علي بن سليمان الرواحي
(عمان)

(بول كلي)يمر العالم بأسره، بأزمة معنوية طاحنة،غير مسبوقة، وهي لا تقتصر على مجال دون الآخر، فهذه الأزمة شاملة، متشعبة. هذا ما تثبته الأحداث المتتالية، والوقائع المتسارعة، على جميع الأصعدة، والمجالات. تراهن هذه الورقة، على أن أهم أسباب هذه الأزمة، هي أزمة التعاطي مع الأفكار، والتعامل معها. سواء كانت هذه الأفكار، أفكار الذات أم أفكار الآخر. بطبيعة الحال، لا تتناسب أفكار الذات مع أفكار الآخر، وإلا أصبح الآخر ذاتا. وانتهت هذه الرغبة السادية، في التعامل مع الآخر. هذه الرغبة المتعطشة، للإقصاء، والإلغاء، على المستويين الجسدي، والمعنوي. لذلك المنافس أو المتطلع للمنافسة.

احتمالات المعنى:-
المعنى حجر نرد لفظي. متقلّب، مفاجئ، مختلف، يرفض السكون. والصيرورة التاريخية، هي التي تمارس عليه تلك الحيل المعنوية. فهي تقلبه، على جميع جهاته، تشرقنه، وتغربنه. وهي تذهل المتلقي، وتقلب توقعاته، تفاجئه الى حدود الإزعاج.ولذلك يأتي مختلفا، مغايرا، للحظاته السابقة، ولولادته الأولى. فهو (المعنى) يأخذ في فترة نموه، العديد من المعاني، والاحتمالات. أحيانا مع المنتج ضد المتلقي، وأحيانا مع المتلقي ضد المنتج، وأحيانا اخرى ينفرد بعزفه الغير مألوف. فيتجه الى وجهات غير معلومة، والى سياقات مجهولة. ولأن للمعنى ولادات، وللصيرورة التاريخية تأثيرات، يتضمن ذلك تأثير وتأثر، وسياقات، وخلفيات باعثه، تنتج المعنى وتهمش الضد والنقيض. فأن الرغبة في امتلاكه، ازدادت، وتعاظمت، وسخر لها من الطاقات والإمكانيات، مما يجعل المرء، حائرا في، طرق التفكير، وأساليب التدبير، ورغبة التدمير. ورغبة الامتلاك المعنوي، ليست بلا تضحيات، وليست بدون شروط، وفي المقابل هي، ليست بدون نتائج، وآثار. تأتي هذه الأسباب مجتمعة، تحت هيمنة الآخر أيا كان، وتحت سطوة الند بدون تحديد لهويته، وأساليب اختلافه.فالذات بلا آخر منافس لها، تفقد حركتها، واستمراريتها. لتتجمد، وتتحجر. لتصبح ذاتها آخرا. فتنتقل رغبة الامتلاك، من تنافس مع الآخر، الى تنافس مع الذات. فالذات تصارع، تهاجم، تتعارك، مع ذاتها حسب تطور حركة التعامل. لتأتي النتيجة : الذات صريعة الذات.
لا يسلم المعنى، من انتهاكات، واختراقات، جائزة وغير جائزة، بحق أو بدونه. وذلك عائد لنتائج امتلاكه، وآثار الهيمنة عليه. فهو يرفعنا لنرتفع به، وينزّلنا لننزل به، وله. يذهب بنا للنعيم تارة، و للجحيم تارة اخرى. يتلوّن كما نريد أو نرغب، ونتلّون كما يريد هو أو يرغب. يمارس علينا لعبة الأسئلة، وننخرط معه في مآزق الا جوبه.لذلك فهو مشاع، بدائي، للجميع، مستعصي على التملّك. وهو في المقابل، خاص، فرداني، قمة في الأنانية. لا يأتي من جانبين، أو من فاعلين، بل لكل فاعل معناه، ولكل مفعول معناه.

