ادونيس
(سوريا)

ترحلٌ آخر, ضفافٌ أُخرى

ادونيس1 - الحِلْف

أظن أنني رأيت أرضاً تدور, خلافاً لأرضنا - الأمّ, في جسد تلك المرأة.
وخيّل إليّ, فيما أنظرُ إليها, أنّني أبني كاتدرائيّة وصلٍ فوق أسرارها, بأعمدةٍ من الكلمات أسكبُ عليها ندىً يجيء من غيم الطّبع.
خُيّل كذلك إليّ أنني أعيش, فيما أنظر إليها, لحظاتٍ نسيت فيها من أين يقبل اللّيل وكيف يرتطم النهارُ بسريره, تاركاً جراحي عاريةً ترفرف عليها أجنحتي.
لا أجنحةَ لي.
وكان حلفٌ يُعقد بيننا, كمثل الحلف الذي يعقد بين رأس اللغة وقرنِ الشيطان.

2 - امرأة

ترسمُها المصادفة, وجراحُها لون أوَّل في هذا الرسم. هكذا لا تحظى بالحياة إلاّ بين شكلٍ للعذاب وشكلٍ للموت. هكذا لا ترى اسمها مكتوباً إلاّ في دفتر الرَّمل.

*

لو أنّ الماءَ ذاكرةٌ لها,
لكان أصبح, من زمانٍ, تراباً.

*

لا تَقبل أحداً إلاّ إذا التهمته.

*

لا يفاجئها أيّ شيء:
تحيا, تعمل, تفكّر, تحلم دون أن تنتظرَ أيّ شيء.

*
المِمحاةُ أجملُ وِسادةٍ لأيّامها.

*

3 - ترحلٌ آخرُ, ضفافٌ أُخرى

- 1 -

ستقولون عن الطّاهر لبيب بلغتكم العلمية (1), أيها الأصدقاء المشاركون في هذه الندوة, ما أثق أنه سيحول دون قدرتي على أن أضيف شيئاً متميزاً. هكذا أحيد عنكم, محاولاً أن أقول بلغةٍ مختلفة ما قد يجيء, كما آمل, مختلفاً. واعذروني إن كنت لا أشارككم في شيء إلا في أفق التأويل.

