آمال موسى
(تونس)

آمال موسىليس مستحيلا، أن نظفر بناقد قادر على التعاطي مع أشكال من الوعي الفني المختلفة، ولكن يبقى دائما الأمر من قبل الحالات الاستثنائية والتي تتطلب شروطا صارمة قلما تتوفر في مشروع نقدي واحد.
فالتحمس إلى رؤية معينة في الجماليات والتصويت لصالح اقتراح جمالي بعينه، عادة ما يتطلب تورطا وتواطؤا يقتاتان من المبالغة الايجابية والتحمس الذي يضاهي الاعتقاد في دين ما. ذلك أن الممارسة الواعية للإبداع تعني إيمانا بمبادئ وعي فني خاص وقبول الدخول غير المشروط في لعبته الفنية.
لا شك أن لقصيدة النثر شعراء مبدعين ومنظرين مؤمنين بها، وأيضا جمهورا يحمل انتظارات كبيرة وكثيرة من هذه القصيدة ومن الشعراء الفاعلين فيها فعل الإبداع المدهش والمفاجئ، ولكن هناك ظاهرة لافتة للانتباه، مفادها أن عددا لا بأس به من النقاد الكبار في السن وفي القيمة النقدية والمتمسكين إلى حد الهوس بالمشاركة في كافة الندوات النقدية العربية، هؤلاء مصابون بازدواجية فنية تعكس سيطرة الجانب النفعي في التعامل مع الشعر.
وتتجلى هذه الازدواجية على أكثر من صعيد: فهم لا يؤمنون إطلاقا بقصيدة النثر ولا بشعرائها ويعتبرونها قصيدة لقيطة، إضافة إلى كونها جناحا مهما من مؤامرة الغرب ضد الثقافة العربية.
إلا أن صوت المصلحة والضعف الشديد أمام المكافآت المادية يفعلان إغراء يجعل هؤلاء النقاد يقبلون بينهم وبين أنفسهم بالدخول في حالة هدنة مع قصيدة النثر، ويبرمون معها عقد زواج متعة طيلة أيام الندوة من خلال تقديم مداخلات حول تجارب تنضوي تحت راية قصيدة النثر.
قد يرى البعض أن في موقفنا محاكمة للنوايا غير مقبولة وفارغة الحجة.
ولكن قراءة مداخلات هؤلاء النقاد وتحليل مضمون أوراقهم تفشي بنواياهم التي تعريها حالات الإسقاط الفني العديدة.
فهم يقاربون مجموعة شعرية نثرية من خلال وعي فني تتحكم فيه قوانين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، حتى أن البعض يعتمد مرجعيات من خارج مرجعيات الحداثة الشعرية، وخصوصا قصيدة النثر، فتجد من يستشهد بـ"غربال" ميخائيل نعيمة وكأنه يشم "أزهار الشر" لبودلير! وهكذا، فإن نقادا كبارا في السن وفي القيمة الفنية والذين صنعوا مجدا نقديا من خلال نقد تجارب صلاح عبد الصبور والجواهري يسقطون رغم كل مجدهم صفة الدكتور التي تسبق أسماءهم وألقابهم العائلية، في التطفل وفي النشاز وفي الخروج عن النص أو بالأحرى في الخروج عن القصيدة!
لذلك، فإن التعلق المتضخم بالمصلحة المادية والإدمان المتقدم الحالة على الحضور الدائم في الندوات النقدية والثقافية، يجعلهم أشبه ما يكونون بأشعب الذي يقتفي روائح الموائد في الأعراس كافة.
ورغم أن مسألة الفصل الفني في عالم الفن والإبداع فقيرة المعنى والتأثير إلا أنها تصبح كل المعنى بالنسبة إلى الذين شابوا وشاخوا وكبروا على وعي شعري معين قام بتشكيل ذوقهم ووعيهم. بل أن رضوخهم لأمر واقع الشعر اليوم والاحتفاء النسبي والمتفاوت بالشعر الجديد سيحقق لهم خسارة مزدوجة; الأولى فشلهم في التعاطي مع وعي شعري فني مختلف عن وعيهم، وهو ما يطرح استفهامات حول دواعي تعاطيهم مع قصيدة يكفرون بها في سرهم وبوحهم الحميمي.
أما الخسارة الثانية، فتتمثل في أن قصيدة النثر ستتضرر من قراءات نقدية محسوبة عليها، في حين أنها تعبير صارخ عن الإمعان في سوء فهم قوانينها الخاصة التي بصدد التشكل، لذلك لا بد من اللجوء إلى أصحاب الشأن النقدي الخاص بقصيدة النثر تماما كما يتم التوجه مباشرة إلى شعرائها.
فكما أن الشعر أشكال ورؤى، فإن النقد كذلك أشكال وتوجهات وربما هنا تقع المسؤولية الأولى على منظمي الندوات الأدبية في العالم العربي، إذ أنه لولا افتقارهم للدراية الكافية بالخريطة الشعرية والنقدية لما حصل هذا النشاز، الذي يبوح لأول وهلة بحدوث فوضى عارمة في الوعي المنظم والوعي الناقد والوعي المتقبل!

Amelmoussa@yahoo.fr