تجليات المعنى:-
يتجلى المعنى هنا ، كالسراب. نراه ولا نلمسه. نلهث وراءه، ولا نلحق به. يقودنا الى غياهب المجهول، متوهمين انه يتجه بنا للمعلوم. يتحربن، يتخفى، يتظاهر. يأتي كما نريد ومثلما نكره.
نلمس النتائج المترتبة، على امتلاك المعنى من خلال هذه الصراعات، وتلك النزاعات. قديمها وحديثها. مقدسها ومدنسها. ما يستند على أساس متعالي. وما يتوكأ على أساس متوازي. تدور هذه النزاعات، في ظاهرها السطحي، حول أمور متغيره، وقضايا متبدلة، وهي بأسماء مختلفة، ونعوت متباينة، أضفى عليها الكائن البشري، آيات التقديس حينا، وإشارات التدنيس حينا آخرا. تأتي أحيانا تحت مسمى الدين، ونصرته، والإعلاء من كلمته، والتضحية لأجله، بكل ما تملكه اليد وما لا تملكه. لا فرق هنا بين دين سماوي، أو دين وضعي. فالمقدس يبقى مقدساً، وله أنصاره وأعوانه، قد يتقلصوا، وقد يتمددوا، حسب حرارة الطرح الإيديولوجي. وتأتي أحيانا، على شكل الدولة، أو الأرض/المأوى. وهي موطن النشأة الأولى، ومكان التحليق لمتاهات الحياة، ومنحدراتها. وهي الا رضيه الصلبة، لمنشأ الطموحات، وانبثاق التطلعات. تتجلى هذه الصراعات ثالثا، على شكل الدالة الثالثة / الدنيا.وهي الموئل الأكبر، للمغريات، والمؤثرات، في الدالة الثالثة تجتمع النقائض، وتتقارب المتنافرات، لأهداف كثيرة، ومطامح متعددة.
هذه هي الأشكال الثلاث الأبرز، للصراعات والحروب، وهي في حقيقتها، ليست الا أشكال ، ودوافع، تتجلى على شكل أقنعه مقدسه كالدين والدولة، واقل تقديسا، كالدنيا ومغرياتها. لكن في عمق هذه الأشكال، وتحت هذه الاقنعة، نجد المبرر الحقيقي والأكبر لكل ما يجري، أمام أعيننا، من خلال الوسائط المتعددة، التي عن طريقها تصلنا الأفعال، وردودها. والمقصود بالمبرر الحقيقي والكبير هنا : المعنى.

استثمارات المعنى:-
لا يتجه المعنى، اتجاها آحادي الجانب، سواء أكان سلبيا أم ايجابيا. بل هو يتعدد، يتشعب، ويتناسل، حسب السياق العام الموازي لنموه، ونشأته.
الكائن البشري، هو الذي يخلق المعنى، يوجهه، وأحيانا يؤدلجه، يضفي عليه أفكاره، ويسقط عليه أوهامه. يحتفي به حينما ينفذ مآربه، يطمسه عندما ينقلب عليه.
المعنى إذن رهين المحبسين، الكائن البشري، والسياق. قد يصبح المعنى خلاقا، حينما يوجهه الكائن البشري، نحو الأهداف النبيلة، والغايات السامية. ويساعد في ذلك السياق العام الموازي لنشأته، ونموه. مما يجعل المعنى المضيء يلد معان اخرى مضيئة،تشع على ماحولها، وتنير جنباتها. لتتناسل وهكذا. وفي المقابل يصبح المعنى خافتا، منزويا، لا ينتج الا التهميش، والإقصاء، للذات والآخر. وفي الحالتين، يعبر عن حالة من الاستثمار السلبي والايجابي، على التوالي.