- 2 -

ثمة بحر خاص يمكن ان نصفه بأنه "عربيّ", داخل ذلك "الآخر" - البحر المتوسّط الذي سمّاه العرب أنفسهم "البحرَ الأبيض" و"بحر الرّوم". كأنّهم, بدئيّاً, رأوا في الزرقة بياضاً. كما لو أن بياضَ سمائهم فوق الصحراء, أو بياضَ صحرائهم, ينعكس في ماء هذا البحر ويتمازجُ معه في خلاسيّةٍ, ذكوريةٍ هذه المرة, تُقابل خلاسيّة الأنوثة, التي طالما افتُتِنوا بها, وغنّوها.
لكنّهم رأوا فيه, من جهةٍ ثانيةٍ, الآخرَ الروميَّ, وقبلوا بأن يتركوا لهذا البحر صفةً الانتماء الى هذا الآخر المختلف. اكتفوا بأن يضفوا عليه صفةً لغويّةً أكثرَ قرباً الى الفن منها الى السياسة. كأنّهم رأوا فيه الحدّ الأخيرَ لملكهم, على صعيد السيّاسة, ونقطةَ لقاءٍ معه, على صعيد الثّقافة. لم يفعلوا كما فعلَ من قبلُ أسلافُهم الفينيقيون الذين رأوا في هذا البحر, على العكس, مداهم الخلاّقَ الحيّ, سياسةً وثقافةً, ورأوا فيه مادّتهم الحضاريّة, أو لعلّهم فعلوا ما فعلوه لأنهم لم يروا فيه الفينيقيين أسلافاً لهم, أو لأنّهم كانوا قطيعةً معهم, لا امتداداً لهم.
ربّما لهذا نجد أنّ لهذا البحر العربيّ الخاصّ لغةً واحدة, وأن له أكثر من جسد, حتى عندما تكون قرطاج صورةً ثانيةً للمعنى الذي أَسَّست له صور, أو تكون الإسكندرية وأنطاكية أختين لبيروت.
"بحر الرّوم" لوحة أسطوريّة ضخمة, أفقيّاً وعموديّاً, ترقى الى عمقٍ تاريخي يرقى الى آلاف السنوات. جاورت هذه اللوحة قصصٌ عربية كثيرة, واخترقتها قصصٌ كثيرة أخرى, خصوصاً في قسنطينة وصقلية والأندلس. وكان الخلاقون - معماريّينَ, وكتّاباً وفلاسفةً وشعراءَ أشبه بالمنمنمات التي عاشت غالباً على هامش الحياة, لكن التي شكّلت إبداعيّاً, وعلى نحوٍ مُفارق, المتن الحضاريّ العربيّ.
نعرف جميعاً هذه المنمنمات, قبلَ ابن رشدٍ وابن عربيٍ, وبعدهما. لكنّنا غالباً لا نرى حياتهم بقدر ما نَرى موتهم, أي أنّنا لا نراهم إلا في الهامش الذي ترسمه السياسة. وبدلاً من أن نرى السياسةَ جزءاً من الكلّ الثقافي, نرى على العكس الكلّ الثقافي جزءاً من السياسة. هكذا يشارك أهل المتن أنفسهم في الخلل الذي نتدحرج تحت عربته الجارفة, منذ حوالي خمسة عشر قرناً. وها يستطيع كلٌ منا, اليوم, أن يرى كيف نتدحرج, وأن يرى كيف أن الفراغ الذي نهوي فيه كيف يزداد تضخّماً وهولاً, يوماً يوماً.
اسمحوا لي إذاً في هذه اللحظة, الآن, في هذه القاعة, أمامكم جميعاً أَلاّ أرى السياسة إلا بوصفها, حصراً جزءاً من الثقافة, أن أقول تِبعاً لذلك: لا يمكن السياسة أن تكون حرّةَ وعظيمةً إلا إذا نهضت على ثقافةٍ حرّةٍ وعظيمة. اسمحوا لي, في ضوء ذلك, أن أرَى في كلٍ منكم منمنمةً ثقافيّةً تكمل المنمنمات السّالفة حتى عندما تناقضها, وتتوحد معها حتّى عندما تفترق عنها. ذلك أن الكثرة في الإبداع إنما هي وحدة. ذلك أن الاختلاف في الإبداع إنما هو ائتلاف.
وفي البدء كانت الكثرةُ, لا الوحدة.
اسمحوا لي أخيراً أن أعبّر عن غبطتي في كوني أُشارككم الاحتفاءَ بواحدةٍ من هذه المنمنمات اسمها الطاهر لبيب, الصّديق. والصّديق, كما يقول التوحيديّ, "آخَرُ هو أنت".

- 3 -

أيّها الأصدقاء المنمنمات, أو أيّتها المنمنماتُ الصّديقات, منذ أن عرفت الطّاهر لبيب رأيتُ فيه هذه المنمنمة, بذلك المعنى الذي تحدّثت عنه. هكذا التقينا في ذاكرةٍ بعيدةِ الغور, تَصل بين صورٍ وقرطاج, وتتأصّل في أسطورة الطّائر فينيق الذي لا يكاد أن يموت حتّى ينبعث من جديد. كأنّه يموت لكي يحيا. كأنّه يغيب لحظةً لكي يظهرَ وقد غيّر قميصه. كأنّ غيابه نوعٌ من الدخول في ينبوعٍ يغوص فيه, يغتسل, ثم يخرجُ واضِعاً ثوباً أكثرَ نقاوةً على جسدٍ أكثر شهوةً.
التقينا, وكان ملتقانا نوعاً من المفترقِ في الوقت نفسه. ذلك أن الاختلاف هنا, في سياق ما أقصده, مُؤسسٌ هو كذلك, كمثل الائتلاف.
هكذا, منذ التقينا رأيتُ أن ما يفرّقنا هو نفسهُ الذي يوحّد ما بيننا. رأيت فيه شاعراً, لا يكتب القصيدةَ, بتحديدها الاصطلاحي المعجميّ. فمجرّد كتابة القصيدة بهذا التحديد لا يعني أنّ كاتبها شاعرٌ بالضرورة. الطّاهر لبيب, المنمنمة, شاعرٌ بمعنى أنّه لا يرى العالم بمجرّد عيني رأسهِ الثقافيتين, وإنما يراه بعيونٍ أخرى تملأ كيانه, ترجُّ الثقافة وتتخطّاها: عين الذاكرة والقلب والحدس والحاسةِ والحبِ والصداقة. يراه بحضوره الخلاّق كمثل سنفونيةٍ كاملةٍ تظل في حاجةٍ الى مزيدٍ من الاكتمال.

