدة الخجول في عالمهم العربي، قبل أن ينكشف (النموذج الساحر) عن نموذج لا يريد بالنسبة إلى العرب إلا أن يكون مهلكاً هنا تتداعى فكرة الحداثة اذا كان لا يمكن لها الا أن تكون غربية. وعلينا من هنا أن ننطلق بحثاً عن شئ آخر في الشعر كما في الحياة. من هنا تبدأ المراجعة النقدية العميقة والمؤثرة، عبر النص الشعري عربياً ومترجما، وعبر الأفكار الشعرية و النظرات التي تستجلي عالما شعرياً ليس مسموحاً لنا أن نعتبره أقل من العالم الجغرافي.
اطلبوا العلم ولو في الصين، ونحن سنطلب الشعر ولو في التبت.
(6)
شئ آخر نريده من هذه المجلة، وهو أن ندعو إلى قصيدة عربية يقف وراء جمالياتها، غنائية كانت أم تجريبية، ملحمية أم درامية، فكرٌ. فالشر الذي بلا فكر هو كالعاطفة الهوجاء. ونرى أن على الشعر العربي أن يمضي بعد سنوات التجريب إلى التسلح بالتلقائية التي يحتاجها، قبل صنعته وبعد صنعته، حتى يكون قادراً على النفاذ إلى المشاعر وامتلاك الخيال، و التحقق عبر الابتكار الفني، والتطلع إلى ذروات جديدة من العالقة مع اللغة ومن التطلع الرؤيوي في العلاقة مع الوجود، على سبيل تجاوز الأسئلة الواهمة، أو المزيفة التي تقادم عليها العهد في ثقافتنا، وصولاً إلى أسئلة جمالية وفكرية تضيق الفجوة بيننا وبين عالمنا الإنساني وخبراته الجمة.
سنعبر على الأسئلة التي ارتبطت بالمماحكات و الأوهام اليومية في الصحافة الثقافية، أكثر مما ارتبطت بالمعرفة، لنشئ المصباح بحثاً عن القصيدة الجميلة، القصيدة العالية، القصيدة المبتكرة، القصيدة الصادقة، القصيدة القادرة على بلوغ الشعور وتبليغ رسالة شاعرها.
بهذا المعنى فان (القصيدة)، أيضاً، و أساساً منبر للكشف عن الجديد الباهر، وإعادة النظر في مجمل مكونات النص الشعري الحديث، و المصطلح النقدي، وعلاقات الكتابة ،ومجتمع الشعر.
مع التجريب بلا خوف ومع الخيال بلا حدود، ومع القراءة الجمالية العالية و الاستقبال الخلاق الذي لا يفرق بيم صنيع شاعر وصنيع شاعر آخر إلا استناداً إلى الفني وحده.
وان كنا نحض الشعراء على الانخراط و المشاركة في صناعة اللحظة الإنسانية، فإننا نؤمن أيضا، أن الشعراء في عزلاتهم الجمالية النقية، واقترابهم الجوهري من روح الناس في كل وقت، إنما يتوارثون قيم الجمال و الصدق و الحرية ويورثونها في كل بقعة من أرجاء الجغرافيا العربية الممزقة، ولشوف يفخر الشعراء الأصلاء عندما يدركون أن القوى المضادة للشعر (هي نفسها القوى المضادة لوجود الإنسان) لم تتمكن، بكل ما وهبت من غطرسة، وبكل ما حققت من اختراق للضمير الثقافي في برهتنا الزمنية العصيبة، من سحق الشعري وإخضاعه، ولا يمنعنا هذا من الإشارة إلى سقطات وتواطؤات خفية من جانب بعض الشعراء مع السطل، لكن الشاعر العربي مقيما في بلاده أو هارباً منها، أو مشرداً بعيداً عنها في أربع جهات الأرض ما يزال شخصاً مقاوماً بالمعنى الجمالي والإنساني العميق للكلمة. وهذه المجلة، على المنقلب بين الألفية الثانية و الألفية الثالثة هي مجلة الشاعر أينما حل، لعلها تكون بين عوالم كل منها يسبح في فلك إنساني وجمالي يوسع من أفق الشعر ليكون أفق الوجود.
نيقوسيا - خريف 1999