(في الذكرى الأولى لرحيله)

(أنظر الملف)

عبد الجليل علي السعد
(البحرين/الإمارات)

يوسف قاسمالكتابة في الذكرى السنوية الأولى لرحيل الفنان التشكيلي والمسرحي البحريني يوسف قاسم تجربة مؤلمة ومفرحة في وقت واحد. فقد عرفت الرجل لما كنت في الخامسة عشرة، وكنت حينذاك أدرس في الكويت، وهي الفترة التي رسم فيها يوسف قاسم صورة المستشار بلجريف بالرصاص ليؤمن مصاريف الدراسة والإنخراط في التمثيل بمصر. أذكر أن لوحات قاسم اخترقت ذاكرتي وخاصة حديثه لي في مزج اللون وتشكيل خطوط اللوحة من دون تنظير أو أستاذية، فاللوحة كانت حياة خاصة تشكل للمرحوم تكوينه وشرطه الوجودي في العالم.

كنت أزوره في عطلات نهاية الأسبوع، لصداقتي مع ابنه الفنان القدير يعقوب يوسف قاسم "توفي في بداية السبعينات بسرطان الدم في لندن"، وكانت زيارتهم حدثا أترقبه بشوق إنهم يمثلون لي عائلة كاملة من الفنانين فيعقوب رسام ومحمد عازف جيد للأوكرديون وعلي ولولوة وطارق رسامون جيدون، وكان الفن هواية لم يتخصص في دراستها غير يعقوب في القاهرة وعلي في فرنسا، بينما درس محمد ولولوة الهندسة المعمارية، فكانت الشقة التي تطل على شاطئ السالمية مخبرا فنيا للإبداع التشكيلي والموسيقا والبهجة.

كان يوسف قاسم قليل الكلام عن أعماله الفنية أو ديكوراته أو مجسماته وعزفه على الكمان أو التصوير أو فن السلويت، وكان قليل اللقاءات الصحافية والتلفزيونية والإذاعية، بل إنه يهرب منها على الرغم من علاقته الشخصية برجال الإعلام كافة، وهم بدورهم يحترمونه ويقدرون فنه، حتى أنه لا يوجد له في الأرشيف الصحافي سوى لقاء تلفزيوني قدمه حسن كمال، ولقاء صحافي وثقه حسين المحروس في كتابه عن يوسف قاسم بعنوان "عين الطير".

ثم التقيت الفقيد بعد مغادرته الكويت واستقراره في البحرين وعمله في التلفزيون مصمما ومنفذا للديكورات، ثم عمله في إدارة المرور حتى سنوات قبل وفاته، وهي الفترة التي قل فيها إنتاجه بشكل ملحوظ. لكنه ظل مشغولا بالسؤال عن مدى جودة ما قدمه من أعمال تشكيلية ومدى قبولها فنيا من قبل الآخرين ورأيهم في مستواها.

لم تكن علاقتي بيوسف علاقة صداقة وتواصل لفارق العمر بيننا "ولد يوسف قاسم 1925" إضافة إلى تنقلي المستمر في عدة عواصم وزياراتي الى البحرين في فترات متباعدة، مما قلل من معرفته أكثر فنانا وإنسانا.

يوسف قاسم يمتلك مواهب عديدة، فهو تشكيلي ومصور وديكورست وماكيير وممثل وموسيقي يعزف على آلتي العود والكمان وهو ذو روح سمحة وشفافة مرهفة وخلق كريم ونفس متواضعة. عرفته نهاية الأربعينات من خلال ديكوراته الضخمة الرائعة، التي كان ينفذها لمسرحيات الأندية "نادي الثقافة" و"النادي الأهلي" والمسرحيات المدرسية ومنها الديكور الرائع لقصر الحمراء في غرناطة في التمثيلية التاريخية "عبدالرحمن الداخل"، أذكر أنه صمم بدقة نافورة الأسود وجعل المياه تتدفق من أفواهها فوق المسرح، كما جعل أعين الأسود من الكريات الزجاجية، وقد نقلت النافورة والأسود بعد العمل إلى مقر النادي، وما زلت أحتفظ بواحدة من هذه الكريات الزجاجية حتى اليوم بعد أن اقتلعتها من عين الأسود وهي زرقاء لامعة. وأتت فترة اختفى فيها قاسم يوسف عن حياتي سنوات قضاها في رحلة الرزق في السعودية والكويت ثم عاد إلى البحرين ليعمل مصمما للديكور في ورشة التلفزيون.

ولد في الفقيد بين الحارة والبحر، رفقة الصغار وصيد السمك الصغير "العفاطي" حتى كان يوم أخذه فيه والده لحضور تنفيذ حكم إعدام في قاتل، ومن تلك اللحظة بدأت علاقته بالصورة والتشكيل. إلى جانب ذلك درس الفقه والتفسير والعبادات والقراءة والعربية على يد المرحوم سالم العريض، ثم الموسيقا على يد أستاذ إيراني اسمه أجدان، وقد تفتقت موهبته في المسرح وهو في الثامنة من خلال تأديته دورا في مسرحية "ليلى والمجنون".

هذه ليست شهادة أو تأبينا، بل مقتطفات متفرقة من ذاكرتي وذاكرة من عرفوه عن قرب، ولا أعلم هل استطعت تقديم الراحل، أو إلقاء بعض الضوء على جانب ضيق من مسيرته الإبداعية، لكنها في النهاية شذرات من بناء كبير ومشرق اسمه يوسف قاسم.

الخليج
23 ديسمبر 2005