إفلاس المعنى:-
يصاب المعنى بالإفلاس، على غرار الاسواق المختلفة. وذلك حينما يقل الطلب عليه، في مقابل زيادة معروضات الاستهلاك. وهذه المعروضات الاستهلاكية، تتصف بسهولة، الوصول إليها، والاستحواذ عليها. في حين أن المعنى، مرهق، متعب، عنيد، لا يسلّم نفسه الا لمن يريد، أو بمعنى اصح، الا لمن يستحوذ على أدوات الامتلاك، وأساليب الهيمنة، وطرق السيطرة. في الأيام العصيبة، من تاريخ الأمم والشعوب، وبشكل اخص، عندما تتعرض هذه الأمم لانتكاسات، وانكسارات، وتحاول الخروج، منها بدون جدوى. تتكسر المحاولات، وتتحطم الجهود. لتنتج فوضى دلالية، وتخبط رمزي شديد. تختلط المسائل، وتتشابك الأولويات، لتصل هذه الجهود، لقناعة شبه تامة : إن المعنى أمامنا مفقود، والطريق أمامنا مسدود. في حين إن حقيقة الأعيان، وبصيرة الأذهان، تقول كلاما آخر. وهذه الحقيقة : إن المعنى موجود، والطريق موصود. ووجود المعنى لايعني انتفائه، ولكن قد يعني اختفائه، الآني، والظرفي. الى أن تتبصر الأذهان، وتنفض عنه غبار الأزمان. وكلمات من قبيل ( اللام عنى )، لا تنتج الا الكسل الفكري، والخمول الذهني، الذي يشعر الكائن البشري، بالراحة اللحظية، ليستيقظ على الألم الدهري. انه الأفيون الذهني. لا يمكن أن نتحدث عن (اللامعنى)، على شاكلة ( اللاشكل ) وغيرها. فالأولى تفترض، أن قولا معينا، لا يحمل أي معنى، أو لا ينبئ بأي فهم للمتلقي، لحظة تلقيه. في حين أن الافتراض، المغيّب، والمستبعد، هو أن هناك معان مختفية، وتشخيصات مبطنه، لا تتناسب وفهم المتلقي. في المقابل، إن متلق آخر، يصف نفس القول، بأنه مشبّع بالمعاني، ومحمّل بالدلالات.
القضية كل القضية، أو الأزمة، العالمية الشاملة، هي، كما أراها، هي أزمة التعاطي مع الأفكار، وكيفية التعامل معها. وان كان على السطح، مقولات مثل (صراع الحضارات) وغيرها. فهي لا تتجاوز الغلاف الخارجي، والقشرة السطحية، للأزمة.يجب أن نستبدل آليات تعاملنا مع الممارسات الفكرية، وان نغير أساليب رؤيتنا للتعاملات الحياتية. الحياة متغيره، متسارعة، على جميع الأصعدة، فلماذا تبقى طريقة، تعاملنا مع أفكارنا، ونصوصنا، ثابتة؟؟

سؤال الكيفية:-
لا يكفي أن نقول ( يجب أن...) أو (ينبغي أن...) ونترك الباب مواربا على حائط. ولكن يستلزم، أن نعقب، على هذه الدعوات، بسؤال الكيفية. الا وهو : كيف نستبدل آليات تعاملنا مع ممارساتنا الفكرية؟
في البداية، يجب أن نعلم أن المعنى، غير قابل للاستنفاذ، فهو متجدد، متفاعل أحيانا، وهو في المقابل، خامل، ساكن، وذلك يعتمد على آليات استدعائه، ووسائل بعثه، وطرق إخراجه. ولكي يأتي كما يريد الكائن البشري، وكما يريد واقعه، يستلزم ذلك البحث، عن القنوات المناسبة، للوصول اليه. وللتدليل على الفكرة الا خيره، نجد في الآونة الأخيرة كثرة الدراسات التي تعود للماضي، بهدف إثراء الحاضر، أو تعديل رؤيته، أو توجيه خط سيره. وذلك يعني إن المعنى، يتعرض لحالات كمون، ولحظات اختفاء. وهذه الدراسات، التي تقرأ الماضي، وشخوصه،وتبحث في الأمس وأحداثه، لا تخلو من دلالات مهمة، وخطيرة، وهي أن المعنى لا يسمو الا حين تتوفر الأرضية الخصبة، لنموه، ونشأته. وهذه الأرض، هي السياقات (بالجمع ) العامة الموازية. الدلالة الثانية: قوة المعنى، الذي يمتلكه السلف، والمتناثر على أديم النصوص المختلفة، نثرا، وشعرا.
الإجابة عن سؤال الكيفية، لم تأتي بعد، أو لنقل إنها متناثرة، على أديم هذا النص، المتناثر، والمتشظي. وهي بأن المعنى، ينقلب علينا تارة، وننقلب عليه تارة أخرى. باختصار: يعتمد على الكائن البشري، وسياقاته الموازية، ومنها قنوات استقباله، وكيفية التعامل معه، وآليات استبعاده وإقصائه.