- 4 -

في بيروت صار لقاؤنا طَقساً, أو يشبه الطّقس. وكثيراً, فيما كنّا نجلس معاً على شاطئ "بحر الرّوم", كنا نُعيد اكتشافنا فيه. اكتشاف البحر العربي الخاص. وكنت أتخيّله على شاطئ هذا البحر, يدير وجهه نحو قرطاج, ويرى إليها كأنها آتيةٌ إليه, في موجةٍ, كمثل إلآهةٍ يحفُّ بها زبدُ السّفَر. ثم أنظر إليه, وهو جالسٌ, فأتخيّله, كأنه ينهض ويجمعُ, احتفاءً بها, كمثل الطّفل, الأشياء المبعثرةَ على هذا الشاطئ, بين بيروت وقرطاج - أنواعَ الزّهر والنّباتات والطّحالب, أنواعَ الحصَى, وأنواع الخلائق الحيّة التي تتغلغل بين كُتَلِ الموج وذرّات الرَّمل. ولم يكن يتردّد كذلك في جَمع النّجوم تلك التي تتجلّى, بخاصّةٍ, في المرأة, أو تلك التي (تبدو كأنها) تجلس فوق صخرةٍ, أو على غيمةٍ, أو في سرير الأفُق. يَجمعها كلَّها, وينسلُ فيها خيوطاً, أو يحوّلها هي نفسَها الى غَزْلٍ ناسِجاً صورةً مشتركةً لتونس ولبنان, وجهاً مشتركاً عالياً لحياةٍ مشتركةٍ عالية. وكان يبدو في هذا كلّه كأنّه يمزج الجسدَ بالهواء, والقلبَ بالموج, والتموّج بخاصرة أُنثى.

- 5 -

ثُمّ, إذ تهدأ المخيّلة, نأخذ بالحوار حول الهويّة المنفصلة المتّصلة في قلب هذه الحركة البحريّة التي تربطُ بين قرطاج وصور, بين تونس ولبنان. وكنت أرى اليه, عبرَ حوارنا, كيف تنعكس في وجهه صورة عوليس (أوليس) لكن في طريقٍ معاكسة. فَعُوليس, كما تعرفون, عودةٌ في المقام الأخير, أمّا الطّاهر لبيب, المنمنمة, فترحُّل في المقام الأخير. أو قلقٌ, - ذلك النّوع من القَلقِ الرَّجيم الرَّحيم, الذي يَحارُ كيف يَجِدُ مُستقراً. كأنّه نقيضٌ لنرسيس, في العُمق, وإن بدا في الظّاهر أنّه تَوأمٌ له. نرسيس يعشق صورته, يتأمّلُها, سائِلاً الماءَ: من أنا؟ والطّاهر - المنمنمة نرسيس آخرُ, يرى صورته ويُحبّها, لكنه يترحلُ, يأتي ويذهب, لكي يراها حقّاً معشوقةً, سابحةً في ماءٍ آخر لا أحدّده, على ضفافٍ أخرى أتركها تبحث عن نفسها هي نفسها.

تونس 24-11-2004

الحياة- 2004/12/9